عرض الإصدار الكامل : بصل المتصرفيّة


P. R. Picasso
27-08-2004, 12:41 AM
[align=justify:181c98dff6]بصل المتصرفية

ا. خ.



لم يأخذ عهد المتصرفية في جبل لبنان (1864 - 1914)، حقه في الذاكرة رغم وجود العديد من الدراسات التاريخية المهمة حول هذه المرحلة، وفي مقدمها كتاب أسد رستم الشهير. يعزو البعض هذا الغياب الى ان تلك المرحلة لم تجد طريقها الى الادب. فالادب اللبناني الحديث تجاهل في شكل غريب مرحلتي الحرب الاهلية الاولى (1840 - 1860)، والعهد المتصرفي. توفيق يوسف عواد بدأ بحثه الروائي في "الرغيف"، الذي يؤرخ للمجاعة والحرب العالمية الاولى. سهيل ادريس ذهب الى خمسينات بيروت. يوسف حبشي الاشقر وصل الى الحاضر بعدما خرج من عباءة مارون عبود القروية. اما الجيل الذي اسس الرواية اللـبـنـانـيـة الـمـعـاصـرة (جـيـل الحرب)، فكان معنياً بالحاضر، ولم تظهر علامات اهتمامه بالتاريخ الا في مرحلة لاحقة، لا تزال غامضة الملامح.

غياب المتصرفية عن الذاكرة، مرده في رأيي الى غيابها الادبي. وهنا يكمن احد مستويات الادب، الذي لم يلتفت اليها الكثير من نقادنا، في غمرة احتفائهم بتيارات الحداثة وتقنياتها، مما حجب عنهم بعده المعرفي.

لذا، فمن اراد ان يستعيد ملامح عهد المتصرفية، عليه العودة الى الكتب التاريخية لأنه لن يعثر في الذاكرتين الادبية والشفهية الا على بيتَي شاعر الارز شبلي الملاط: "قالوا مضى واصا وواروه الثرى/ فقلت لهم وأنا العليم بحاله /رنّوا الفلوس على بلاط ضريحه/ وأنا الكفيل لكم برد حياته"، اللذين قيلا في المتصرف واصا باشا، وذهبا مثلاً على فساد الحكام وغرقهم في الرشاوى.

غير ان للذاكرة مكائدها، وقدراتها على المكر، مما سمح لها بالتسلل الى حياة الناس، حتى من دون لغة. ولعل المطبخ هو أحد العلامات الكبرى لهذه المكائد. دخل العهد المتصرفي في حياتنا اليومية من دون ان ندري، من خلال "يخنة" شهيرة تدعى "داود باشا"، لا تزال تعتبر الى يومنا هذا، احدى مفاخر مطبخ جبل لبنان. ولعل أحد عناصر قوتها الكبرى، قدرتها على الدخول في المطبخ السوري، محتفظة باسمها، وهذا استثناء كبير في التراث المطبخي الذي هيمنت عليه مدن بلاد الشام: حلب، دمشق، حمص وطرابلس.

لم أعثر في كتب الطبخ على تاريخ هذا المركّب الخاص من اللحم والبصل، لكن أغلب الظن أن اصول "داود باشا" تركية، وقد أضاف اليها سكان جبل لبنان شيئاً من عندهم، واطلقوا عليها اسم المتصرف الاول، الذي كان يعشقها. اطلاق اسماء الحكّام على انواع الطبيخ ليس ظاهرة لبنانية، بل يعود في اصوله الى العهد العثماني، حيث نعثر على اسماء من نوع "علي باشا"، "وامام بيالضي" والى آخره. ووصل الى ذروته في العهد الفيصلي، حين استنبط صنّاع الحلوى العربية في طرابلس نوعاً من "البرمة"، ذات شكل مثلّث، اطلقوا عليها اسم الفيصلية.

الطعام كإنتاج ثقافي، يخضع للقوانين نفسها التي يخضع لها الادب. نظرية محمد لطفي اليوسفي في "التنادي بين النصوص"، يمكن تطبيقها على "التنادي" بين اصناف الطعام. إطلاق اسم جديد على نوع من الطعام، لا يعني انه اتى من لا شيء، اذ قد يكون تطويراً او تحويراً لنوع قديم، عبر إدخال عناصر جديدة اليه.

التأمل في طبخة "داود باشا"، يدفعني الى الافتراض أن اغراق اللحم بأجنحة البصل، هو الاضافة اللبنانية التي سحرت المتصرف الارمني. طريقة تحضير هذا الصحن بسيطة: لحم هبرة مفروم مع قليل من البصل (يمكن اضافة الصنوبر الى هذا المزيج)، يدعبل في طابات صغيرة ويُقلى بالسمن الحموي او الزبدة، ثم تضاف اليه كمية كبيرة من البصل المقصوص على شكل اجنحة. قبل أن يحمرّ البصل يضاف الماء. وبعد نضج اللحم يوضع قليل من ربّ البندورة او عصير الليمون الحامض، ثم يقدم مع الارزّ بالشعيرية. النقطة الخلافية الوحيدة هي البندورة والليمون. فلقد نجحت الطائفية في التأثير على المطبخ اللبناني، بحيث يضيف المسلمون البندورة، بينما يصرّ المسيحيون وخصوصاً الارثوذكس على الليمون، معبّرين بذلك عن رفضهم للبندورة لاعتقادهم أنها اضافة عثمانية على المطبخ البيزنطي، من دون أن يعرفوا، ربما، ان هذه الفاكهة الحمراء جاءت من اميركا!

البصل هو المسألة الاساسية في هذا الصحن الشهي. استطيع أن اتخيل مازوشية نساء جبل لبنان، وهن يعددن الطعام للمتصرف، والدموع تتساقط من عيونهن، حزناً على مآل الامارة شبه المستقلة، التي خسرها لبنان بعد حرب 1860 الطائفية. لم يتنبه داود باشا الى الدلالة الرمزية لهذه الكمية من البصل التي استنزلت دموع نساء لبنان، وخصوصاً ان هذه اليخنة شاعت بعد الانتصار الحاسم للمتصرف على يوسف بك كرم. ولا ادري كيف فات مشهد البصل الممثل انطوان كرباج حين تقمص شخصية المنفيّ الاهدني.

المهم ان النساء نجحن في صناعة ما يشبه حانة البصل، التي وصفها غونتر غراس في روايته "الطبل"، وحولنّ بكاءهن انجازاً مطبخياً، ادخل داود باشا في الذاكرة المعيشة بحيث صار جزءاً من حياة اللبنانيين والسوريين اليومية.

الحقيقة انني توقفت عند الانجاز المطبخي لعهد المتصرفية، والذي يمثّله البصل، لأني لم أعثر في عهد الجمهورية الثانية على انجاز يشبهه، وهذا ليس في صالح الجمهورية التي تقلّد المتصرفية في كل شيء، لكنها تعجز عن انجاز طبخة واحدة تسمح لها بدخول التاريخ، وتجعلها قادرة على تجاوز المزدوجين اللذين يسمان واقعها الراهن، في وصفها مرحلة عابرة.

عناصر التشابه بين المرحلتين فاقعة، ولا تحتاج الى برهان. يكفي ان نتابع تطور المعركة الرئاسية في لبنان، كي نكتشف أن الطبقة السياسية برمتها، بما فيها أغلبية القوى المعارضة للتجديد، تحاول ان تشكل عناصر ضغط على صاحب القرار، موحية ان لا شيء سوف يتغيّر في الواقع المتصرفي الذي صنعه تطبيق اتفاق الطائف، مهما حصل. حتى الذين يأملون في موقف دولي ضاغط، قبلوا وإن في شكل موارب، لعبة المتصرفية، التي اعطت في الماضي الدول الاوروبية رأياً في اختيار المتصرف العثماني.

أي ان المعركة لا وجود لها الا في الاعلام، اما في الوسط السياسي، أي مجلس النواب الذي اناطه الدستور انتخاب الرئيس، فالجميع ينتظر نهاية المشاورات التي يجريها الرئيس السوري مع "القيادات" اللبنانية، والقرار الذي سوف يصدره عن الباب العالي.

لا شيء تغيّر، سوف يقول كاتب لمّاح، لماذا نكتب الماضي ما دمنا نعيش في الماضي؟ الزمن اللبناني يتدوّر ويتكرر، لكن المسألة الغائبة هي البصل. فلقد اخترع اللبنانيون في الماضي اجنحة البصل كي يواجهوا مكائد التاريخ بمكيدة الدموع. فمتى نخترع شيئاً شبيهاً، أم علينا ان نبقى في البصل القديم، ولكن من دون دموع او احلام او أوهام، مرددين المثل الشعبي الشهير: "كول بصل وانسى اللي حصل"؟


مودتي دائماً
بيكاسو :P :P :P [/align:181c98dff6]