عرض الإصدار الكامل : عبق الصورة


عادل2004
13-10-2004, 06:34 AM
عندما يدور شريط الذكريات الجميلة في مخيلتنا تكون أول صورة تظهر فيه صورة الطفولة ومرحها وبراءة تلك المرحلة وأحلامها، ولا يمكن أن يمر شريط الذكريات على تلك الأيام دون أن يكون لشهر رمضان النصيب الأوفر والحظ الأكبر في تلك الصور، فرمضان بالنسبة للأطفال أيام جميلة وليال حلوة وذكريات ترتبط في عقله وروحه، لا يمكن أن ينساها أبداً فهي تتجدد في كل عام وربما لن نكون مبالغين إن قلنا بأنها الذكرى الوحيدة التي نتذكرها في كل عام دون أن نتعمد أو نقصد، فمن منا يمكن أن ينسى ليلة استقبال رمضان وكيف كنا نلف الأحياء ننشد ونغني مرحبين بذلك الضيف العزيز، ومن منا لا يذكر ليالي رمضان والألعاب الشعبية التي كنا نلعبها في تلك الأيام الخوالي.
كانت الروائح الزكية لأطباق رمضان المميزة تملئ الأزقة والطرقات، وإن المار في تلك الأزقة لتلتصق تلك الروائح بملابسه حتى يظن أنه قد أكل منها أو طبخها. ولن تشم رائحة طبق إلا وتجده قد أهدي إليك وتمتلئ المائدة عند الإفطار بما لذ وطاب من الطعام وليس فيها من عمل أهل البيت إلا اليسير، وما أهدي أكثر مما أعد لذا لا تكاد ترى في تلك الأيام جائع أو محتاج، فأهل الخير والإحسان يشرعون أبوابهم للمساكين حتى إذا اقترب موعد أذان المغرب رأيتهم يقفون عند الأبواب ينتظرون عابر أو مار حتى يتسابقون في دعوته لينالوا أجر إفطاره.
وفي تلك الأيام ترى المساجد عامرة بالمصلين والذاكرين وقارئي القرآن والكل يحرص على ختم كتاب الله في هذا الشهر الفضيل والكل يحرص على أداء الصلوات في المساجد فتراها مكتظة بعمارها مزدحمة بروادها، لهم أصوات كدوي نحل في الخلية. وصلاة التراويح وآه على صلاة التراويح، فعبق البخور ودخان العود ورذاذ ماء الورد ينتشر في المساجد ساعة أدائها حتى يخيل إليك أنك في قاعة عرس أو صالة فرح. ولا يكاد يخلوا مسجد من شراب الورد أو عصير الليمون البارد يسقى منه المصلين بعد الصلاة.
كان أقسى الناس قلباً وأشدهم معصية إذا دخل رمضان تغير حاله وتبدلت سيرته فقد صفد شيطانه وسربل أبليسه فلا تجد مفطراً في نهار رمضان ولا مغنياً أو مفسداً لأخلاق غيره في ليله ورغم ذلك فإنه لم يكن مجتمعاً ملائكي فإن وجد عاصياً فإنه يستحيي من الناس ويختبأ كما الفأر في جحره ولا يجاهر بمعصيته ولا يفاخر بها بل يغلق الأبواب ويتلفت يمنة ويسرة قبل أن يقذف باللقمة المحرمة في فمه كأنه سارق وهو كذلك، ولكن المجتمع أجبره على احترام الشهر، فأين مني كذاك مجتمع.
ويستمر شريط الذكريات في الدوران حتى يصل إلى مشهد جميل وصورة خلابة فمن منا لم يصحب "المسحر" أو المسحراتي كما يسمى في بعض البلدان العربية يستمع لإيقاع طبلته القوية ونبرات صوته المميز وكلماته المذكرة بالله. وكيف كان الأطفال يستعدون لليلة منتصف رمضان، وآه من تلك الليلة، يسبقها استعداد ينظف الأحياء من جميع علب الصفيح وتكون أعز عند الواحد منهم وأغلى من أجمل لعبة، فهي من أهم المواد الخام لصناعة الطبول لتلك الليلة المشهودة، والتي تدوي أصواتها وأناشيد القرقاعون أو القريقيعان أو غيرها من المسميات الشعبية في منطقة الخليج يشدون بالأناشيد الخاصة بهذه المناسبة حتى منتصف الليل، يلفون خلالها جميع الأحياء القريبة والبعيدة لجمع الحلوى والمكسرات في أكياس علقت في رقابهم كأنها قلائد ذهبية يتفننون في ألوانها وأشكالها.
ثم يتوقف شريط الذكريات برهة ونمعن النظر في صورة جميلة من صور رمضان، صورة لتوديع ذلك الشهر الكريم فكما استقبلناه بحفاوة وغناء، نودعه بمثلها. ثم تكون ليلة العيد ننام وملابسنا الجديدة بقربنا، نغمض أعيننا وقلوبنا مستيقظة، ترقب خيوط الفجر لنخرج لصلاة العيد ثم ننطلق بعدها نمشط الأحياء والفرجان نجمع العيدية فرحين مسرورين.
عبق زكي وصور رائعة من عهد أفل وزمان رحل. ولكن هل لا زال لرمضان تلك النكهة الخاصة ؟ أم أن الوضع قد اختلف وتغير؟ هل تغير رمضان أن نحن الذين تغيرنا؟ لا والله إن رمضان هو رمضان لم يتغير ولم يتبدل ولكننا نحن الذين تغيرنا ونحن الذين بدلنا جلدتنا حتى صرنا لا نعرف بعض، فخلت منا الديار، وأصبحت خاوية على عروشها واختفت منها تلك الروح التي كانت تنبض فيها فيا ليت عمري على رمضان وسقى الله أيامه الماضية ولياليه السابقة فمن يعيد لي تلك الأيام ومن يحي تلك الذكريات؟ هيهات هيهات أنها سنة الله في خلقه فإن الميت لا يعود وعقارب الساعة لا ترجع للخلف أبداً .

صلاح يوسف
14-10-2004, 04:05 PM
[align=justify:445d48fc55]الفاضل عادل 2004

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كتبت وصفا طار معه الخيال ، فعلا ما اجملها من ايام .. :)

اعتقد ان الحصن بانظمامك اليه قد اكتسب اديبا يحسن صياغة كلماته ..

ويطويعها ليسلب بها عقول القراء ...

كم انا مسرور بما كتبت ،

تذكرني كلماتك بالشيخ علي الطنطاوي وطريقته بالكتابه ..

اخوك ............ صلاح يوسف[/align:445d48fc55]

عادل2004
16-10-2004, 08:13 AM
الأخ الفاضل صلاح يوسف

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،

أشكرك أخي الفاضل على كلماتك المرحبة وعباراتك المشجعة.

أما الشيخ علي الطنطاوي فذاك قمة كلت رقابنا من النظر إلى شموخها فكيف ببلوغها

وجزاك الله خيراً