دكتور سمير البهواشى
24-08-2004, 01:35 AM
[align=justify:e4badf8cc8]بسم الله الرحمن الرحيم
هتاف الصامتين
المرأة المقهورة والمغلوبة على امرها غالبا ما تنفس عما يغلى بداخل صدرها تجاه زوجها عندما تتعرض للاهانة منه او تقع تحت ظلم لا تستطيع دفعه او دحضه بشتم أثاث الشقة عندما تصطدم به متعمدة ، أو سب قطتها الاليفة ان هى جاءت تتمسح بها او كلبها الوفى عندما يبصبص لها بذيله او دميتها التى لا تقدم ولا تؤخر ، بألفاظ بها اسقاطات على زوجها الذى غالبا ما يستشيط غيظا ولكن دون استطاعة اثبات الحالة عليها !!
كذلك يفعل كل المقهورين الذين لا يستطيعون نيل حقوقهم او الدفاع عنها او الافصاح عن وعى بآرائهم فيما يمس حياتهم الشخصية وكسب لقمة العيش الحلال لابنائهم أياً كانت أسباب إحساسهم بالقهر. على ان هذه المنافذ التنفيسية قد تريح أصحابها مؤقتا وترضى غرورهم ولكنها على أية حال لا تسهم فى ايجاد الحلول او التقدم خطوة نحو الامام !!
وقد قام الدكتور سيد عويس الذى اتخذت عنوان كتابه عنواناً لهذه السطور – وهو من هو فى مجال علم الاجتماع – بعد نكسة 67 مباشرة بعمل دراسة عن الحكم والامثال وبعض الكلمات الاخرى مثل : "بلاش تروح الكلية وكل جيلاتى ومهلبية " ، " آلة الرياسة سعة الصدر " ، "اذا دعتك قدرتك على ظلم الناس فتذكر قدرة الله عليك " ... الى غير ذلك من العبارات التى يقوم سائقو النقل واللوريات والتاكسيات بكتابتها على هياكل سياراتهم بالرغم من أن الحكومة - ممثلة فى المرور - تجرم هذه الاشكال من الكتابة ، وبالرغم من اضطرارهم الى ازالتها عند كل تجديد للرخصة ، ثم اعادة كتابتها مرة اخرى مما يكلفهم الشيئ الكثير ، وخلص الدكتور عويس فى دراسته الى ان كاتبى هذه العبارات كتبوها بمحض ارادتهم محاولة منهم فى ضوء الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية التى كانت سائدة وقتئذ ان يسمعوا اصواتهم دون ان يراهم احد ، اى انهم فى حقيقة الامر حاولوا الهتاف مستخدمين وسيلة جديدة تجلجل فيها اصواتهم دون ان يراهم احد ليعبروا عن طريقها عن أناتهم وآمالهم وأفراحهم وأتراحهم واستسلامهم ودعاباتهم وعن بعض القيم التى يقدسونها ويريدون لها ان تسود فى مجتمعهم ، وسمى ذلك بهتاف الصامتين وقال فى مقدمة الدراسة ان الصامتين فى اى مجتمع وان بدوا كذلك لا يبقون صامتين على الدوام بل ان صوتهم بأسلوب أو بآخر يرتفع من حين الى حين الى الافاق فهو يجلجل مثلاً عند الصلاة وفى ملاعب الكرة والملاهى والبارات وأثناء الاستماع للغناء برفع صوت الكاسيت وفى النكت ذات المضمون السياسى او الاجتماعى وحتى عن طريق الكتابة والرسم داخل دورات المياه وقال ان هذه الفئة من الصامتين هم بعض اعضاء هذا المجتمع يعيشون فيه حياتهم حلوها ومرها ويعكسون الكثير من العناصر الثقافية المادية التى اختاروها من هذا المناخ وان ذلك الذى يفعلوه من خلال الجهاز الاعلامى الشعبى الذى اصطنعوه يؤثر فى نفوسهم كما يؤثر فى نفوس غيرهم
هذا الكلام الثمين استحضرته فى ذهنى وانا أتأمل الاشكال الجديدة لهذا الاعلام الصامت ، إعلام المقهورين ، كالكتابة على التيشيرتات ورسائل المحمول والدردشة من خلال الشريط المتحرك فى قنوات الفيديو كليب والبريد الاليكترونى ، وعرفت لماذا يصر رجال الدين فى المساجد على تحدى كل الاعراف حتى الدينية منها والتى يمثلونها ويستمرون فى رفع صوت الميكروفونات حتى وان شوشت على المساجد المجاورة ، فهم يريدون ان يقولوا ايضا نحن هنا وموجودون تماماً كما ان الغناء هناك وموجود وصوته عال ، فهو نوع من هتاف الصامتين ولو اتخذ صفة الازعاج واللامشروعية ولو حتى انعكس مرتداً الى نحورهم فى مقتل !!
والذى اريد ان الفت اليه النظر من خلال هذه السطور امر فى منتهى الاهمية لا أخاله يخفى على أى ممن يهتمون بتقدم ورفعة مصرنا العزيزة ووطننا العربى والاسلامى وهو :
اذا كانت الدراسة العلمية التى قام بها احد جهابذة الاجتماع المصريين قد دلت على ان هذه الظواهر ما هى الا إفراز من افرازات الكبت والقهر وعدم الشعور بالعدل والامن ، والرغبة فى الاحساس بالقيمة الذاتية ، والمشاركة فى أحداث الوطن ، وكان ذلك اواخر الستينيات من القرن الماضى فى محاولة منه لأيجاد تفسير للهزيمة المادية والمعنوية التى الحقتها اسرائيل بالشعوب العربية عامة والشعب المصرى على وجه الخصوص ، فلماذا لم يختف هذا النوع من الهتاف الصامت والمزعج والغير حضارى بالمرة بالرغم من المساحة الكبيرة من الحرية الممنوحة الان مقارنة بالماضى للتعبير عن الرأى من خلال القنوات الشرعية التى تملكها الدولة او الافراد ، اللهم ان لم يكن قد زاد واتخذ اشكالاً اخرى مختلفة مستغلاً ثورة الاتصالات وبزوغ عصر العولمة ؟؟
والمطلوب الان من علماء النفس والاجتماع المصريين هو تشخيص موطن الداء ، مع وصف الدواء والاشراف على تعاطيه ، الى ان يتم الشفاء ، ويقف المارد المصرى مرة اخرى على قدميه !! ؟؟
دكتور سمير محمد البهواشى
نشر ملخص لهذا المقال فى جريدة الاهرام يوم 24 أغسطس 2004 بريد الاهرام باسم الكاتب[/align:e4badf8cc8]
هتاف الصامتين
المرأة المقهورة والمغلوبة على امرها غالبا ما تنفس عما يغلى بداخل صدرها تجاه زوجها عندما تتعرض للاهانة منه او تقع تحت ظلم لا تستطيع دفعه او دحضه بشتم أثاث الشقة عندما تصطدم به متعمدة ، أو سب قطتها الاليفة ان هى جاءت تتمسح بها او كلبها الوفى عندما يبصبص لها بذيله او دميتها التى لا تقدم ولا تؤخر ، بألفاظ بها اسقاطات على زوجها الذى غالبا ما يستشيط غيظا ولكن دون استطاعة اثبات الحالة عليها !!
كذلك يفعل كل المقهورين الذين لا يستطيعون نيل حقوقهم او الدفاع عنها او الافصاح عن وعى بآرائهم فيما يمس حياتهم الشخصية وكسب لقمة العيش الحلال لابنائهم أياً كانت أسباب إحساسهم بالقهر. على ان هذه المنافذ التنفيسية قد تريح أصحابها مؤقتا وترضى غرورهم ولكنها على أية حال لا تسهم فى ايجاد الحلول او التقدم خطوة نحو الامام !!
وقد قام الدكتور سيد عويس الذى اتخذت عنوان كتابه عنواناً لهذه السطور – وهو من هو فى مجال علم الاجتماع – بعد نكسة 67 مباشرة بعمل دراسة عن الحكم والامثال وبعض الكلمات الاخرى مثل : "بلاش تروح الكلية وكل جيلاتى ومهلبية " ، " آلة الرياسة سعة الصدر " ، "اذا دعتك قدرتك على ظلم الناس فتذكر قدرة الله عليك " ... الى غير ذلك من العبارات التى يقوم سائقو النقل واللوريات والتاكسيات بكتابتها على هياكل سياراتهم بالرغم من أن الحكومة - ممثلة فى المرور - تجرم هذه الاشكال من الكتابة ، وبالرغم من اضطرارهم الى ازالتها عند كل تجديد للرخصة ، ثم اعادة كتابتها مرة اخرى مما يكلفهم الشيئ الكثير ، وخلص الدكتور عويس فى دراسته الى ان كاتبى هذه العبارات كتبوها بمحض ارادتهم محاولة منهم فى ضوء الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية التى كانت سائدة وقتئذ ان يسمعوا اصواتهم دون ان يراهم احد ، اى انهم فى حقيقة الامر حاولوا الهتاف مستخدمين وسيلة جديدة تجلجل فيها اصواتهم دون ان يراهم احد ليعبروا عن طريقها عن أناتهم وآمالهم وأفراحهم وأتراحهم واستسلامهم ودعاباتهم وعن بعض القيم التى يقدسونها ويريدون لها ان تسود فى مجتمعهم ، وسمى ذلك بهتاف الصامتين وقال فى مقدمة الدراسة ان الصامتين فى اى مجتمع وان بدوا كذلك لا يبقون صامتين على الدوام بل ان صوتهم بأسلوب أو بآخر يرتفع من حين الى حين الى الافاق فهو يجلجل مثلاً عند الصلاة وفى ملاعب الكرة والملاهى والبارات وأثناء الاستماع للغناء برفع صوت الكاسيت وفى النكت ذات المضمون السياسى او الاجتماعى وحتى عن طريق الكتابة والرسم داخل دورات المياه وقال ان هذه الفئة من الصامتين هم بعض اعضاء هذا المجتمع يعيشون فيه حياتهم حلوها ومرها ويعكسون الكثير من العناصر الثقافية المادية التى اختاروها من هذا المناخ وان ذلك الذى يفعلوه من خلال الجهاز الاعلامى الشعبى الذى اصطنعوه يؤثر فى نفوسهم كما يؤثر فى نفوس غيرهم
هذا الكلام الثمين استحضرته فى ذهنى وانا أتأمل الاشكال الجديدة لهذا الاعلام الصامت ، إعلام المقهورين ، كالكتابة على التيشيرتات ورسائل المحمول والدردشة من خلال الشريط المتحرك فى قنوات الفيديو كليب والبريد الاليكترونى ، وعرفت لماذا يصر رجال الدين فى المساجد على تحدى كل الاعراف حتى الدينية منها والتى يمثلونها ويستمرون فى رفع صوت الميكروفونات حتى وان شوشت على المساجد المجاورة ، فهم يريدون ان يقولوا ايضا نحن هنا وموجودون تماماً كما ان الغناء هناك وموجود وصوته عال ، فهو نوع من هتاف الصامتين ولو اتخذ صفة الازعاج واللامشروعية ولو حتى انعكس مرتداً الى نحورهم فى مقتل !!
والذى اريد ان الفت اليه النظر من خلال هذه السطور امر فى منتهى الاهمية لا أخاله يخفى على أى ممن يهتمون بتقدم ورفعة مصرنا العزيزة ووطننا العربى والاسلامى وهو :
اذا كانت الدراسة العلمية التى قام بها احد جهابذة الاجتماع المصريين قد دلت على ان هذه الظواهر ما هى الا إفراز من افرازات الكبت والقهر وعدم الشعور بالعدل والامن ، والرغبة فى الاحساس بالقيمة الذاتية ، والمشاركة فى أحداث الوطن ، وكان ذلك اواخر الستينيات من القرن الماضى فى محاولة منه لأيجاد تفسير للهزيمة المادية والمعنوية التى الحقتها اسرائيل بالشعوب العربية عامة والشعب المصرى على وجه الخصوص ، فلماذا لم يختف هذا النوع من الهتاف الصامت والمزعج والغير حضارى بالمرة بالرغم من المساحة الكبيرة من الحرية الممنوحة الان مقارنة بالماضى للتعبير عن الرأى من خلال القنوات الشرعية التى تملكها الدولة او الافراد ، اللهم ان لم يكن قد زاد واتخذ اشكالاً اخرى مختلفة مستغلاً ثورة الاتصالات وبزوغ عصر العولمة ؟؟
والمطلوب الان من علماء النفس والاجتماع المصريين هو تشخيص موطن الداء ، مع وصف الدواء والاشراف على تعاطيه ، الى ان يتم الشفاء ، ويقف المارد المصرى مرة اخرى على قدميه !! ؟؟
دكتور سمير محمد البهواشى
نشر ملخص لهذا المقال فى جريدة الاهرام يوم 24 أغسطس 2004 بريد الاهرام باسم الكاتب[/align:e4badf8cc8]