P. R. Picasso
16-11-2004, 12:49 AM
[align=justify:c42e832501]
“الأرض الملتهبة” لدومينيك دوفيلبان
مـقـــتـلـة فـي كـاتـدرائـيات الـشــرق
ج. ر. ح.
:P
في القصيدة ما قبل الأخيرة من كتابه، يقول الشاعر إن هبة الشعر التقدم/ في الهبوب الذي يسبق رحلة الأشكال/ الزائل مقروناً بالأبدي/ تحت محك الأقنعة/ سماوات، وجوه أو كلاب/ تخضع جميعاً للتحول (صفحة 204). هنا، فوق الأرض الملتهبة ، كتاب الشاعر دومينيك دو فيلبان الصادر للتو في العربية لدى دار النهار للنشر ، بصداقة أدونيس ، قبل صدوره في الفرنسية لغته الأم، يشعر القارىء أنه أمام شعر مفتوح على العناصر، حيث الهواء ومعه شقيقاه التراب والماء وشقيقته النار، تشترك جميعها في الاحتفال، تحية لـ أصدقاء في بلاد الموتى وتكريماً لـ شعب العواصف حيث كم هي كثيرة الأرواح المحترقة/ الصرخات المخنوقة وراء القضبان وحيث رجل واقف لا يريد أن يموت/ ويربّي روحه ضد الموت (صفحة 204 205).
الكتاب برمته قصائد ملتهبة. أمامنا هنا أكثر من مئتين وعشر صفحات من الشعر الذي يفتح احتفالات اللهيب والتصدع والعواصف والشقوق والموت الذي لا يريد أن يموت. هو كتاب يسلّم روحه للهبوب والتقدم لأنه منحاز الى الشعر، الذي هو وحده، كالألوهة، يتخطى الموت بالموت.
القارىء نفسه لن يتأخر في كشف النقاب عن لغة الكتاب، لغة الغنائية المفتوحة على أروقة الحلم والخيال والردهات، والتي تأبى إلاّ أن تشرّع نفسها على معجم كامل من العناصر. حتى لكأن القصائد تتحوّل جميعها لتصير حفلة للحرائق الكبرى، يختلط فيها الدامع بالمكابر، الجنائزي بالقيامي، من أجل استكمال لوحة الجريمة والجنون و... الخلاص.
إذا كان الديوان يبدأ بالسؤال، فهذا يسعفه في أن يكون كتاباً لا ينغلق على نفسه بالأجوبة. فما دام السؤال بحثاً عن الأمكنة التي يمضي إليها الإنسان في بلدان التحولات/ في صحارى الألوان/ حيث لا يزال السحرة يروّضون وحشيّ الكلام (صفحة 13)، فهذا من شأنه أن يكون ترحالاً في أراضي الحلم، وإن تكن ملتهبة.
لا قصيدة تغلق الباب. جميعها مفتوحة على اللامتوقع، فالتة أحياناً، وحيناً لا يستحسن إلقاء القبض على صورها. هذا لكي تترك للحرائق أن تخترع احلامها وصورها وهلوساتها وآلامها المفجعة، لا أن تكون ملجومة ومسوّرة بما يجعلها متوقعة أو متقوقعة.
كلمات الشاعر تهيم على أرضها الثكلى، تلفحها ألسنة نار الفجائع والخيانات والدموع. تزور المناطق مقتفية آثار القطعان المذعورة التي تقتفي بدورها عصا الرعاة الجوّالين الأوائل في مناكب الأرض حيث تلمع السكاكين، على قول القصيدة التمهيدية الأولى، التي كأنها مهداة الى شخص ما بأحرف اسمه الأولى.
الذكريات تسير نحو الماضي، لكنها لا تزال تحفظ النقش حياً (صفحة 17) لأن الوجوه التي تفتحها/ أيدي الحلم اليابسة/ كانت دائماً تتيح رؤية البوح/ في نفخة على الجمر . هي إذاً كلمات المنفى، وإن يكن المنفى هو الماضي، يرفع عنه الشاعر جثة النسيان ليجعله بضّاً قريب المتناول، بلغة هي لغة البوح لا لغة التقشف البخيل والأعمى.
العين ترى، الأذن تسمع، اليد تتلمس، القلب ينصت، الحواس جميعها تشم وتتذوق وتحلم، لكنها ترتجف أمام هول المأساة. فالجمر الحي من فرط الهواء والعصف، لا يترك مجالاً للشك في أن الفجيعة قائمة للتو، وإن منذ زمن بعيد، وهي نفسها الفجيعة التي رسمتها الخديعة تحت رقصة الشمس التي تهجّر حدود النهار (صفحة 19).
هنا على متن مراكب التيه، لا خوف على الينابيع لمن يعاشر الليل . فالجباه التي تتصالح مع النجوم (صفحة 20) هي لرجال يضنيهم الكفاح في زلزال الجسد، و على شفاههم الجافة/ يحملون المنفى (صفحة 27).
إنها شريعة التيه (صفحة 38) حيث القصيدة تطارد النسر (صفحة 42) في الخط الدائري المقدس. وتحت قبة هذه الشريعة تتمرد الأرض، تشتعل بالنوم والهلع والرحيل والموت، تأخذ معها الرجال والنساء والأطفال، وتأخذ معها النظرات حيث العين في الرماد تنحت ركام الجثث/ وينهض الموتى بمعاطفهم/ يلقون ظلالهم على الساحات العامة/ بينما يمسك كهنة الكنيسة/ بدفتر الكلمات (صفحة 54).
هذا التفجر الكوني هو الملحمة نفسها التي تنبىء بالحرائق. ولا بأس اذا كانت الأرض نائمة فهي ستطير حتماً في نومها نحو الأيادي البيضاء. الأيادي التي تنطلق أمينة للبوح الأول.
هل نحن أمام مقتلة في الكاتدرائية أم مقتلة في الهواء الطلق؟ ليس المكان المفتوح سبباً للاختلاف والالتباس، فقد يكون منشقاً على روحه انشقاق القفص عن نافذته وعصفوره وانشقاق الكاتدرائية عن أنفاسها المحشرجة. هنا لا سبب لكي يقع الملاحون في خديعة الليل، فالمنجل الذي يشق السماء سرعان ما يشق البحر وتنفتح الأمواج لتكون معبراً الى الحرائق. شمس الصحارى لن تلبث أن تكشط جلدة الأرض متيحة للناس أن يتنفسوا تحت مطرقة الرياح التي تتهجى السفر بخفقاتها .
هنا الرواد يتسلقون منحدرات العصر ويشكلون أصابع الحلم. هكذا يرقد عميقا سكون الصحارى بحيث يستتب سلطان الظلال استتباب الأبد، فيسأل القارىء: أنحن في ظلال البدايات أم في ظلال النهايات؟ أنحن في سفر التكوين أم في سفر الهجعة الأخيرة؟ السؤال ليس مدعاة لليأس. هو مدعاة لاستشعار الوعود التي توحيها العطلة الأخيرة قبل النزوح (صفحة 58).
فليس في القصائد سوى إيعازات التمرد والتيه والرحيل تحت قبة العواصف والحرائق. هنا الذئاب توعز بانشقاق يفتح الآبار والمقابر لكن الرجال لا يستسلمون في نهاية المطاف إلاّ الى بوح القصيدة (صفحة 67).
بين البوح والتراجيديا، بين الغنائية والملحمية، تندلع النيران لا لتسوّد وجه السماء ولكن ليرتعش الطائر في القبة العالية ولتحمل الأنهار المنطفئة الرسالة استذكارا لرحيل القوارب.
ما أكثر الموت هنا. ما أكثر الحياة. فعلى هذه الارض الملتهبة تكثر المغامرات والنهب، حيث تضيع المدن البعيدة والدروب التي يخرج عليها التائه، بحثاً عن حلم من بئر يبث الكلام (صفحة 73).
الملائكة مبحرون هنا. اللعنات مبحرة أيضا. المنتصرون يسكنون أجساد النساء. المنهزمون يسكنون القصائد. كيف يمكن الرحيل الى بلدان ينام فيها الاطفال؟!
في هذه المقتلة يمتزج الموتى بأجساد الأطفال. تختلط التعاويذ بأصوات الأنبياء والعهود. هنا الصدى يلتهم الوجوه وربما الكلمات. هنا الأعياد ليل مقفر وأزهار سامة. فلا سبيل الى الخلاص إلاّ بالشعر. ولأجل هذه الوصية يمتزج الموتى بالحياة رفضاً لمنفى الأضرحة . هذا ما يقوله الشاعر، وهذا ما تومىء به القصيدة لأن السيرة الكبيرة لن يعرفها إلاّ الذين يجيئون في ما بعد حين سيقرأون سقوط الكوندور مضيئاً بنار الشجر أعالي العالم (صفحة 126).
تهجع الحياة هنا في الموسيقى الليلية حيث لا شيء غير نفس/ لكي يلهي الضغينة/ عن مناجلها (صفحة 149). في موسيقى القصيدة بصوت منخفض ينهض صباح مخنوقا بالضوء. هكذا نحتاج الى أناشيد أخرى للنهاية. ففي أسفل الكاتدرائيات إعصار وهواء وضوء، وفيها الصمت والخوف والأحلام، وفي الفم طعم الشرر.
هذه هي حقيقة هذا الديوان: الأرض الملتهبة تتمطى لكي ترد الينابيع (صفحة 160). ومن لقاء النار والماء ينتصر الشعر على الفجيعة، وتنتصر الكلمات على نثر العالم.
في الصفحة السابعة من الكتاب إشارة بقلم أدونيس، ناقل الكتاب الى العربية، يقول فيها ما يأتي: أجريت، باتفاق مع الشاعر، تعديلات طفيفة في الصياغة والتعبير، من أجل تطابق شعري أكثر غنى بين لغة الأصل ولغة النقل. والغاية هي تحقيق الشعرية في الترجمة، على الوجه الأكثر إفصاحاً وجمالاً، وفقاً لتجربتي الخاصة في ترجمة الشعر، ولخبرتي الحية: إيثار ارتكاب الأخطاء الحرفية، حيث تقتضي الحال، واجتناب الأخطاء الشعرية، في أية حال .
... على الصفحة الخلفية من كتابه يقول دومينيك دوفيلبان: كتب هذا الكتاب بالفرنسية، ويظهر في العربية بصداقة أدونيس. إنها سمة العصر فجذور هذا الكتاب تنغرس في أرض قريبة، في قلب تصدع يلهو فيه اليوم قدر العالم. ربما سيقول بعضهم إن هذا الكتاب يأخذ هنا في هذه اللغة الأخرى معنى آخر. فلنكن واضحين. الحق أن هذا هو معناه الأول. فهذه الكلمات جاءت من توقد اللهب، من عصف انهيار الهياكل، من تفسخ درب مشقوقة بين الأنقاض والحطام، من تشابك الفولاذ والإسمنت وركام الزجاج، من التزاوج الوحشي بين القوة والرعب. إذاً، هذه الصفحات من أجل أعراس أخرى .
هنا وهناك، كتابٌ شهادة في المقتلة وفي الشعر وفي الحياة . [/align:c42e832501]
:P
“الأرض الملتهبة” لدومينيك دوفيلبان
مـقـــتـلـة فـي كـاتـدرائـيات الـشــرق
ج. ر. ح.
:P
في القصيدة ما قبل الأخيرة من كتابه، يقول الشاعر إن هبة الشعر التقدم/ في الهبوب الذي يسبق رحلة الأشكال/ الزائل مقروناً بالأبدي/ تحت محك الأقنعة/ سماوات، وجوه أو كلاب/ تخضع جميعاً للتحول (صفحة 204). هنا، فوق الأرض الملتهبة ، كتاب الشاعر دومينيك دو فيلبان الصادر للتو في العربية لدى دار النهار للنشر ، بصداقة أدونيس ، قبل صدوره في الفرنسية لغته الأم، يشعر القارىء أنه أمام شعر مفتوح على العناصر، حيث الهواء ومعه شقيقاه التراب والماء وشقيقته النار، تشترك جميعها في الاحتفال، تحية لـ أصدقاء في بلاد الموتى وتكريماً لـ شعب العواصف حيث كم هي كثيرة الأرواح المحترقة/ الصرخات المخنوقة وراء القضبان وحيث رجل واقف لا يريد أن يموت/ ويربّي روحه ضد الموت (صفحة 204 205).
الكتاب برمته قصائد ملتهبة. أمامنا هنا أكثر من مئتين وعشر صفحات من الشعر الذي يفتح احتفالات اللهيب والتصدع والعواصف والشقوق والموت الذي لا يريد أن يموت. هو كتاب يسلّم روحه للهبوب والتقدم لأنه منحاز الى الشعر، الذي هو وحده، كالألوهة، يتخطى الموت بالموت.
القارىء نفسه لن يتأخر في كشف النقاب عن لغة الكتاب، لغة الغنائية المفتوحة على أروقة الحلم والخيال والردهات، والتي تأبى إلاّ أن تشرّع نفسها على معجم كامل من العناصر. حتى لكأن القصائد تتحوّل جميعها لتصير حفلة للحرائق الكبرى، يختلط فيها الدامع بالمكابر، الجنائزي بالقيامي، من أجل استكمال لوحة الجريمة والجنون و... الخلاص.
إذا كان الديوان يبدأ بالسؤال، فهذا يسعفه في أن يكون كتاباً لا ينغلق على نفسه بالأجوبة. فما دام السؤال بحثاً عن الأمكنة التي يمضي إليها الإنسان في بلدان التحولات/ في صحارى الألوان/ حيث لا يزال السحرة يروّضون وحشيّ الكلام (صفحة 13)، فهذا من شأنه أن يكون ترحالاً في أراضي الحلم، وإن تكن ملتهبة.
لا قصيدة تغلق الباب. جميعها مفتوحة على اللامتوقع، فالتة أحياناً، وحيناً لا يستحسن إلقاء القبض على صورها. هذا لكي تترك للحرائق أن تخترع احلامها وصورها وهلوساتها وآلامها المفجعة، لا أن تكون ملجومة ومسوّرة بما يجعلها متوقعة أو متقوقعة.
كلمات الشاعر تهيم على أرضها الثكلى، تلفحها ألسنة نار الفجائع والخيانات والدموع. تزور المناطق مقتفية آثار القطعان المذعورة التي تقتفي بدورها عصا الرعاة الجوّالين الأوائل في مناكب الأرض حيث تلمع السكاكين، على قول القصيدة التمهيدية الأولى، التي كأنها مهداة الى شخص ما بأحرف اسمه الأولى.
الذكريات تسير نحو الماضي، لكنها لا تزال تحفظ النقش حياً (صفحة 17) لأن الوجوه التي تفتحها/ أيدي الحلم اليابسة/ كانت دائماً تتيح رؤية البوح/ في نفخة على الجمر . هي إذاً كلمات المنفى، وإن يكن المنفى هو الماضي، يرفع عنه الشاعر جثة النسيان ليجعله بضّاً قريب المتناول، بلغة هي لغة البوح لا لغة التقشف البخيل والأعمى.
العين ترى، الأذن تسمع، اليد تتلمس، القلب ينصت، الحواس جميعها تشم وتتذوق وتحلم، لكنها ترتجف أمام هول المأساة. فالجمر الحي من فرط الهواء والعصف، لا يترك مجالاً للشك في أن الفجيعة قائمة للتو، وإن منذ زمن بعيد، وهي نفسها الفجيعة التي رسمتها الخديعة تحت رقصة الشمس التي تهجّر حدود النهار (صفحة 19).
هنا على متن مراكب التيه، لا خوف على الينابيع لمن يعاشر الليل . فالجباه التي تتصالح مع النجوم (صفحة 20) هي لرجال يضنيهم الكفاح في زلزال الجسد، و على شفاههم الجافة/ يحملون المنفى (صفحة 27).
إنها شريعة التيه (صفحة 38) حيث القصيدة تطارد النسر (صفحة 42) في الخط الدائري المقدس. وتحت قبة هذه الشريعة تتمرد الأرض، تشتعل بالنوم والهلع والرحيل والموت، تأخذ معها الرجال والنساء والأطفال، وتأخذ معها النظرات حيث العين في الرماد تنحت ركام الجثث/ وينهض الموتى بمعاطفهم/ يلقون ظلالهم على الساحات العامة/ بينما يمسك كهنة الكنيسة/ بدفتر الكلمات (صفحة 54).
هذا التفجر الكوني هو الملحمة نفسها التي تنبىء بالحرائق. ولا بأس اذا كانت الأرض نائمة فهي ستطير حتماً في نومها نحو الأيادي البيضاء. الأيادي التي تنطلق أمينة للبوح الأول.
هل نحن أمام مقتلة في الكاتدرائية أم مقتلة في الهواء الطلق؟ ليس المكان المفتوح سبباً للاختلاف والالتباس، فقد يكون منشقاً على روحه انشقاق القفص عن نافذته وعصفوره وانشقاق الكاتدرائية عن أنفاسها المحشرجة. هنا لا سبب لكي يقع الملاحون في خديعة الليل، فالمنجل الذي يشق السماء سرعان ما يشق البحر وتنفتح الأمواج لتكون معبراً الى الحرائق. شمس الصحارى لن تلبث أن تكشط جلدة الأرض متيحة للناس أن يتنفسوا تحت مطرقة الرياح التي تتهجى السفر بخفقاتها .
هنا الرواد يتسلقون منحدرات العصر ويشكلون أصابع الحلم. هكذا يرقد عميقا سكون الصحارى بحيث يستتب سلطان الظلال استتباب الأبد، فيسأل القارىء: أنحن في ظلال البدايات أم في ظلال النهايات؟ أنحن في سفر التكوين أم في سفر الهجعة الأخيرة؟ السؤال ليس مدعاة لليأس. هو مدعاة لاستشعار الوعود التي توحيها العطلة الأخيرة قبل النزوح (صفحة 58).
فليس في القصائد سوى إيعازات التمرد والتيه والرحيل تحت قبة العواصف والحرائق. هنا الذئاب توعز بانشقاق يفتح الآبار والمقابر لكن الرجال لا يستسلمون في نهاية المطاف إلاّ الى بوح القصيدة (صفحة 67).
بين البوح والتراجيديا، بين الغنائية والملحمية، تندلع النيران لا لتسوّد وجه السماء ولكن ليرتعش الطائر في القبة العالية ولتحمل الأنهار المنطفئة الرسالة استذكارا لرحيل القوارب.
ما أكثر الموت هنا. ما أكثر الحياة. فعلى هذه الارض الملتهبة تكثر المغامرات والنهب، حيث تضيع المدن البعيدة والدروب التي يخرج عليها التائه، بحثاً عن حلم من بئر يبث الكلام (صفحة 73).
الملائكة مبحرون هنا. اللعنات مبحرة أيضا. المنتصرون يسكنون أجساد النساء. المنهزمون يسكنون القصائد. كيف يمكن الرحيل الى بلدان ينام فيها الاطفال؟!
في هذه المقتلة يمتزج الموتى بأجساد الأطفال. تختلط التعاويذ بأصوات الأنبياء والعهود. هنا الصدى يلتهم الوجوه وربما الكلمات. هنا الأعياد ليل مقفر وأزهار سامة. فلا سبيل الى الخلاص إلاّ بالشعر. ولأجل هذه الوصية يمتزج الموتى بالحياة رفضاً لمنفى الأضرحة . هذا ما يقوله الشاعر، وهذا ما تومىء به القصيدة لأن السيرة الكبيرة لن يعرفها إلاّ الذين يجيئون في ما بعد حين سيقرأون سقوط الكوندور مضيئاً بنار الشجر أعالي العالم (صفحة 126).
تهجع الحياة هنا في الموسيقى الليلية حيث لا شيء غير نفس/ لكي يلهي الضغينة/ عن مناجلها (صفحة 149). في موسيقى القصيدة بصوت منخفض ينهض صباح مخنوقا بالضوء. هكذا نحتاج الى أناشيد أخرى للنهاية. ففي أسفل الكاتدرائيات إعصار وهواء وضوء، وفيها الصمت والخوف والأحلام، وفي الفم طعم الشرر.
هذه هي حقيقة هذا الديوان: الأرض الملتهبة تتمطى لكي ترد الينابيع (صفحة 160). ومن لقاء النار والماء ينتصر الشعر على الفجيعة، وتنتصر الكلمات على نثر العالم.
في الصفحة السابعة من الكتاب إشارة بقلم أدونيس، ناقل الكتاب الى العربية، يقول فيها ما يأتي: أجريت، باتفاق مع الشاعر، تعديلات طفيفة في الصياغة والتعبير، من أجل تطابق شعري أكثر غنى بين لغة الأصل ولغة النقل. والغاية هي تحقيق الشعرية في الترجمة، على الوجه الأكثر إفصاحاً وجمالاً، وفقاً لتجربتي الخاصة في ترجمة الشعر، ولخبرتي الحية: إيثار ارتكاب الأخطاء الحرفية، حيث تقتضي الحال، واجتناب الأخطاء الشعرية، في أية حال .
... على الصفحة الخلفية من كتابه يقول دومينيك دوفيلبان: كتب هذا الكتاب بالفرنسية، ويظهر في العربية بصداقة أدونيس. إنها سمة العصر فجذور هذا الكتاب تنغرس في أرض قريبة، في قلب تصدع يلهو فيه اليوم قدر العالم. ربما سيقول بعضهم إن هذا الكتاب يأخذ هنا في هذه اللغة الأخرى معنى آخر. فلنكن واضحين. الحق أن هذا هو معناه الأول. فهذه الكلمات جاءت من توقد اللهب، من عصف انهيار الهياكل، من تفسخ درب مشقوقة بين الأنقاض والحطام، من تشابك الفولاذ والإسمنت وركام الزجاج، من التزاوج الوحشي بين القوة والرعب. إذاً، هذه الصفحات من أجل أعراس أخرى .
هنا وهناك، كتابٌ شهادة في المقتلة وفي الشعر وفي الحياة . [/align:c42e832501]
:P