P. R. Picasso
15-11-2004, 11:09 PM
[align=justify:430a3eba90]شاعر لا يمكن اختزاله أو تبسيطه لكن العالم لا يكف عن إعادة تشكيل صورته
كتب جديدة وإعادة نشر كتب قديمة واحتفالات متواصلة لمناسبة مرور 150 سنة على ميلاد رامبو
لندن: فاضل الشاعر
:P
تحل هذه الأيام ذكرى مرور 150 سنة على ولادة آرثر رامبو. وبهذه المناسبة تحرك الوسط الثقافي الفرنسي كما لم يتحرك في السابق بمناسبة ولادة مشهورين آخرين كبار. وصدرت بالمناسبة كتب عديدة جديدة، بينما اعادت دور نشر فرنسية معنية بالدراسات الرامبوية طبع كتب سبق ان صدرت في الماضي، تمتد الى بداية القرن العشرين وأواخر القرن التاسع عشر.
وليس من المبالغ القول بأن رامبو، دون غيره من الشعراء الذين سبقوه او أتوا بعده، يستحوذ على الاهتمام الاكبر مقارنة بشعراء عالميين كبار بمن فيهم بودلير وسان جون بيرس الفرنسيان وهولدرلن وريكلة الألمانيان، بل يمكن القول ان الدراسات عن هؤلاء الشعراء العظام توقفت أو شحّت، الا عنه، ذلك ان آرثر رامبو (1854 ـ 1891) اسطورة بين الشعراء، إذ بدأ كتابة الشعر في الخامسة عشرة وتوقف عنه نهائياً في التاسعة عشرة. ومن يومها وعلى مر السنين وانفراط العقود نرى ونلاحظ ونتأمل ونحاول ان نفهم سر جاذبية هذا الصبي الملهم الذي كتب قليلاً ونتحدث عنه كثيراً، بحيث أصبح من المستحيل ان نفصل بين قصائده الخارقة وحياته العاصفة، بين الشاعر وبين اسطورته. هو كاتب وكائن يجمعان، على حد تعبير بول فيرلين، بين الضوء والمطلق والبراءة التامة والتجانس واللغة المتقنة، ثم تطليقه للكتابة بطريقة مفاجئة لينصرف الى مشاغل حياتية لا علاقة لها بالشعر. ويبدو من رسالة الى شقيقته ايزابيل انه في آخر أيام حياته في عدن أراد التوجه الى التصوير الفوتوغرافي. كتب مبكراً وتوقف مبكراً. انه من مخلوقات الفجر وهو ما ينطبق عليه قول هولدرلن «لقد ولدت من أجل يوم مشرق».
الدراسات الرامبوية مستمرة وجاذبيته تزداد جاذبية ومحاولات الفصل بين الحقيقة والاسطورة مستمرة. العودة الى النصوص من ناحية ضرورية وهي ما يحاول الدارسون ومحبو الشعر والأكاديميون ان يركزوا عليه، الا ان مسيرته، ومواقفه السياسية، ان جاز التعبير أيضاً، تثير الفضول وجاذبيتها لا تقهر أيضاً. وكلما حاولت ان تحصره في خانة معينة وكلما حاولت ان تحده باطار ويافطة انهارت الخانة وتفكك الاطار واحترقت اليافطة.
وُلد رامبو في بلدة «شارلفيل». كان ابوه ضابطاً في الجيش تعلم اللغة العربية وترجم القرآن. وقد هجر زوجته وعائلته في العام 1860 وكان لرامبو من العمر ست سنوات.
عاش رامبو طفولة مريرة الى حد كبير بسبب معاملة أمه القاسية له وفرضها نـظاماً اسبارطياً صارماً عليه. ولعل هذا يفسر جانباً من سلوكه التمردي منذ الطفولة وكتابته لقصائد مبكرة يهجي بها السلطة القسرية بكل أنواعها اجتماعية كانت ام سياسية او دينية، كما في بيانه الشعري المعروف باسم «رسالة الرائي» التي يدعو بها الى شحذ جميع الاحاسيس بواسطة اخضاع النفس الى مختلف انواع التجارب الذهنية و«تعطيل جميع الحواس». ولرامبو ديوانان اساسيان هما «فصل في الجحيم» و«الاشراقات» وقصائد متفرقة جمعت في وقت لاحق باسم «أشعار».
بعد ان طلّق الشعر استمر في حياة التجوال في عدد من البلدان الاوروبية والافريقية. وكان تدهور صحته سبباً لعودته الى فرنسا في العام 1891. ثم في طريقه الى الحبشة أُدخل في مستشفى في مرسيليا ليموت فيها وله من العمر 37 سنة.
ساهم آرثر رامبو، باعتراف النقاد ودارسي الأدب، في تحرير الشعر من القوالب الجامدة ومهّد للثورة الأدبية التي شهدها القرن العشرون. اسمه بحد ذاته أصبح مفردة شعرية. ومن الصعب تلخيصه او تجزئته. وكلما قرأت له يزداد اعجابك به وجهلك بكثير من المعاني الدفينة في قصائده. انه أول شاعر ارتبط اسمه بالخيمياء القديمة.
في مقابلة مع بيير برونيل واحد من كبار الثقاة بالشأن الرامبوي قال الكاتب رداً على سؤال عما اذا كان رامبو ينتمي لعصره أم يتجاوزه لكل العصور قال ان «رامبو الأول» لا يمكن فصله عن الفترة التي عاش بها فترة الكومونة ونابليون الثالث، الا ان مفتاح رامبو الحقيقي، كما يعتقد برونيل يكمن في سعيه الى «اللاالتزام الحالم». وهو يرى ان الاحتفال بمرور 150 سنة على ميلاد رامبو يجب ان تكون احتفالاً بالطفولة، طفولة رامبو العبقرية وسنوات نشوئه الأولى. ويعتقد برونيل ان اسطورة حياة رامبو غطت على عبقرية رامبو كشاعر، ولا بد من العودة الى النصوص التي كتبها رامبو، لنقرأها من جديد ونعيد قراءتها.
والدراسات العديدة التي كتبت عن رامبو لا تعرقل التواصل المباشر بيننا وبين النصوص. لنكتب عن رامبو ما نشاء، الا ان نصوصه القليلة تبقى بحراً لا حدود له، نعود لها ونجلس أمامها، بحراً كلما ذهبت اليه وجلست تتأمله أخذ منك شيئاً، على حد تعبير المصور الأميركي الكبير رروبيرت فرانك.
ورغم ان رامبو لا يمكن اختزاله ولا يمكن تبسيطه تبقى شهيتنا عجيبة على اعادة بناء صورته وتشكيلها من خلال من عرفه، أو عاصر كتابة أو ذاكرة أو صلة قربى.
ومن هنا على سبيل المثال أهمية اعادة طبع كتاب باتيرن بيريشون زوج ايزابيل شقيقة رامبو وكتابي ايزابيل نفسها عن شقيقها وهما بعنوان «رامبو التقي المتزهد» و«شقيقي رامبو» بيريشون لم يلتق برامبو وتزوج عن ايزابيل بعد موت الشاعر. وكتابه صدر لأول مرة في العام 1912. والطبعة الجديدة مذيّلة بشروحات وهوامش بقلم برونيل.
ويخيل لك ان رامبو قضية كبيرة كبر الوجود نفسه وما عليك للتأكد من هذا الا ان تطّلع على عدد الكتب التي صدرت أخيراً عنه، وعدد كبير منها صدر بمناسبة الاحتفال بـ 150 سنة على ميلاده. ومن هذه الكتب نذكر «نساء رامبو» و«رامبو ما بعد رامبو» و«رامبو المخطوطات الكاملة» و«الفولاذ والزمرد» وشريط سينمائي من اخراج فيليب بيسون بعنوان «الأيام الهشة».
وأغلب الظن ان البحث في رامبو واسطورته مستمر وسيستمر. اذ هو شاعر تجمعت فيه عناصر الاسطورة كاملة. وسيبقى يثير في اللاوعي الجمعي الكثير من الافتتان والغموض والجاذبية. ومما يزيد من الحاح الاسطورة وجاذبيتها ان هناك نصوصاً كتبها رامبو وفقدت. ومنها ديوان «المطاردة الروحية» وبيان سياسي باسم «الدستور الشيوعي». وأتذكر جيداً اني في باريس السبعينات حصلت على نسخة من كتاب «المطاردة الروحية» صدر على انه مخطوطة لرامبو ثم ظهر في ما بعد انها من تأليف شاعر كان يعيش في فرنسا في الفترة المذكورة.[/align:430a3eba90]
كتب جديدة وإعادة نشر كتب قديمة واحتفالات متواصلة لمناسبة مرور 150 سنة على ميلاد رامبو
لندن: فاضل الشاعر
:P
تحل هذه الأيام ذكرى مرور 150 سنة على ولادة آرثر رامبو. وبهذه المناسبة تحرك الوسط الثقافي الفرنسي كما لم يتحرك في السابق بمناسبة ولادة مشهورين آخرين كبار. وصدرت بالمناسبة كتب عديدة جديدة، بينما اعادت دور نشر فرنسية معنية بالدراسات الرامبوية طبع كتب سبق ان صدرت في الماضي، تمتد الى بداية القرن العشرين وأواخر القرن التاسع عشر.
وليس من المبالغ القول بأن رامبو، دون غيره من الشعراء الذين سبقوه او أتوا بعده، يستحوذ على الاهتمام الاكبر مقارنة بشعراء عالميين كبار بمن فيهم بودلير وسان جون بيرس الفرنسيان وهولدرلن وريكلة الألمانيان، بل يمكن القول ان الدراسات عن هؤلاء الشعراء العظام توقفت أو شحّت، الا عنه، ذلك ان آرثر رامبو (1854 ـ 1891) اسطورة بين الشعراء، إذ بدأ كتابة الشعر في الخامسة عشرة وتوقف عنه نهائياً في التاسعة عشرة. ومن يومها وعلى مر السنين وانفراط العقود نرى ونلاحظ ونتأمل ونحاول ان نفهم سر جاذبية هذا الصبي الملهم الذي كتب قليلاً ونتحدث عنه كثيراً، بحيث أصبح من المستحيل ان نفصل بين قصائده الخارقة وحياته العاصفة، بين الشاعر وبين اسطورته. هو كاتب وكائن يجمعان، على حد تعبير بول فيرلين، بين الضوء والمطلق والبراءة التامة والتجانس واللغة المتقنة، ثم تطليقه للكتابة بطريقة مفاجئة لينصرف الى مشاغل حياتية لا علاقة لها بالشعر. ويبدو من رسالة الى شقيقته ايزابيل انه في آخر أيام حياته في عدن أراد التوجه الى التصوير الفوتوغرافي. كتب مبكراً وتوقف مبكراً. انه من مخلوقات الفجر وهو ما ينطبق عليه قول هولدرلن «لقد ولدت من أجل يوم مشرق».
الدراسات الرامبوية مستمرة وجاذبيته تزداد جاذبية ومحاولات الفصل بين الحقيقة والاسطورة مستمرة. العودة الى النصوص من ناحية ضرورية وهي ما يحاول الدارسون ومحبو الشعر والأكاديميون ان يركزوا عليه، الا ان مسيرته، ومواقفه السياسية، ان جاز التعبير أيضاً، تثير الفضول وجاذبيتها لا تقهر أيضاً. وكلما حاولت ان تحصره في خانة معينة وكلما حاولت ان تحده باطار ويافطة انهارت الخانة وتفكك الاطار واحترقت اليافطة.
وُلد رامبو في بلدة «شارلفيل». كان ابوه ضابطاً في الجيش تعلم اللغة العربية وترجم القرآن. وقد هجر زوجته وعائلته في العام 1860 وكان لرامبو من العمر ست سنوات.
عاش رامبو طفولة مريرة الى حد كبير بسبب معاملة أمه القاسية له وفرضها نـظاماً اسبارطياً صارماً عليه. ولعل هذا يفسر جانباً من سلوكه التمردي منذ الطفولة وكتابته لقصائد مبكرة يهجي بها السلطة القسرية بكل أنواعها اجتماعية كانت ام سياسية او دينية، كما في بيانه الشعري المعروف باسم «رسالة الرائي» التي يدعو بها الى شحذ جميع الاحاسيس بواسطة اخضاع النفس الى مختلف انواع التجارب الذهنية و«تعطيل جميع الحواس». ولرامبو ديوانان اساسيان هما «فصل في الجحيم» و«الاشراقات» وقصائد متفرقة جمعت في وقت لاحق باسم «أشعار».
بعد ان طلّق الشعر استمر في حياة التجوال في عدد من البلدان الاوروبية والافريقية. وكان تدهور صحته سبباً لعودته الى فرنسا في العام 1891. ثم في طريقه الى الحبشة أُدخل في مستشفى في مرسيليا ليموت فيها وله من العمر 37 سنة.
ساهم آرثر رامبو، باعتراف النقاد ودارسي الأدب، في تحرير الشعر من القوالب الجامدة ومهّد للثورة الأدبية التي شهدها القرن العشرون. اسمه بحد ذاته أصبح مفردة شعرية. ومن الصعب تلخيصه او تجزئته. وكلما قرأت له يزداد اعجابك به وجهلك بكثير من المعاني الدفينة في قصائده. انه أول شاعر ارتبط اسمه بالخيمياء القديمة.
في مقابلة مع بيير برونيل واحد من كبار الثقاة بالشأن الرامبوي قال الكاتب رداً على سؤال عما اذا كان رامبو ينتمي لعصره أم يتجاوزه لكل العصور قال ان «رامبو الأول» لا يمكن فصله عن الفترة التي عاش بها فترة الكومونة ونابليون الثالث، الا ان مفتاح رامبو الحقيقي، كما يعتقد برونيل يكمن في سعيه الى «اللاالتزام الحالم». وهو يرى ان الاحتفال بمرور 150 سنة على ميلاد رامبو يجب ان تكون احتفالاً بالطفولة، طفولة رامبو العبقرية وسنوات نشوئه الأولى. ويعتقد برونيل ان اسطورة حياة رامبو غطت على عبقرية رامبو كشاعر، ولا بد من العودة الى النصوص التي كتبها رامبو، لنقرأها من جديد ونعيد قراءتها.
والدراسات العديدة التي كتبت عن رامبو لا تعرقل التواصل المباشر بيننا وبين النصوص. لنكتب عن رامبو ما نشاء، الا ان نصوصه القليلة تبقى بحراً لا حدود له، نعود لها ونجلس أمامها، بحراً كلما ذهبت اليه وجلست تتأمله أخذ منك شيئاً، على حد تعبير المصور الأميركي الكبير رروبيرت فرانك.
ورغم ان رامبو لا يمكن اختزاله ولا يمكن تبسيطه تبقى شهيتنا عجيبة على اعادة بناء صورته وتشكيلها من خلال من عرفه، أو عاصر كتابة أو ذاكرة أو صلة قربى.
ومن هنا على سبيل المثال أهمية اعادة طبع كتاب باتيرن بيريشون زوج ايزابيل شقيقة رامبو وكتابي ايزابيل نفسها عن شقيقها وهما بعنوان «رامبو التقي المتزهد» و«شقيقي رامبو» بيريشون لم يلتق برامبو وتزوج عن ايزابيل بعد موت الشاعر. وكتابه صدر لأول مرة في العام 1912. والطبعة الجديدة مذيّلة بشروحات وهوامش بقلم برونيل.
ويخيل لك ان رامبو قضية كبيرة كبر الوجود نفسه وما عليك للتأكد من هذا الا ان تطّلع على عدد الكتب التي صدرت أخيراً عنه، وعدد كبير منها صدر بمناسبة الاحتفال بـ 150 سنة على ميلاده. ومن هذه الكتب نذكر «نساء رامبو» و«رامبو ما بعد رامبو» و«رامبو المخطوطات الكاملة» و«الفولاذ والزمرد» وشريط سينمائي من اخراج فيليب بيسون بعنوان «الأيام الهشة».
وأغلب الظن ان البحث في رامبو واسطورته مستمر وسيستمر. اذ هو شاعر تجمعت فيه عناصر الاسطورة كاملة. وسيبقى يثير في اللاوعي الجمعي الكثير من الافتتان والغموض والجاذبية. ومما يزيد من الحاح الاسطورة وجاذبيتها ان هناك نصوصاً كتبها رامبو وفقدت. ومنها ديوان «المطاردة الروحية» وبيان سياسي باسم «الدستور الشيوعي». وأتذكر جيداً اني في باريس السبعينات حصلت على نسخة من كتاب «المطاردة الروحية» صدر على انه مخطوطة لرامبو ثم ظهر في ما بعد انها من تأليف شاعر كان يعيش في فرنسا في الفترة المذكورة.[/align:430a3eba90]