المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : عبقرية الحضارة العربيـــــــــــــة


خالد الحارثي
12-02-2002, 01:27 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

اخوتي الأحبة ..

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بقلم : د‏.‏ مرسي سعد الدين

قرأت في الصحافة أن إحدي قنواتنا التليفزيونية تنوي انتاج سلسلة من البرامج بهذا العنوان‏,‏ وعندما قرأت الخبر قفز ذهني الي عام‏1976‏ حين قرأت كتابا باللغة الانجليزية له نفس العنوان‏,‏ بالإضافة الي عنوان ثانوي مصدر النهضة والمقصود هنا هي نهضة أوروبا‏RANAISSANCE,‏ ولعل تشابه العنوان هو توارد خواطر‏,‏ ولكن حين رجعت الي نسختي وجدت فيه مصدرا غنيا ودقيقا وعميقا للحضارة العربية ودورها في إثراء حركة النهضة في أوروبا‏,‏ وقد صدر من هذا الكتاب عدة طبعات‏,‏ كان آخرها عام‏1992,‏ بالإضافة الي أن إحدي الدول العربية البترولية لعلها الكويت أو السعودية‏,‏ قامت بترجمة الكتاب الي اللغة العربية‏.‏
والكتاب صادر عن دار النشر التابعة لجامعة نيويورك‏,‏ وإن كانت شركة موميل هي التي قامت بتمويل إصدار هذا الكتاب العظيم‏,‏ الذي يعد بحق من أكثر المراجع ثراء‏,‏ والكتاب مجموعة من المقالات ـ بل البحوث ـ بقلم عدد من الأساتذة العرب والأمريكان‏,‏ أذكر منهم مني خوري وماجد فكري أوليج جرابر وسامي عمارنة‏,‏ وقد قدم للكتاب جون بادو الذي عمل سفيرا للولايات المتحدة في القاهرة من‏1961‏ الي‏1964‏ وكان قبل ذلك أستاذ الفلسفة في الجامعة الأمريكية بالقاهرة‏,‏ وبعد أن ترك الخدمة الدبلوماسية عمل أستاذا في جامعة كولومبيا وجامعة جورج تاون‏,‏ كما كتب الخاتمة د‏.‏ إبراهيم مدكور أستاذ الفلسفة ورئيس مجمع اللغة العربية‏.‏

والكتاب يحتوي علي عشرة فصول تبدأ بوصف العرب وحضارتهم قبل الإسلام‏,‏ ثم نجد مقالات عن الأدب والفلسفة والتاريخ والعمارة والفن والموسيقي والعلوم الأساسية وعلم الحياة والتجارة‏,‏ وتعد المقدمة تعريفا بديعا لظهور الحضارة العربية وتطورها‏,‏ وسأحاول أن ألخص بعض ما جاء في هذا البحث القيم‏,‏ يقول بادو إن العالم العربي جديد وقديم‏,‏ إنه جديد من ناحية الزمن أي إنه لم يظهر إلا من سبعين عاما مضت‏,‏ من وقت سقوط الامبراطورية العثمانية‏,‏ وهو جديد في هويته السياسية وفي تكوينه‏,‏ إذ إنه يتكون من دول لم يكن لها وجود قبل الحرب العالمية الأولي‏,‏ وهو جديد في حريته في قيادة مصيره دون ضغوط الاستعمار‏,‏ وهو جديد في أهدافه ومؤسساته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية‏,‏ وفي الاقتصاص السريع لطرق حضارة العالم العلمية والتكنولوجية‏.‏
وفي هذا الجو الجديد بكل إمكاناته المستقبلية‏,‏ قد يبدو الماضي العربي بعيدا وبدون أي مغزي‏,‏ فقد حقق انجازاته منذ قرون بعيدة في عالم مختلف عن العالم الذي نعرفه اليوم‏,‏ وهناك مثل عربي يقول‏:‏ اللي فات مات‏,‏ ولكن ليس هذا هو الواقع‏,‏ فالإنسان لا يستطيع أن يتجاهل ماضيه تماما‏,‏ كما أنه لا يستطيع أن يتجاهل ميراثه‏,‏ إن الماضي يستمر في الحياة ليس فقط في صورة تاريخ‏,‏ ولكن أكثر من ذلك في طبيعة الناس وهويتهم حتي وإن كانوا غير واعين بها‏,‏ إن الماضي العربي في الحقيقة ينادي شعوبه‏,‏ ونداؤه دروس نتعلمها وثروات تستعمل في العالم الحديث وبمفهوم واقعي جدا‏,‏ إن الماضي هو مصدر النهضة‏.‏

ويستمر بادو ليشرح كيف أن الغزو العربي في القرنين السابع والثامن‏,‏ كان له تأثيره الأول‏,‏ وهو الأكثر دراميا هو خلق دولة عالمية في حوض البحر الأبيض المتوسط وفي الشرق الأدني‏,‏ أما التأثير الثاني وهو أقل سرعة من الأول وإن لم يكن أقل أهمية‏,‏ فهو ظهور ثقافة عالمية في داخل حدود هذه الدولة‏,‏ لقد كان لكل من الغزو والثقافة أثر عميق علي شكل العالم الحديث‏.‏
إن الدولة العربية العالمية تحن لنظام امبراطوري بسرعة لا تجد لها مثيلا في التاريخ‏,‏ فخلال قرن واحد من ظهور العرب في الوضع العالمي استطاعوا أن يسيطروا علي امبراطورية تمتد من جبال البرانس علي حدود فرنسا الي وسط آسيا‏,‏ لقد اتحدت اسبانيا وشمال افريقيا ومصر والأراضي البيزنطية جنوبي جبال طورس والامبراطورية الفارسية في الشرق تحت لواء واحد وكونت امبراطورية تقف مع روما في عز ذروتها‏.‏

ويثير بادو نقطة مهمة وهي أن الامبراطورية لم تستمر عربية‏,‏ إذ إنها عبر‏3000‏ عام امتدت من الشرق الي الغرب وحوت مناطق وشعوبا مختلفة‏,‏ ومن ثم كان من الصعب حكمها من مركز واحد أو بأسرة حاكمة واحدة‏,‏ ونتيجة لذلك بدأت الأراضي تنفصل وبدأ بعض المسلمين من غير العرب في تأكيد حقهم في المشاركة في الحكم‏,‏ فنري أنه في الغرب قامت اسبانيا وشمال افريقيا ومصر الي حد ما بالنضال ضد السيطرة الامبراطورية‏,‏ وفي النهاية أخذ كل منهم طريقه الخاص‏,‏ وبذلك تحولت الامبراطورية العربية التي نشأت نتيجة للغزوات الأولي الي عالم اسلامي‏,‏ وكان ذلك في العصور الوسطي كان عالما وليس امبراطورية‏,‏ عالم سياسي يحتوي علي دول مستقلة بل وأحيانا متحاربة‏,‏ ولكنها تشعر بهوية مشتركة تجعلها مغايرة للمناطق الأخري‏,‏ هوية اسلامية وليست فقط عربية‏,‏ هوية أساسها العقيدة وليست الوشائج القبلية والعنصرية‏.‏
ويقول بادو بعد ذلك إنه في داخل البنيان الإسلامي خلقت ثقافة عالمية جديدة هي النتاج الثاني للغزو العربي‏,‏ ويؤكد استعماله لكلمة خلقت لأنها تعبر فعلا عما حدث‏,‏ إذ إن ما حدث لم يكن فرض ثقافة أجنبية عن طريق الغزو‏,‏ لم تكن نفس العملية التي فرضت الحضارة الغربية علي الشرق أثناء التوسع الاستعماري‏,‏ لقد جاء العرب كقوة عسكرية مؤثرة ولكن كانت ثقافتهم الصحراوية بسيطة وغير معقدة‏,‏ ولا يمكن مقارنتها بالتراث الهلليني في الأراضي التي غزوها‏,‏ إن الحضارة الفتية الواضحة التي شكلت العالم الإسلامي في ذروته تكونت في المكان‏,‏ إنها خلقت في الدولة الحديثة وأعطت هوية وشكلا الي نظام جديد نتج عن غزوات الإسلام وانتشاره بين شعوب أجنبية‏,‏ وهذا يعني أن الإسلام لم يحاول أن يقضي علي ثقافة الدول التي جاءها كما فعل الاستعمار‏,‏ بل إن عناصر هذه الثقافة الإسلامية الجديدة كانت موجودة فعلا في داخل الحياة والتقاليد المختلفة للشعوب المغلوبة‏,‏ ومنها الأدب الكلاسيكي والفكر الهلليني والمؤسسات البيزنطية والقانون الروماني والفن الفارسي‏.‏

وفي باديء الأمر أخذ المسلمون هذه المزايا كما هي‏,‏ ولكن بعد فترة وجيزة بدأوا يطورونها ولم تكن النتيجة مجرد مونتاج لأجزاء صغيرة بل خلق نمط جديد خاص مطعم بروح جديدة ومعبر عن نظام اجتماعي جديد‏,‏ وكانت ذروة الحضارة الإسلامية‏,‏ علي حد قول بادو‏,‏ في الحكم العباسي في عام‏750,‏ وظهرت روائع الأدب العربي‏,‏ والقوانين والفلسفة والعلوم والطب وأصبح للعالم الإسلامي مكانة بين انجازات العالم الثقافية والحضارية‏,‏ ويري بادو أن ما أعطي هذه الحضارة مكانتها المميزة هي العقيدة الاسلامية الذي كان قوة عظيمة في خلق ثقافة هي في الواقع من انجازات العرب‏.‏
ويقارن بادو بين ما حدث في دول أخري‏,‏ ففي الصين مثلا ذاب الغزاة وأصبحوا في النهاية صينيين في اللغة والثقافة تصعب التفرقة بينهم وبين من غزوهم‏,‏ ولكن في حالة العرب فبالرغم من مواجهتهم بثقافات متقدمة في الدول التي غزوها وبحضارات أكثر عمقا فإنهم لم يفقدوا هويتهمو وصار الإسلام إطارا عاما للحياة البشرية‏.‏

وتأتي بعد هذه المقدمة‏,‏ البحوث المختلفة التي تبين مدي التقدم العلمي للإسلام وأثره في النهضة الأوروبية‏,‏ وليس هنا المجال لتقديمها فالمفروض أننا نعرفها‏,‏ ومع هذا الكتاب العظيم هناك كتاب آخر لا يقل عنه قيمة صدر في الستينات باللغة العربية‏,‏ وترجم الي اللغة الانجليزية وصدر منذ شهور قليلة عن مركز مطبوعات اليونسكو لحساب مكتبة الاسكندرية‏,‏ لكي يوزع عند افتتاحها في ابريل المقبل‏,‏ الكتاب بقلم نخبة من العلماء والأكاديميين المصريين‏,‏ فنجد د سهير القلماوي والدكتور محمود علي مكي يكتبان عن الأدب‏,‏ والدكتور ابراهيم بيومي مدكور يكتب عن الفلسفة‏,‏ والدكتور عبدالحليم نصر عن العلوم والطبيعة‏,‏ ود‏.‏ محمد كامل حسين عن الطب‏,‏ ود‏.‏ الصياد عن الجغرافيا‏,‏ د‏.‏ حسين فوزي عن المعارف البحرية‏,‏ ود‏.‏ جمال الدين الشيال ود‏.‏ أحمد مختار العبادي عن التاريخ‏,‏ ود‏.‏ أحمد فكري عن العمارة والتحف الفنية‏,‏ ود‏.‏ محمود أحمد الحفني عن الموسيقي‏.‏
كتاب عبقرية الحضارة العربية وأثر العرب والاسلام في النهضة الأوروبية مرجعان أساسيان لمن يريد اعداد ذلك البرنامج المرتقب في التليفزيون‏,‏ واذا حكمنا بعدد الصور في الكتاب الأول وعددها‏269‏ صورة بالألوان وبعدد المراجع التي تبلغ‏140‏ مرجعا‏,‏ نجد أن الرجوع اليهما يوفر الكثير من الوقت أولا ثم ان هذه المراجع ليس من السهل الحصول عليها‏,‏ فليتوكل المعدون علي الله ويلجأوا الي هذين الكتابين‏,‏ بقي سؤال أود أن أوجهه‏:‏ هل يقدم هذا البرنامج للمشاهدين المصريين والعرب أم للعالم؟ بمعني آخر‏:‏ هل يقدم باللغة العربية أم بالانجليزية‏,‏ من الطبيعي أن يعرف المصريون والعرب ما قدمته حضارتهم الي العالم‏,‏ ولكن الأهم من ذلك أن يعرف العالم هذه الحقائق‏.‏

الغلابة كثير
أشعر دائما بما يقاسيه الغلابة المحرومون‏,‏ وأشعر بآلامهم تحز في قلبي مثل سكين حاد‏,‏ وقد ارتبط هذا الشعور بالألم مع شعور بالذنب‏,‏ فحين أدخل أي مطعم وأتناول طعاما وشرابا أدفع فيه مبلغا محترما‏,‏ ينتابني احساس عميق بالذنب بأن ما أدفعه في وجبة واحدة يطعم أسرة لعدة أيام‏,‏ حاولت أن أتخلص من هذا الاحساس فلم أستطع‏,‏ ولعل أساتذة علم النفس في استطاعتهم شرح هذا الاحساس واقتراح وسائل علاجه‏.‏
المجتمع‏,‏ أي مجتمع به أناس يعانون ويقاسون من الفقر وقلة طعام وكساء‏,‏ وقد ابتدعنا موائد الرحمن في شهر رمضان ولكنها في رمضان فقط‏,‏ شهر واحد يستطيع فيه هؤلاء الغلابة أن يجربوا ما هم محرومون منه‏,‏ ولكن ماذا بعد شهر رمضان‏,‏ وأحيانا ينتابني احساس بأن ما يقدمه البعض من خير واحسان ليس بسبب شفقة عليهم وانما بحثا عن ثواب يمهد لهم الطريق الي الجنة‏.‏

في أمريكا وانجلترا شاهدت تجربة انسانية فريدة‏,‏ فهناك حسب القانون لا يصرح لمطعم أن يقدم للزبائن أكل بايت ويجبر كل مطعم علي التخلص مما يبقي في مطبخه‏,‏ ومن ثم فإن هناك مركبات خاصة تمر علي المطاعم كل ليلة وتجمع ما لم يقدم من طعام‏(‏ ليس الفضلات وانما الطعام نفسه‏)‏ وتدور هذه المركبات علي الغلابة الذين يفترشون السماء أو في أحياء فقيرة ويقدمون لهم وجبات ساخنة‏,‏ وكم أود أن أري مثل هذه العربات وهي تطعم هؤلاء الكناسين الغلابة وهم كثيرون‏.‏
حقيقة اننا في مصر نحب عمل الخير‏,‏ وفي تاريخنا هناك جمعيات خيرية عديدة ولكن هناك ظاهرة جديدة في انجلترا‏,‏ وهي ظهور من يطلق عليهم المحسنون الجدد وهم مجموعة من شباب الأغنياء الذين وجدوا أنفسهم فجأة من أصحاب الملايين واتجهوا الي أعمال الخير‏,‏ ويقول أحدهم‏:‏ لقد عملت ثروة طائلة‏,‏ وأريد الآن أن أرد شيئا‏,‏ لقد عاش هؤلاء الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين الثلاثين والأربعين عاما من أجل أن ينجحوا في أعمالهم‏,‏ وقد بدأوا الآن في الانصات الي صوت ضمائرهم‏,‏ هناك الصحفيون ورجال الأعمال ومحامو الشركات الكبري والمحاسبون ورجال البنوك ولاعبو الكرة‏,‏ الذين يقفون في طابور لكي يردوا شيئا‏,‏ أحدهم تبرع بمليون جنيه استرليني لشراء معدات مستشفي‏,‏ ومليونير هندي قدم الملايين لخدمة المجتمع الهندي في انجلترا في صورة رحلات للمسنين ولوريات لنقل الزبالة‏,‏ وأخيرا بناء شركة يدرب فيها شباب الهنود‏,‏ ويقول أحد هؤلاء الشبان‏:‏ لقد نجحت في عملي الذي كسبت منه الكثير خلال السنوات الأربع الماضية‏,‏ إنني لا أشعر بالذنب ولكني أشعر بأنني محظوظ وأريد أن أفعل شيئا لمساعدة الآخرين‏.‏



اخيكم الفاهم ......