عرض الإصدار الكامل : النظام السوري في لبنان "أنجح" من النظام السوري في.


P. R. Picasso
19-08-2004, 04:19 PM
[align=justify:c8429f1bda]النظام السوري في لبنان "أنجح"

من النظام السوري في... سوريا

ج. ز.


:P

يشير الهدوء شبه الكامل الذي استقبل به الرأي العام اللبناني مشاورات الرئيس بشار الاسد البادئة مع السياسيين اللبنانيين، مرة اخرى، ولكن اكثر من اي وقت سابق، الى تحول الادارة السورية للبنان، ادارة النظام السوري لـ"النظام اللبناني"، ادارة الدولة السورية لـ"الدولة اللبنانية" الى نوع من "العرف الدستوري" في الحياة العامة اللبنانية. والعرف، الذي هو عرف لأنه غير مكتوب، له "قوة النص" كما يقول الحقوقيون.

الآن تبلغ درجة بنيوية المرجعية السورية للوضع اللبناني حدا يتجاوز في استقراره - بل ثباته في الداخل اللبناني - محض "الامر الواقع السلطوي" ليتحول في البسيكو - سياسة لدى الطبقة السياسية ومعظم المجتمع اللبناني الى جزء لا يتجزأ من "النظام العام" السائد في البلد.

"يقول" العرف الذي تُذكِّر به اكثر من اي وقت آخر السكينة العميقة التي يُنفذ بها قرار مشاورات الرئيس السوري مع سياسيين لبنانيين وشبه السكينة العميقة التي يُستقبل بها في بيروت، ان الرئيس السوري هو في النظام غير المكتوب رئيس الرؤساء اللبنانيين، سواء الرؤساء الثلاثة في الدستور اللبناني، او رؤساء الكانتونات الكبيرة او الصغيرة للمناطق اللبنانية في نظام الفدرالية غير المعلنة رسمياً في لبنان، التي تنضوي تحت ومع النظام الطائفي الرسمي.

رئيس الرؤساء يبدو وكأنه يقوم بمهمته الطبيعية. بل، بسبب آليات تفتت الوضع الداخلي اللبناني، يبدو وكأن ما يقوم به أمر "مطلوب" من طبقة سياسية لم تعد لديها خبرة ولا تقاليد الاحتكام الى مرجعية نهائية لبنانية... ولولا بعض الكتابات النادرة التي ذكّرت بـ"جوهر الموضوع" المنسي وهو العلاقات اللبنانية - السورية (ولا اريد ان اسمّي هنا اي اسم حتى لا ابدو مجاملاً) لبدا معارضو التجديد (او التمديد) مثل مؤيدي التجديد متساوين في التطلع الى "رئيس الرؤساء" في دمشق لكي ينصرهم على اعدائهم.

في حين يستوي "الجميع" (ما عدا استثناءات) في التسليم بـ"الحاكمية السورية" ممثلة بالرئيس بشار الاسد كرئيس اعلى لـ"منظومة اقليم الشام المؤلفة من دولتي لبنان وسوريا".

لقد سبق القول خلال الانتخابات البلدية، ولو على سبيل الاستخلاص المجازي، انه لو احتسبت في النتائج اصوات الناجحين على اساس من هو مع سوريا ومن هو ضد سوريا لبدا الامر وكأن عدد المسيحيين المؤيدين لبشار الاسد اكبر من عدد المسيحيين المؤيدين للبطريرك صفير!

هذه الصورة لدرجة التسليم - بما يتخطى مجرد الثبات - تدفع الى الاستنتاج، بل آن الاوان للاستنتاج، ان درجة النجاح التي حققها النظام السوري في لبنان هي اعلى بكثير من حيث آلية الاستقطاب، من النجاح الذي حققه النظام السوري الحالي... في سوريا!

في سوريا النظام قوة حزبية امنية تحكم السيطرة على سوريا، ولكن على سوريا بلا تنوع سياسي وعقائدي فعلي وحيوي. ثمن السيطرة - ايا تكن الاسباب - هو غياب السياسة في علاقة المجتمع بالدولة.

في لبنان، النظام السوري، يعتمد "وكلاء" بل في اكثر من مجال اصبحوا شركاء لا مجرد وكلاء، لبعضهم حضور شعبي فعلي، بعضهم الآخر اصبح بحكم فرضه طويلاً في السلطة يمثل شيئاً جاداً في المجتمع. في لبنان بعض الاحزاب التي يعتمدها النظام السوري احزاب جادة الامتدادات، متنوعة العقائد (بمعزل عن معاصرتها هنا او خشبيتها هناك). وفي لبنان يعتمد ديناميكيات اقتصادية متنوعة وفعلية. بينما في سوريا، حجم السيطرة على الثروة الاقتصادية بيد مجموعة ضيقة. وفي لبنان، يدير النظام السوري وضعا فيه معارضة جادة وعميقة له ويتمكن حتى الآن بمزيج امني وسياسي من محاصرتها حينا او عزلها حيناً آخر: بينما في سوريا لا معارضة مسموحة في الشارع... رغم بعض التحول الحاصل الذي لا يزال اعلامياً لا بنيوياً.

إذن النجاح منقطع النظير في لبنان، بما يجعل "الداخل" اللبناني خاضعاً الآن، ليس بفعل محض القبضة الامنية، بل بقوة ديناميات النظام الذي يدير شخصياته وخطوطه العامة النظام السوري. بينما في سوريا، في اي لحظة يمكن اختصار القوة الرئيسية للنظام بالقوة الامنية وحدها. ورغم هذا النجاح، ما زال بعض الاصوات اللبنانية الشديدة النفاق للمرجعية السورية، يهدد بخطر وقوع الحرب الاهلية اذا انسحب الجيش السوري من لبنان. وهذه اصبحت حجة غبية مقارنة بحجم النجاح الداخلي. انه، يا للمفارقة، نظام سوري داخل لبنان، اقوى من حيث ركائزه، من وضعه كنظام داخل... سوريا!

لكن المستوى الآخر للمقارنة، هو ان هذا النجاح الداخلي في لبنان الذي حققه النظام السوري، والثبات الامني المديد الذي حققه في سوريا، يبدو معكوســاً اذا نظرنا الى الوضع من خارج سوريـــا ولبنان: من "الخارج" بما هو... العالم... بما هو مركــز العالم الغربي...

فالنظام السوري يعاني عزلة عميقة وجادة على مستوى التيارات الدولية الرئيسية. وقد استخدمت هنا كلمة "التيارات" لا "العلاقات" فقط، لأن الاولى اشمل من الثانية من حيث تعبيرها عن اتصال الديبلوماسية بالحقائق السياسية والاقتصادية والامنية للعالم المعاصر... وعلينا ان نضيف في جو التحولات الهامة لمرحلة ما بعد سقوط بغداد بل ما بعد 11 ايلول، والبادئة من مرحلة ما بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وانتهاء الحرب الباردة... علينا ان نضيف "العزلة الثقافية" للنظام في سوريا، كواحد من الانظمة الرئيسية العربية التي تتعرض لضغط الحقائق الجديدة في الثقافة السياسية الصاعدة.

الخلاصة انه نعيش مشهداً "لا توازن" فعلياً فيه بين حجم الاستيعاب السوري للوضع الداخلي اللبناني (والسوري استطراداً) وبين حجم ضعف التكيف السوري مع الاوضاع العالمية. كأنما قوة الداخل (بداخله السوري وبداخله الملحق اللبناني) لا يعادلها إلا ضعف الخارج... السوري.

يختار "رئيس الرؤساء" من يشاء للرئاسة. وهو قوي الى حد انه يشاور فعلاً "اركانه" اللبنانيين واصدقاء اجهزته في لبنان.

كأنما اقتربنا من قوة العرف الدستوري!


مودتي دائماً
بيكاسو :P :P :P [/align:c8429f1bda]