العين الثالثة
09-08-2004, 06:38 AM
[align=justify:72446c85bc]فقه التعامل مع الطيّب في زمن المعمعة
ما أجمل الصبر الجميل أحبتي وجه طليق وقول ليّن وآخر بيّن ، إن ما يراه الطيّبون محنة يراه الصبور المحتسب منحة ، المحنة قد تتساقط من أطرافها دموع آهات وحسرات وأنّات ، لكنّ الواعي بحق يقلب بالصبر المحنة منحة ربّانية والدمعة بسمة والترح فرح ، ألا نذكر قصّة(الختان) أو ما نسمّيه (التطهير) ؟، فالجلّ مازالوا أطفالا في الوعي و الطفل الذي يقع عليه الختان يبكي ويتألم بينما الأقربون له تراهم فرحين مسرورين بالوعي ، ما الذي اختلف ؟ ولما يقابلان صراخه وتوجّعه بفرحة و زغردة ؟ ، هكذا يجب أن يكون القائد الواعي في زمن الفتن والمحن وفي عصر المعمعة ، فلا بدّ منه أيها القادة (ولا مفر) ، إنه التطهير و الأقربون أولى به ، لذا لزمنا اختبار رجالنا أيها القادة، يجب أن نضعهم في الميزان ، حتى يتغلّبوا على الوهن ، حبّ الدنيا وكراهية الموت ، فنقلب بهم الآية فيصبح الوهن عظمة وقوة تكره الدنيا وتبتغي الآخرة بحب الموت ، فنحن نعطي الطيّبين ما نملك من علم ودراية لنرقّيهم بما فيهم ، هناك صنف من الرجال تجده يتغيّر للأحسن مهما تغيّرت الظروف للأسوأ ، فكلما زادت سوء زاد حسنا ، وهناك صنف ثانٍ يتغيّر للأحسن عندما تتغيّر الظروف للأحسن ، وهناك صنف ثالث يعبد الله على حرف ، الأول أيها القادة يجب أن يكون من رجالنا المقرّبين ، ولصنف الثاني نخضعه للظرف المخالف لما هو عليه الآن ، لنرى ماذا سيفعل ؟، هل يلتحق بالصنف الأول أم ينقلب على عقبيه ويصبح من الصنف الثالث ، هذا يقودنا إلى حتمية (غربلة) الأوضاع الراهنة بحكمة وبعلم ، فمن معه (المال أو القوة ) نسلبه منه من حيث لا يشعر !! ومن لا يملكه (نهبه) المال وننتظر ، ماذا عساه به فاعل؟ ، عند الغربلة التي لا يُعرف مسبّبها ، يتم الانتقاء والاصطفاء بالبرهان لا باللسان وبمراقبة خط السير بأمان ،وفق برنامج (الفقر والغنى) ، سننظر في الإنسان إلى ما مضى ، من صفر حياته إلى وضعه الراهن ، فلن نبدأ معه العد إلا بعد النظر ، عندها نحكم أيهما يصلح له ويصلحه ، فالجزاء من جنس العمل ، ومن لم يصلحه الغنى أصلحه الفقر ، الهدف من هذا البرنامج هو التمحيص لنعرف الطيّب من الخبيث ، والكاذب من الصادق ، ولن نحدّثه باللسان ، بل نخضعه وهو لا يشعر للميزان ، لنرى أهو صابرٌ محتسب أم جازع متذمّر ؟ هل تذمّره من نفسه أم من قدره ؟ وهكذا ، والحكمة تقول ( التمحيص في نهاية المطاف تطهير) فعاقبته (خير) ولو كرهه أهل (الخير) ومن لا يدرك الحكمة بالطبع سيكرهه ، وسيفرز لنا التمحيص عيّنات من البشر لا تخرج عن اثنتين (جمع الطيّبين والطيبات ) و(جمع الخبيثين والخبيثات) ، فالطيّب معنا والخبيث ضدّنا والفتن ستبتلعه بداية بالدجال ومرورا بجوج ومأجوج أو الملاحم القادمة ستطحنه ، أيها القائد ضع رجالك وجنودك في الميزان و عليهم لا تخشى ، ولا تخضع لقول اللسان منهم أبدا ، فالميزان هو الذي يُخرج ما في الجنان ، واللسان قد يلجأ صاحبه إلى الكذب هربا من الميزان ، أيها القائد ليس عليك إلا الصبر الجميل حيال ما سيقع بهم من عويل أو بكاء جرّاء التطهير والتمحيص ، فالتطهير للطيّبين (جبري) ليس لهم فيه (خيار) ، فلا مناص منه ، استعدّوا له أم ابتعدوا عنه ، ربما يشتموك أيها القائد ويسبّوك ، فعليكم أيها القادة بالصبر الجميل ، و لا تلمهم على ذلك إطلاقا ، إلا إذا لمت طفلك الرضيع صياحه عند الختان ، سيأتي يوم قريب وسيدركون فيه الحقيقة ، ما أجمل أن تبتسم أيها القائد في وجوههم عندما نخرج أسوأ ما فيهم بالتطهير كما يخرج الجرّاح الورم من المريض ، فأنت لو لم تحبّهم لما وضعتهم في ميزان التطهير ، قد يتعلّق ابني بثدي أمّه ، فذاك مصدر غذائه ونموّه ، والفطام يكرهه الرضيع ، ونحن نرى ما لا يرى ، فلا بدّ من حرمانه المصدر الأول لتهيئته لمصدر أفضل منه هو لا يعيه ، هل سنطاوعه عندما يبكي ونرضخ له عند رفضه ؟ أم أنّ الوعي يقول لا بد من الفطام ، لوجود مصدر آخر أفضل من الأول ، ولن يصل إليه إلا بقطع الطريق بينه وبين المصدر الأول بالفطام ، سيبكي ( لا مشكلة) ، ربما يشتم ( لا مشكلة) ، الصبر ملازم لفعلنا أيها القائد ، والرضيع عندما يتجاوز المحنة بغلق باب الشهوة ، سيجرّب المصدر الثاني لا محالة ، عندها سيرى ما لم يكن يراه سابقا ، ويزداد وعيه سعيا ، ويتقرّب إلى والديه أكثر ، كذلك الطيّبون في زمن المحنة ، على قدر ما فيهم من الوهن ، سنخضعهم بشكل مباشر أو غير مباشر – حسب ما تقتضيه المصلحة ، فنحن نؤدّب القريب ولو كان أبي بالغريب ولو كان عدوي ، هذه هي سياسة التطهير القادمة ، فإن صبروا كان خيرا لهم ، وإن لم ، لن يخرجوا برفضهم من قدر التمحيص ، كرهونا ، أبغضونا ، شتمونا ، لن يتجاوز أذاهم اللسان أو البنان ، نحن متوقّعون ذلك ، ولن يثنينا ذلك عمّا عزمنا عليه ، فصدرنا رحب يتّسع لكل عدو أو محب ، فنحن معهم (الطيبين) رحماء ولو لم يدركوا ذلك ، ومع (الخبيثين) أشدّاء ولو أدركوا ذلك .
المعلّم أو الملقّن أيّهما أنت ؟
ركّز أيها القائد المعلم الحكيم فكرك وجهدك في حدود مسؤولياتك فأنت أنت من بين رجالك من سيظهر في الصورة ، فنحن لا نراهم إلا فيك ، ولا نتعامل معهم إلا من خلالك ، لذا تصرّف معهم بالحكمة على قد ما كسبت منها ومنها باستمرار تزوّد، وأنت سائر في الطريق ستزداد أيضا قوّة ، لا تتصرّف مع رجالك بالقوة ، ومن الأخيرة خذ ما تسمح لك به الأولى وتصرّف ، وعلى قدر ما يملك رجالك من الحكمة ، أعطهم (علما) بسرّ (القوة) ، وعرّفهم بها قدرها واخفي منها عنهم جلّها حتى لا يركنوا إليها ، وعندما تعرض عليهم (القوة) باللسان فأنت تختبر ما لديهم من (الحكمة)، فإن أثبتوا وجودهم بـ(الحكمة) عند رؤية تجربة (القوة) بالفعل ، عندها ستعلم من يحق له (المعرفة) و (العمل) معا بالقوة تدربا واكتسابا ، فتعلّمه منها تدرّجا ليصبح مفعّلا ذاتيا ، فالحكمة التي يظهرها الطالب هي التصريح لنا لا لسانه !! أيها القائد ضع رجالك في الميزان ، لا تحابي منهم أحدا ، هم أمانة في عنقك ، وبالميزان تعلم المستحق من غيره ، فالراغب الواعي لا يمل الانتظار و لا يفقد الأمل ، بل كلما ازداد صبرا ازداد أملا ، فأدرهم أيها القائد بالصبر، فالصبر ميزان للنفس ، أليس هو ضبطها ؟، فمن تأفف أو تذمّر ، معه فماذا ستفعل ؟ زده انتظارا فوق انتظاره وابتسم، حتى يفرّ من تذمّره إليك صابرا أو يحتسب ، لا يغرّنك أيها القائد قول لسانه ، بل ركّز بالبصيرة على ما يختلج في وجدانه ، فزده انتظارا أطول من سابقيه ، وتأمل في ردّة فعله ، فلن ينتصر بالقوة من لا يعرف الصبر ، هذا هو ميزانك مع رجالك ، التمحيص بالصبر ، ادرس ما حوت نفوسهم جيدا ، لتتعرّف على الأشياء التي يتحاشاها فردهم ، نقاط ضعفه اجعلها مصدر قوت قوّته ، ماذا تفعل عند معرفتها ؟ صنّفها في قائمة (العقبة)، أقحمه في (أحدها) وانتظر ردّة فعله ، أهو راغب غير واثق أم كاره مكره ؟ ، فإن كانت الأولى ، فتلك حسنة ، فاجتث نقاط ضعفه بتقويته وفق برنامج عملي سمّه ( واجه ما تخشى ولا تخشى ) ، ترسمه له بمحاورته ، أمّا الأخرى ، فالانتظار والإقحام خير علاج لمواجهة ما يخشى ولو لم يشتهي فالعاقبة للمتقين ، استخدمه في أعمال يخشاها لا تضر بمسار العمل الرئيس ، لتجرّب مدى صبره وتزيد قوّة تحمّله رغما عنه ، إن عوّدت رجالك على قدر أعلى من القوة ، ركنوا إليها وطالبوك المزيد ، فالسخاء بلا تمييز لا يحقق الهدف المنشود ، إن وعي القوّة يتطلّب ضبطا منتظما للنفس ، الانضباط هو الضابط ، فالقوة ثروة هبطت من السماء على الغثاء فجأة والقوي جل وعز وهبها لأهل الصفوة وهم القلّة لينظر ما هم فاعلون ؟ ، فإن قُدّمت للغير بسهولة لا وعي فيها ولا تقدير لقيمتها ولا لأهدافها ، أحدثت فوضى ودمارا في الأنفس والآفاق ، فهل هي يا ترى غذاء مجّاني يعطى لكل من هبّ ودب ؟ ، فافهم ذلك جيّدا أيها القائد ، ليس هناك تغيير مفاجئ يأتي بسرعة البرق أو الريح ، باستثناء شيء واحد صريح ، هو الموت ، فالثروة المفاجئة التي تهبط على الغير الغير واعين بها نادرا ما تدوم ، لأنها وبأنها هبطت من السماء فجأة فهي لا تقوم و لا تثبت إلا على شيء صلب يتحملها بالصبر ويرفعها بالحكمة والتقدير ،فإياك أن تدع إلحاحهم يغريك بالخروج من قلعة وعيك المستديمة والحامية لك ، فمن تعوّد على الركوب استصعب المشي ،والركوب (قوة) أعلى من (قوة) المشي ، فلو لم يكن لديهم سوى (قوة) المشي ، فماذا يا ترى هم فاعلون ؟، سيمشون لا محالة ، فمن عاش في الرخاء لا يعي إلا الرخاء ، وجلّ أهل الغثاء في رخاء ، فدورك هنا معهم (أهل الرخاء) هو كيف تجعلهم بالشدّة في رخاء ؟ ، وكيف تحقق فيهم اخشوشنوا ؟ ومن عاش في الشدّة بصبر ، لا يضرّه إن هبط عليه الرخاء فيتراخى ، لن يتراخى ، أيها القائد لا تخبر رجالك مستواً أعلى من (القوة) حتى يتقنوا بالصبر المستوى الأدنى ، ولا يجدوا حرجا في فعله ، فلو كان هناك طالبٌ منعّم لم يعتد إلا ركوب ما هو فاخر وفي درجة الأفق فهل يا ترى سيرضى أن يكون رديفك أيها القائد على حمار ؟ وإن فعل ، هل ستحمرّ وجنتيه عند نهيق الحمار و الملأ ينظرون إليه في تعجب وهو فلان بن فلان السموي ذو المكانة العليا المطعّمة بالسمو ؟ أيها القائد إن الحاجة هي التي تقدّرها وتقررها الحكمة ، لا تدع (القوة) محل الاختيار إلا اختبارا منك لهم ، لتعلم في نهاية المطاف أنهم لن يختاروا إلا الأيسر بين اليسيرين ، والعسر أيها القائد مدرسة الرجال وحضانة اليسرين ، فاصنع رجالك بالعسر الهيّن و لا تلين ، لا تباشر العسر في ساحتهم لفظا بل فعلا ، لا تذيقهم الشهد إلا بعد الجهد لمن صبر منهم فقط ، الشورى أيها القائد هي مفتاح عظيم لمغاليق الورى ، فأخرج ما في نفوسهم بها ، لا تقدّم لهم المشكلة والحل معا ، امنحهم فرصة موقوتة الزمن ليبحثوا فيها عنه ،فالهدف من العقبة أن يزدادوا بها وعيا ، لا تبادرهم بالحل مطلقا واجعلهم هم المبادرين ، علّمهم فنّ التعامل مع الحياة بوعي ، فنحن في زمن تكاثر العقبات و نموّ الأزمات ، اجعل رجالك يحذرونك وحذّرهم من نفسك لا بلسانك بل بنهجك ونظامك ،لا تعلّمهم التراخي في العمل ، علّمه الاسترخاء للعمل ، أغلق عليهم باب الأعذار بقولك الأولى لكم فقط ، سجّل رغباتهم واجعلها شهدا لجهدهم ، من يثرثر منهم بلسانه في غير حاجة أدّبه بالعمل الصارم ، اعلم أن السعي هو أداة قياس الوعي ، من خالف قوله فعله أو زاد عنه فذاك مثرثر ، أيها القائد أدّب الضدّ بالضد في زمن المعمعة ، أدّب الكسول بالرجل الجاد ، الغضوب بالحليم ، قيّد صفاتهم باستفزازهم ، ضع الرجل المناسب في المكان المناسب ، احرق باردهم بحارّهم حتّى يعتدلان ، الساذج المتميّع هو لا مبالي فاحرقه ولا تبالي ، لكي يفرّ منك إليك ، و لا مفرّ له في عهدنا إلا إلينا ، فالقوة من الله في يدينا ، ومنك تعني (رجل من رجالك لا أنت ) مباشرة ، فأنت تعمل في ابتسامة صمت ، فانتقي من رجالك من يجيد فنّ الإحراق ، وسلّطهم على المتميّعين من طلاّبك، وسنبتليك بهم المتميّعون ، لنرى ماذا ستفعل ؟ اجعل لكل خصلة غير سويّة رجلا معاكسا لتأدّب الضد بالضد ، وتأدب القريب بالغريب ، أدّب طلاّبك بطريقة غير مباشرة ، اسمع أكثر مما تتكلّم ، ومن فرّط منهم أو منكم فقد تورّط ، اعلم أنك تعدّهم لمجابهة الفتن القادمة ، إما الله أو الدجّال ، فكيف يجابهونه وهذا حالهم وجوج ومأجوج وغيرهما ، فلا تلين لهم ولا تستكين ، ما تفعله هو خير لهم ولو كرهوه ولم يفقهوه ، بصّرهم أن في الأمر خير لهم ، وحثّهم على الصبر ، وذكّرهم أن الشجرة العظيمة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء والتي تجابه العواصف والرياح العاتية هي في الأصل كانت بذرة لا تشبع فرخا ، ذكّرهم أنك تعتني بهم لتخلق منهم رجالا أشدّاء ، ومن أراد خطب الحسناء فليقرّب المهر، ألا إن سلعة الله غالية ، وسيأتي ذلك اليوم الذي يقبّلون فيه رأسك بالوعي، فمن استجاب لك بعد التذكير وطلب منك راغبا تقويم اعوجاجه كما ترى افعل و لا تخشى ، ومن لم ، فافعل ما ذُكر أعلاه ولا سبيل له إلا تمحيصه لما فيه الخير له ولو لم يدركه وقريبا سيدركه . فنحن نعمل في مصلحتهم ولو لم يدركوا . إنها قسوة المحب بالحكمة ، فمن رغب فقد رغب ، ومن لم ، فلن يترك وفراره منّا إلينا ، لنتخطّى به عقبة نفسه ، وما إن يتجاوزها ، سيسجد لله شكرا أن جعلنا في طريقه ، وسيزداد حبّا فينا ينسيه قسوتنا ، بل يتلذّذ بذكرها ، ويقبّل اليد التي صفعته بالحكمة.
التوقيع:-
(إبداعك المخلص)
(أخرجني إلى النور أخرجك من الظلمات)
يجب أن يكون شعارنا هو:-
(ارجع إلى حصن الوعي أيها الإنسان تسلم)
بن نون [/align:72446c85bc]
ما أجمل الصبر الجميل أحبتي وجه طليق وقول ليّن وآخر بيّن ، إن ما يراه الطيّبون محنة يراه الصبور المحتسب منحة ، المحنة قد تتساقط من أطرافها دموع آهات وحسرات وأنّات ، لكنّ الواعي بحق يقلب بالصبر المحنة منحة ربّانية والدمعة بسمة والترح فرح ، ألا نذكر قصّة(الختان) أو ما نسمّيه (التطهير) ؟، فالجلّ مازالوا أطفالا في الوعي و الطفل الذي يقع عليه الختان يبكي ويتألم بينما الأقربون له تراهم فرحين مسرورين بالوعي ، ما الذي اختلف ؟ ولما يقابلان صراخه وتوجّعه بفرحة و زغردة ؟ ، هكذا يجب أن يكون القائد الواعي في زمن الفتن والمحن وفي عصر المعمعة ، فلا بدّ منه أيها القادة (ولا مفر) ، إنه التطهير و الأقربون أولى به ، لذا لزمنا اختبار رجالنا أيها القادة، يجب أن نضعهم في الميزان ، حتى يتغلّبوا على الوهن ، حبّ الدنيا وكراهية الموت ، فنقلب بهم الآية فيصبح الوهن عظمة وقوة تكره الدنيا وتبتغي الآخرة بحب الموت ، فنحن نعطي الطيّبين ما نملك من علم ودراية لنرقّيهم بما فيهم ، هناك صنف من الرجال تجده يتغيّر للأحسن مهما تغيّرت الظروف للأسوأ ، فكلما زادت سوء زاد حسنا ، وهناك صنف ثانٍ يتغيّر للأحسن عندما تتغيّر الظروف للأحسن ، وهناك صنف ثالث يعبد الله على حرف ، الأول أيها القادة يجب أن يكون من رجالنا المقرّبين ، ولصنف الثاني نخضعه للظرف المخالف لما هو عليه الآن ، لنرى ماذا سيفعل ؟، هل يلتحق بالصنف الأول أم ينقلب على عقبيه ويصبح من الصنف الثالث ، هذا يقودنا إلى حتمية (غربلة) الأوضاع الراهنة بحكمة وبعلم ، فمن معه (المال أو القوة ) نسلبه منه من حيث لا يشعر !! ومن لا يملكه (نهبه) المال وننتظر ، ماذا عساه به فاعل؟ ، عند الغربلة التي لا يُعرف مسبّبها ، يتم الانتقاء والاصطفاء بالبرهان لا باللسان وبمراقبة خط السير بأمان ،وفق برنامج (الفقر والغنى) ، سننظر في الإنسان إلى ما مضى ، من صفر حياته إلى وضعه الراهن ، فلن نبدأ معه العد إلا بعد النظر ، عندها نحكم أيهما يصلح له ويصلحه ، فالجزاء من جنس العمل ، ومن لم يصلحه الغنى أصلحه الفقر ، الهدف من هذا البرنامج هو التمحيص لنعرف الطيّب من الخبيث ، والكاذب من الصادق ، ولن نحدّثه باللسان ، بل نخضعه وهو لا يشعر للميزان ، لنرى أهو صابرٌ محتسب أم جازع متذمّر ؟ هل تذمّره من نفسه أم من قدره ؟ وهكذا ، والحكمة تقول ( التمحيص في نهاية المطاف تطهير) فعاقبته (خير) ولو كرهه أهل (الخير) ومن لا يدرك الحكمة بالطبع سيكرهه ، وسيفرز لنا التمحيص عيّنات من البشر لا تخرج عن اثنتين (جمع الطيّبين والطيبات ) و(جمع الخبيثين والخبيثات) ، فالطيّب معنا والخبيث ضدّنا والفتن ستبتلعه بداية بالدجال ومرورا بجوج ومأجوج أو الملاحم القادمة ستطحنه ، أيها القائد ضع رجالك وجنودك في الميزان و عليهم لا تخشى ، ولا تخضع لقول اللسان منهم أبدا ، فالميزان هو الذي يُخرج ما في الجنان ، واللسان قد يلجأ صاحبه إلى الكذب هربا من الميزان ، أيها القائد ليس عليك إلا الصبر الجميل حيال ما سيقع بهم من عويل أو بكاء جرّاء التطهير والتمحيص ، فالتطهير للطيّبين (جبري) ليس لهم فيه (خيار) ، فلا مناص منه ، استعدّوا له أم ابتعدوا عنه ، ربما يشتموك أيها القائد ويسبّوك ، فعليكم أيها القادة بالصبر الجميل ، و لا تلمهم على ذلك إطلاقا ، إلا إذا لمت طفلك الرضيع صياحه عند الختان ، سيأتي يوم قريب وسيدركون فيه الحقيقة ، ما أجمل أن تبتسم أيها القائد في وجوههم عندما نخرج أسوأ ما فيهم بالتطهير كما يخرج الجرّاح الورم من المريض ، فأنت لو لم تحبّهم لما وضعتهم في ميزان التطهير ، قد يتعلّق ابني بثدي أمّه ، فذاك مصدر غذائه ونموّه ، والفطام يكرهه الرضيع ، ونحن نرى ما لا يرى ، فلا بدّ من حرمانه المصدر الأول لتهيئته لمصدر أفضل منه هو لا يعيه ، هل سنطاوعه عندما يبكي ونرضخ له عند رفضه ؟ أم أنّ الوعي يقول لا بد من الفطام ، لوجود مصدر آخر أفضل من الأول ، ولن يصل إليه إلا بقطع الطريق بينه وبين المصدر الأول بالفطام ، سيبكي ( لا مشكلة) ، ربما يشتم ( لا مشكلة) ، الصبر ملازم لفعلنا أيها القائد ، والرضيع عندما يتجاوز المحنة بغلق باب الشهوة ، سيجرّب المصدر الثاني لا محالة ، عندها سيرى ما لم يكن يراه سابقا ، ويزداد وعيه سعيا ، ويتقرّب إلى والديه أكثر ، كذلك الطيّبون في زمن المحنة ، على قدر ما فيهم من الوهن ، سنخضعهم بشكل مباشر أو غير مباشر – حسب ما تقتضيه المصلحة ، فنحن نؤدّب القريب ولو كان أبي بالغريب ولو كان عدوي ، هذه هي سياسة التطهير القادمة ، فإن صبروا كان خيرا لهم ، وإن لم ، لن يخرجوا برفضهم من قدر التمحيص ، كرهونا ، أبغضونا ، شتمونا ، لن يتجاوز أذاهم اللسان أو البنان ، نحن متوقّعون ذلك ، ولن يثنينا ذلك عمّا عزمنا عليه ، فصدرنا رحب يتّسع لكل عدو أو محب ، فنحن معهم (الطيبين) رحماء ولو لم يدركوا ذلك ، ومع (الخبيثين) أشدّاء ولو أدركوا ذلك .
المعلّم أو الملقّن أيّهما أنت ؟
ركّز أيها القائد المعلم الحكيم فكرك وجهدك في حدود مسؤولياتك فأنت أنت من بين رجالك من سيظهر في الصورة ، فنحن لا نراهم إلا فيك ، ولا نتعامل معهم إلا من خلالك ، لذا تصرّف معهم بالحكمة على قد ما كسبت منها ومنها باستمرار تزوّد، وأنت سائر في الطريق ستزداد أيضا قوّة ، لا تتصرّف مع رجالك بالقوة ، ومن الأخيرة خذ ما تسمح لك به الأولى وتصرّف ، وعلى قدر ما يملك رجالك من الحكمة ، أعطهم (علما) بسرّ (القوة) ، وعرّفهم بها قدرها واخفي منها عنهم جلّها حتى لا يركنوا إليها ، وعندما تعرض عليهم (القوة) باللسان فأنت تختبر ما لديهم من (الحكمة)، فإن أثبتوا وجودهم بـ(الحكمة) عند رؤية تجربة (القوة) بالفعل ، عندها ستعلم من يحق له (المعرفة) و (العمل) معا بالقوة تدربا واكتسابا ، فتعلّمه منها تدرّجا ليصبح مفعّلا ذاتيا ، فالحكمة التي يظهرها الطالب هي التصريح لنا لا لسانه !! أيها القائد ضع رجالك في الميزان ، لا تحابي منهم أحدا ، هم أمانة في عنقك ، وبالميزان تعلم المستحق من غيره ، فالراغب الواعي لا يمل الانتظار و لا يفقد الأمل ، بل كلما ازداد صبرا ازداد أملا ، فأدرهم أيها القائد بالصبر، فالصبر ميزان للنفس ، أليس هو ضبطها ؟، فمن تأفف أو تذمّر ، معه فماذا ستفعل ؟ زده انتظارا فوق انتظاره وابتسم، حتى يفرّ من تذمّره إليك صابرا أو يحتسب ، لا يغرّنك أيها القائد قول لسانه ، بل ركّز بالبصيرة على ما يختلج في وجدانه ، فزده انتظارا أطول من سابقيه ، وتأمل في ردّة فعله ، فلن ينتصر بالقوة من لا يعرف الصبر ، هذا هو ميزانك مع رجالك ، التمحيص بالصبر ، ادرس ما حوت نفوسهم جيدا ، لتتعرّف على الأشياء التي يتحاشاها فردهم ، نقاط ضعفه اجعلها مصدر قوت قوّته ، ماذا تفعل عند معرفتها ؟ صنّفها في قائمة (العقبة)، أقحمه في (أحدها) وانتظر ردّة فعله ، أهو راغب غير واثق أم كاره مكره ؟ ، فإن كانت الأولى ، فتلك حسنة ، فاجتث نقاط ضعفه بتقويته وفق برنامج عملي سمّه ( واجه ما تخشى ولا تخشى ) ، ترسمه له بمحاورته ، أمّا الأخرى ، فالانتظار والإقحام خير علاج لمواجهة ما يخشى ولو لم يشتهي فالعاقبة للمتقين ، استخدمه في أعمال يخشاها لا تضر بمسار العمل الرئيس ، لتجرّب مدى صبره وتزيد قوّة تحمّله رغما عنه ، إن عوّدت رجالك على قدر أعلى من القوة ، ركنوا إليها وطالبوك المزيد ، فالسخاء بلا تمييز لا يحقق الهدف المنشود ، إن وعي القوّة يتطلّب ضبطا منتظما للنفس ، الانضباط هو الضابط ، فالقوة ثروة هبطت من السماء على الغثاء فجأة والقوي جل وعز وهبها لأهل الصفوة وهم القلّة لينظر ما هم فاعلون ؟ ، فإن قُدّمت للغير بسهولة لا وعي فيها ولا تقدير لقيمتها ولا لأهدافها ، أحدثت فوضى ودمارا في الأنفس والآفاق ، فهل هي يا ترى غذاء مجّاني يعطى لكل من هبّ ودب ؟ ، فافهم ذلك جيّدا أيها القائد ، ليس هناك تغيير مفاجئ يأتي بسرعة البرق أو الريح ، باستثناء شيء واحد صريح ، هو الموت ، فالثروة المفاجئة التي تهبط على الغير الغير واعين بها نادرا ما تدوم ، لأنها وبأنها هبطت من السماء فجأة فهي لا تقوم و لا تثبت إلا على شيء صلب يتحملها بالصبر ويرفعها بالحكمة والتقدير ،فإياك أن تدع إلحاحهم يغريك بالخروج من قلعة وعيك المستديمة والحامية لك ، فمن تعوّد على الركوب استصعب المشي ،والركوب (قوة) أعلى من (قوة) المشي ، فلو لم يكن لديهم سوى (قوة) المشي ، فماذا يا ترى هم فاعلون ؟، سيمشون لا محالة ، فمن عاش في الرخاء لا يعي إلا الرخاء ، وجلّ أهل الغثاء في رخاء ، فدورك هنا معهم (أهل الرخاء) هو كيف تجعلهم بالشدّة في رخاء ؟ ، وكيف تحقق فيهم اخشوشنوا ؟ ومن عاش في الشدّة بصبر ، لا يضرّه إن هبط عليه الرخاء فيتراخى ، لن يتراخى ، أيها القائد لا تخبر رجالك مستواً أعلى من (القوة) حتى يتقنوا بالصبر المستوى الأدنى ، ولا يجدوا حرجا في فعله ، فلو كان هناك طالبٌ منعّم لم يعتد إلا ركوب ما هو فاخر وفي درجة الأفق فهل يا ترى سيرضى أن يكون رديفك أيها القائد على حمار ؟ وإن فعل ، هل ستحمرّ وجنتيه عند نهيق الحمار و الملأ ينظرون إليه في تعجب وهو فلان بن فلان السموي ذو المكانة العليا المطعّمة بالسمو ؟ أيها القائد إن الحاجة هي التي تقدّرها وتقررها الحكمة ، لا تدع (القوة) محل الاختيار إلا اختبارا منك لهم ، لتعلم في نهاية المطاف أنهم لن يختاروا إلا الأيسر بين اليسيرين ، والعسر أيها القائد مدرسة الرجال وحضانة اليسرين ، فاصنع رجالك بالعسر الهيّن و لا تلين ، لا تباشر العسر في ساحتهم لفظا بل فعلا ، لا تذيقهم الشهد إلا بعد الجهد لمن صبر منهم فقط ، الشورى أيها القائد هي مفتاح عظيم لمغاليق الورى ، فأخرج ما في نفوسهم بها ، لا تقدّم لهم المشكلة والحل معا ، امنحهم فرصة موقوتة الزمن ليبحثوا فيها عنه ،فالهدف من العقبة أن يزدادوا بها وعيا ، لا تبادرهم بالحل مطلقا واجعلهم هم المبادرين ، علّمهم فنّ التعامل مع الحياة بوعي ، فنحن في زمن تكاثر العقبات و نموّ الأزمات ، اجعل رجالك يحذرونك وحذّرهم من نفسك لا بلسانك بل بنهجك ونظامك ،لا تعلّمهم التراخي في العمل ، علّمه الاسترخاء للعمل ، أغلق عليهم باب الأعذار بقولك الأولى لكم فقط ، سجّل رغباتهم واجعلها شهدا لجهدهم ، من يثرثر منهم بلسانه في غير حاجة أدّبه بالعمل الصارم ، اعلم أن السعي هو أداة قياس الوعي ، من خالف قوله فعله أو زاد عنه فذاك مثرثر ، أيها القائد أدّب الضدّ بالضد في زمن المعمعة ، أدّب الكسول بالرجل الجاد ، الغضوب بالحليم ، قيّد صفاتهم باستفزازهم ، ضع الرجل المناسب في المكان المناسب ، احرق باردهم بحارّهم حتّى يعتدلان ، الساذج المتميّع هو لا مبالي فاحرقه ولا تبالي ، لكي يفرّ منك إليك ، و لا مفرّ له في عهدنا إلا إلينا ، فالقوة من الله في يدينا ، ومنك تعني (رجل من رجالك لا أنت ) مباشرة ، فأنت تعمل في ابتسامة صمت ، فانتقي من رجالك من يجيد فنّ الإحراق ، وسلّطهم على المتميّعين من طلاّبك، وسنبتليك بهم المتميّعون ، لنرى ماذا ستفعل ؟ اجعل لكل خصلة غير سويّة رجلا معاكسا لتأدّب الضد بالضد ، وتأدب القريب بالغريب ، أدّب طلاّبك بطريقة غير مباشرة ، اسمع أكثر مما تتكلّم ، ومن فرّط منهم أو منكم فقد تورّط ، اعلم أنك تعدّهم لمجابهة الفتن القادمة ، إما الله أو الدجّال ، فكيف يجابهونه وهذا حالهم وجوج ومأجوج وغيرهما ، فلا تلين لهم ولا تستكين ، ما تفعله هو خير لهم ولو كرهوه ولم يفقهوه ، بصّرهم أن في الأمر خير لهم ، وحثّهم على الصبر ، وذكّرهم أن الشجرة العظيمة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء والتي تجابه العواصف والرياح العاتية هي في الأصل كانت بذرة لا تشبع فرخا ، ذكّرهم أنك تعتني بهم لتخلق منهم رجالا أشدّاء ، ومن أراد خطب الحسناء فليقرّب المهر، ألا إن سلعة الله غالية ، وسيأتي ذلك اليوم الذي يقبّلون فيه رأسك بالوعي، فمن استجاب لك بعد التذكير وطلب منك راغبا تقويم اعوجاجه كما ترى افعل و لا تخشى ، ومن لم ، فافعل ما ذُكر أعلاه ولا سبيل له إلا تمحيصه لما فيه الخير له ولو لم يدركه وقريبا سيدركه . فنحن نعمل في مصلحتهم ولو لم يدركوا . إنها قسوة المحب بالحكمة ، فمن رغب فقد رغب ، ومن لم ، فلن يترك وفراره منّا إلينا ، لنتخطّى به عقبة نفسه ، وما إن يتجاوزها ، سيسجد لله شكرا أن جعلنا في طريقه ، وسيزداد حبّا فينا ينسيه قسوتنا ، بل يتلذّذ بذكرها ، ويقبّل اليد التي صفعته بالحكمة.
التوقيع:-
(إبداعك المخلص)
(أخرجني إلى النور أخرجك من الظلمات)
يجب أن يكون شعارنا هو:-
(ارجع إلى حصن الوعي أيها الإنسان تسلم)
بن نون [/align:72446c85bc]