عرض الإصدار الكامل : وجــهـــــــــي الحـــزيــــــــــــــن !!!


raed haidar
27-11-2004, 04:59 PM
وجهي الحزين ..

هانرييش بل * .


كنت أقف على شاطىء الميناء أتطلع الى النوارس حين لفت وجهي الحزين نظر شرطي كان يجول في المكان . كنت مستغرقاً في منظر الطيور المحلقة , أتابعها وهي تنطلق عالياً ثم تندفع هاوية تبحث دون جدوى عن شيء تطعمه .
فالميناء خرب , ولون الماء يميل الى الخضرة وتغلظه زيوت وأوساخ , وعلى صفحته القشفة يسبح مختلف من سقط المتاع . ما من مركب يرى , والروافع يعلوها الصدأ , وعنابر التخزين متداعية , وحتى الفئران بدت وقد هجرت الأنقاض السوداء على رصيف الميناء . فمنذ سنين طويلة انقطع كل صلة للميناء بالعالم الخارجي .
أرسلت بصري الى نورس بعينه وأخذت أرقب تحليقاته المتتابعة . كان يحوم متدانياً من سطح الماء , متوجساً كطائر السنونو الذي يحس قرب العاصفة . بين الحين والحين فقط كان يجسر فينقض زاعقاً الى أعلى , لينضم الى أخلاطه وينتظم في سربهم . لو كان في امكاني أن أتمنى شيئاً , لفضلت الحصول على شيء من الخبز أطعم به النوارس , أقطع الخبز الى كسرات وأعين لهذا الطيران المتخبط نقطة بيضاء , وأحدد للنوارس هدفاً تحلق اليه , وأجمع هذه الخيوط المضطربة الصارخة في خيط واحد بالقاء قطعة من الخبز , كما لو كنت أعيد تسليك عقدة من الدوبار . ولكني كنت نفسي جائعاً ومتعباً مثل الطيور . بيد أني رغم حزني كنت سعيداً . فقد كان جميلاً أن أخلو الى نفسي هنا . أدس يدي في جيبي وأتطلع الى النوارس وأستمرىء الحزن .
بغتة , بلا مقدمات , استقرت يد قوية على كتفي , وطرق سمعي صوت يقول :

" اتبعني ! " . حاولت هذه اليد أن تسحبني من كتفي وأن تنتزعني من مكاني . لكني ثبت في موضعي ونفضت اليد عني وقلت في هدوء : " هل أنت مخبول ؟ " .

فقال الرجل الذي مازال مختفياً وراء ظهري : " أيها الرفيق , اني أحذرك " .

فأجبت : " سيدي " .

فصاح بغضب : " ليس هناك أسياد , نحن جميعاً رفاق " .

ثم تقدم الى جانبي ونظر الي شذراً , فوجدتني مجبراً أن أخفض بصري الساري السعيد وأثيته في عينيه الطيبتين , كان جاداً مثل الجاموس , الذي لم يطعم شيئاً آخر غير الواجب منذ عشرات السنين .

" لأي سبب .... ؟ " أردت البدء في الحديث .
فقال : " سبب كاف , وجهك الحزين . "
فضحكت .
" لا تضحك ! " كان غضبه حقيقياً . لأول وهلة اعتقدت أنه يعاني من الملل , فليس في المكان عاهر غير مسجلة أو بحار يترنح أو لص هارب يستطيع القبض غليه . ولكني أدركت اآن أن الأمر جدي , فهو يريد القبض علي .

" اصحبني .... ! "
فسألت بهدوء : " لماذا ؟ " .

ولكني قبل أن أنتبه كان معصم يدي اليسرى محاطاً بقيد دقيق . في هذه اللحظة أيقنت أني قد ضعت من جديد . وللمرة الأخيرة أدرت نظري الى النوارس المحلقة وأجلت البصر في السماء الجميلة الداكنة وحاولت بحركة مفاجئة أن ألقي بنفسي في الماء , فقد بدا لي أن الغرق ولو وحيداً في هذا الخضم القذر أفضل من أن يزج بي من جديد في السجن أو يبطش بي رجال الشرطة في مكان ما في احدى الأفنية الخلفية . ولكن الشرطي جذبني اليه بدفعة واحدة فلم تعد لي حيلة ما .

سألت مرة أخرى : " لماذا ؟ "
" هناك القانون الذي يحتم أن تكون سعيداً . "
فصحت : " ولكني سعيد ! "
فهز رأسه : " وجهك الحزين .... "
فقلت : " ولكن هذا القانون جديد . "
" صدر منذ ست وثلاثين ساعة . وكل قانون كما تعرف يصبح ساري المفعول بعد اعلانه بأربع وعشرين ساعة . "
" ولكن لا علم لي به .. "
" لا يعفيك من العقوبة . أعلن المرسوم أمس الأول بواسطة مكبرات الصوت وفي جميع الصحف , وأولئك , وهنا نظر الي بازدراء , وأولئك الذين لاينعمون بنعمة الصحافة والاذاعة قد أعلن لهم بواسطة منشورات القيت على جميع شوارع الدولة . سوف نعرف أيها الرفيق أين أمضيت الساعات الست والثلاثين الأخيرة . "

وسحبني معه . في هذه اللحظة شعرت ببرودة الجو وكنت بلا معطف , وغلبني الجوع وقرقر في جوفي . وأدركت أيضاً أني قذر , لم أحلق ذقني , وملابسي مهلهلة , بينما هناك قوانين تحتم أن يكون كل رفيق نظيفاً , حليق الذقن , سعيداً وشبعان . دفعني أمامه كما لو كنت ناطوراً , قد قبض عليه متلبساً بالسرقة وحكم عليه بمغادرة مكان أحلامه على حافة الحقل . كانت الشوارع خالية والطريق الى قسم الشرطة غير بعيد . ورغم أني كنت أعرف أنه لن يطول الوقت حتى يجدوا سبباً ما للقبض علي من جديد , الا أني شعرت بقلبي ينقبض , اذ قادني الشرطي خلال دروب شبابي التي كنت أنوي زيارتها بعد مشاهدة الميناء . الحدائق التي كانت مغطاة بالشجيرات , جميلة من انعدام النظام , والطرق التي كانت تغطيها النباتات , جميعها أصبحت الآن مخططة , منسقة , نظيفة , معدة للقوات الوطنية , التي تعقد هنا طوابير سيرها أيام الاثنين والاربعاء والسبت . السماء وحدها كانت كعهدي بها . والهواء كان في تلك الأيام , حيث كان قلبي مليئاً بالأحلام .

من حين لآخر كنت ألمح أثناء سيري علامة الدولة الرسمية معلقة من جديد على بعض ( بيوت الحب ) لأولئك الذين كان عليهم الدور يوم الأربعاء للاستمتاع بهذه المتع الصحية . كذلك بدت بعض الحانات مخولة الآن أن تطرح علامة اباحة الشراب أمام الباب , هذه العلامة هي عبارة عن زجاجة جعة من الصفيح , مخططة بألوان الدولة وهي : البني الفاتح , والبني الغامق , والبني الفاتح . لا شك أن السرور يخيم على قلوب أولئك المقيدين في قائمة الشاربين يوم الأربعاء , أولئك الذين سينعمون اليوم بجعة يوم الأربعاء .

جميع من قابلناهم في الطريق بدت عليهم سمات المثابرة والسعي بوضوح . كان يحيط بهم غلاف الدأب والهمة الشفاف , وخصوصاً عندما وقعت أبصارهم على الشرطي وحينئذ أسرعوا الخطى , واكتست الأوجه بشعور الواجب . أما النساء اللاتي غادرن المتاجر , فقد بذلن جهودهن لاعطاء وجوههن مسحة السرور المنتظرة منهن . فقد كان من الموحى به أن يظهرن سرورهن ومرحهن بواجباتهن كربات للبيوت , وعليهن حسب التعليمات أن ينعشن عمال الدولة في الأمسيات بوجبات طيبة من الطعام .

كل هؤلاء تجنبونا بلباقة . لم يضطر أحد منهم أن يعترض طريقنا بصورة مباشرة . وحيث لاحت في الطريق علامة حياة ما , اختفت أمامنا بعشرين خطوة . كل بذل جهده أن يطرق سريعاً أحد المتاجر أو يختفي في منحنى , وربما لاذ البعض بمنازل غريبة لايعرفها وانتظر متوجساً خلف الباب حتى تنقطع صدى الخطوات .

مرة واحدة فقط , أثناء عبور تقاطع للطريق قابلنا رجلاً مسناً . يحمل , كما لاحظت عابراً , علامة معلم مدرسة . لم يعد في وسعه أن يتجنبنا . بعد أداء التحية لرجل الشرطة وفق التعليمات عن طريق ضرب رأسه بواسطة كفه ثلاث مرات , علامة على خضوعه التام . وبذل مافي وسعه لتأدية واجبه المنتظر منه وهو البصق ثلاث مرات في وجهي ونعتي بالصفة الجبرية " خنزير خائن " . أجاد التصويب لكن حلقه كان جافاً فلم يصبني الا ببعض رذاذ تافه . وبحركة لا ارادية حاولت مسح الرذاذ بكم السترة مخالفاً بذلك التعليمات . وعلى الأثر ركلني رجل البوليس وهوى بقبضة يده ثلاث مرات على منتصف عمودي الفقري وأضاف بصوت هادىء : " أول درجة " . وهذا يعني أول عقوبة بسيطة من العقوبات المخولة لكافة رجال الشرطة .

أسرع معلم المدرسة مبتعداً . وفيما عدا هذا نجح الجميع في تجنبنا , باستثناء سيدة واحدة كانت تقوم قبل الغروب – وفق التعليمات – بتهوية ثكنة من ثكنات الحب . شقراء شاحبة منتفخة , أرسلت الي قبلة من يدها , فابتسمت شاكراً , بينما بذل الشرطي جهده لكي يبدو وكأنه لم يلحظ شيئاً . فالتعليمات تقضي على رجال الشرطة منح هؤلاء النساء حريات تعود على الآخرين دون جدال بعقوبات صارمة . القانون يستثنيهن لأهميتهن في رفع مستوى القدرة الانتاجية . هذا الاستثناء وعواقبه وصمه فيلسوف الدولة دكتور , دكتور بلاي جوث , في المجلة الرسمية الاجبارية لفلسفة الدولة , بأنه علامة على بداية حركة ليبرالية . قرأت هذه أمس في طريقي الى العاصمة . فقد عثرت على بعض صفحات هذه المجلة في دورة مياه بيت من بيوت الفلاحين , وقد علق على هوامشها تعليقات ثاقبة طالب من الضلاب – ربما ابن ذلك الفلاح - .

لحسن الحظ وصلنا الآن الى محطة الشرطة . فمنذ هنيهة انطلقت الصفارات , وهذا يعني أن آلافاً من الناس ستتدفق في الشوارع وعى محياها مسحة طفيفة من السعادة ( فقد كان من الموحى به ألا يظهر العمال عند انتهاء العمل سروراً كبيراً ز اذ يعني هذا أن العمل عبء ثقيل , بينما يجب أن يعم التهليل عند بدء العمل , التهليل والغناء . ) . هذه آلاف كان لابد لها أن تبصق في وجهي . ولكن الصفارات تطلق عادة قبل انتهاء العمل بعشر دقائق , اذ على الجميع أن يقضوا هذه الدقائق العشر في الاغتسال الشامل , حسب شعار رئيس الدولة الحالي وهو : السعادة والصابون .

كان على باب قسم الشرطة بالحي ديدبانان يقومان بالحراسة . أثناء عبوري خصوني بنصيبي من الاجراءات الجسمية المعتادة : ضربوني بمقدمة أسلحتهم على الأصداغ وفرقعوا مجاري مسدساتهم ضد عظمة الترقوة , وذلك حسب مقدمة قانون الدولة رقم واحد الذي ينص على هذا : على كل رجل من رجال الشرطة أن يجسم الشرطة ازاء كل مقبوض عليه باستثناء الشخص الذي يقبض عليه , اذ من نصيب هذا الأخير أن ينفذ الاجراءات الجسمية اللازمة أثناء التحقيق . أما قانون الدولة رقم اثنان قينص على هذا : يخول كل رجل من رجال الشرطة معاقبة أي شخص يرتكب جرماً ما ولابد له أن يعاقب هذا الشخص , ليس الرفقاء معفيين من العقوبة , وانما يجوز اعفاؤهم .

عبرنا الآن ممراً كالحاً طويلاً , به نوافذ واسعة كثيرة , ثم انفتح الياً أحد الأبواب فالديدبان قد أخطر في هذه الأثناء عن قدومنا . ففي تلك الأيام , حيث كل انسان سعيد مسرور منظم , والكل باذل مافي وسعه حتى يستهلك يومياً رطل من الصابون المقرر , في هذه الأيام كان حضور شخص مقبوض عليه حادثة غير عادية .
دخلنا الآن حجرة شبه عارية من الآثاث , ليس بها سوى منضدة وهاتف ومقعدين . كان مكاني وسط الحجرة . أما الشرطي فقد خلع خوذته وجلس .
مرت أولاً فترة هدوء لم يقع خلالها شيء ما . كذا شأنهم على الدوام , وهذا بالذات أشد ما يثقل على الانسان . أحسست بوجهي يتداعى فقد كنت متعباً وجائعاً , وقد زالت عني تماماً البقية الباقية من تلك السعادة الحزينة , فقد كنت أعرف أني ضعت .
بعد لحظات دخل رجل دون اشارة ما , رجل طويل شاحب الوجه في الزي البني المألوف من مساعدي التحقيق وجلس دون أن ينبس ببنت شفه . سأل :
" الوظيفة ؟ "
"مجرد رفيق " .
" تاريخ الميلاد ؟ "
" واحد , واحد , واحد "
" آخر مهنة لك ؟ "
" سجين "
تبادل الشرطي ومساعد التحقيق النظرات .
" متى وأين أطلق سراحك ؟ "
" أمس . منزل رقم 12 . زنزانة رقم 13 "
"الى أي مكان أطلق سراحك ؟ "
" الى العاصمة "
" الشهادة ؟ "
أخرجت من جيبي شهادة اطلاق السراح وناولتها له , فثبتها على البطاقة الخضراء التي دون عليها بياناتي .

" الجنحة السابقة ؟ "
" وجه سعيد "

مرة ثانية تبادل الشرطي ومساعد التحقيق النظرات , ثم قال الأخير : " وضح " . فأجبت : " في ذلك الحين لفت نظر وجهي السعيد نظر رجل من رجال البوليس , في يوم صدر فيه الأمر بالحداد العام . كان يوم الذكرى السنوية لموت الرئيس . "

" مدة العقوبة ؟ "
" خمسة أعوام "
" السلوك ؟ "
" سيء "
" السبب ؟ "
" قلة الاستعداد للعمل "
" انتهى . "

ثم نهض مساعد التحقيق وتقدم الي ولطمني حتى حطم أسناني الثلاثة الأمامية علامة على أني مذنب عائد لابد أن يوصم بعلامة واضحة . اجراء قاس لم أدخله في الحساب . ثم غادر مساعد التحقيق الحجرة ودخل فتى مترهل في زي بني غامق : المحقق .
لطموني جميعاً : المحقق والمحقق الأول والمحقق الرئيسي والقاضي الابتدائي والقاضي الأخير . والى جانب ذلك , نفذ رجل البوليس جميع الاجراءات الجسمية التي يقررها القانون . ثم حكموا علي بعشر سنين بسبب وجهي الحزين مثلما حكموا علي من قبل بخمس سنين بسبب وجهي السعيد .

أما أنا فعلي أن أجتهد ألا يكون لي وجه على الاطلاق , هذا ان نجحت في اجتياز السنوات العشر القادمة بين السعادة والصابون .

--------------------------------------------------------------------------------------------------------------

* هانرييش بل : مواليد 1917 . في مقدمة الكتاب الألمان المعاصرين , يتمتع بمكانة أدبية كبيرة في الأوساط الدولية . حاصل على شهادة نوبل للأدب عام 1972 . من روائعه : ( أيها السائح , هل تعود الى سبا ؟ ) و ( ولم تقل أية كلمة ) و ( أراء مضحك ) و ( شرف كاترينا بلوم ) وأخيراً ( حصار من باب الحرص ) عام 1979 .