raed haidar
13-09-2004, 02:11 AM
صديقي الطيب :
انه الخريف .....
هذا الضيف الجميل ....
هاقد عاد ثانية ليطرق أبوابنا الصلدة ,, حاملاً معه تباشير المطر .. هاقد عاد ليكنس عن نوافذنا المشرعة غبار الصيف ,, عاد بتراتيل ألفناها حدّ الشغف .. تراتيل الحزن الساكن فينا طوال تاريخ انتظارنا الطويل ... عاد بأناشيد مازالت تتفيأ ظلال القلب , حاملاً على كفه الأصفر أقاصيص كثيرة , وأمسيات حميمة .. عاد بلا صخب , كما العادة , ليقف عند عتبات عيوننا مكللاً بالهدوء , مترعاً برائحة المطر الندية . عاد بكل هذا الألق لنهرع اليه فنفتح له دفاتر الحسرة , ونرتمي عند أماسيه الباردة فنستذكر له حكايا الوجع ...
انه الخريف , قد عاد ثانية ليقدم لنا , كعادته , قمراً شهياً يختصر الأنين ,, وصدراً مريحاً يتسع للبكاء .
وهاهي دمشق ,, عكازة لوعتنا , عادت لتنفض عن جدرانها بقايا الياسمين , وطراوة السهر .. هاهي وقد اغتسل بمقلتيها الصباح , وسرحت شعرها طهارة المطر , جاء الخريف ليلملم من أرجوان السواقي واحتفالات الندى عطوراً ينثرها على امتداد كآبتها للتوجه اليه بالحب والرجاءات , وتسترجع من الزعفران والقرنفل تيجان اللهفة والدفق , للتزين بهما عروساً أشد فتنة من قوس قزح , وأكثر بريقاً من مرجان البحر .
أجل ايها العزيز , انه الخريف , وقد اشتد حضوره حتى أعاد الينا ملامح الالفة فبنى في خرائبنا شرفات للأمنيات , وارتعاشات موسمية مترعة بالبسمات ..
أنا ياعزيزي مازلت أضحك ...
مازلت ألهو بأشيائي القليلة ...
مازلت أحلم بالحياة , رغم تساقط الكآبة ... رغم الحقيقة الوحيد المطلقة في هذا الكون , بأننا أموات , أو في طريقنا نسعينا المتواصل الى الموت ...
الحياة , رغم طولها أحياناً , فانما هي تمضي كلمح البصر , لاتترك لك الفرصة الكافية للتأمل .. وهي أشبه ماتكون بفيلم سينمائي مجهول الهوية ,, لا مخرج معروف , ولا ممثلون معروفون ,, سوى أنه قصة غامضة تجعلك تدخل اليه وقد ارتسم الذعر على ملامحك الباردة .. فما ان تدخل , وتطفىء الأنوار , حتى تبدأ القصة وتستمر في صعود وهبوط مرعبين ,, فيلم حافل بالاحداث اللعينة . مواقف غريبة , صور سوداء وأخرى ملوتة ,, منبهات ترن في مختلف الاتجاهات والاوقات .. احداث متشابكة لاتستطيع التكهن بنهايتها .. انه باختصار فيلم يشدك حتى حدود الدهشة , ويجعلك مسمراً في مقعدك فلا يترك لك الفرصة لأن تتثاءب ,, أو لتلقي كلمة على عجل الى جارك , أو لتلتقط حبة ( بوشار ) بشفتيك المرتجفتين ..
وفجأة ,, وبلا سابق انذار على الأغلب , ينقطع تسلسل الأحداث ,,, وتنتهي القصة ,, وتسدل الستارة معلنة نهاية الفيلم .. وأنت في مقعدك وقد اعتراك الذهول لا شيء تفعله سوى أن تبحث بين أعقاب السجائر عن سيجارة مازال فيها القليل لتشعلها من جديد ,,, ثم تتكوم مثل سحابة سوداء , وتمضي وسط الجموع وقد اشتد عليك الضياع ...
ومع ذلك ,,,,, مع كل ذلك ,,,, ( فالعيش شيء رائع ياعزيزي ) ..
أن نحيا ,,,, أن نحب ,,,, أن نضحك ,,, أن نبكي ,,,, كل ذلك يكاد يواسينا .. يواسينا وحسب ..
بل لعله يجعل نظرتنا الى الأمور أكثر شفافية .. وكلما ازددنا شفافية , ازددنا حسرة وألماً ,, والألم قد يدفعك حدّ الصراخ في شوارع العتمة أنك انسان ,, بقايا انسان , لا يهم , المهم حقك في أن تعيش بهدوء ,, وتنام بهدوء ,, وتدخن بهدوء ,, وتستعمل فرشاة اسنانك بهدوء ...
ولأننا وعينا على المسألة مبكراً ..
ولأننا أدركنا حجم المعاناة أكثر مما ينبغي ...
ولأننا كنا نحلم كثيراً ,, فما ان يتراءى لنا حلم حتى كنا نهرع صوبه مثل كلب يلهث وراء عظمة رائعة ..
ولأننا لم نستطع , أيها العزيز , أن نفعل الكثير مما كنا نعتقده ,, كان علينا التفكير بشيء ما يبدد وحشتنا .
لعله الحب ,, قنديلنا اليتيم , صراخنا المرير من أجل حياة تزخر بالورد والشموس والمرايا ..
بل لعله الرحيل , هذا الخوف المسموم ..
فكم هو رائع أن نحزم حقائبنا ونمضي وقد هدتنا الخيبة , وتراكم على أحذيتنا غبار الكسل ...
أن ترحل ,,, يعني أن تمضي متأبطاً طفولتك واشياءك القليلة لتبحث عن شاطى آخر لم تلوثه المرارة ,, ولم يغادره بعد الموج اللذيذ .. لتبحث عن حزمة ضوء بين تراكم الظلام .. لتبحث عن ركن منعزل لم تطاله سوى النوارس , فتفترش فيه وسائد الصمت وتتأمل من بعيد تثاؤب المراكب فوق بهجة البحر ,, وتحلم بنجوم مهترئة سقطت من الفضاء لتغازلها خلف بيادر المساء ..
ليس من الضروري أن تشعر بالوحدة ,, أو الغربة .. فالغربة ليست سفراً بعيداً ,, أو أرصفة موحشة .. بل هي ما يدفعك بين ملايين الناس لأن تصرخ : يا الهـــــــي ....... كم أنا وحيد ....
أن ترحل ,, يعني أن تلقي بكل ما مضى في سلة المهملات .. ثم تستجمع ما بقي لديك من قدرة على الغناء لتعتلي صهوة الغياب وقد غلبتك مشقة العثور على يد دافئة تمسح على شعرك ,, وتبحث بين تجاعيد وجهك عن آخر مواطن الألم .
تقبل تحياتي ..
-----------------
ملاحظة : مازلت بانتظار عنوانك !!
انه الخريف .....
هذا الضيف الجميل ....
هاقد عاد ثانية ليطرق أبوابنا الصلدة ,, حاملاً معه تباشير المطر .. هاقد عاد ليكنس عن نوافذنا المشرعة غبار الصيف ,, عاد بتراتيل ألفناها حدّ الشغف .. تراتيل الحزن الساكن فينا طوال تاريخ انتظارنا الطويل ... عاد بأناشيد مازالت تتفيأ ظلال القلب , حاملاً على كفه الأصفر أقاصيص كثيرة , وأمسيات حميمة .. عاد بلا صخب , كما العادة , ليقف عند عتبات عيوننا مكللاً بالهدوء , مترعاً برائحة المطر الندية . عاد بكل هذا الألق لنهرع اليه فنفتح له دفاتر الحسرة , ونرتمي عند أماسيه الباردة فنستذكر له حكايا الوجع ...
انه الخريف , قد عاد ثانية ليقدم لنا , كعادته , قمراً شهياً يختصر الأنين ,, وصدراً مريحاً يتسع للبكاء .
وهاهي دمشق ,, عكازة لوعتنا , عادت لتنفض عن جدرانها بقايا الياسمين , وطراوة السهر .. هاهي وقد اغتسل بمقلتيها الصباح , وسرحت شعرها طهارة المطر , جاء الخريف ليلملم من أرجوان السواقي واحتفالات الندى عطوراً ينثرها على امتداد كآبتها للتوجه اليه بالحب والرجاءات , وتسترجع من الزعفران والقرنفل تيجان اللهفة والدفق , للتزين بهما عروساً أشد فتنة من قوس قزح , وأكثر بريقاً من مرجان البحر .
أجل ايها العزيز , انه الخريف , وقد اشتد حضوره حتى أعاد الينا ملامح الالفة فبنى في خرائبنا شرفات للأمنيات , وارتعاشات موسمية مترعة بالبسمات ..
أنا ياعزيزي مازلت أضحك ...
مازلت ألهو بأشيائي القليلة ...
مازلت أحلم بالحياة , رغم تساقط الكآبة ... رغم الحقيقة الوحيد المطلقة في هذا الكون , بأننا أموات , أو في طريقنا نسعينا المتواصل الى الموت ...
الحياة , رغم طولها أحياناً , فانما هي تمضي كلمح البصر , لاتترك لك الفرصة الكافية للتأمل .. وهي أشبه ماتكون بفيلم سينمائي مجهول الهوية ,, لا مخرج معروف , ولا ممثلون معروفون ,, سوى أنه قصة غامضة تجعلك تدخل اليه وقد ارتسم الذعر على ملامحك الباردة .. فما ان تدخل , وتطفىء الأنوار , حتى تبدأ القصة وتستمر في صعود وهبوط مرعبين ,, فيلم حافل بالاحداث اللعينة . مواقف غريبة , صور سوداء وأخرى ملوتة ,, منبهات ترن في مختلف الاتجاهات والاوقات .. احداث متشابكة لاتستطيع التكهن بنهايتها .. انه باختصار فيلم يشدك حتى حدود الدهشة , ويجعلك مسمراً في مقعدك فلا يترك لك الفرصة لأن تتثاءب ,, أو لتلقي كلمة على عجل الى جارك , أو لتلتقط حبة ( بوشار ) بشفتيك المرتجفتين ..
وفجأة ,, وبلا سابق انذار على الأغلب , ينقطع تسلسل الأحداث ,,, وتنتهي القصة ,, وتسدل الستارة معلنة نهاية الفيلم .. وأنت في مقعدك وقد اعتراك الذهول لا شيء تفعله سوى أن تبحث بين أعقاب السجائر عن سيجارة مازال فيها القليل لتشعلها من جديد ,,, ثم تتكوم مثل سحابة سوداء , وتمضي وسط الجموع وقد اشتد عليك الضياع ...
ومع ذلك ,,,,, مع كل ذلك ,,,, ( فالعيش شيء رائع ياعزيزي ) ..
أن نحيا ,,,, أن نحب ,,,, أن نضحك ,,, أن نبكي ,,,, كل ذلك يكاد يواسينا .. يواسينا وحسب ..
بل لعله يجعل نظرتنا الى الأمور أكثر شفافية .. وكلما ازددنا شفافية , ازددنا حسرة وألماً ,, والألم قد يدفعك حدّ الصراخ في شوارع العتمة أنك انسان ,, بقايا انسان , لا يهم , المهم حقك في أن تعيش بهدوء ,, وتنام بهدوء ,, وتدخن بهدوء ,, وتستعمل فرشاة اسنانك بهدوء ...
ولأننا وعينا على المسألة مبكراً ..
ولأننا أدركنا حجم المعاناة أكثر مما ينبغي ...
ولأننا كنا نحلم كثيراً ,, فما ان يتراءى لنا حلم حتى كنا نهرع صوبه مثل كلب يلهث وراء عظمة رائعة ..
ولأننا لم نستطع , أيها العزيز , أن نفعل الكثير مما كنا نعتقده ,, كان علينا التفكير بشيء ما يبدد وحشتنا .
لعله الحب ,, قنديلنا اليتيم , صراخنا المرير من أجل حياة تزخر بالورد والشموس والمرايا ..
بل لعله الرحيل , هذا الخوف المسموم ..
فكم هو رائع أن نحزم حقائبنا ونمضي وقد هدتنا الخيبة , وتراكم على أحذيتنا غبار الكسل ...
أن ترحل ,,, يعني أن تمضي متأبطاً طفولتك واشياءك القليلة لتبحث عن شاطى آخر لم تلوثه المرارة ,, ولم يغادره بعد الموج اللذيذ .. لتبحث عن حزمة ضوء بين تراكم الظلام .. لتبحث عن ركن منعزل لم تطاله سوى النوارس , فتفترش فيه وسائد الصمت وتتأمل من بعيد تثاؤب المراكب فوق بهجة البحر ,, وتحلم بنجوم مهترئة سقطت من الفضاء لتغازلها خلف بيادر المساء ..
ليس من الضروري أن تشعر بالوحدة ,, أو الغربة .. فالغربة ليست سفراً بعيداً ,, أو أرصفة موحشة .. بل هي ما يدفعك بين ملايين الناس لأن تصرخ : يا الهـــــــي ....... كم أنا وحيد ....
أن ترحل ,, يعني أن تلقي بكل ما مضى في سلة المهملات .. ثم تستجمع ما بقي لديك من قدرة على الغناء لتعتلي صهوة الغياب وقد غلبتك مشقة العثور على يد دافئة تمسح على شعرك ,, وتبحث بين تجاعيد وجهك عن آخر مواطن الألم .
تقبل تحياتي ..
-----------------
ملاحظة : مازلت بانتظار عنوانك !!