عرض الإصدار الكامل : قال صلاح الراشد


tareq_q
22-01-2005, 01:06 AM
يقول د.الراشد: إن النفس البشرية بين القوة والضعف، والإقبال والإدبار، والشجاعة والخوف، والكرم والجشع ويحصل لها ذلك بفعل مسببات مختلفة تجعل غلبة جانب ما على هذه النفس.. ومن أول ذلك أسباب تربوية ونتائج حياتية وعلوم مستقاة وسلوكيات عرض الإنسان نفسه لها حتى أصبح تحت سيطرتها وغلبتها ناهيك عن الأسباب المرضية التي لا تخفى على سبيل المثال يعتبر الخوف مسألة بالغة الأهمية في هذا الباب ذلك أن الكثير من الناس يقع تحت سطوة الخوف الذي تشبعت به انفسهم، وما كثرة مرتادي العيادات الطبية صباح مساء، للعلاج إلامثال على ذلك فالكثير يرتاد العيادات كلما سمع بطبيب حاذق للعلاج من أمراض لا وجود لها، وما الحافز إلى ذلك إلا الخوف من المرض.

وهناك من يخاف الأماكن المرتفعة فهو يحجم عن ركوب الطائرة، واعتلاء سطح المنزل، وركوب المصعد، وغير ذلك..

هناك من يخاف الموت وهناك من يخاف النار وهكذا، والمتأمل يجد المفارقات العجيبة فترى الرجل الضخم ذا القوة الظاهرة يخاف الحشرات الصغيرة أو ركوب الدراجة أو ارتياد مخافر الشرطة أو الوقوف أمام الناس متحدثاً بينما يتجاسر على ذلك الغلام الصغير، والجاهل بالنفس البشرية وربما لام الخائفين من خوفهم، والمنصف العاقل يضع الأمور في موضعها فلربما كان هذا الخوف نتيجة تجربة سيئة مر بها الإنسان فهي تتحكم فيه كلما قارب مثيلاتها.

الأمر الذي يفضي إلى سلوكيات مستغربة على نحو ما ذكرنا هذا الخوف قد يكون طبيعياً في بعض الأحيان وقد يصبح مرضياً في أحيان أخر.

ففي الحالة الطبيعية كأن يخاف الإنسان الأسد، فهذا أمر طبيعي، وقد بين القرآن خوف موسى من العصا (الثعبان) وبين القرآن حال الصحابة وأنهم بلغت قلوبهم الحناجر هذا أمر طبيعي وهو في مصلحة الإنسان إذ يجنبه الوقوع في الكوارث ويجعله يحتاط لنفسه ولولده، ولأهل بيته، ولكن متى ما كان الخوف من أشياء صغيرة أو لوهم ووسوسة فإنه لابد من العلاج.

أنواع العلاج

والعلاج على أنواع فهو بحسب الحالة فإن كانت الحالة لأمر بسيط ويتحول الخوف إلى هلع وذعر كأن يخاف الرجل من إغلاق باب الحجرة عليه فعند إذن لابد من العلاج الطبي... إن ارتياد المصحات النفسية التي أصبحت علما قائماً وكبيراً هو من رحمة الله تعالى بعباده أما الخوف الذي لم يصل إلى الذعر والهلع فيمكن معالجته بـ:

1 - تربية النفس على معاني القوة والشجاعة.

2 - التجربة والممارسة تدرجاً من الأصغر فالأكبر فالأكبر.

3 - مجالسة الأقوياء والشجعان وقراءة سيرتهم.

4 - الصبر والتصبر.

5 - تقوية معاني الإيمان بالله وثوابه على الابتلاء وحسن نعيمه في الآخرة لمن صبر على ما أصابه.

6 - اليقين أنه لن يكون في الكون إلا ما أراد الله عز وجل وأن الله تعالى يرفع السوء ويعافي.

7 - الدعاء والإلحاح على الله بالشفاء والعافية.

8 - التحصين بأذكار الصباح والمساء والنوم وغير ذلك.

9 - تجنب المنغصات والمحبطات مثل أخبار الكوارث والخيانات التي تحفل بها الصحف ووسائل الإعلام.

10 - الابتعاد عن المناظر التي تدعو للحزن والمشاعر غير الحميدة مثل ما يعرض في المسلسلات والأفلام.

11 - إراحة النفس والترفق بها واسعادها باللبس الحسن والطعام الحسن والسكن الحسن والمركب الحسن.

12 - أن يكون الإنسان عامل بناء لمن حوله بإدخال السرور على أنفسهم وتقوية الجوانب الإيجابية فيهم فلا يمر بشىء حسن دون أن يثني عليه.

13 - الابتعاد عن هدم الذات وهدم الآخرين وتسريب الحزن إلى نفوسهم.

إن ما ذكر عوامل علاج وتربية للنفس البشرية ضد عامل الخوف، ويقاس عليه العوامل النفسية الأخرى مثل ضعف الهمة والميل إلى الشهوات المحرمة والنكوص وعدم الاقدام التي على رأسها الإقبال على طاعة الله تعالى وتجنيد النفس في خدمة الدين، والدعوة ورفع الرأس بالإسلام والاعتزاز به.

الهندسة النفسية

ويقول د.إبراهيم الفقي: لقد منح الله تعالى الإنسان طاقة مهولة تتمثل في العقل البشري (المخ) هذه الطاقة لم يستغل الإنسان منها الا العشر في الألف أو المائة ألف، يستخدمها الإنسان في اكتشافاته ومعارفه فاستفاد منها الناس في الطب والهندسة والزراعة وغيرها.. والجزء الأكبر لم يستفد منها إلى الآن.

هذا العقل إما أن يكون عامل بناء للإنسان (النفس) أو عامل هدم ذلك بما يكرسه هذا المخ من تصورات تتثبت في العقل الباطن وتستدعي هذه التصورات في المواقف الشبيهة.. تصورات القوة وتصورات الضعف. الإنسان في رحلة حياة يمر بتجارب فهو عرضة للنجاح والفشل.

المؤسف أن الفشل وبخاصة إذا تكرر فإنه في الغالب يترك أثراً تراكمياً يكرسه المخ والعقل في النفس ويأتي حديث النفس المتوالي ليكمل مسيرة الإقناع للنفس بضعفها وخورها حتى تتأكد أنها لا تصلح لشيء ولن يحالفها غير الفشل.

من هنا يمكن التأكيد أن هدم النفس واشعارها بالدونية وتقليل الثقة بها ناتج عن الاستخدام السلبي لطاقة العقل والمخ.

ان الخطوات المثلى للتغلب على هزيمة النفس وانكسارها وعدم الثقة بها هي:

1 - تقدير الذات ليتذكر الإنسان ويستحضر ما حباه الله من نعم.

2 - يتذكر ويستحضر دوماً من يحبه مثل والديه وأبنائه أو أصدقائه.

3 - يعتبر ما مر به من فشل هو خبرات وتجارب ينطلق منها نحو النجاح.

4 - يحدث نفسه بأنه قادر على النجاح والتفوق وتحقيق الانجازات.

5 - ان علم الهندسة النفسية يتبنى مشروع النهوض بالنفس التي أصابها الاحباط ومضى بها نحو الدونية ويعمل على بنائها وذلك باستغلال الطاقة الكامنة في النفس، وتغيير التصورات، والاستفادة من التجارب الحياتية وتجارب الآخرين.

إن عمل تصور حسن للذات ينهض بها ويجعلها مهيأة للقيام بدورها في إعمار الأرض وإفادة الآخرين بعد أن تكون صالحة للفوز برضوان الله والقيام بما أمر به تعالى ومن التجارب ان الشخص الذي يعاني من الانكسار وعدم الثقة في النفس بامكانه أن يكرر مع نفسه قبل وبعد النوم بأخذ شهيق وملء رئتيه بالهواء ثم يطلقه بقوة ويقول بصوت مسموع عن مكتسباته وما هو بصدد تحقيقه يكرر ذلك مرات ومرات.. بهذا يبني ويرسم انطباعاً جديداً عن نفسه ويقنع نفسه بها فتعلو نفسه وتنهض.

ولا ينسى ما للإبتسامة من أثر على المخ والأعصاب وانها عامل تنفيس لقوة الغضب.

وليتعلم الإنسان فضيلة الحلم والصفح ليسهل اندماجه مع الناس بنفس طيبة.. بهذا يبني الإنسان نفسه ويبني الآخرين.

الحاجة الماسة

وينتحي الشيخ علي القرني بالموضوع جانباً آخر ليؤكد أن حاجة الناس إلى بناء النفس أكبر من حاجتها إلى الطعام والشراب، وبخاصة بناء النفس على طاعة الله وتقوى الله الذي بيده كل خير وتدبير الأمور.. سبحانه وتعالى.

ويقول إن أسباب الحاجة للبناء عدة ومنها:

أولاً: لكثرة الفتن والمغريات وأصناف الشهوات والشبهات، فحاجة المسلم الآن - لا ريب - إلى البناء أعظم من حالة أخيه أيام السلف، والجهد - بالطبع - لابد أن يكون أكبر، لفساد الزمان والإخوان، وضعف المعين، وقلة الناصر.

ثانياً: لكثرة حوادث النكوس على الأعقاب، والانتكاس، والارتكاس حتى بين بعض العاملين للإسلام، مما يحملنا على الخوف من أمثال تلك المصائر.

ثالثاً: لأن المسؤولية ذاتية، ولأن التبعة فردية {يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها}.

رابعاً: عدم العلم بما نحن مقبلون عليه، أهو الابتلاء أم التمكين؟ وفي كلا الحالين نحن في أمس الحاجة إلى بناء أنفسنا لتثبت في الحالتين.

خامساً: لأننا نريد أن نبني غيرنا، ومن عجز عن بناء نفسه فهو أعجز وأقل من أن يبني غيره، وفاقد الشىء لا يعطيه - كما قيل - لذلك كله كان لابد من الوقوف على بعض العوامل المهمة في بناء النفس بناء مؤسساً على تقوى من الله ورضوان.

عوامل البناء

ويقول: من عوامل بناء النفس: التقرب إلى الله - عز وجل وعلا - بما يحب من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، وخير ما تقرب به المتقربون إلى الله الفرائض التي فرضها الله - جل وعلا - وعلى رأس هذه الفرائض توحيد الله - جل وعلا - وإفراده بالعبادة وحده لاشريك له، ثم إن في النوافل لمجالاً واسعاً عظيماً لمن أراد أن يرتقي إلى مراتب عالية عند الله - تبارك وتعالى - وفضل الله واسع يؤتيه من يشاء. يقول صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه، كما في البخاري: «وما تقرب إلي عبدي بشىء أحب الي مما افترضته عليه، ولايزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته، كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه» ومن فضل الله - جل وعلا - علينا أن جاء هذا الدين بعبادات شتى تملأ حياة المسلم في كل الظروف والأحوال، بالليل والنهار، بالقلب والبدن، فهناك السنن القولية، والسنن الفعلية والقلبية التي يعتبر أداؤها من أهم عوامل بناء النفس، من قيام ليل، وصيام تطوع، وصدقة، وقراءة قرآن، وذكر لله آناء الليل وأطراف النهار، لاشك أن هذه العبادات تقوي الصلة بين العبد وبين ربه، وتوثق عرى الإيمان في القلب، فتنبني النفس وتزكو بها، وتأخذ من كل نوع من العبادات المتعددة بنصيب، فلا تكل ولا تسأم لكن علينا أن ننتبه في هذه القضية إلى أمور:

أولاً: الحذر من تحول العبادة إلى عادة، لأن البعض يألف بعض العبادات حتى يفقد حلاوتها ولذتها، فلذلك تراه لا يستشعر أجرها، فتصبح العبادة حركة آلية لا أثر لها في سمت أو قول أو عمل أو بناء.

ثانيا: عدم الاهتمام بالنوافل على حساب الفرائض، لأن البعض يخطىء فيهتم بالأدنى على حساب الأعلى - وما في العبادات دني - فيقوم الليل - مثلاً - ثم ينام عن صلاة الفجر، فليكن لك من كل عبادة نصيب، وعلى حسب الأهمية كالنحلة تجمع الرحيق من كل الزهور، ثم تخرجه عسلاً مصفى شهياً سائغاً للآكلين.

ثالثاً: إذا تعارض واجب ومستحب، فالواجب مقدم ولاشك.

رابعاً: التركيز على أعمال القلوب، وتقديمها على أعمال الجوارح، فالقلوب هي محل الفكر، ومحل التدبر، ومحل العلم، والقلب مع الجوارح كالملك مع الجنود «ألا وأن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» من عوامل بناء النفس المجاهدة، كل فكرة لا يصحبها مجاهدة فهي في طريقها إلى الاضمحلال والذوبان والزوال، يقول الله - جل وعلا: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا}.

والنفس كالطفل إن تهمله شب على

حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم

فجاهد النفس والشيطان واعصهما

وإن هما محضاك النصح فاتهم

إن استشعار المؤمن أن الجنة محفوفة بالمكاره يتطلب منه طاقة عالية متمثلة في همة عالية تتناسب مع ذلك المطلب العالي، للتغلب على تلك المكاره التي حفت بذلك المطلب العالي، ألا وهو الجنة.

ها هو (ثابت البناني) - عليه رحمة الله - يقول: تعذبت بالصلاة عشرين سنة، ثم تنعمت بها عشرين سنة أخرى، والله إني لأدخل في الصلاة فأحمل هم خروجي منها، لاشك والله أن هذا نتيجة مجاهدة وصل بها إلى الهداية من الله - جل وعلا - ويقال (للإمام أحمد): يا إمام متى الراحة؟ فيقول- وهو يدعو إلى المجاهدة -: الراحة عند أول قدم تضعها في الجنة. أي والله إنها الراحة الأبدية التي يستعذب كل صعب في سبيل الوصول إليها. وأعظم المجاهدة مجاهدة النيات «فإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل أمرىء ما نوى» والعمل بغير نية عناء، والنية بغير إخلاص رياء، والإخلاص من غير صدق هباء {وقدمنا إلى ما عملوا فجعلناه هباء منثورا} يأتي أناس يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة يجعلها الله هباء منثورا مع أنهم كانوا يصلون مع المصلين، ويصومون مع الصائمين، ولهم من الليل مثل ما للمصلين وما للمخلصين، لكنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها، أمام الناس عباد زهاد نساك، لكن إذا خلوا ظنوا أن الله لا يعلم كثيراً مما يعلمون، فالنية النية.

ها هو صلى الله عليه وسلم يتجه إلى تبوك من المدينة بجيش قوامه ثلاثون ألفاً في صحارى يبيد فيها البيد، ويضيع فيها الذكي والبليد، وقت عسرة ووقت شدة، حر ودنو ثمار المدينة، ومشقة عظيمة في سفرهم بلغت فوق ما يتكلم المتكلمون، حتى إن عمر - رضى الله عنه - ليقول: لقد أصابنا عطش شديد حتى ظننا أن رقابنا ستتقطع من شدة العطش، حتى إن الرجل لينزل عن بعيره، فينحره فيعتصر فرثه ثم يشربه الحال هذا بعضه. وعندما قفلوا راجعين منصورين، يقول النبي صلى الله عليه وسلم بعد هذا التعب العظيم قال: «إن بالمدينة أقواماً ما سرتم مسيراً، ولا قطعتم وادياً، ولا وطئتم موطئاً يغيظ الكفار إلا كانوا معكم، حبسهم العذر قالوا: يارسول الله صلى الله عليه وسلم وهم بالمدينة؟! قال: نعم، وهم بالمدينة «إنهم - ولاشك - أقوام حسنوا نياتهم. جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: يارسول الله زاد وراحلة، لا نملك ذلك، فيقول صلى الله عليه وسلم: «لا زاد ولا راحلة» {تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون} فبحسن النية بلغوا ما بلغ أولئك الذين سمعتم ما حصل لهم، ولذلك يقول الإمام أحمد موصياً ابنه: يا بني انو الخير، فإنك لا تزال بخير ما نويت الخير فالنية النية، والإخلاص الإخلاص، فهى من أهم عوامل بناء النفس وتزكيتها، وكل ما لا يراد به وجه الله يضمحل.

ثم ليعلم أن للإخلاص علامات. اعرض أعمالك عليها، واختبر نفسك، وجاهدها وهي على سبيل المثال لا الحصر.

أولا: استواء المدح والذم، فالمخلص لا يتأثر بمدح مادح، ولا ذم ذام، لأنه جعل الهم هما واحداً، وهو إرضاء الله رب العالمين وكفى.

ثانياً: نسيان العمل بعد عمله، ويبقى الهم واحداً، هل تقبل هذا العمل أم لم يتقبل؟ و{إنما يتقبل الله من المتقين}.

ثالثاً: الحب في الله. حباً يزيد بالبر لكنه لا ينقص بالجفاء، وإنها لكبيرة إلا على الذين هدى الله.

رابعاً: إخفاء ما يمكن إخفاؤه من الطاعات، خوفاً من دواعي السمعة والرياء، فمن استطاع منكم أن يكون له خبيئة من عمل صالح فليفعل.

لقد كان الرجل من أسلافنا يجمع القرآن ويحفظه وما يشعر به جاره، ويفقه الفقه الكثير وما يشعر به الناس حتى يُسأل ويصلي الصلاة الطويلة والضيف في بيته ولا يشعر، بل إن أحدهم ليدخل مع زوجته في فراشها ثم يخادعها كما تخادع المرأة صبيها، فإذا نامت سل نفسه، ثم قام ليله كله {تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون} ما جزاؤهم؟ {فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون} يقول أحد السلف: لقد أدركنا أقواماً ما كان على ظهر الأرض من عمل يقدرون على أن يعملوه في السر فيكون علانية أبداً، يجلس الرجل منهم في المجلس المعمور بذكر الله، فتأخذه الخشية، فتأتيه العبرة لتخرج فيردها، فإذا خشي خروجها خرج من مجلسه خوفاً من دواعي السمعة والرياء. يصوم أحدهم يوماً ويفطر يوماً لمدة أربعين سنة لا يعلم أهله به، كان حمالاً - يعمل حمالاً - يحمل غداءه معه في الصباح فيتصدق به في الطريق على أحد المساكين، ويرجع في المساء ليتعشى مع أهله، فذاك إفطاره وهو عشاؤهم. بل إن ابن المبارك عليه رحمة الله - كان يجاهد في سبيل الله، وكان يضع اللثام على وجهه لئلا يعرف خوفاً على نيته أن يشوبها شائب من الشوائب.

المحاسبة قبل الحساب

ويستطرد: من عوامل بناء النفس محاسبتها محاسبة دقيقة، فالنفس بطبيعتها تميل إلى الشهوات، إلى اللذات، إلى الهوى، فلابد لها من محاسبة، والكل لايشك أننا إلى الله راجعون، محاسبون على الصغير والكبير والنقير والقطمير. الأعمال محصاة في سجلات محكمة لا تغادر صغيرة ولا كبيرة {يوم يبعثهم الله جميعاً فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه} {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين} {فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون} مادمنا نعلم ذلك، فمن العقل أن نحاسب أنفسنا في الرخاء قبل الشدة، ليعود أمرنا إلى الرضا والغبطة؟ لأن من حاسب نفسه علم عيوبها، وزلاتها، ومواطن الضعف فيها، فبدأ بعلاجها ووصف الدواء لها، فينمي ذلك في النفس الشعور بالمسؤولية ووزن الأعمال والتصرفات بميزان دقيق، ألا وهو ميزان الشرع. لقد عرف السلف الصالح أهمية ذلك، فحققوها في أنفسهم، ها هو أحدهم - كما أورد ابن أبي الدنيا بسنده - جلس مع نفسه ذات يوم محاسباً في آخر عمره، نظر وقلب وفكر وقدر، فإذا عمره ستون عاماً، حسب أيامها فإذا هي تربو على واحد وعشرين ألف يوم وخمسمائة، فصرخ وقال: يا ويلتاه، أألقي الله بواحد وعشرين ألف ذنب وخمسمائة، هذا إن كان ذنب واحد، فكيف وفي كل يوم عشرة آلاف ذنب؟ ثم خر مغشياً عليه. فالمحاسبة تروض النفس وتهذبها وتزيد العمل الصالح، وتولد الحياء من الله، وتلزم خشية الله {يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية}.

ومما يعين على معرفة عيوب النفس أمور: ملازمة العلماء الصادقين المخلصين العاملين الناصحين، وكذلك ملازمة الأخوة الصالحين الذين يذكرونك الله ويخوفونك حتى تلقى الله - سبحانه وتعالى - آمنا. والمؤمن للمؤمن كاليدين، تغسل إحداهما الأخرى، وقد لا يقلع الوسخ أحياناً إلا بنوع من الخشونة. لكن ذلك يوجب من النظافة والنعومة بعد ذلك ما يحمد به ذلك التخشين، فاصبر على مرارة التخشين بتعريفك بعيوبك من إخوانك لتحمد ذلك ولو بعد حين، ومما يعين على معرفة العيوب، التأمل في النفس بإنصاف وتجرد، فمن تأمل في نفسه بإنصاف وتجرد عرف عيوبها، فإن عدمت عالماً، وإن عدمت قريناً صالحاً ولم تتأمل في نفسك بإنصاف، وإن شاء الله لا يعدم هؤلاء فابحث على عيوبك عند أعدائك، واستفد منهم، فالحكمة ضالتك.

وعين الرضا عن كل عين كليله ولكن عين السخط تبدي المساويا

والكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من اتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني.

ومن أهم عوامل بناء النفس: طلب العلم المقرب إلى الله - جل وعلا - والعمل به، والدعوة إليه، والصبر على الأذى في تبليغه، أقول هذا لسببين اثنين، لأن العبادة بلا علم توقع في البدع، وما وقع المبتدعة فيما وقعوا فيه إلا عن جهل غالباً، ولأن العلم مادة الدعوة إلى الله - جل وعلا - ودعوة إلى الله بلا علم قد تضر ولا تنفع، وقد يصاحبها الانحراف والضلال.

ومن عوامل بناء النفس: المداومة على العمل وإن قل لأن المداومة على الأعمال الصالحة والاستمرار عليها تثبيت وترويض للنفس البشرية لمواجهة أعباء الطريق وتكاليفه، وصرف لمكايد الشيطان ونوازعه، ولذا لما سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: «أدومها وإن قل» كما روى البخاري، ويقول صلى الله عليه وسلم «أديموا الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد» فإذا عود المرء نفسه على الفضائل انقادت له - ولاشك - وإذا تهاون فأقدم مرة وأحجم مرة كان إلى النكوص أقرب، والشيطان إذا رآك مداوماً على طاعة الله عز وجل فبغاك وبغاك، فإن رآك مداوماً ملك ورفضك، وإن رآك مرة هكذا ومرة هكذا طمع فيك، فداوم على الطاعات، فإن الله من فضله وكرمه أنه إذا جاء ما يصرفك عن أداء الطاعات من عجز ومرض وفتنة، فإن الأجر يجزيه الله - تعالى - لك كما كنت صحيحاً كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم كما في البخاري «إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحاً» فضلاً من الله ونعمة فله الحمد.

من عوامل بناء النفس مجالسة من رؤيتهم تذكر بالله - عز وجل - فمجالستهم تريك ما في نفسك من قصور وضعف وعيوب، فتصلحها وتهذبها، فهم زينة الرخاء وعدة البلاء يذكرونك إن نسيت، ويرشدونك إن جهلت، يأخذون بيدك إن ضعفت، مرآة لك ولأعمالك، إن افتقرت أغنوك، وإن دعوا الله لن ينسوك «هم القوم لا يشقي بهم جليسهم» من جالسهم وأحبهم أذاقه الله حلاوة الإيمان التي فقدها الكثير، وأحلوا بدلا منها حب المصلحة التي تنتهي بنهاية المصلحة، إذا رأيت هؤلاء خشع قلبك، واطمأن وسكن ووصل إلى ما وصل إليه سلفنا - أحياناً - يوم يجد أحدهم حبيبه في الله، فيتهلل وجهه بشرا وفرحاً، ويفيض دمعه حينما يرى أحد جلاسه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فإذا ظفرت - أخي - بمجالسة مثل هؤلاء فأحبهم وأخبرهم أنك تحبهم واطلب منهم في حال الفراق في ظهر الغيب، وأطلق وجهك عند لقائهم، وابدأهم بالسلام، ونادهم بأحب الأسماء والكنى لديهم، وافسح لهم في المجلس، وزرهم بين آونة وأخرى، فالثمرة اليانعة لمجالسة من يذكرونك بالله يقصر العبد عن إحصائها، ويكفي أنها تجعلك تذوق حلاوة الإيمان، وتدخلك في السبعة الذين يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا} ومنها طلب الوصية من الصالحين يوم يقيض الله للمرء رجلاً صالحاً يعظه، يثبته الله وينفعه بتلك الكلمات، فتنبني نفسه، وتسدد خطاه يوم يتعرض لفتنة أو بلاء من ربه ليمحصه به.

ومنها الخلوة للتفرغ للعبادة، والتفكر في ملكوت الله والاستئناس بمناجاة الله عن مناجاة الخلق في قيام ليل والناس نيام، في صلاة في بيت عدا المكتوبة، في ذكر الله، في خلوة عامل مهم في بناء النفس، فإن في ذلك صفاء للذهن وسلامة من آفات الرياء والتصنع للناس والمداهنة وفيه بعد عما يتعرض له الإنسان غالباً بالمخالطة من غيبة ونميمة ولهو وضياع وقت ومداهنة، ولعل المرء في خلوة يذكر الله فتفيض عيناه من خشية الله، فيكون من السبعة الذين يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله، ومع هذا فإن مخالطة الناس والصبر على أذاهم خير - كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ولكن اخل وخالط، وكل له وقته.

الدعاء والتدبر

ويقول: منها الدعاء فهو أهم عامل في بناء النفس، إذ هو العبادة - كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ففيه الذل والخشوع والانكسار بين يدي رب الأرباب ومسبب الأسباب هو الذي يجعل من الداعي رجلاً يمشي مرفوع الهامة والقامة، لا يخضع لأحد دون الله - الذي لا إله إلا هو - وهو من صفات عباد الله المتقين الذين يعلمون أن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، فكان لسان الحال والمقال: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» هلا تحسسنا وتلمسنا مواطن وأسباب إجابة الدعاء، لعلنا نحظى بنفحة ربانية تكون بها سعادة الدنيا والآخرة، في ثلث ليل آخر، والناس هاجعون، والناس نائمون.

ومن عوامل بناء النفس: تدبر كتاب الله - جل وعلا - والوقوف عند أسمائه الحسنى وصفاته العلا {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها} {أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيرا} كلنا يقرأ القرآن، وكثير منا يحفظ القرآن، لكن هل من متدبر ربط حياته بالقرآن، أقبل عليه تلاوة وتفسيراً وعلماً وعملاً وتدبراً، منه ينطلق وإليه يفيء؟ أولئك البانون أنفسهم، أولئك الثابتون إذا ادلهمت الخطوب، أولئك المسددون المهديون إذا أطلت الفتن برأسها، فأصبح الحليم حيراناً، وإن وقفة واحدة مع أسماء الله الحسنى وصفاته العلا الواردة في كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لتبني النفس بناءً لا يتزلزل ولا يحيد، إنه السميع البصير ليس كمثله شىء إنه العليم الخبير ليس كمثله شىء، لو تفاعل المؤمن مع اسم الله السميع العليم، فربى نفسه عليها، فعلم أن الله يسمعه في أي كلمة ينطقها، في أي مكان يقولها لكان ذلك خيراً وأحسن بناء.
منقول

وجود 2
01-02-2005, 04:43 AM
جزاك الله خير طارق على طرحك المميز ونفع بك الامه .

هشام صالح
02-02-2005, 07:41 PM
الله يوفقك أخ طارق مواضيعك جداً جميلة ورااااااااااااااااائعة

tareq_q
28-02-2005, 04:40 AM
الأخوة الافاضل :

وجود 2

هشام صالح

شكرا لمروركم العطر ...

مع اطيب تمنياتي لكم بالصحة والسعادة

marolin99
28-02-2005, 09:49 AM
اخي القدير طارق

والنفس كالطفل إن تهمله شب على

حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم

فجاهد النفس والشيطان واعصهما

وإن هما محضاك النصح فاتهم


سلمت يداك على ما انتقيت لنا

موضوع روعة ومهم ومفيد

وضروري ايضا لمن اراد الاستفادة

جزاك الله كل الخير

ننتظر منك كل مفيد كما عودتنا

اختك ***

tareq_q
23-04-2005, 12:38 AM
رائعة المنتدى : مارولين ...

مرورك على الموضوع وتعليقك زاده جمالا ...

بارك الله بك ولا حرمنا الله منك

أرق التحايا