عرض الإصدار الكامل : تحقيق عن المراهقين اللبنانيين بخاصة والعرب عامة


P. R. Picasso
19-08-2004, 04:10 PM
[align=justify:7b4d66f236]أيّ أحـلام لـهـم؟ ومـا أبـرز ملامـح شخصـياتهـم ؟

المراهقون اللبنانيون مهووسون بالهجرة إلى بلدان العالم الأول

لـيعـيشـوا حـيـاتـهـم بـعـيـداً مـن "جـزمـة" الديكـتـاتـوريـة



هم يعيشون على طريقتهم فورة افكارهم واجسادهم وتحولاتهم النفسية والفيزيولوجية. المراهقون والمراهقات اليوم في لبنان لهم تطلعاتهم الى الحياة تحكمها اعتبارات داخلية وخارجية، ويدوزنها وقع العولمة والقضايا المعاصرة. احلامهم ثقيلة، تظللها هموم العصر وتحولاته السريعة. فكيف تبدو ملامحهم؟ أي احلام وأي نظرة الى المستقبل؟

-----------------------

ر. م.



غالبا ما يحتفظ المرء بذكريات خاصة عن مراهقته، فهي مرحلة مميزة في ذاكرتنا الشخصية، نسترجعها دائما بضحكة وغصة، بفرح وحزن... نستعيد معها شقاوتنا، اوهامنا، امانينا، احلامنا، انكساراتنا وكيفية نظرتنا الى الحياة. انها مرحلة غنية بالانفعالات والتحولات والتقلبات، يحكمها مبدأ "لم أعد طفلا ولكن لم اصبح راشدا تماما". لكن هذه المرحلة تختلف مقاربتها من جيل الى جيل بسبب الظروف الاجتماعية والاقتصادية. كل حقبة لها سماتها وخصوصياتها التي تنعكس على سلوكيات الناس وعلى انماط عيشهم. فاليوم تختلف ظروف عيش المراهق عن الحقبات السابقة بفعل تداخل عوامل عدة. فأذا سألت جيل اهلك عن مراهقتهم يسخرون منك، ويقولون على الفور: "على أي مراهقة تتكلم في ايامنا؟ المراهقة هي صرعة جيلكم نحن كنا نتقاسم الدراسة مع العمل حتى نتمكن من العيش والاستمرار". على ايامهم، كانت رائجة فكرة "تكبير" العمر على تذاكر الهوية كي يتمكنوا من الحصول على وظيفة باكرا تساعدهم على العيش. الشباب يتزوجون باكرا، في أوائل العشرين، والفتيات يتحملن مسؤوليات البيت والعائلة في عمر الـ15 عاما. وهذا المثل المحلي كان ينطبق على الوضع العام السائد عالميا. اذ تاريخيا، لم تكن هناك فترة زمنية طويلة تفصل الطفولة عن سن البلوغ الذي لم يكن بعيداً جداً عن سن الرشد. كانت الطفولة تمر بمرحلة تهيئة للعمل من عمر الـ 7 الى 12 عاما ليندمج بعدها الولد في عالم البلوغ. لكن في اواسط القرن الماضي، بدأت تبرز فئة المراهقة مع خصوصيات تتسم بها في السلوك واللباس والميل الى الثورة والرفض. وأصبح العالم يتكلم على "الازمات" التي تمر بها المراهقة. ما ساعد على بروز هذه المرحلة العمرية، التغيّرات الاقتصادية والاجتماعية التي طرأت عالميا، ولا سيما بعد الحرب العالمية الثانية وظهور مجتمعات النفط وتعميم فكرة مجتمعات الرفاه اكثر واكثر، عبر انتشار الصناعة، التغيرات الديموغرافية، التقدم التقني وتعديل مستويات الحياة، الانتشار الالكتروني والكومبيوتر ووسائل الاتصال الجماهيري من وسائل الإعلام والتلفزيون، الاذاعات والسينما...



فئة جديدة

ومن ابرز العوامل التي ساهمت في بروز فئة المراهقة، كفئة جديدة في التاريخ، تنامي مسألتي الزامية الذهاب الى المدرسة وقوانين العمل التي تمنع العمل لمن هم دون الـ 14 عاما. هذان العاملان ساعدا على انتاج فئة عمرية جديدة امتدّت معها فترة الطفولة، وخصوصا ان الزامية التعليم اطالت فترة الالتحاق بالمدرسة، مما يعني ان الاولاد يبقون لفترة اطول غير مستقلين. واليوم تحدد "اليونيسيف" عمر الطفولة من صفر الى 18 سنة. وفي تعريف المراهق انه ناضج فيزيولوجياً وجنسياً، ولكنه غير مؤهل نفسيا واجتماعيا ليتحمل مسؤولية بناء اسرة.

وإذا كان مفهوم الطفولة مفهوماً حديثاً، كما الاهتمام بها، فإن مفهوم المراهقة، لا يقل حداثة عن المفهوم الاول. وإذا كانت الطفولة عرفت في عصرنا الحديث، وخصوصا منذ أوائل القرن العشرين، مراحل وأطواراً عدة، لكن المراهقة في ذاتها لم تكن موجودة من قبل كفئة عمرية منفصلة وذات خصوصيات. والملاحظ أن المراهقة، التي وجدت دائماً كمرحلة بيولوجية - عمرية لكن ليس كمفهوم، ليست واحدة في مدتها ولا في مكانتها في المجتمع. فلا يمكن مقارنة حياة مراهقي اليوم بما عاشته الأجيال السابقة، ولا مراهقة طفل عامل مع تلميذ مواظب، أو مراهق ريفي مع آخر مديني. فليس هناك مراهقة واحدة بل "مراهَقَات" عدة. وهذا من أهم مميزات المراهقة التي قد لا تؤخذ دائماً في الاعتبار. فما السمات الخاصة بالمراهقين اللبنانيين اليوم وبمَ تختلف مراهقتهم عن مراهقة أهلهم؟

تلخص الدكتورة منى فياض، المسؤولة عن الشق الميداني في التقرير الوطني عن "الفتاة العربية المراهقة"، الصادر عن مركز المرأة العربية للتدريب والبحوث "كوثر"، ابرز توجهات مراهقي لبنان، التي استطاعت تبينها عبر دراسة ميدانية ضمنتها أكثر من 30 مقابلة مع مراهقين ومراهقات من مختلف المناطق اللبنانية. تقول فياض:"اليوم نحن لا نشعر ان هناك ازمات بين الاهل والاولاد، بل هناك عقلنة للسلوك. ويجمع جيل الآباء، على وجود فروقات جمة بينهم وبين المراهقين الجدد، فهؤلاء أكثر براغماتية وأكثر انهماكاً في تطلعاتهم المستقبلية من أجل تأمين العمل الملائم والمتماشي مع دراساتهم، التي تنحو هي الأخرى لأن تصبح أطول واكثر تعقيداً". كذلك يجمع الكثير من جيل الآباء على الاعتقاد أنهم في عمر أولادهم كانوا قد قرأوا فلاسفة وأدباء كباراً. بينما من الملاحظ أن الجيل الجديد ينحو الى أن يكون أكثر عملانية وأكثر تعلقاً بأنماط الاتصال الحديثة.

لذا يبرز تساؤل عن مدى صعوبة أن يكون الشخص مراهقاً في عالم اليوم، بسبب أن المحيطين به ليس لديهم نفس الذكريات عن مراهقتهم الخاصة "اذ إن التعارض الموجود الآن بين جيل وآخر أكبر مما كان عليه الأمر في أي حقبة أخرى. وهذا ما يزيد من صعوبة التواصل".

وتشير فياض إلى الاختلاف الجذري بين حقبة الجيل السابق التي اتسمت بطابع إيديولوجي نضالي وعرفت بحبوحة اقتصادية "اختفت معالمها الآن. فالضائقة الاقتصادية والبطالة تلفان العالم كله، والإيديولوجيات انتهت إلى أجل غير معلوم، وثمة من ينظر حتى إلى "انتهاء التاريخ" بمعنى انتهاء الصراع. هذا بالإضافة إلى الإعلام الفائض الحاصل على مستوى الكرة والذي يجعل مشاعر التأزم في عالمنا العربي أكثر حدة، طبعاً من دون أن ننسى الأفق المسدود بسبب الأزمة الاقتصادية وأزمة الهوية (القضية الفلسطينية والعراق...) والشعور بالدونية وتطلب الهجرة وترك البلاد".

اما المثل العليا فهي ليست وطنية. وتذكر فياض في هذا الصدد انه:" اثناء عملنا مع المراهقين في إطار إعداد تقرير "المراهقة العربية" لم يذكر أحد قائداً أو بطلاً أو ما شابه سوى ذكرى عبد الناصر عند مراهق لبناني وأحياناً بن لادن، وخصوصاً في اليمن". لكن أزمة المثل العليا هي أزمة كبيرة، فأين هي المثل العالمية التي كانت تحرّك الشباب، مثل تشي غيفارا وجمال عبد الناصر؟ كذلك اين التحركات والثورة الطالبية على غرار الثورة الطالبية عام 1968؟ كما تبرز الحوارات مع المراهقين اهمية ايلائهم النجاح الفردي على حساب الأمور الأخرى مثل: الثقة بالنفس والانتماء الى مؤسسة أو مجموعة...

ومع عرض خلاصات التقرير الميداني، قد يبدي البعض استغرابهم، على ما تقول فياض، بسبب غياب مشاعر الغضب عند المراهقين الحاليين، ولا سيما ان الفكرة التقليدية السائدة عن المراهقة في سياقها الغربي كمرحلة تتسم بالرفض والغضب. "هناك من اعتبر أن الجيل الجديد لا يشعر بالنقمة، إنما بالإحباط الذي هو سيد الموقف، وهناك من قال أن المراهق اللبناني "داير ظهره للوطن وينظر إلى الخارج". كما شددوا على ملاحظتهم بروز تمييز واضح ضد الفتاة في مسألة الحرية الشخصية. والأبرز غياب العلاقة بالسياسة. ثمة إحساس بالفشل التام على المستوى السياسي. في المقابل يبدو المراهق اللبناني وكأنه يعاني ضياعاً أو كأنه غير معني. لكن العلاقة بالأهل ذات نوعية منخفضة عند الشباب اللبناني، وثمة رغبة في ترك الأسرة والاستقلال بالسكن، ولو أن التعبير عن ذلك يتم في منتهى الهدوء وبحسب الوضع الاجتماعي".

ولقد عبّر الجيل الشاب عن وجود ثقافة جديدة عند المراهق والشاب اللبناني: الهجرة، البطالة، الشعور بالنقمة والفشل، أحلام ثقيلة وتصور غامض للمستقبل.



الاهتمام بالجسد

والى اهتماماته العامة ومواقفه منها، يولي المراهق شؤونه الخاصة اهتماما يتناسب واوضاعه الاقتصادية والاجتماعية. وفي هذا الاطار سجّلت فياض اهتماماً كبيراً لدى المراهقين، ولا سيما الفتيات، برشاقة الجسد ولياقته، وذلك عند الفئات والمستويات كلها. "وهذه ظاهرة عالمية على ما يبدو تعود إلى شيوع التلفزيون ودور الإعلام والاعلان والتوب موديلز". وهذه أبرز مظاهر العولمة المسيطرة والناجحة. كما تبين أن الهمبرغر والبيتزا والأطعمة الجاهزة من مظاهر العولمة الأخرى، هذا بالإضافة ألى الطعام الإكزوتيكي الآسيوي في بعض الأوساط المتوسطة.

اما عن مدى تعبيرهم عن ذاتهم فتلاحظ فياض أن المراهقين الذين ينظرون إلى أنفسهم بشكل نقدي ومحايد ينتمون إلى الفئات الاجتماعية الأعلى والمثقفة ومن دون تمييز جندري، أما رفض فكرة الاختلاف فيبرز عند الفئات الفقيرة وخصوصا عند الفتيات منهن; فهن يبحثن عن التمثّل والتشبه بالآخرين، كما أن إجاباتهن تكون مختصرة وفيها الكثير من الاقتضاب وذلك يعود على الأرجح إلى عدم اعتيادهن التعبير الحرّ عن أنفسهن من دون رقابة وإلى عدم شيوع عادة الجدل والنقاش التي تعرفها الأسر المثقفة أو ذات المستوى الاجتماعي الأعلى.

اما الموقف من الجنس، فلا يزال موقف الفتيات منه عموما متحفظاً، وهنا يبرز الاختلاف بين الجنسين، وكأن الجنس هو ملك أو حق للرجل، والمرأة تتحمله فقط من أجل استمرار النوع ومن أجل حسن سير المجتمع وبمبادرة من الرجل.



جيل برغماتي عملي

عبر الاستطلاعات والملاحظات والدراسة كيف يمكن ان نختصر وصف جيل المراهقة في لبنان اليوم؟ فياض تصف هذا الجيل انه مهتم بحاله، برغماتي، لا اوهام لديه، يفتقر الى الايديولوجيا، يتحكم فيه هوس تحقيق (سيرة ذاتية) c.v. تلائم طلب السوق. يرى اهله عاجزين عن التغيير. ضمنا هو يتهمهم انهم سبب الحرب، ويعتبرهم فاشلين، ولكنه لا يقول لهم ذلك. انه يتطلع بحسب المستوى الاجتماعي، الى توفير كل متطلبات الذهاب الى العالم الاول حيث يطمح ان يعيش حياته دون ان تسحقه جزمة الديكتاتورية.

اما الباقون في لبنان، المتعلمون، فيطمحون الى العيش بطريقة معقولة، لديهم هم وطني ولكن لديهم مرارة، ولا سيما في ما يتعلق بالوضع الفلسطيني.

في حين ان المراهق الاخر، الاقل تعلما ومعرفة، يصبح مسحوقا في حياته اليومية، "اذ عمره الفقر ما بيقدر يساعد على الحرية". مطالبه ابسط: تأمين عمل، وان لا يتعب كثيراً، وهو يحمل هموما كثيرة. ويبقى الاقتناع سلاح الفقير في مواجهة عالم الاستهلاك.



بين اللبناني والعربي

في المقابل كيف تبدو صورة المراهقين الشباب في البلدان المحيطة بلبنان؟ التقرير الثاني لتنمية المرأة العربية، الذي نسقه الخبير في التنمية أديب نعمه، تناول واقع المراهقات والمراهقين في العالم العربي، انطلاقا من ان نساء المستقبل ورجاله هم مراهقون اليوم، وقد حدد فئتهم العمرية بين 15 و19 عاما. انطلق التقرير من ثغرة كبيرة في تناول موضوع المراهقة في العالم العربي، وهو عمل استطلاعي تأسيسي اعتمدت فيه منهجية خاصة بالعمل استندت بشكل اساسي الى دراسة نوعية. ولتحقيق الاسلوب النوعي صدر التقرير في جزئين: التقرير الاقليمي عن الفتاة العربية المراهقة، وجزء ثانٍ يشمل سيرا حياتية لمراهقات ومراهقين عرب. شملت الدراسة النوعية سبعة بلدان عربية هي: البحرين، تونس، لبنان، مصر، المغرب، الجزائر واليمن.. واخذت في الاعتبار متغيرات عدة منها: الريف والمدينة، المستوى الاجتماعي، الجندر، وفي لبنان تم لحظ المتغير الطائفي. فما هي ابرز الخلاصات المقارنة؟

يبرز في لبنان هوس الهجرة، حيث لا احد يرغب في البقاء فيه سوى الشباب غير القادرين بمؤهلاتهم على التنافس . ولا يزال مراهقونا يتطلعون الى العالم الاول كنموذج يريدون اتباعه والتنافس للوصول اليه، مما يستتبع العيش في قلق ومنافسة.

عربيا يعيش الجيل العربي اليوم وسط رموز قلقة وغير مستقرة، منها الرموز الدينية ووجع القدس والعراق، مما يستتبع لديه ازمة هوية، وازمة النظرة الى الذات وعدم ثقة بالمستقبل. مما يولّد شعورا بالفشل والاحباط واللامعنى واللاجدوى عند فئة والتطرف لدى اخرى. كما يستهويه النموذج اللبناني كمكان عيش.

وثمة ابتعاد عن السياسة في لبنان وخوف منها في العالم العربي فهي مثل "البعبع". الشاب العربي ليس لديه الحق في الانتخاب او الانضواء في حركات سياسية، فهما أمران خطران ونشاطان غير محبذين في بلدانهم. وثمة جو سائد ان الاحزاب خطرة والانتماء اليها يؤدي الى السجن. وتعتبر فياض انه: "ان لم يخرج الشباب عن صمتهم فانهم لن يتقدموا". هذا الوضع السائد عربيا يفرز طبقات حاكمة "الى الابد" يقابلها اهل مقموعون، مما يعمق الازمة في العالم العربي.


مودتي دائماً
بيكاسو :P :P :P [/align:7b4d66f236]