عرض الإصدار الكامل : الوضوء والتيمم ,,,, فلسفة تتعدى الشكل .


raed haidar
14-09-2004, 03:23 AM
لعله من الواضح أن الديانات السماوية قد نزلت تباعاً على مبدأ الاستمرارية والتطور .. بمعنى أن نزول كل دين كان بمثابة استمرار للدين الذي سبقه مع اضافة أسباب النزول تبعاً للمستجدات التاريخية على مختلف أشكالها والتي أدت بالضرورة الى هذا النزول .. هذه الاضافات لم تكن على مستوى المناقضة في جوهر الدين بل على العكس , كانت على مستوى ترسيخ الثوابت الاساسية , الوجود – التوحيد – الايمان – الخ ... , والعمل على اضافة المزيد من أنماط العبادة التشريع بحسب المقتضيات الملازمة لمرحلة نزوله . و الاسلام هو أكثر الديانات السماوية التي أولت موضوع نظافة الانسان أهمية كبرى عن ماقبله من الديانات السماوية , بحيث ربط موضوع الوضوء بأهم دعامة من دعائمه وهي الصلاة .. كذلك ربط موضوع الاغتسال بحالة الجنابة عند الذكور , وحالة الدورة الشهرية عند الاناث ..
في المفهوم الايماني , فان علاقة الانسان مع خالقه هي علاقة روحية خالصة , وليست مبنية على الحالة الجسدية .. فالله تعالى لا يرفض التقرب منه حتى لو كان الانسان ملطخاً بالطين والغبار .. فجوهر الدين هو الايمان المطلق بالله والتسبيح بحمده وشكره على نعمه والوقوف بين يدي الله لا يتطلب سوى النية الصافية والارتباط الخالص بالخالق لكنه , تعالى , اشترط الوضوء في أكثر حالات هذا التقرب ممارسة , وهو الصلاة .. وحيث أن الصلوات هي خمس يومياً ,, فذلك يدل على تنبيه مستمر من الخالق عز وجل على ضرورة التعامل مع الماء خمس مرات , على الأقل , في اليوم الواحد .
ولكن لماذا الماء ؟؟؟؟ ولماذا كان البديل عنه , في حال عدم وجوده , هو التيمم بالتراب ؟؟؟
في واقع الأمر أن الموضوع يتعدى الشكليات الى ابعد منها بكثير .. فالانسان ليس من عنصر ( نجاسة ) ان صح التعبير .. وعليه فان تقربه من خالقه ليس من الممكن أن يتم رفضه فيما لو كان جسمه متسخاً أو مظهره غير لائق .. لكن ادراج عملية الوضوء تتعدى ذلك الشكل لتصل بالانسان الى حتمية التعامل مع الماء بشكل يومي , ولعدة مرات ... فالماء , عدا عن كونه مزيلاً للأوساخ , فهو أصل الحياة و مبعث استمرارها . وعلى الانسان أن يبقى في تماس دائم معه لما يعنيه من حيث نعمة وجوده .. وليس فقط من اجل ارواء الظمأ ,, فمن الممكن أن يبقى المرء من دون شرب طوال النهار ,, لكن لايمكنه قضاء الصلوات كلها من دون وضوء .. الله سبحانه وتعالى لم يهبنا الماء لنشرب منه وحسب , بل للطاقة الطبيعية الموجودة فيه والتي بدأ العالم اليوم يكتشف أسرارها شيئاً فشيئاً ... ان العلوم الصينية القديمة , والتي تعرف اليوم بما يسمى بالطب البديل , أولت الماء أهمية قصوى للطاقة الايجابية التي يولدها ,, ومدى تاثير هذه الطاقة على سلوك الانسان وحالته النفسية ككل , وعلاقته مع محيطه وغيره من الكائنات .. وطبعاً لا يخفى ان تلك العلوم تقوم على مبادىء عناصر الطبيعة الخمس , الماء والهواء والنار والمعدن والتراب .. تلك المفاهيم بدأ العالم يدرسها بجدية فائقة لما تحتويه من اسرار وحقائق قد يبدو من الصعب تصديقها . والانسان في تعامله مع الماء قبل الصلاة , فانه بذلك يستفيد من الطاقة الايجابية الكامنة فيه والتي تؤثر في طاقته الجسمانية مما يقود الى تدعيم حالته النفسية ويدفعها الى قمة الايجاب وذلك ما هو مطلوب اصلاُ في ممارسة العبادة . ومن الثابت تاريخياً أن العرب حين وصلوا الى حدود الصين , بذلوا الكثير من الجهد لمعرفة اسباب تعلق شعوب الشرق الأقصى بموضوع الماء .. ولا شك أنهم أدركوا , الى حد ما , جدية الأمر وحقيقة تاثيره .. وحين وصولهم الى الأندلس تفننوا في كيفية التعامل مع الماء , منتهزين توفره الغزير على عكس ما اعتادوه في حياتهم الصحراوية , ليتشبعوا من وجوده .. ومن زار قصر الحمراء في غرناطة-اسبانيا فلا بد أنه دُهش لذلك الاصرار العجيب في جعل الماء يجري في الأغلبية الساحقة من أقسامه وممراته وحتى أدراجه الحجرية .. انتقلت الفكرة بعدها الى بلاد الشام وما يسمى بالمنازل أو البيوت العربية حيث كان أهم ما يميزها هو صحن الدار الذي لا بد وأن تتوسطه تلك ( البحرة ) ذات النوافير . والقصص مازالت على ألسنة الناس بأن الانسان الغاضب أو المتوتر ماعليه سوى الجلوس بجانبها قليلاً , يستمع الى صوت رقرقة مياهها , ويستمتع برذاذها الأخاذ , ليغير حالته النفسية بطرد الطاقة السلبية من داخله والاستعاضة عنها بطاقة ايجابية سببها وجود الماء على هذا الشكل الهادىء ... وشخصياً ,, لم استغرب في زيارتي الى أحد البيوت الدمشقية القديمة وجود بحرة مماثلة في مخدع النوم .. لكنها حالات قليلة كونها كانت حكراً على أثرياء المدينة في ذلك الوقت القادرين على بناء بيوت ذات حجرات ضخمة تلائم ذلك ..
هذا عن الماء .. فماذا عن التراب ,, بديله للتيمم .. ؟؟ واذا كان الوضوء بالماء لمجرد النظافة فقط , فلماذا كان البديل هو المزيد من الاتساخ ؟؟؟
أعتقد أن الجواب اقترب من الوضوح اذا ماتم النظر اليه من نفس الزاوية .. فالتراب ايضاً من عناصر الطبيعة الاساسية ,, وكذلك فهو يحتوي على الطاقة .. الا أنه من المهم جداً التفكير بكونه هو البديل , وليست النار مثلاً .. فلاشك من وجود حكمة ما وراء ذلك .. وأقرب ما يمكن أن يفسر به هو أن الله تعالى خلق الانسان من طين .. والطين هو مجبول التراب بالماء .. فهما بالنتيجة أصل خلق الانسان .. وبناءً عليه فان الانسان في تعامله , الطارىء , مع التراب من أجل التيمم فما هو الا بمثابة دافع له لكي يتذكر مم خلق .. اضافة الى تحريض الانسان على التواضع للأرض التي خلقها الله عز وجل ليمشي عليها هونا فلا يتكبر ولا يستعلي وذلك تم التأكيد عليه في النص القرآني الكريم في مناسبات عدة ..
اذاً , فالوضوء والاغتسال والتيمم , هي أمور لم يتم اقرارها لأسباب تتعلق في شكليات العبادة ,, بل هي في الحقيقة تحمل معان أعمق ولابد من ادراكها لرفع وتيرة التعامل معها الى ما تستحقه من اقتناع .

يبقى السؤال المطروح : مادام الاسلام قد فرض هذا التعامل مع الماء بهذا الشكل ,, ومادام الأمر في احدى طياته يحمل مفهوم النظافة الشخصية للانسان , فلماذا هي المدن العربية أكثر المدن اتساخاً في العالم ؟؟

سؤال برسم آرائكم ,,, وقد يكون له متابعة ..

بكل الود

raed haidar
14-09-2004, 03:51 AM
في الواقع أنه بعد كتابة الموضوع ,, وادراجه في باب الحوار المفتوح ,, وكأنني لم أنتبه الى وجود باب مخصص له علاقة مع الطرح وهو البايوجيومتري .. وأثناء ذلك تبينت وجود مشاركة سابقة لـ dandy حول نفس الموضوع وتتضمن أفكاراً مهمة ..

لذلك ارتأيت التنويه .

بكل الود