P. R. Picasso
06-09-2004, 08:49 PM
أنا سلفادور دالي أسأل نفسي:
ما الذي يفعله اليوم هذا الانسان المعجزة؟
محمد شـــرف
تصادف هذا العام ذكرى ميلاد سلفادور دالي المئة وقد أقيمت لهذه المناسبة معارض استعادية في مدن اوروبية عدة: برشلونة، مدريد، سان بطرسبورغ وروتردام، اضافة الى نشاطات اخرى تتوزع بين محاضرات وعروض سينمائية ونقاشات حول ظاهرة دالي، وتستمر حتى نهاية 2004.
http://imagecache2.allposters.com/images/20/D115DALI.JPG
“حين استيقظ كل صباح، اختبر لذة لا تُضاهى: انني سلفادور دالي، وأسأل نفسي ما الذي سيفعله اليوم هذا الانسان المعجزة: سلفادور دالي”
سلفادور دالي
[align=justify:645fb3e6e2]“مذكرات عبقري”
“يجب على المتأنق Le Dandy ان يعيش وينام قبالة مرآته”. لقد كان جديراً بدالي ان يستعير عبارة بودلير هذه كي يجعلها شعاراً له طوال حياته. لكن المرآة وحدها كانت شيئاً تافهاً، اذ كان في حاجة الى مرايا اخرى: لوحاته، المعجبون، الصحف والمجلات، التلفزيون، ولا ندري اذا كانت هذه الاشياء كافية له.
لذا سنراه، يوم عيد الميلاد، يتمختر في شوارع نيويورك حاملاً جرساً صغيراً، يهزّه كي يطلق رنيناً كلما شعر ان الناس لا يعيرونه انتباهاً. “لم اكن أطيق فكرة ان لا يتعرّف عليّ الناس”. هذا الايمان الراسخ بشخصه، سيرافقه حتى لحظات حياته الاخيرة، حين ستتجسد آخر لحظات اللذة، وهو مستلق على فراش الموت في عيادة كيرون في برشلونة، بمتابعة النشرات التي تبثها قناة كاتالونيا التلفزيونية الثالثة ليستمع الى ما يقال عن وضعه الصحي المتحسن او المتردي الذي سيفضي به، ربما، الى العالم الآخر.
جنون العظمة وهواجس “مطبخية”
في السادسة من عمره أراد دالي ان يكون “طباخة”، مع تأكيد الناحية الانثوية للتعبير، وفي سن السابعة: نابوليون. “منذ ذلك الوقت لم يتوقف طموحي عن الازدياد، كما هي الحال بالنسبة الى جنون العظمة المتجذر في نفسي. لا اريد ان اكون الا سلفادور دالي... ولكن كلما اقتربتُ من هذا الهدف، كان سلفادور دالي يبتعد عني”.
تبدأ حكاية جنون العظمة في كاتالونيا. وربما ساعدتنا جذوره الكاتالانية في تفسير بعض مظاهر نتاجه في مراحله المبكرة والمتأخرة. يُقال ان الكاتالاني لا يعير انتباهاً الا لما يستطيع أكله، سماعه، لمسه، تنشقه او رؤيته. انطلاقاً من هذا الطباع المادية و”المطبخية”، لا يمثل دالي لغزاً شديد التعقيد: “أنا أعرف ما آكله، ولا أدري ما أفعله”. وفي حين يشبّه الفيلسوف فرنسيس بيجول، احد مواطني دالي، انتشار الكنيسة الكاثوليكية، بخنزير يُعلف باستمرار قبل قتله والتهامه، يصرّح دالي: “المسيح قالب من الجبنة، لا بل جبال كاملة من الجبنة”. هذا “الهذيان الغذائي” سيظهر من خلال نتاجه حين نشاهد الساعات “الرخوة” المولودة من حلم جبنة الـCamembert السائلة، او لدى معاينة بعض الاعمال كـ”خبز مع بيضتين” او “بيضة في الصحن بلا صحن”، او رسوم غالا “مع ضلعي خروف” وغيرها، وصولاً الى الحرب الاسبانية، حين يجد دالي الجرأة ليعنونها: “بناء رخو مع فاصوليا مغلية – شعور مسبق بالحرب الاهلية الاسبانية”.
بعيداً عن الناحية “المطبخية”، ومن اجل الاحاطة بالظرف التاريخي الذي ظهرت فيه “عبقرية” دالي، لا بد ان نتذكر انه لمئة عام مضت، اي عام 1904 حين ولد دالي، كانت كاتالونيا على ابواب حركة تجديد وتبادل اقتصادي واسع مع باقي اجزاء العالم. وكان الكاتالانيون، الفخورون والاقوياء، يتوقون الى تحويل عاصمتهم برشلونة مدينة تشبه اثينا القرن العشرين. في تلك الفترة رسم بيكاسو، ابن الـ23 عاماً، لوحة “الكواءة” La Repasseuse، فيما كان غاودي يشيّد آخر الكاتدرائيات الحية: ساغرادا فاميليا.
سوريالي قبل السورياليين؟
جذبت معارض دالي الاولى في برشلونة ومدريد اهتمام الجمهور والنقاد، لكنها لم تكن، بالنسبة اليه، سوى الوجبة الاولى التي لا تُشبع معدة جائعة وطموحة. كان يعلم ان باريس تمثل مح طة لا بد لكل فنان، حينذاك، ان يطأ ارصفتها. في اول زيارة للمدينة، عام 1927، قصد بيكاسو ليقول له، مع بعض الاضطراب الممزوج بالاحترام: “لقد أتيت لزيارتك قبل ذهابي الى اللوفر”، وسيجيبه بيكاسو: “لست مخطئاً في خطوتك هذه”. وقد جاءت تلك الزيارة في حين كانت مرحلة اللمسات الانطباعية، والتنقيطية، وافكار المستقبلية والتكعيبية وما بعدها تعيش ايامها الاخيرة، تاركة الدرب مفتوحاً امام آفاق جديدة. كان البقاء في باريس ضرورة لم يستجبها دالي، واستعاض عن ذلك بزيارات متقطعة. وفي تلك الفترة سيكتب، مع صديقه لوي بونويل سيناريو فيلم “الكلب الاندلسي”، الذي اختير له هذا العنوان بالذات “من اجل إرباك الجمهور”. وحين تم عرض الفيلم في وقت لاحق، سيكتب عنه أوجينيو مونيتس: “محطة في تاريخ السينما، محطة مدموغة بالدم كما كان يريد نيتشه، وهو ما فعلته اسبانيا على الدوام”.
وفي زيارته الثانية لباريس يقول دالي: “وصلت الى باريس وانا اتذكر عنوان رواية قرأتها بالاسبانية: “إما قيصر وإما لا شيء”، استقللت سيارة تاكسي وسألتُ السائق: هل تعرف مواخير جيدة؟ ... بعد زيارة المواخير تناولت الغداء مع خوان ميرو الذي قال لي انه سيقدمني الى مارغريت. ظننت انه يقصد الرسام البلجيكي رينه ماغريت، الذي كنت اعتبره احد الفنانين الاكثر التباساً في عصرنا” (لن نجد صعوبة في اكتشاف ما يخفيه هذا الحكم من تجريح ضمني يغذيه شعور جنون العظمة).
لم يمكث دالي في العاصمة الفرنسية طويلاً. كان ثمة امر ما لا يستطيع تفسيره يدعوه للعودة الى كاتالونيا. لم يكن قد التقى فعلياً جماعة السورياليين، حين شرع في تلك الفترة يرسم “صور خداع بصري” Trompe l’œil، معتمداً في ذلك على مهارة شيطانية تلمّ بمختلف انواع التقنيات ليصبح، قبل ربع قرن من ظهورها، احد رواد الواقعية المفرطة الاميركية. لكن هذه الدقة الفوتوغرافية التي ميزت اعماله كان يلجأ اليها من اجل هدف آخر: نقل صور الحلم وتجسيدها. وهذه الاعمال كانت، عملياً، مقدمة للوحاته السوريالية. وبعد ذلك بعقود عدة، عام 1973، سيقول محدِّداً اسلوبه التشكيلي معتبراً اياه “صورة فوتوغرافية ملونة باليد لتفاصيل شديدة الدقة من عالم تشكيلي يحكمه اللامنطق الواقعي”.
وفي نظرة الى اعماله العائدة الى نهاية عشرينات القرن المنصرم وطوال ثلاثيناته، يتفق الباحثون على ان ذاك النتاج يضع دالي في مقدمة الفنانين السورياليين. فهو، بحسب نظر البعض، سوريالي جملةً وتفصيلاً، وهو حكم ينطبق ايضاً على كلود مونيه في اعتباره اكثر الرسامين الانطباعيين انطباعية.
حب غالا ولوحة الـ”ليبيدو”
“أحب غالا اكثر من أمي ومن أبي، واكثر من بيكاسو، وحتى اكثر من المال”
ما من شك في ان الزيارة التي قام بها لدالي مجموعة من السورياليين تضم ماغريت وزوجته ولوي بونويل، وخصوصاً بول ايلوار وزوجته غالا، كانت مبعث سرور كبير بالنسبة اليه. كما لم يكن في حاجة الى تمحيص شديد كي يكتشف ان غالا كانت تجسيداً حياً لامرأة احلامه الخرافية. وقد جعله هذا الامر يقف امامها عاجزاً عن الكلام، مطلقاً ضحكات هستيرية. باح لها بحبه بعد مماطلة فرضتها طبيعة الموقف، ولم تكن المسألة سهلة. فإيلينا ديفيلينا دياكانوف، ابنة الموظف الموسكوبي (نسبة الى موسكو)، والتي عرفها الجميع باسم غالا، كانت تتمتع بشخصية مميزة تجمع بين الاغواء المثير والثقة بالنفس. وفي حين رأى في ذاك “اللحم” القريب منه كمالاً طالما بحث عنه، توقف لسانه في الاوقات الاولى عن الحركة، ليدرك لاحقاً ان غالا ليست حبيبة فحسب، بل موضوع لعشق عارم من شأنه ان يعالجه من مرض سيكولوجي مزمن.
وهكذا ستصبح غالا، بالنسبة الى دالي، “غراديفا”، بطلة رواية جنسن التي تنجح في عملية الشفاء السيكولوجي للبطل. وهي الرواية نفسها التي اتخذها سيغموند فرويد مثالاً ليجد فيها موضوعاً لاساليبه في التحليل النفسي. وبما ان افكار فرويد كانت احد المفاصل التي ارتكز عليها السورياليون في علاقتهم بنظرية اللاوعي، فسيكون دالي عندها اميناً، بشكل باطني او ظاهري، حقيقي او مفتعل، لاحد روافد الفكر السوريالي.
في تلك السنة الحاسمة في حياة دالي، اي 1929، سيرسم لوحة “ملاءمة الرغبات”، حيث ستتمثل تلك الرغبات على شكل رؤوس لأسود رهيبة، وكأنها رغبات متفجرة تصبح، من خلال حب غالا، مقبولة في اطارها العلاجي: “اختفت عوارض الهستيريا في نفسي الواحد تلو الآخر، وصرت قادراً على كبح جماح ضحكتي”. ومن ثم سينصرف الى احدى اشهر لوحاته: “انها تمثل رأساً كبيراً شمعياً اضاع لون الحياة، ذا خدين ورديين ورموش طويلة. الانف الضخم يرتكز على الارض، ويحتل جندب موقع الفم، وينتهي الرأس على نحو زخرفي من طراز 1900”، وسيعتبر دالي لوحة “المستمني الكبير” Le Grand Masturbateur صورة شخصية ذاتية “مائعة”، استناداً الى نظريته حول “المائع” و”القاسي”. ثم سيرسم “جمجمة جوية تغري البيانو” و”القيثارة غير المرئية الدقيقة والمتوسطة”، واذا اضفنا الى هذه الاعمال لوحة “لغز الرغبة: أمي، أمي، أمي”، سيتوضح عندها جزء اساسي من اسلوب تشكيلي تختلط فيه الايحاءات بالرغبات والرموز، التي تبني جميعها سفينة دالي الهائمة في بحر الـ”ليبيدو”، ذي الامواج العاتية والمتلاطمة.
في أشكال التعبير السوريالية
يقول اندره بروتون ان اسلوب دالي الهواجسي – النقدي “قدّم للسوريالية ادوات من المقام الاول”، متوافقاً مع قول اندره تيريون: “ان ما حمله دالي الى السوريالية من الامور الاساسية في حياة المجموعة وفي تطور ايديولوجيتها”. لكن هذه الشهادات لا يمكنها ان تخفي احدى الاشكاليات الاساسية التي احاطت بأسلوب السوريالية التعبيري في مجال الفن التشكيلي، والتي تراوح حدتها بين فرد وآخر من ممثلي هذا الاتجاه، ومن بينهم دالي.
فالسوريالية، كما يعرّفها بروتون في البيان الاول، عام 1924، هي: “آلية نفسانية صافية يمكننا ان نعبّر بواسطتها، إما كتابة وإما شفوياً، وإما بأي طريقة اخرى، عن سير عمل الفكر الحقيقي. وهي ما يمليه الفكر في غياب اي مراقبة يمارسها العقل وخارج اي اهتمام جمالي او اخلاقي”. صحيح ان السوريالية لم تكترث، كما يتبين من هذا التحديد، بما يمكن انتاجه من اشكال فنية، لكن الفنانين المنتمين الى التيار السوريالي تركوا اعمالاً فنية ذات طبيعة خاصة، وقد يكون إخضاع قيم هذه الاعمال التشكيلية لاهداف شاعرية هو ما يوحّد بينهم. اذ يرى بروتون ان التصوير والنحت هما عبارة عن تحولات تشكيلية للشعر، شرط ان يتحرر الفن من استعادة الاشكال كما هي في العالم الخارجي، فهدف الفن ليس ارضاء العين بل “تقديم خطوة جديدة في معرفتنا المجردة”.
لكن المفارقة تكمن في لجوء جماعة السورياليين، الرافضة لكل فن ينطلق من مفاهيم ذهنية او منطقية، الى مناهج علمية وعقلانية من اجل ادراك اللاعقلاني وفهم القوى اللاواعية.وهذا يقود، بحسب اعتقاد بروتون, الى اكتشاف طبيعتها منهجياً والتوصل الى استنتاجات ملائمة. بيد ان التعبير التشكيلي عن هذه المفاهيم، عبر الايمان بسلطة الفكر المطلقة، يتطلب من الفنان اعتماد طريقة آلية تلقائية يمليها اللاوعي والصور الحلمية. وهذه التلقائية تفترض أسلوباً عفوياً ولإرادياً وشكلاً من أشكال التعبير التلقائي المباشر.
لذا، لجأ اندره ماسون، في بعض اعماله، الى اتباع طريقة في رسم الخط تقوم على استعمال انبوب اللون بشكل مباشر من دون اللجوء الى الريشة. واستفاد ماكس ارنست من عنصر المصادفة لدى تنفيذه رسوماً باستعمال طريقة الحكّ frottage على اجسام مخدشة كي ينتج اعمالاً عفوية.
اما رينه مارغريت فقد اتبع اسلوباً يجمع بين مختلف وسائل الايهام البصري، بغية التوصل الى خلق مناخ سوريالي، من دون اللجوء الى غرابة صور ارنست وأشكال تانغي العضوية، وهذيان سلفادور دالي، وذلك عبر تقابل واضح بين المساحات المرسومة والفراغات، وتباين العناصر وتعاكسها وشفافية الوانها. وقد حذف ماغريت من تلك الوسائل التقنية كل ما من شأنه ان يخفف من صفاء المشهد الممثل، الشاعري، من دون اضافة استنباطات جديدة، في محاولة للاقتراب من مفهوم “التصوير الشعري”، وبلوغ اعماق الفكر من خلال محاكاته الواقع واعادة بنائه وفق “التشابه الاكثر كشفاً، الاكثر حقيقة”. فالتشابه الذي يريد بلوغه “تشابه ما هو مرئي، وما هو مادة فكر، لانه لا يكتفي بأن يصوّر ما يرى، فهو يصوّر ما يفكر فيه”، كما يقول كولينه.
لم تكن سوريالية ماغريت نوعاً من التعبير اللاشعوري او التعبير عن عالم الاحلام، بل كانت تصعيداً شعورياً للاشياء في ذاتها. وبفضل خياله المرهف العميق، اوجد منبعاً فنياً لاكتشافات تشكيلية رمزية لا نهاية لها. من هنا يمكننا القول ان سوريالية ماغريت كانت فكرية وشاعرية بامتياز.
صحيح ان دالي يجسد ظاهرة جديدة في السوريالية. لكن اعتماد ما سمّاه “النشاط الهذياني – النقدي”، في اعتباره نهجاً تلقائياً للمعرفة اللاعقلانية، يقودنا الى تمجيد الهذيانية. وقد دخل دالي حالة الهذيان، رغم كونها حالة اضطراب عقلي تتجلى في ايهامات وهلوسة مزمنة، بقصد تحويلها حالاً غير هذيانية، استناداً الى اعتقاده بـ”بديهية الذهن ونفاذه الخارق”. لكنه، وبعكس زملائه السورياليين الذين ركزوا على ظواهر شائعة في علم النفس، عالج دالي حالات مرضية اكثر شذوذاً كوساوس الخصاء وهواجس التفسخ والعجز الجنسي، مستخدماً وسائل التشويه ومظاهر الانحطاط، كانعكاس لاضطرابات مرضية تعكس بدورها الحال الثقافية والاجتماعية في تلك الفترة، محاولاً نقل نتائج التحليل النفسي لدى فرويد الى مجمل الوضع الاجتماعي والسياسي والثقافي لعصره.
بيد ان ظاهرة السوريالية لا تتمثل سوى في المرحلة الاولى من نتاج دالي. فقد عاد، منذ اواخر الثلاثينات الى اسلوب اقرب الى الكلاسيكية، ولم يعد يهمّ السوريالية، كما يصرّح بروتون، لان سلوكه ذا الطابع المسرحي، الاستفزازي، الذي طالما تميز به، دفعه الى أن يسخّر نفسه لخدمة الرجعية في اسبانيا، والى استثمار صريح لنوع من التدين العاطفي. لكن هذا التحول، سواء في نتاج الفنان او في سلوكه، لا ينفي قيمة أعماله الاولى التي أغنت الحركة السوريالية وجعلت دالي ظاهرة مميزة في تاريخ هذه الحركة ليرتبط اسمه بهذا التيار الفني على نحو لا جدل فيه.
وحين سئل مرةً في حوار تلفزيوني ما السوريالية، لم يتأخر في القول: السوريالية هي أنا. [/align:645fb3e6e2]
مودتي دائماً
بيكاسو :P :P :P
ما الذي يفعله اليوم هذا الانسان المعجزة؟
محمد شـــرف
تصادف هذا العام ذكرى ميلاد سلفادور دالي المئة وقد أقيمت لهذه المناسبة معارض استعادية في مدن اوروبية عدة: برشلونة، مدريد، سان بطرسبورغ وروتردام، اضافة الى نشاطات اخرى تتوزع بين محاضرات وعروض سينمائية ونقاشات حول ظاهرة دالي، وتستمر حتى نهاية 2004.
http://imagecache2.allposters.com/images/20/D115DALI.JPG
“حين استيقظ كل صباح، اختبر لذة لا تُضاهى: انني سلفادور دالي، وأسأل نفسي ما الذي سيفعله اليوم هذا الانسان المعجزة: سلفادور دالي”
سلفادور دالي
[align=justify:645fb3e6e2]“مذكرات عبقري”
“يجب على المتأنق Le Dandy ان يعيش وينام قبالة مرآته”. لقد كان جديراً بدالي ان يستعير عبارة بودلير هذه كي يجعلها شعاراً له طوال حياته. لكن المرآة وحدها كانت شيئاً تافهاً، اذ كان في حاجة الى مرايا اخرى: لوحاته، المعجبون، الصحف والمجلات، التلفزيون، ولا ندري اذا كانت هذه الاشياء كافية له.
لذا سنراه، يوم عيد الميلاد، يتمختر في شوارع نيويورك حاملاً جرساً صغيراً، يهزّه كي يطلق رنيناً كلما شعر ان الناس لا يعيرونه انتباهاً. “لم اكن أطيق فكرة ان لا يتعرّف عليّ الناس”. هذا الايمان الراسخ بشخصه، سيرافقه حتى لحظات حياته الاخيرة، حين ستتجسد آخر لحظات اللذة، وهو مستلق على فراش الموت في عيادة كيرون في برشلونة، بمتابعة النشرات التي تبثها قناة كاتالونيا التلفزيونية الثالثة ليستمع الى ما يقال عن وضعه الصحي المتحسن او المتردي الذي سيفضي به، ربما، الى العالم الآخر.
جنون العظمة وهواجس “مطبخية”
في السادسة من عمره أراد دالي ان يكون “طباخة”، مع تأكيد الناحية الانثوية للتعبير، وفي سن السابعة: نابوليون. “منذ ذلك الوقت لم يتوقف طموحي عن الازدياد، كما هي الحال بالنسبة الى جنون العظمة المتجذر في نفسي. لا اريد ان اكون الا سلفادور دالي... ولكن كلما اقتربتُ من هذا الهدف، كان سلفادور دالي يبتعد عني”.
تبدأ حكاية جنون العظمة في كاتالونيا. وربما ساعدتنا جذوره الكاتالانية في تفسير بعض مظاهر نتاجه في مراحله المبكرة والمتأخرة. يُقال ان الكاتالاني لا يعير انتباهاً الا لما يستطيع أكله، سماعه، لمسه، تنشقه او رؤيته. انطلاقاً من هذا الطباع المادية و”المطبخية”، لا يمثل دالي لغزاً شديد التعقيد: “أنا أعرف ما آكله، ولا أدري ما أفعله”. وفي حين يشبّه الفيلسوف فرنسيس بيجول، احد مواطني دالي، انتشار الكنيسة الكاثوليكية، بخنزير يُعلف باستمرار قبل قتله والتهامه، يصرّح دالي: “المسيح قالب من الجبنة، لا بل جبال كاملة من الجبنة”. هذا “الهذيان الغذائي” سيظهر من خلال نتاجه حين نشاهد الساعات “الرخوة” المولودة من حلم جبنة الـCamembert السائلة، او لدى معاينة بعض الاعمال كـ”خبز مع بيضتين” او “بيضة في الصحن بلا صحن”، او رسوم غالا “مع ضلعي خروف” وغيرها، وصولاً الى الحرب الاسبانية، حين يجد دالي الجرأة ليعنونها: “بناء رخو مع فاصوليا مغلية – شعور مسبق بالحرب الاهلية الاسبانية”.
بعيداً عن الناحية “المطبخية”، ومن اجل الاحاطة بالظرف التاريخي الذي ظهرت فيه “عبقرية” دالي، لا بد ان نتذكر انه لمئة عام مضت، اي عام 1904 حين ولد دالي، كانت كاتالونيا على ابواب حركة تجديد وتبادل اقتصادي واسع مع باقي اجزاء العالم. وكان الكاتالانيون، الفخورون والاقوياء، يتوقون الى تحويل عاصمتهم برشلونة مدينة تشبه اثينا القرن العشرين. في تلك الفترة رسم بيكاسو، ابن الـ23 عاماً، لوحة “الكواءة” La Repasseuse، فيما كان غاودي يشيّد آخر الكاتدرائيات الحية: ساغرادا فاميليا.
سوريالي قبل السورياليين؟
جذبت معارض دالي الاولى في برشلونة ومدريد اهتمام الجمهور والنقاد، لكنها لم تكن، بالنسبة اليه، سوى الوجبة الاولى التي لا تُشبع معدة جائعة وطموحة. كان يعلم ان باريس تمثل مح طة لا بد لكل فنان، حينذاك، ان يطأ ارصفتها. في اول زيارة للمدينة، عام 1927، قصد بيكاسو ليقول له، مع بعض الاضطراب الممزوج بالاحترام: “لقد أتيت لزيارتك قبل ذهابي الى اللوفر”، وسيجيبه بيكاسو: “لست مخطئاً في خطوتك هذه”. وقد جاءت تلك الزيارة في حين كانت مرحلة اللمسات الانطباعية، والتنقيطية، وافكار المستقبلية والتكعيبية وما بعدها تعيش ايامها الاخيرة، تاركة الدرب مفتوحاً امام آفاق جديدة. كان البقاء في باريس ضرورة لم يستجبها دالي، واستعاض عن ذلك بزيارات متقطعة. وفي تلك الفترة سيكتب، مع صديقه لوي بونويل سيناريو فيلم “الكلب الاندلسي”، الذي اختير له هذا العنوان بالذات “من اجل إرباك الجمهور”. وحين تم عرض الفيلم في وقت لاحق، سيكتب عنه أوجينيو مونيتس: “محطة في تاريخ السينما، محطة مدموغة بالدم كما كان يريد نيتشه، وهو ما فعلته اسبانيا على الدوام”.
وفي زيارته الثانية لباريس يقول دالي: “وصلت الى باريس وانا اتذكر عنوان رواية قرأتها بالاسبانية: “إما قيصر وإما لا شيء”، استقللت سيارة تاكسي وسألتُ السائق: هل تعرف مواخير جيدة؟ ... بعد زيارة المواخير تناولت الغداء مع خوان ميرو الذي قال لي انه سيقدمني الى مارغريت. ظننت انه يقصد الرسام البلجيكي رينه ماغريت، الذي كنت اعتبره احد الفنانين الاكثر التباساً في عصرنا” (لن نجد صعوبة في اكتشاف ما يخفيه هذا الحكم من تجريح ضمني يغذيه شعور جنون العظمة).
لم يمكث دالي في العاصمة الفرنسية طويلاً. كان ثمة امر ما لا يستطيع تفسيره يدعوه للعودة الى كاتالونيا. لم يكن قد التقى فعلياً جماعة السورياليين، حين شرع في تلك الفترة يرسم “صور خداع بصري” Trompe l’œil، معتمداً في ذلك على مهارة شيطانية تلمّ بمختلف انواع التقنيات ليصبح، قبل ربع قرن من ظهورها، احد رواد الواقعية المفرطة الاميركية. لكن هذه الدقة الفوتوغرافية التي ميزت اعماله كان يلجأ اليها من اجل هدف آخر: نقل صور الحلم وتجسيدها. وهذه الاعمال كانت، عملياً، مقدمة للوحاته السوريالية. وبعد ذلك بعقود عدة، عام 1973، سيقول محدِّداً اسلوبه التشكيلي معتبراً اياه “صورة فوتوغرافية ملونة باليد لتفاصيل شديدة الدقة من عالم تشكيلي يحكمه اللامنطق الواقعي”.
وفي نظرة الى اعماله العائدة الى نهاية عشرينات القرن المنصرم وطوال ثلاثيناته، يتفق الباحثون على ان ذاك النتاج يضع دالي في مقدمة الفنانين السورياليين. فهو، بحسب نظر البعض، سوريالي جملةً وتفصيلاً، وهو حكم ينطبق ايضاً على كلود مونيه في اعتباره اكثر الرسامين الانطباعيين انطباعية.
حب غالا ولوحة الـ”ليبيدو”
“أحب غالا اكثر من أمي ومن أبي، واكثر من بيكاسو، وحتى اكثر من المال”
ما من شك في ان الزيارة التي قام بها لدالي مجموعة من السورياليين تضم ماغريت وزوجته ولوي بونويل، وخصوصاً بول ايلوار وزوجته غالا، كانت مبعث سرور كبير بالنسبة اليه. كما لم يكن في حاجة الى تمحيص شديد كي يكتشف ان غالا كانت تجسيداً حياً لامرأة احلامه الخرافية. وقد جعله هذا الامر يقف امامها عاجزاً عن الكلام، مطلقاً ضحكات هستيرية. باح لها بحبه بعد مماطلة فرضتها طبيعة الموقف، ولم تكن المسألة سهلة. فإيلينا ديفيلينا دياكانوف، ابنة الموظف الموسكوبي (نسبة الى موسكو)، والتي عرفها الجميع باسم غالا، كانت تتمتع بشخصية مميزة تجمع بين الاغواء المثير والثقة بالنفس. وفي حين رأى في ذاك “اللحم” القريب منه كمالاً طالما بحث عنه، توقف لسانه في الاوقات الاولى عن الحركة، ليدرك لاحقاً ان غالا ليست حبيبة فحسب، بل موضوع لعشق عارم من شأنه ان يعالجه من مرض سيكولوجي مزمن.
وهكذا ستصبح غالا، بالنسبة الى دالي، “غراديفا”، بطلة رواية جنسن التي تنجح في عملية الشفاء السيكولوجي للبطل. وهي الرواية نفسها التي اتخذها سيغموند فرويد مثالاً ليجد فيها موضوعاً لاساليبه في التحليل النفسي. وبما ان افكار فرويد كانت احد المفاصل التي ارتكز عليها السورياليون في علاقتهم بنظرية اللاوعي، فسيكون دالي عندها اميناً، بشكل باطني او ظاهري، حقيقي او مفتعل، لاحد روافد الفكر السوريالي.
في تلك السنة الحاسمة في حياة دالي، اي 1929، سيرسم لوحة “ملاءمة الرغبات”، حيث ستتمثل تلك الرغبات على شكل رؤوس لأسود رهيبة، وكأنها رغبات متفجرة تصبح، من خلال حب غالا، مقبولة في اطارها العلاجي: “اختفت عوارض الهستيريا في نفسي الواحد تلو الآخر، وصرت قادراً على كبح جماح ضحكتي”. ومن ثم سينصرف الى احدى اشهر لوحاته: “انها تمثل رأساً كبيراً شمعياً اضاع لون الحياة، ذا خدين ورديين ورموش طويلة. الانف الضخم يرتكز على الارض، ويحتل جندب موقع الفم، وينتهي الرأس على نحو زخرفي من طراز 1900”، وسيعتبر دالي لوحة “المستمني الكبير” Le Grand Masturbateur صورة شخصية ذاتية “مائعة”، استناداً الى نظريته حول “المائع” و”القاسي”. ثم سيرسم “جمجمة جوية تغري البيانو” و”القيثارة غير المرئية الدقيقة والمتوسطة”، واذا اضفنا الى هذه الاعمال لوحة “لغز الرغبة: أمي، أمي، أمي”، سيتوضح عندها جزء اساسي من اسلوب تشكيلي تختلط فيه الايحاءات بالرغبات والرموز، التي تبني جميعها سفينة دالي الهائمة في بحر الـ”ليبيدو”، ذي الامواج العاتية والمتلاطمة.
في أشكال التعبير السوريالية
يقول اندره بروتون ان اسلوب دالي الهواجسي – النقدي “قدّم للسوريالية ادوات من المقام الاول”، متوافقاً مع قول اندره تيريون: “ان ما حمله دالي الى السوريالية من الامور الاساسية في حياة المجموعة وفي تطور ايديولوجيتها”. لكن هذه الشهادات لا يمكنها ان تخفي احدى الاشكاليات الاساسية التي احاطت بأسلوب السوريالية التعبيري في مجال الفن التشكيلي، والتي تراوح حدتها بين فرد وآخر من ممثلي هذا الاتجاه، ومن بينهم دالي.
فالسوريالية، كما يعرّفها بروتون في البيان الاول، عام 1924، هي: “آلية نفسانية صافية يمكننا ان نعبّر بواسطتها، إما كتابة وإما شفوياً، وإما بأي طريقة اخرى، عن سير عمل الفكر الحقيقي. وهي ما يمليه الفكر في غياب اي مراقبة يمارسها العقل وخارج اي اهتمام جمالي او اخلاقي”. صحيح ان السوريالية لم تكترث، كما يتبين من هذا التحديد، بما يمكن انتاجه من اشكال فنية، لكن الفنانين المنتمين الى التيار السوريالي تركوا اعمالاً فنية ذات طبيعة خاصة، وقد يكون إخضاع قيم هذه الاعمال التشكيلية لاهداف شاعرية هو ما يوحّد بينهم. اذ يرى بروتون ان التصوير والنحت هما عبارة عن تحولات تشكيلية للشعر، شرط ان يتحرر الفن من استعادة الاشكال كما هي في العالم الخارجي، فهدف الفن ليس ارضاء العين بل “تقديم خطوة جديدة في معرفتنا المجردة”.
لكن المفارقة تكمن في لجوء جماعة السورياليين، الرافضة لكل فن ينطلق من مفاهيم ذهنية او منطقية، الى مناهج علمية وعقلانية من اجل ادراك اللاعقلاني وفهم القوى اللاواعية.وهذا يقود، بحسب اعتقاد بروتون, الى اكتشاف طبيعتها منهجياً والتوصل الى استنتاجات ملائمة. بيد ان التعبير التشكيلي عن هذه المفاهيم، عبر الايمان بسلطة الفكر المطلقة، يتطلب من الفنان اعتماد طريقة آلية تلقائية يمليها اللاوعي والصور الحلمية. وهذه التلقائية تفترض أسلوباً عفوياً ولإرادياً وشكلاً من أشكال التعبير التلقائي المباشر.
لذا، لجأ اندره ماسون، في بعض اعماله، الى اتباع طريقة في رسم الخط تقوم على استعمال انبوب اللون بشكل مباشر من دون اللجوء الى الريشة. واستفاد ماكس ارنست من عنصر المصادفة لدى تنفيذه رسوماً باستعمال طريقة الحكّ frottage على اجسام مخدشة كي ينتج اعمالاً عفوية.
اما رينه مارغريت فقد اتبع اسلوباً يجمع بين مختلف وسائل الايهام البصري، بغية التوصل الى خلق مناخ سوريالي، من دون اللجوء الى غرابة صور ارنست وأشكال تانغي العضوية، وهذيان سلفادور دالي، وذلك عبر تقابل واضح بين المساحات المرسومة والفراغات، وتباين العناصر وتعاكسها وشفافية الوانها. وقد حذف ماغريت من تلك الوسائل التقنية كل ما من شأنه ان يخفف من صفاء المشهد الممثل، الشاعري، من دون اضافة استنباطات جديدة، في محاولة للاقتراب من مفهوم “التصوير الشعري”، وبلوغ اعماق الفكر من خلال محاكاته الواقع واعادة بنائه وفق “التشابه الاكثر كشفاً، الاكثر حقيقة”. فالتشابه الذي يريد بلوغه “تشابه ما هو مرئي، وما هو مادة فكر، لانه لا يكتفي بأن يصوّر ما يرى، فهو يصوّر ما يفكر فيه”، كما يقول كولينه.
لم تكن سوريالية ماغريت نوعاً من التعبير اللاشعوري او التعبير عن عالم الاحلام، بل كانت تصعيداً شعورياً للاشياء في ذاتها. وبفضل خياله المرهف العميق، اوجد منبعاً فنياً لاكتشافات تشكيلية رمزية لا نهاية لها. من هنا يمكننا القول ان سوريالية ماغريت كانت فكرية وشاعرية بامتياز.
صحيح ان دالي يجسد ظاهرة جديدة في السوريالية. لكن اعتماد ما سمّاه “النشاط الهذياني – النقدي”، في اعتباره نهجاً تلقائياً للمعرفة اللاعقلانية، يقودنا الى تمجيد الهذيانية. وقد دخل دالي حالة الهذيان، رغم كونها حالة اضطراب عقلي تتجلى في ايهامات وهلوسة مزمنة، بقصد تحويلها حالاً غير هذيانية، استناداً الى اعتقاده بـ”بديهية الذهن ونفاذه الخارق”. لكنه، وبعكس زملائه السورياليين الذين ركزوا على ظواهر شائعة في علم النفس، عالج دالي حالات مرضية اكثر شذوذاً كوساوس الخصاء وهواجس التفسخ والعجز الجنسي، مستخدماً وسائل التشويه ومظاهر الانحطاط، كانعكاس لاضطرابات مرضية تعكس بدورها الحال الثقافية والاجتماعية في تلك الفترة، محاولاً نقل نتائج التحليل النفسي لدى فرويد الى مجمل الوضع الاجتماعي والسياسي والثقافي لعصره.
بيد ان ظاهرة السوريالية لا تتمثل سوى في المرحلة الاولى من نتاج دالي. فقد عاد، منذ اواخر الثلاثينات الى اسلوب اقرب الى الكلاسيكية، ولم يعد يهمّ السوريالية، كما يصرّح بروتون، لان سلوكه ذا الطابع المسرحي، الاستفزازي، الذي طالما تميز به، دفعه الى أن يسخّر نفسه لخدمة الرجعية في اسبانيا، والى استثمار صريح لنوع من التدين العاطفي. لكن هذا التحول، سواء في نتاج الفنان او في سلوكه، لا ينفي قيمة أعماله الاولى التي أغنت الحركة السوريالية وجعلت دالي ظاهرة مميزة في تاريخ هذه الحركة ليرتبط اسمه بهذا التيار الفني على نحو لا جدل فيه.
وحين سئل مرةً في حوار تلفزيوني ما السوريالية، لم يتأخر في القول: السوريالية هي أنا. [/align:645fb3e6e2]
مودتي دائماً
بيكاسو :P :P :P