عرض الإصدار الكامل : معادلات إيمانيه...


علو الهمه
03-08-2004, 02:02 PM
http://members.lycos.co.uk/soos7/poop/aerf666.jpg



المعادلة الأولى والثانية :الإخلاص والمحبة


يتناول الدرس القوانين والمعادلات الإيمانية لضبط ومعرفة كثير من السلوك الإيماني ، فكان

من المناسب التطرق إليها، والوقوف عند بعضها؛ لتعين الدعاة على سهولة محاسبة النفس،

ومعرفة معالجة العيوب، والوصول إلى ما يجب التحلي به من الأخلاق، والخصال التي حث

عليها الشارع لتكامل الشخصية الإسلامية، لتكون في ذروة القدوة، حتى تستطيع أن تؤثر في

الآخرين عندما تدعوهم لعبادة الله وحده.


** مقدمة: كما أن في عالم الفيزياء، والرياضيات، وعلوم الهندسة، وغيرها بعض القوانين

والمعادلات الرياضية للتسهيل في المجهول منها،

فالسرعة = المسافة × الزمن.

والحجم = الطول × العرض × الارتفاع.

والقوة = الوزن × المسافة × المساحة.

والضغط = الارتفاع × الكثافة.


كذلك توجد قوانين ومعادلات إيمانية لضبط ومعرفة كثير من السلوك الإيماني..ولقد تحدث

الكثير من العلماء عن معادلات إيمانية مستنبطة من الكتاب والسنة، منثورة في كتب الزهد

والسلوكيات، فكان من المناسب التطرق إليها، والوقوف عند بعضها؛ لتعين الدعاة على

سهولة محاسبة النفس، ومعرفة معالجة العيوب، والوصول إلى ما يجب التحلي به من الأخلاق،

والخصال التي حث عليها الشارع لتكامل الشخصية الإسلامية، لتكون في ذروة القدوة، حتى

تستطيع أن تؤثر في الآخرين عندما تدعوهم لعبادة الله وحده.
**الإخلاص:

يقول الله تعالى في كتابه الكريم:} فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ

بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا[110]{ [سورة الكهف].

◄ والقانون هنا:

عمل موافق للكتاب والسنة + الإخلاص = ثواب الله تعالى.


والإخلاص أحد شرطي قبول العمل، وبغيره لا يُقبل العمل.

والمخلص تراه دائم الخوف من عدم القبول؛ لأنه يخشى أن يكون ما قدم فيه شيء من الرياء

والسمعة، بينما المنافق تراه مطمئناً لما قدم، وفي ذلك ما قاله رجل لحذيفة :أخشى أن أكون

منافقاً فقال:'لو كنتَ منافقاً لم تخش'.


** أحسن في نهارك تُكفى في ليلك :

ومن فروع هذا القانون ما ذكره الزاهد أبو سليمان الداراني عندما قال:'من أحسن في نهاره

كُفي في ليله، ومن أحسن في ليله كُفي في نهاره، ومن صدق في ترك شهوة ذهب الله بها

من قلبه، والله أكرم من أن يعذب قلباً بشهوة تُركت له'. فمن أحسن العمل، وأخلصه لله في

النهار؛ كفاه الله من شرور الليل وحاجاته، ومن أحسن العمل والتقرب إلى الله في الليل، فإن

النتيجة تكون كفاية الله له في نهاره، فلا يحتاج لأحد، ولا ينقصه شيء، ومن ترك شهوة لله

بالرغم من توافر العوامل المساعدة لاقترافها، كانت النتيجة أن الله لا يعذبه.

** متى تكون الفضيحة ؟

ومن فروعه أن المرء عندما يريد وجه الله سبحانه في عمله يوفق له، ويفتح الله عليه أكثر

مما يتوقع، وأكثر مما كان مخططاً له، ومن أراد أن يُشار إليه، أو يبرز أمام الآخرين، أو

يريهم ملكاته وحسن تدبيره، فإن الله يفضحه، ويرى الآخرين ضعفه، ولا يوفقه للصواب،

ويتعثر فلا يستطيع الوصول إلى ما يريد من الأهداف، ويكون ذلك واضحاً جلياً في مجال تعليم

العلم والوعظ.. فمن أراد أن يُري الآخرين عميق علمه، وجميل عبارته، وتمكنه من التأثير في

الآخرين؛ فإن الله ينسيه العبارات، وتختلط عليه الاستدلالات، ويرتبك بما كان قادراً عليه، ومن

أراد نصرة دين الله، وهداية الآخرين، والقيام بحق الله، يدفعه الغضب لله، والحرقة على أحوال

العصاة، فإن الله يفتح عليه من العلوم ما يتعجب منه، ومن التوفيق والسداد ما لم يحفظه أو

يحضره،ويذكره من العلم ما نسيه، ويورد على لسانه ما لم يتوقعه، وهذا كله من بركات

الإخلاص لله وحده.

◄ ينقل لنا هذا الشعور، ويؤكد لنا صدق هذا القانون:

الإمام أبو يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة عندما قال:' أريدوا بعلمكم الله تعالى، فإني لم

أجلس مجلساً قط أنوي فيه أن أتواضع، إلا لم أقم حتى أعلوهم، ولم أجلس مجلساً قط أنوي

فيه أن أتواضع، إلا لم أقم حتى أفتضح'.

ونستخلص من هذا أربعة معادلات جليلة في الإخلاص:

1- من أراد بعمله وجه الله = يوفقه الله ويفتح عليه.

2- من أراد بعمله غير وجه الله = يخذله الله ويعسّر عليه.

3- من أراد بعمله وجه الله = يفتح الله عليه، ويسدد لسانه، ويقوي حجته.

4- من أراد بعلمه غير وجه الله = ينسيه الله العلم، ويفضحه ويضعف حجته.


** من أحب أن يذكر :

ومن فروع القانون ما ذكره الإمام الزاهد الفضيل بن عياض:'من أحب أن يُذكَر لم يُذكر، ومن

كره أن يُذكر ذُكِر'.

◄فكم من الناس بذل ما يستطيع من المال والجهد من أجل أن يذكره الآخرون، فمات وكان

في طي النسيان.

◄كم من الأخفياء، الأتقياء بالغ بإخفاء أعماله، وكره البروز، وحرص على الاختلاء بالله،

ولكن ذكره ملأ الأرض.

والذي يقلب صفحات التاريخ يدرك حقيقة هذه القاعدة:

◄ فأين ملوك الأكاسرة والأباطرة، وملوك الدنيا من المسلمين من بني الأحمر في دولة

الأندلس؟ وأين ملوك الفاطميين، وملوك المغول، وغيرهم ممن أرادوا أن يُذكروا ؟.. أين هم

في واقعنا، وعلى ألسنتنا ؟ إنهم جميعاً لم يذكروا.. بينما تأمل وتصفح صفحات التاريخ،

فهل ترى جيلاً من أجيال المسلمين نسي ذكر الخلفاء الراشدين، أو الصحابة الكرام والتابعين،

أو علماء الأمة البارزين من القدماء والمعاصرين؟ إنه يؤكد حقيقة القاعدة التي ذكرها الإمام

الفضيل:'من أحب أن يُذكَر لم يُذكر، ومن أن يُذكر ذُكِر'.


** أصدق في باطنك :


إنه من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: [وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ]

رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي ومالك وأحمد. بعيداً عن رقابة الآخرين، وبعيداً عن

شبهة الرياء، استشعر عظمة الله، ولقائه يوم القيامة، وعظيم حسابه، فخاف منه وانحدرت

دموعه رغماً عنه، لقد صدق في باطنه؛ فأفاض الله الدمع من عينيه، وأراه الدموع الغالية

التي تطفئ غضب الرب.. إنها معادلة يستمدها الإمام ابن الجوزي من كتاب الله وسنة نبيه

صلى الله عليه وسلم:'اصدق في باطنك، ترى ما تحب في ظاهرك' .

فالصدق الداخلي، والنية الصالحة التي يعقدها المؤمن في قلبه دون أن يراها أحد من الخلق؛

ينتج عنها صفاء النفس، وراحة البال، وصحة البدن، والسداد بالرأي والقول والعمل.. تلك

معادلة أكدها علي رضي الله عنه قبل ابن الجوزي حين قال:'من أحسن سريرته أحسن الله

علانيته'.

فإن نطق؛ فينطق صواباً.. وإن عمل؛ وفقه الله في عمله حتى يصل إلى ما يريد، فما من

عمل يقوم به أمام الناس علانية؛ إلا بارك الله فيه، وجعله صائباً مسدداً مؤثراً في الآخرين؛

لأن ذلك نتيجة للشطر الأول من المعادلة 'من أحسن سريرته'
.
** المعادلة الثانية: المحبة


لا تكتمل حقيقة العبادة من غير محبة لله تعالى؛ لأن الحب هو الدافع الأكبر للعمل وتحمل

المشاق في سبيل المحبوب؛ لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه:[اللَّهُمَّ

ارْزُقْنِي حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يَنْفَعُنِي حُبُّهُ عِنْدَكَ اللَّهُمَّ مَا رَزَقْتَنِي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ قُوَّةً لِي فِيمَا تُحِبُّ

اللَّهُمَّ وَمَا زَوَيْتَ عَنِّي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ فَرَاغًا لِي فِيمَا تُحِبُّ] رواه الترمذي وحسنه، وحسنه

الأرناؤوط- جامع الأصول 2363 .

يقول الإمام المباركفوري في شرحه لهذا الحديث :'[اللَّهُمَّ اُرْزُقْنِي حُبَّك] أَيْ لِأَنَّهُ لَا سَعَادَةَ

لِلْقَلْبِ وَلَا لَذَّةَ وَلَا نَعِيمَ وَلَا صَلَاحَ إِلَّا بِأَنْ يَكُونَ اللَّهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُ [اللَّهُمَّ مَا رَزَقَتْنِي مِمَّا

أُحِبُّ] أَيْ الَّذِي أَعْطَيْتنِي مِنْ الْأَشْيَاءِ الَّتِي أُحِبُّهَا مِنْ صِحَّةِ الْبَدَنِ وَقُوَّتِهِ وَأَمْتِعَةِ الدُّنْيَا مِنْ الْمَالِ

وَالْجَاهِ وَالْأَوْلَادِ وَالْفَرَاغِ [ فَاجْعَلْهُ قُوَّةً لِي] أَيْ عُدَّةً لِي [فِيمَا تُحِبُّ] ...

قَالَ الْقَاضِي: يَعْنِي مَا صَرَفْت عَنِّي مِنْ مَحَابِّي فَنَحِّهِ عَنْ قَلْبِي وَاجْعَلْهُ سَبَبًا لِفَرَاغِي لِطَاعَتِك

وَلَا تَشْغَلْ بِهِ قَلْبِي فَيُشْغَلَ عَنْ عِبَادَتِك .

وَقَالَ الطِّيبِيُّ : أَيْ اِجْعَلْ مَا نَحَّيْته عَنِّي مِنْ مَحَابِّي عَوْنًا لِي عَلَى شُغْلِي بِمَحَابِّكَ وَذَلِكَ أَنَّ

الْفِرَاعَ خِلَافُ الشُّغْلِ فَإِذَا زَوَى عَنْهُ الدُّنْيَا لِيَتَفَرَّغَ بِمَحَابِّ رَبِّهِ كَانَ ذَلِكَ الْفَرَاغُ عَوْنًا لَهُ عَلَى

الِاشْتِغَالِ بِطَاعَةِ اللَّهِ'.


** إقبال القلوب :

هذا التجرد الكامل وهذا الإقبال على الله بمثل هذه الطريقة؛ هو قمة الحب إلى درجة أنه يدعو

ربه بألا ينشغل القلب لحظات بما زوى الله عنه من ملاذ الدنيا مما تحب النفس من المال والولد

والجاه عن ذكر ربه والاشتغال بعبادته، هذا الإقبال على الله يتفاوت فيه الناس، فالأنبياء هم

أكثر الخَلْق إقبالاً بقلوبهم على الله، ولهذا السبب تكون النتيجة أن الله سبحانه يقبل بقلوب

معظم الناس إليهم.


◄ والمعادلة هنا:

هي ما ذكره الواعظ يحيى بن معاذ عندما قال:'على قدر حبك لله يحبك الخلق'.

◄ ويوضح هذه المعادلة الإيمانية:التابعي الجليل هرم بن حيان عندما قال:'ما أقبل عبد بقلبه

إلى الله، إلا أقبل الله بقلوب المؤمنين إليه حتى يرزقه ودهم'.

ومن العجيب أن ترى نفس العبارة عند الكثير من العلماء والصالحين، بالرغم من تفاوت

الأزمان والمكان بينهم.


ترمومتر العلاقة:

فمفتاح القلوب إلى الناس ليس المال ولا المنصب، أو أي شهوة من شهوات

الدنيا، بل هو الإقبال على الله؛ لأنه هو مالك القلوب يصرفها كيف يشاء.


هذا ما أراد أن يوصله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص عندما كتب

إليه:'إن الله إذا أحب عبداً حببه إلى خلقه، فاعتبر منزلتك من الله بمنزلتك من الناس، واعلم أن

ما لَكَ عند الله مثل ما للناس عندك'.

فحب الناس وإقبالهم على المرء هو ترمومتر علاقتك وإقبال قلبك على الله .


◄ وربما أراد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب تذكير خال النبي صلى الله عليه وسلم بحديث

النبي صلى الله عليه وسلم الذي يؤكد هذه المعادلة:[إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا نَادَى جِبْرِيلَ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ

فُلَانًا فَأَحِبَّهُ فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ

أَهْلُ السَّمَاءِ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي أَهْلِ الْأَرْضِ] رواه البخاري ومسلم والترمذي ومالك

وأحمد .

يقول الإمام ابن حجر في الفتح: 'والمراد في القبول قبول القلوب له بالمحبة، والميل إليه

والرضا عنه، ويؤخذ منه: أن محبة قلوب الناس علامة محبة الله' ويؤكد هذا المعنى رواية:[ إِذَا

أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا نَادَى جِبْرِيلَ إِنِّي قَدْ أَحْبَبْتُ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ قَالَ فَيُنَادِي فِي السَّمَاءِ ثُمَّ تَنْزِلُ لَهُ

الْمَحَبَّةُ فِي أَهْلِ الْأَرْضِ...] رواه الترمذي، وصححه الألباني




من كتاب:'معادلات إيمانية' للشيخ / عبد الحميد البلالي


نقلته لكم
علو الهمه

راحة البال
03-08-2004, 03:07 PM
ومعادلتي بعد قراءة موضوعك ..

علو الهمة = فتح الباب لك إلى الجنة ما عليك إلا الولوج ..

فبعلو الهمة تدرك الجنان .. ورضى الرحمن ..

فلك يامن تعلين بهمة زوار الحصن واعضاءه .. كل الإمتنان ..

أختي علو الهمة ..

جزاك الله خيراً على النقل المبارك ..

اللهم اشغلني بك عمن سواك ..

علو الهمه
03-08-2004, 04:17 PM
أختي في الله راحه البال

قرائتك للموضوع أضفى على المكان نوع خاص من المشاعر الإيمانيه

فجزاك الله خيرا على كلماتك

وعسى الله ان ينفع بهذه الكلمات قلبي وقلوب الجميع

وتكون حجة لي لا حجة علي يوم لقاء الا لقائه عز جلاله

علو الهمه
03-08-2004, 04:30 PM
** المعادلة الثالثة: التيسير


والتيسير في الأمور كلها يحدث نتيجة لبعض أعمال القلوب وأعمال الجوارح،

من أبرزها:

1- التقوى.

2- والإنفاق في سبيله.

3- والتصديق بما أنزله سبحانه.

4- والعمل بما أمر والابتعاد عما نهى.


** تقوى الله:


يذكر الله تعالى هذه المعادلة الإيمانية :} وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا[4]

{ 'سورة الطلاق'.

ويذكر الإمام الرازي معاني التيسير في هذه الآية، فيقول:

'في تفسير هذه اللفظة وجوه:

أحدها:أنها الجنة.

ثانيها: أنها الخير.

ثالثها: المراد منه أن يسهل عليه كل ما كلف به من الأفعال والتروك.

رابعها: اليسرى هي العود إلى الطاعة التي أتى بها أولاً، فكأنه قال : فسنيسره لأن يعود

إلى الإعطاء في سبيل الله...' .

هذه الأنواع من التيسير إنما هي نتيجة للتقوى، والتقوى هي اتخاذ الوقاية من النار، ومن كل

ما يدخل النار، ويوجب غضب الجبار، والوقاية لا تكون إلا بالعمل بما أمر به الله تعالى،

والابتعاد عما نهى، والتقرب الدائم له.

الإنفاق في سبيله:


فالمال –كما يقولون- نسيب الروح، ولا ينفق الروح إلا من استطاع إنفاق المال، والذي ينتصر

على محبة المال، وينفقه في دروب الخير ابتغاء ما عند الله؛ فقد فتحت له أبواب الفلاح؛ لذلك

قال تعالى، مادحاً الذين ينتصرون على أنفسهم التي تدعوهم للبخل، ثم ينفقون:} وَمَنْ يُوقَ

شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ[9]{ 'سورة الحشر'.

ليس هذا فحسب، بل إن الله يكافئه في الدنيا قبل الآخرة، فييسِّر له أموره كلها، فلا يطرق

باباً إلا فُتح، ولا يقع في معضلة إلا حلت، وييسر عليه كل ما كلف به، بل ويحببه إلى نفسه،

وييسر عليه ترك كل ما نُهي عنه، بل ويكرهه إليه: }فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى[5]وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى

[6]فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى[7]{ 'سورة الليل'.

بينما الذي لا يتخذ حماية له من غضب الله وعقابه، ولا ينفق في سبيله؛ فإن الله يعسر عليه

أموره كله؛ لقوله تعالى:} وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى[8]وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى[9]فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى[

10]{ 'سورة الليل'.

ويذكر الإمام ابن القيم في كتابه القيم:'الجواب الكافي' التعسير من ضمن آثار المعصية التي

يجدها العاصي في نفسه وفي حياته:'فلا يتوجه لأمر إلا يجده مغلقاً، أو متعسراً عليه، وهذا

كما أن من اتقى الله جعل له من أمره يسراً، فمن عطل التقوي جعل له من أمره عسراً، ويا لله

العجبب كيف يجد العبد أبواب الخير والمصالح مسدودة عنه، وطرقها معسرة عليه، وهو لا

يعلم من أين أتى ؟' .

** موسى عليه السلام يطلب التيسير:

وعندما كلف الله موسى –عليه السلام- بالرسالة، وأمره بالتوجه إلى الطاغية فرعون، ولعلم

موسى –عليه السلام- الذي تربى في بيت الفرعون بطغيانه وجبروته؛ أدرك خطورة المهمة

ووعورتها، فطلب من الله التيسير:} قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي[25]وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي[26]

{ 'سورة طه'

فكان ما أراد حيث يسّر الله له مجابهة فرعون، ويسّر الله له مجابهة السحرة حتى آمنوا به،

ويسّر الله له الخروج ببني إسرائيل من مصر، ويسر له النجاة من بطش فرعون بفتح طريق في

البحر وإغراق فرعون وجنوده، كما يسر له قيادة بني إسرائيل قتلة الأنبياء والرسل.


التيسير مع الناس :

الإنسان بطبعه لا يستطيع العيش من غير الآخرين، إنه يحتاج إلى الزواج ليعيش مع شريكة له

في حياته، ليقوما بتربية الأبناء، وليستعين بها على عبادته، ويحتاج إلى الأبناء حتى يشعر

بسعادة الأسرة وجمعها، ويحتاج إلى رفاق العمل، فلا يمكن العمل بمفرده بعيداً عن الناس،

ويحتاج إلى الناس في قضاء ما لا يستطيع قضاؤه من أمور الدنيا، ويحتاج إلى إخوان له

بعينونه على سلوك طريق الجنة.. وهكذا، فالإنسان لا يستطيع الفكاك عن الناس، فإذا

تعسرت علاقته بالآخرين، فإن ذلك يسبب له الضيق والألم النفسي، الذي يحول بينه وبين قضاء

الكثير من الحوائج، أو حتى العيش الهنيئ، فما من إنسان إلا ويتمنى أن يكون محبوباً من

الآخرين، وأن تُيسر أموره كلها مع الآخرين، حتى يحصل على هذا اللون من السعادة، ولكن

كيف ينجح في كسب الآخرين، وإصلاح ما بينه وبينهم؟

** يرشدنا علي رضي الله عنه للمعادلة الإيمانية التي تحقق هذا الحلم،

فيقول:'مَنْ أصلح ما بينه وبين الله، أصلح الله ما بينه وبين الناس' .


◄ إنها إذن ثمرة العلاقة بين العبد وربه، وعلى مقدار قوة هذه العلاقة في السر

والعلن، يكون مقدار التيسير في علاقة المرء مع الناس..

يقول التابعي الجليل أبو حازم:'لا يحسن عبد فيما بينه وبين الله إلا أحسن الله ما بينه وبين

العباد، ولا يغور فيما بينه وبين الله عز وجل إلا أغور فيما بينه وبين العباد، ولَمُصَانعةُ وجه

واحد أيسر من مصانعة الوجوه كلها، إنك إذا صانعت هذا الوجه مالت الوجوه كلها إليك، وإذا

أفسدت ما بينك وبينه شنئتك الوجوه كلها' ..

إنه سبحانه هو مالك القلوب، فهل يعجزه أن يميلها لمن يشاء من عباده ؟ والذي أمر النار بأن

تكون برداً وسلاماً على عبد صالح دعا قومه للتوحيد، وألقى في النار من أجله، أليس بقادر

على أن ييسر أمور من أحسن علاقته به مع الناس؟‍

لمياء الجلاهمة
04-08-2004, 11:59 AM
السلام عليكم ورحمة الله

موضوع قيم جدا اختي

جزاك الله خير اختيار موفق وسلمت يداك على هذا الموضوع


اختك لمياء

علو الهمه
04-08-2004, 12:51 PM
العزيزه لمياء...

وعليكم السلام ورحمه الله وبركاته

جزاك الله خيرا على مرورك القيم ...

علو الهمه
04-08-2004, 01:31 PM
المعادلة الرابعة : الهيبة


والهيبة هي:

'خوف مقارن للتعظيم والإجلال، وأكثر ما يكون مع المحبة والمعرفة''مدارج السالكين'.

وبهذا التعريف: فإن الهيبة لا يمكن أن تكون مقرونة بالحب والتوقير، إذا كانت صادرة من

الأعداء والفساق، أو المحاربين لدين الله، إنما تكون كذلك إذا صدرت من المؤمنين المحبين لله

ورسوله.

**هيبة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :


نرى تلك الهيبة العظيمة في شخصية النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى درجة أن الصحابة الكرام

يهابون حتى من سؤاله، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:'سَلُونِي'

فَهَابُوهُ أَنْ يَسْأَلُوهُ... رواه مسلم .


وجاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ قَامَ

إِلَى خَشَبَةٍ فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا وَفِي الْقَوْمِ يَوْمَئِذٍ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَهَابَا أَنْ

يُكَلِّمَاهُ... رواه البخاري ومسلم والنسائي وأبوداود وابن ماجة وأحمد .

ولم يستطع أن يكلمه إلا رجل كان الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدعوه: ذا اليدين.



**هيبة الصحابة:


هذه الهيبة في كل من اتقى الله، ولهذا نجدها بوضوح في أفضل الناس بعد الرسول صَلَّى اللَّهُ

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهم صحابته الكرام:

◄ فهذا حُذَيْفَةُ بنُ الْيَمَانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:' قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَيُّكُمْ يَحْفَظُ حَدِيثَ رَسُولِ

اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْفِتْنَةِ قَالَ قُلْتُ أَنَا أَحْفَظُهُ كَمَا قَالَ قَالَ إِنَّكَ عَلَيْهِ لَجَرِيءٌ فَكَيْفَ

قَالَ قُلْتُ:' فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ وَالْمَعْرُوفُ' قَالَ: لَيْسَ

هَذِهِ أُرِيدُ وَلَكِنِّي أُرِيدُ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ قَالَ قُلْتُ لَيْسَ عَلَيْكَ بِهَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بَأْسٌ

بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابٌ مُغْلَقٌ قَالَ فَيُكْسَرُ الْبَابُ أَوْ يُفْتَحُ قَالَ قُلْتُ لَا بَلْ يُكْسَرُ قَالَ فَإِنَّهُ إِذَا كُسِرَ لَمْ

يُغْلَقْ أَبَدًا قَالَ قُلْتُ أَجَلْ فَهِبْنَا أَنْ نَسْأَلَهُ مَنْ الْبَابُ فَقُلْنَا لِمَسْرُوقٍ سَلْهُ قَالَ فَسَأَلَهُ فَقَالَ عُمَرُ

رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قُلْنَا فَعَلِمَ عُمَرُ مَنْ تَعْنِي قَالَ نَعَمْ كَمَا أَنَّ دُونَ غَدٍ لَيْلَةً وَذَلِكَ أَنِّي حَدَّثْتُهُ

حَدِيثًا لَيْسَ بِالْأَغَالِيطِ' رواه البخاري ومسلم .



**هيبة التابعين والعلماء وكانت الهيبة فيهم كبيرة، ومن ذلك:


◄ ما يرويه عمر بن جعثم عن التابعي الجليل خالد بن معدان أنه:'إذا قعد لم يقدر أحد منهم يذكر

الدنيا عنده هيبة له'.

◄ وكان الحسن البصري رضي الله عنه ذا هيبة كبيرة حتى أن أيوب السختياني يقول عنه:'

كان الرجل يجلس إلى الحسن ثلاث حجج ما يسأله عن المسألة هيبة له'.

◄ ومما يرويه الإمام أحمد عن أحد شيوخه الإمام هشيم بن بشير يقول:'لزمت هشيماً أربع

سنين، أو خمساً، ما سألته عن شيء إلا مرتين هيبة له، وكان كثير التسبيح بين الحديث'.

◄ وروي الدقي عن شيخه ابن الجلاء القدوة شيخ الشام قوله:'ما رأيت شيخاً أهيب من ابن

الجلاء مع أني لقيت ثلاث مئة شيخ.'


** خوف الله والهيبة:

يستخلص الواعظ يحيى بن معاذ مما سبق معادلة الهيبة حيث يقول:'على قدر خوفك من الله

يهابك الخلق'.


ولهذا السبب كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكثر الناس هيبة؛ لأنه أكثر الناس خوفاً من الله،

حتى جعل الصحابة يهابون سؤاله، وكان الصحابة أكثر الناس خوفاً بعد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

وَسَلَّمَ، فكان التابعون يهابون من سؤالهم.


**نُصِرْتُ بالرعب :


ولأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان أكثر الناس خوفاً من الله، وصحابته الكرام، كان أعداء

الله أشد هيبة لهم، حتى قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:'أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي

نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ ...' رواه البخاري ومسلم . فقد قذف الله الرعب والهيبة في قلوب

أعدائه الله من الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وصاحبه الكريم على بُعد شهر، ولعل هذا أحد

الأسباب الرئيسة في انتصارات المسلمين على الكفار، والفتوحات التي وصلت إلى مشارف

أوروبا.


** انتزاع الهيبة :


عندما يقل هذا الخوف من الله، ويصبح الخوف من المخلوق أكبر من الخوف من الله، فإن الله

ينزع هذه الهيبة من قلوب الأعداء جزاءً وفاقاً، حتى تمضي المعادلة ونتائجها من غير تبديل

ولا تعديل، فهي سنة ماضية إلى يوم القيامة، يقول الإمام القدوة الزاهد عبد الله بن عبد العزيز

العمري، والذي وعظ الرشيد يوماً فأغمى عليه:'من ترك الأمر بالمعروف خَوْفَ المخلوقين،

ونزعت منه الهيبة، فلو أمر ولده لا ستخف به'.


**آخر الزمان :

عندما يتناقص هذا الخوف من الله في آخر الزمان، ويزداد الخوف من المخلوق، ويزداد التعلق

بالدنيا وتُنسي الآخرة؛ ينزع الله الهيبة تماماً من قلوب أعداء المسلمين، حتى يتجرأوا عليهم

من كل صوب وحدب، ويمثل هذه المأساة التي تحدث للمسلمين قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

وَسَلَّمَ:'يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا' فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ

يَوْمَئِذٍ قَالَ:' بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ

الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ' فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهْنُ قَالَ:' حُبُّ

الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ' رواه أبوداود وأحمد .

مرآة نفسي
04-08-2004, 01:43 PM
فاتني شيء جميل هنا ..


شكرا يا علو الهمة ..هذه المعادلات

علو الهمه
04-08-2004, 05:21 PM
العفو مرآة نفسي

ومرحبا بك هنا ايضا

*****************************




** المعادلة الخامسة:العجب بداية النهاية:


**مـاهــو العـجـب ؟

يعرف ابن المبارك العجب، فيقول:'أن ترى أن عندك شيئاً ليس عند غيرك'.

ويقول القرطبي:'إعجاب المرء بنفسه: هو ملاحظته لها بعين الكمال، مع نسيان نعمة الله،

فإن احتقر غيره مع ذلك، فهو الكبر المذموم'.


**◄ والعجب ضده التواضع، يقول الإمام الشافعي عن التواضع:'أرفع الناس قدراً من لا يرى

قدره وأكثرهم فضلاً من لا يرى فضله'.

وعلى هذا فإن المعجب بنفسه يرى أنه أرفع من الناس، وأنه لا يماثله أحد، يتصاحب ذلك

مع نسيانه بفضل الله عليه بتلك الصفة أو النعمة التي يترفع بسببها على الناس.


** يتجلجل في الأرض:

ولقد انطبقت هذه الصفات على قارون، حيث أعجبته نفسه، واغتر بماله، ونسي المنعم عليه،

بل نسب هذه النعمة لنفسه عندما قال:}إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي [78]{ [سورة القصص] .

فعاقبه الله على عجبه، ونسيانه لفضله عليه بأن خسف به الأرض، وأمرها سبحانه بسحبه

لها، فمازال يتجلجل بها.

فعن أبي هريرة –رضي الله عنه- قال: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي فِي

حُلَّةٍ تُعْجِبُهُ نَفْسُهُ مُرَجِّلٌ جُمَّتَهُ إِذْ خَسَفَ اللَّهُ بِهِ فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ] رواه البخاري

ومسلم والدارمي وأحمد .


**خوف النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من العجب :

ولأن العجب قد يحبط العمل، فقد كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخاف منه، حيث كان يوصي

أصحابه بقوله: [لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ

وَرَسُولُهُ] رواه البخاري والدارمي وأحمد.

لأنه كان يخشى على نفسه عند الثناء من العجب.

◄بل إنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يوصى صحابته الكرام أن يخفوا عبادتهم ما استطاعوا إلى

ذلك سبيلاً؛ كي لا يكون ذلك سببًا في عجبهم، فَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى

اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: [ الْجَاهِرُ بِالْقُرْآنِ كَالْجَاهِرِ بِالصَّدَقَةِ وَالْمُسِرُّ بِالْقُرْآنِ كَالْمُسِرِّ بِالصَّدَقَةِ]

رواه الترمذي والنسائي وأبوداود وأحمد.


يقول الإمام الترمذي- معقبًا- على الحديث:' وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الَّذِي يُسِرُّ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ

أَفْضَلُ مِنْ الَّذِي يَجْهَرُ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ لِأَنَّ صَدَقَةَ السِّرِّ أَفْضَلُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ صَدَقَةِ الْعَلَانِيَةِ

وَإِنَّمَا مَعْنَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ لِكَيْ يَأْمَنَ الرَّجُلُ مِنْ الْعُجْبِ لِأَنَّ الَّذِي يُسِرُّ الْعَمَلَ لَا يُخَافُ عَلَيْهِ

الْعُجْبُ مَا يُخَافُ عَلَيْهِ مِنْ عَلَانِيَتِهِ'. لأن قارئ القرآن قد تعجبه قراءته، أو أنه يرى إعجاب

الآخرين بقراءته، وحسن تجويده، وصوته، فيتسرب العجب إلى نفسه، فتأتي وصية النبي صَلَّى

اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالإسرار حماية له من العجب.


**نتيجة خطيرة:

فإذا كانت عقوبة قارون على عجبه بنفسه، ونسيانه للمنعم، بخسف الأرض به، فإن زوال

الخيرية من الإنسان، وسقوطه من عين الله، ومن أعين الناس لا تقل عن عقوبة الخسف، حيث

يحذرنا الإمام الحسن البصري من نتيجة العجب بقوله:'ليس بين العبد وبين ألا يكون فيه خير إلا

أن يرى أن فيه خيرًا' .

** الإمام بشر يبين المعادلة:

وعلاج العجب إنما يكون بالإخلاص والنية الحسنة، وهذا هو الميزان، وهذه هي المعادلة،

وكل أمر تشعر أنه ليس لله، فامتنع منه؛ لأن الله سبحانه وتعالي لا يقبل إلا طيبًا.


◄ ويضع الإمام بشر الحافي ميزانًا لفهم معادلة العجب، حيث يقول:'إذا أعجبك الكلام،

فاصمت، وإذا أعجبك الصمت فتكلم'.


◄ ويزيد الإمام الذهبي هذا الميزان وضوحًا بقوله:'ينبغي للعالم أن يتكلم بنيته وحسن قصد،

فإذا أعجبه كلامه فليصمت، فإن أعجبه الصمت فلينطق، ولا يفتر عن محاسبة نفسه، فإنها

تحب الظهور والثناء'.

** الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخصتر المعادلة:

ويختصر الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معادلة العجب، بما أوتي من جوامع الكلم بقوله:

[مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ] رواه البخاري ومسلم.

فالإيمان بالله واليوم الآخر يساوي في طرف المعادلة الآخر البحث عن الخير، والإخلاص.

والنية الصالحة في قمة الخير الذي يبحث عنه المؤمن، فإذا لم يجده في عمله، أو قوله؛

فليصمت خيرًا له من حديث، أو عمل يبتغي به وجهًا غير وجه الله، أو يدخل إلى قلبه العجب

بسببه، فيفسد بذلك العمل.


**ليس هذا من العجب:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَعْمَلُ الْعَمَلَ فَيُطَّلَعُ عَلَيْهِ فَيُعْجِبُنِي قَالَ:

[ لَكَ أَجْرَانِ أَجْرُ السِّرِّ وَأَجْرُ الْعَلَانِيَةِ] رواه ابن ماجة. إذاً: فالضابط ها هنا هو النية، فإذا عمل

العمل يبتغي به وجه الله تعالي، وحاول إخفاؤه ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، ثم اطلع عليه

الناس بغير إرادة منه لهذا الاطلاع وأثنوا عليه، ففرح لهذا الثناء، وحمد الله على ذلك التوفيق

للعمل الصالح، فليس هذا من العجب، وهو خارج عن تعريفه بالشعور بالكمال، ونسيان

المنعم عليه.


**احذر المداحين :

إن من الأسباب والعوامل المساعدة على نمو العجب في نفس الإنسان:

تلك الفئة التي تبطن غير ما تظهر، وتمدح بالوجه ابتغاء التقرب إليه وبعض مصالح الدنيا،

وتذم عند غيبة ذلك الإنسان.. ولهذا السبب نرى الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحذرنا من هذه

الفئة، بل ويأمرنا أن نحثو في وجوههم التراب، لما لهم من أثر في النفوس، وربما تسببوا

في غرس ذلك العجب الذي ينسى نعمة المنعم، ويجعل صاحبه يتعالي على الآخرين، ويظن أنه

خيرًا منهم.


◄ ويزيدنا التابعي الجليل وهب بن منبه إيضاحًا عن تلك الفئة الخطرة، فيقول:'إذا سمعت الرجل

يقول فيك من الخير ما ليس فيك فلا تأمن أن يقول فيك من الشر ما ليس فيك'.

علو الهمه
05-08-2004, 12:17 AM
** المعادلة السادسة: الحياة الطيبة

إنها معادلة قرآنية في طرفها الأول يقول تعالى:

{ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ ...[97] }[سورة النحل].


وطرفها الثاني نتيجة لتحقيق الطرف الأول، حيث يقول تعالى:

} فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ[97]{ [سورة النحل].


العمل الصالح :

على الإطلاق.. كل عمل صالح، والعمل الصالح ينقسم إلى قسمين:

واجب، ونافلة،

أما الواجب فلا يستطيع الإنسان الزيادة فيه، أو النقصان، وإنما يكون التنافس في النوافل،

حيث تتفاوت همم الصالحين في التقرب إلى الله، وبالتالي تكون الحياة الطيبة بالزيادة

والنقصان، طبقًا لما يتقرب به العبد من ربه من هذه النوافل بعد أداء ما أوجبه الله عليه، كمًا

وكيفًا.

**والعمل الصالح بشكل عام تتعدد أشكاله:


فأعلاه:

كلمة التوحيد' لا إله إلا الله' وما تقتضيه، وأدناه إماطة الأذى عن الطريق، وما بينهما الكثير

من هذه الأعمال الصالحة، والميدان مفتوح للجميع.


** هل الحياة الطيبة في الدنيا أم في الآخرة؟


أكثر العلماء يرجح أنها في الدنيا، واختلفوا في معنى الحياة الطيبة، ونجمع هذه الأقوال

فيما قاله الإمام القرطبي في 'تفسيره':'وفي الحياة الطيبة أقوال:
الأول:أنه الرزق الحلال.

الثاني: القناعة.

الثالث: توفيقه إلى الطاعات، فإنها تؤديه إلى رضوان الله.

الرابع: السعادة.

الخامس: حلاوة الطاعة.

السادس: الجنة، وقال الحسن:' لا تطيب الحياة لأحد إلا في الجنة'.

السابع: المعرفة بالله، وصدق المقام بين يدي الله.

الثامن : الاستغناء عن الخلق، والافتقار إلى الحق.

التاسع : الرضا بالقضاء' .

◄ ويعقب الإمام ابن كثير على هذه الأقوال بقوله:'والصحيح: أن الحياة الطيبة تشمل هذا كله،

كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:[ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ وَرُزِقَ كَفَافًا وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ] ورواه مسلم

والترمذي وابن ماجة .'


** عيش المؤمن وعيش الكافر:

ويثبت الفخر الرازي بأن الحياة الطيبة تكون في الدنيا بعقد مقارنة بين عيش المؤمن، وعيش

الكافر، حيث يقول:'اعلم أن عيش المؤمن في الدنيا أطيب من عيش الكافر لوجوه:

** الأول: أنه لما عرف أن رزقه إنما حصل بتدبير الله تعالي، وعرف أنه تعالى

محسن كريم لا يفعل إلا الصواب، كان راضيًا بكل ما قضاه وقدره، وعلم أن مصلحته في ذلك،

أما الجاهل فلا يعرف هذه الأصول، فكان أبدًا في الحزن والشقاء.

**وثانيها: أن المؤمن أبدًا يستحضر في عقله أنواع المصائب والمحن ويقدر وقوعها،

وعلى تقدير وقوعها يرضي بها؛ لأن الرضا بقضاء الله تعالي واجب، فعند وقوعها لا

يستعظمها، بخلاف الجاهل، فإنه يكون غافلاً عن تلك المعارف، فعند وقوع المصائب يعظم

تأثيرها في قلبه.

**وثالثها: أن قلب المؤمن منشرح بنور معرفة الله تعالي، والقلب إذا كان مملوءًا من

هذه المعارف؛ لم يتسع للأحزان الواقعة بسبب أحوال الدنيا، أما قلب الجاهل، فإنه خالٍ من

معرفة الله تعالي، فلا جرم يصير مملوءًا بالأحزان الواقعة بسبب مصائب الدنيا.


**ورابعها: أن المؤمن عارف بأن خيرات الحياة الجسمانية خسيسة، فلا يعظم فرحه

بوجدانها، وغمه بفقدانها، أما الجاهل فإنه لا يعرف سعادة أخرى تغايرها، فلا جرم يعظم

فرحه بوجدانها وغمه بفقدانها.

**وخامسها: أن المؤمن يعلم أن خيرات الدنيا واجبة التغير، سريعة التقلب، فلولا

تغيرها وانقلابها لم تصل من غيره إليه'.


** نشاط النفوس ونبلها:

ويرى ابن عطيه الأندلسي بأن:'طيب الحياة اللازم للصالحين إنما هو بنشاط نفوسهم ونبلها،

وقوة رجائهم، والرجاء للنفس أمر ملذ، فبهذا تطيب حياتهم، وبأنهم احتقروا الدنيا فزالت

همومها عنهم، فإن انضاف إلى هذا مال حلال، وصحة، أو قناعة؛ فذلك كمال، وإلا فالطيب

فيما ذكرناه راتب'.


**هل المال شرط للسعادة والحياة الطيبة؟

كثيرون يعتقدون ذلك، ولا يتصورون أن السعادة يمكن أن تحدث من غير مال، لذلك فهم

يهلكون أنفسهم من أجل المال، ويبيعون قيمهم، ومبادئهم من أجل المال، ويقتلون النفس التي

حرم الله من أجل المال..

ويرد سيد قطب على هؤلاء بقوله:'العمل الصالح مع الإيمان جزاؤه حياة طيبة في هذه الأرض،

لا يهم أن تكون ناعمة، رغدة، ثرية بالمال، فقد تكون به، وقد لا يكون معها.


وفي الحياة أشياء كثيرة غير المال الكثير تطيب بها الحياة في حدود الكفاية: فيها الاتصال

بالله، والثقة به، والاطمئنان إلى رعايته وستره وستره ورضاه، وفيها الصحة والهدوء والرضا

والبركة، وسكن البيوت، ومودات القلوب، وفيها الفرح بالعمل الصالح وآثاره في الضمير،

وآثاره في الحياة، وليس المال عنصرًا واحدًا يكفي منه القليل، حين يتصل القلب بما هو أعظم

وأزكي وأبقي عند الله'.


** الفرح بفضل الله:

وإن من الحياة الطيبة: الفرح بما يرضي الله ويحبه، الفرح الذي لا يطغي صاحبه وينسيه فضل

الله عليه، حيث يقول تعالي:} قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ[58]

{ [سورة يونس]. وقوله تعالى:} فَرِحِينَ بِمَا ءَاتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ... [170] {[سورة آل عمران].

عن الحسن، والضحاك، وقتادة، ومجاهد:'فضل الله: الإيمان، ورحمته: القرآن'.

◄ أي: أن الفرح بهما أفضل وأنفع مما يجمعونه من الذهب والفضة، وسائر خيرات الدنيا؛ لأنه

هو سبب السعادة في الدارين، وتلك سبب السعادة في الدنيا الزائلة فحسب، فقد نال

المسلمون في العصور الأولى بسببه الملك الواسع، والمال الكثير مع الصلاح والإصلاح مما لم

يتسن لغيرهم من قبل ولا من بعد.. وبعد أن جعلوا ديدنهم جمع المال، ومتاع الدنيا، ووجهوا

همتهم إليه، وتركوا هداية القرآن في إنفاقه، والشكر عليه، ذهبت دنياهم من أيديهم إلى

أيدي أعدائهم.


** ما هو الفرح والسرور ؟

يقول ابن القيم:'الفرح لذة تقع في القلب بإدراك المحبوب، ونيل المشتهى، فيتولد من إدراكه

حالة تسمى الفرح والسرور، كما أن الحزن والغم من فقد المحبوب، فإذا فقده؛ تولد من فقده

حالة تسمى: الحزن والغم'. ويقول موضع آخر:'الفرح أعلى أنواع نعيم القلب، ولذته وبهجته،

والفرح والسرور نعيمه، والهم والحزن عذابه، والفرح بالشيء فوق الرضى به، فإن الرضى

طمأنينة وسكون وانشراح، والفرح لذة وبهجة وسرور، فكل فَرِحٍ رَاضٍ، وليس كل راضٍ

فَرِحًا، ولهذا كان الفرح ضد الحزن، والرضى ضد لسخط'.

فرحتان :الفرح فرحتان:

◄ فرحة بالزائل من الدنيا.

◄ وفرحة بالباقي وكل ما يتصل بالباقي الذي لا يزول فإن أثره باقٍ لا يزول، فإن حب الدنيا

الزائلة وما فيها والفرح بها، يزول عندما يزول هذا الشيء، وأما الفرح بما عند الله، وبما

أنزله من الكتاب، وما جاء به صلى الله عليه وسلم، فإنه لا ينقطع، يبدأ في الحياة الدنيا،

ويستمر حتى يغادر الإنسان هذه الحياة، فيتواصل في حياة البرزخ بما يجده من الفضل

والنعيم في القبر، ثم يستمر يوم القيامة حين البعث عندما يرى صحائف أعماله نورًا يتلألأ، ثم

يدخل الجنة، فتكون الفرحة الكبرى برؤية وجه العزيز الكريم، وبما يرى من نعيم دائم مقيم.


**مؤشر الإيمان الصادق:

هذا الفرح بفضل الله ورحمته – والذي هو أحد المظاهر البارزة للحياة الطيبة – لا يكون إلا

لأولئك المؤمنين الصادقين، الذين اشتروا الآخرة وباعوا الدنيا، فاختاروا بذلك التجارة التي

تنجيهم من عذاب أليم، واختاروا الباقي على الزائل، فكان هذا الفرح مؤشرًا دقيقًا لما في

قلوبهم من إيمان، حيث إن فاقد الإيمان، أو ضعيفه لا يفرح إلا بما في الدنيا من الزخارف،

ويزهد فيما عند الله من الباقي.

ولهذا الأمر نرى الصحابة الكرام عندما بشرهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنه لا يصلي أحد

سواهم أي المسلمين صلاة العشاء؛ فرحوا فرحًا كبيرًا:

◄ كما جاء عن أبي موسى قال: فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ لِمَنْ حَضَرَهُ:[عَلَى رِسْلِكُمْ أَبْشِرُوا إِنَّ

مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ يُصَلِّي هَذِهِ السَّاعَةَ غَيْرُكُمْ ] قَالَ أَبُو مُوسَى:'

فَرَجَعْنَا فَفَرِحْنَا بِمَا سَمِعْنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ' رواه البخاري ومسلم.

◄ونرى كيف فرحت ابنة النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة عندما بشرها أبوها

بأنها سيدة نساء الجنة.. حيث تروي عائشة وتصف لنا تلك الفرحة الكبرى التي بدت على

فاطمة – رضي الله عنها – فتقول:'أَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِي كَأَنَّ مِشْيَتَهَا مَشْيُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:[ مَرْحَبًا بِابْنَتِي] ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ

شِمَالِهِ ثُمَّ أَسَرَّ إِلَيْهَا حَدِيثًا فَبَكَتْ فَقُلْتُ لَهَا لِمَ تَبْكِينَ ثُمَّ أَسَرَّ إِلَيْهَا حَدِيثًا فَضَحِكَتْ فَقُلْتُ مَا

رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ فَرَحًا أَقْرَبَ مِنْ حُزْنٍ فَسَأَلْتُهَا عَمَّا قَالَ فَقَالَتْ مَا كُنْتُ لِأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى قُبِضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلْتُهَا فَقَالَتْ أَسَرَّ إِلَيَّ [ إِنَّ

جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُنِي الْقُرْآنَ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً وَإِنَّهُ عَارَضَنِي الْعَامَ مَرَّتَيْنِ وَلَا أُرَاهُ إِلَّا حَضَرَ أَجَلِي

وَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِ بَيْتِي لَحَاقًا بِي] فَبَكَيْتُ فَقَالَ:[ أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ

أَوْ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ] فَضَحِكْتُ لِذَلِكَ' رواه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجة وأحمد.

◄ ونرى كيف فرح الصحابي الجليل أبو هريرة، حتى بكى من شدة الفرح عندما اهتدت أمه،

ودخلت الإسلام عندما طلب من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يدعو لها بالهداية، يقول أبو

هريرة عن تلك اللحظات السعيدة:' فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَيْتُهُ وَأَنَا

أَبْكِي مِنْ الْفَرَحِ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَبْشِرْ قَدْ اسْتَجَابَ اللَّهُ دَعْوَتَكَ وَهَدَى أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ

فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ خَيْرًا'رواه مسلم وأحمد.

◄ وينقل لنا الصحابي الجليل أنس خادم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فرحة الصحابة التي ما

كان يعدلها فرحة، عندما بشرهم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأن المرء يكون مع من أحب يوم

القيامة، حتى وإن لم يعمل العمل الكثير. فَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:'أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى

اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ السَّاعَةِ فَقَالَ مَتَى السَّاعَةُ قَالَ:[ وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا] قَالَ لَا شَيْءَ إِلَّا أَنِّي

أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:[ أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ] قَالَ أَنَسٌ: فَمَا فَرِحْنَا بِشَيْءٍ

فَرَحَنَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ قَالَ أَنَسٌ فَأَنَا أُحِبُّ النَّبِيَّ صَلَّى

اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ بِحُبِّي إِيَّاهُمْ وَإِنْ لَمْ أَعْمَلْ بِمِثْلِ

أَعْمَالِهِمْ ' رواه البخاري ومسلم والترمذي وأبوداود وأحمد.

◄ هذه نماذج من فرح المؤمنين بفضل الله ورحمته، مما يدل على ما في قلوبهم من الإيمان

الذي استحقوا أن يمنحهم الرب هذه الحياة الطيبة كنتيجة لأعمالهم الصالحة، وصدق الله العزيز

عندما قال:

} مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ

مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [97] {[سورة النحل].. لقد حققوا الشطر الأول من المعادلة بالعمل الصالح،

فحقق الله لهم شطرها الآخر بالحياة الطيبة، ويوم القيامة يجزيهم بأحسن ما كانوا يعملون.


من كتاب:'معادلات إيمانية' للشيخ / عبد الحميد البلالي

علو الهمه
06-08-2004, 03:08 PM
**المعادلة السابعة كفاية الله :


والمعادلة هنا:

يرويها لنا على بن أبي طالب رضي الله عنه حيث يقول:'من عمل لآخرته كفاه

الله أمر دينه ودنياه'.

والكفاية هي الحفظ من كيد الأعداء، والاستغناء، والقيام مقامه.

وفي المعجم الوسيط:'كفاه كفاية: استغنى به عن غيره، وكفى فلانًا الأمر: قام فيه مقامه...

وكفى الله فلانًا، أو شر فلان، حفظه من كيده، واكتفي بالشيء: استغنى به وقنع'.


**متى تتحقق الكفاية؟

هذه الكفاية لا تتحقق للعبد حتى يتحقق الشطر الأول من المعادلة، وهو العمل للآخرة، وأن

تكون هي الهم الشاغل، وألا يكتفي بأداء ما وجب عليه، بل يتمم ذلك بالكثير من النوافل حتى

يحبه الله فيكون سمعه الذي يسمع به، ويده التي يبطش بها، وبصره الذي يبصر به، وألا

يعطي آخرته فضول أوقاته، بل تكون صلاته، ونسكه، ومحياه، ومماته لله رب العالمين، والله

سبحانه يعوضه ما فاته من دنياه، ويحفظه من كل كيد يكاد له من أعدائه، ويملأ قلبه بالرضا

والقناعة، ويعينه على كل ما من شأنه أن يقربه لله، ويجعله في أعلى منزلة.


**ربح البيع أبا يحيى:

عندما قبض على الصحابي الجليل صهيب الرومي أثناء هجرته للمدينة، واشترطوا الإفراج

عنه، بأن يدلهم على ماله كله، وافق على الشرط من أجل الهجرة لله ورسوله، وعندما أقبل

على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال له مبشرًا:[رَبِحَ الْبَيْعُ أَبَا يَحْيَى] .


◄ إنها البشارة النابعة من حقيقة الميزان الأخروي، الذي لا يعرفه إلا من تعلق بالآخرة، حيث

أن صهيبًا باع دنياه بآخرته، فاستحق كفاية الله لدينه ودنياه، وماذا يتمنى المرء العاقل

أكثر من ذلك في الدنيا؟ فلو قيل لإنسان: إنك برعاية الملك الفلاني، وسيكفيك كل أمور

معاشك، ويحميك من كل مكروه، ماذا سيكون شعوره؟ وكيف سيكون فرحه؟ واعتزازه؟

فكيف عندما يكون أضعاف هذا الحفظ والكفاية من قبل من عنده خزائن السموات والأرض،

لذلك ربح بيع صهيب، وربح بيع كل داعية يبيع دنياه في سبيل آخرته، ويستحق كفاية الله له

في دينه ودنياه.


**منذ نسائم الفجر:

تبدأ كفاية الله لعبده العامل للآخرة منذ نسائم الفجر الأولى، وحتى يأوي لفراشه خاتمًا يومه

ذلك، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:[ مَنْ قَالَ يَعْنِي إِذَا خَرَجَ مِنْ

بَيْتِهِ بِسْمِ اللَّهِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ يُقَالُ لَهُ كُفِيتَ وَوُقِيتَ وَتَنَحَّى عَنْهُ

الشَّيْطَانُ] رواه الترمذي وأبوداود .

يقول الإمام المباركفوري شارحًا للحديث:' قَوْلُهُ: [يُقَالُ لَهُ]

أَيْ يُنَادِيهِ مَلَكٌ يَا عَبْدَ اللَّهِ [كُفِيت] بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ مُهِمَّاتِك وَفِي رِوَايَةِ أَبُو دَاوُدَ :[هُدِيت

وَكُفِيت وَوُقِيت] مِنْ الْوِقَايَةِ أَيْ حُفِظْت مِنْ شَرِّ أَعْدَائِك [ وَتَنَحَّى عَنْهُ الشَّيْطَانُ ] أَيْ تَبَعَّدَ , زَادَ

أَبُو دَاوُدَ فِي رِوَايَتِهِ:[ فَيَقُولُ شَيْطَانٌ آخَرُ كَيْفَ لَك بِرَجُلٍ قَدْ هُدِيَ وَكُفِيَ وَوُقِيَ] '.


◄ إنها رسائل إيجابية يبعثها المؤمن لعقله، ويستشعر كفاية الله منذ انفلاق صباح

يوم جديد، مما يزيده ثقة بالله، ويقينًا بحفظ الله له، وبهذه الهمة العالية، والنفسية القوية؛ يحتك

بالآخرين، ويقوم بمهامه اليومية، فكيف لا يوفق؟!


**حتى لو كان قليلاً:

فما دامت النية خالصة لوجهه الكريم، ولا يريد بهذا العمل وجهًا سواه، فإن الله سبحانه يعطيه

هذه الكفاية حتى وإن كان العمل قليلاً، أو لا يكلف المرء شيئًا من الجهد، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ

قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا ذَهَبَ ثُلُثَا اللَّيْلِ قَامَ فَقَالَ:[ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا

اللَّهَ اذْكُرُوا اللَّهَ جَاءَتْ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ] قَالَ أُبَيٌّ

قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيْكَ فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلَاتِي فَقَالَ:[مَا شِئْتَ] قُلْتُ الرُّبُعَ

قَالَ:[ مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ] قُلْتُ النِّصْفَ قَالَ:[ مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ] قُلْتُ

فَالثُّلُثَيْنِ قَالَ:[ مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ] قُلْتُ أَجْعَلُ لَكَ صَلَاتِي كُلَّهَا قَالَ:[ إِذًا تُكْفَى

هَمَّكَ وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ]رواه الترمذي وأحمد.


**البائعون لرضا الناس:

هل من الممكن أن يرضى إنسان ببيع رضا الناس عليه، ويقبل بالتعرض لسخطهم، وغضبهم

وشرهم، وتهديدهم؟ في موازين الناس يعتبرونه مجنونًا، ولكنه في ميزان الله مؤمنًا عاقلاً

وحبيبًا لله، لأنه باع رضا الناس واشترى رضا الله، فلا يهمه غضب الناس ما دام مرضيًا رب

العالمين، وجزاء لهذا البيع يعطيه الله الكفاية ويجعله في كنفه..

لقد خسر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زعماء قومه، وبعض أقاربه في سبيل مرضاة الله، وقبل

تهديدهم، وغضبهم، ولم يداهن أحدًا على حساب دينه وآخرته، فأعطاه الله 'الكفاية' بقوله

تعالى:} إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ[95]{ [سورة الحجر].

يقول الإمام المارودي في 'تفسيره':'وهم خمسة: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، وأبو

زمعة، والأسود بن عبد يغوث، والحارث بن الطلاطلة أهلكهم الله جميعًا قبل بدر لاستهزائهم

برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ '[ النكت والعيون 2 / 380].

وليس هذا خاصًا بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بل بكل من اشترى رضا الله بسخط الناس.


**عائشة توصي معاوية:

كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا:' أَنْ اكْتُبِي إِلَيَّ كِتَابًا تُوصِينِي فِيهِ وَلَا

تُكْثِرِي عَلَيَّ فَكَتَبَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا إِلَى مُعَاوِيَةَ: سَلَامٌ عَلَيْكَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي سَمِعْتُ

رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:[ مَنْ الْتَمَسَ رِضَا اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللَّهُ مُؤْنَةَ النَّاسِ

وَمَنْ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى النَّاسِ] وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ' رواه الترمذي،

وصححه الألباني.

يقول الإمام القارئ معلقًا:

' [كَفَاهُ اللَّهُ مُؤْنَةَ النَّاسِ] أي مؤونة شرهم من الظلم عليه، والإساءة إليه، [وَمَنْ الْتَمَسَ رِضَا

النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى النَّاسِ] أي: خلاه، وترك نصره، ودفعه إلى الناس، قال

المظهر: يعنى إذا عرض له أمر في فعله رضا الله وغضب الناس، أو عكسه فإن فعل الأول

رضي الله عنه، ودفع عنه شر الناس، وإن فعل الثاني وكله إلى الناس، يعنى سلط الناس

عليه حتى يؤذوه، ويظلموا عليه، ولم يدفع عنه شرهم'[ مرقاة المفاتيح 8 / 855].


**فسيكفيكهم الله:


يقول تعالى:} فَإِنْ ءَامَنُوا بِمِثْلِ مَا ءَامَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ

فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ[137]{ [سورة البقرة].

تأكيد من الله، وضمانة لمن يعمل في سبيله، وهو دعم نفسي وواقعي للمؤمن، تسهيلاً

لمهمته، فخالقه لم يكلفه بما عجزت عنه السموات والأرض ثم يتركه من غير رعاية ولا حماية.

يقول الشيخ عبد الرحمن الدوسري رحمه الله :'إن إيغال أهل الأهواء باتباع أهوائهم، ونبذهم

لوحي الله، وإطراحهم لرسالته، يغريهم على عداوة كل مطيع لله، محتكم إلى شريعته، حامل

لرسالته، متمسك بعقيدته؛ لأنه قذاة أعينهم، فمشاقتهم لله ورسوله بإطراح أمره ورسالته

والكفر برسوله؛ يجعلهم يعادون من خالفهم في مشاقة الله، وينصبون له الأحابيل ليؤذوه،

ويصدوه عن رسالته القائم بها دونهم، ولكن الله سبحانه يكفي المسلم المؤمن شرهم، ويقيه من

جميع أنواع مكرهم، ويؤيد دعوته وأتباعه، كما وعد سبحانه في هذه الآية بقوله:

} فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ { فهذا الوعد بالكفاية ليس خاصًا بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بل هو عام

لجميع من قام بدعوته، وسار على نهجه في رعاية أمانة الله، وحمل رسالته، وتوزيع هدايته'[

صفوة الآثار 2 / 372، 373].


** الهم الواحد:

العمل للآخرة الموجب لكفاية الله، لا يمكن أن يتم بأجمل صورة حتى يكون الدافع لهذا العمل

يتعلق بالهم الغالب على ذلك العامل، فمن كانت همه الدنيا عمل لها، ومن كانت همه الآخرة

عمل لها، والعاملون للآخرة هم أصحاب هم الآخرة الذين جعلوا الهموم همًا واحدًا، وكل هم

سوى هم الآخرة لم يعبأوا به، وأسقطوه من حساباتهم، ولهذا السبب أيضًا استحقوا كفاية

الله، ليس على العمل فحسب، بل حتى على توحيد الهموم، وجعلها همًا واحدًا يتعلق فيما

عاهدوا الله عليه، وهو الآخرة. قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول:[مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا هَمَّ

آخِرَتِهِ كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الْهُمُومُ فِي أَحْوَالِ الدُّنْيَا لَمْ يُبَالِ اللَّهُ فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهَا

هَلَكَ] رواه ابن ماجة .

إن الشيء الوحيد الذي يتفق عليه الناس جميعًا – مسلمهم وكافرهم، وعجمهم وعربهم-

هو 'طرد الهم' كما قال ابن حزم، وللناس مذاهب شتى في طرد هذا الهم، منهم من يعبد الصنم،

ومنهم من يشرب الخمر، ومنهم من يقترف الفاحشة، ومنهم من يستمع إلى النكت

والأضحوكات، ومنهم من يشاهد الأفلام، ومنهم من يتعاطى المخدرات بأنواعها، كل هؤلاء

يفعلون ذلك لطرد الهم، وقد يطرد الهم فعلاً، ولكنه طرد مؤقت لا يلبث أن يداهمهم طالما انتهى

أثر تلك الوسيلة؛ ذلك لأنهم لم يسلكوا الطريق الصحيح لطرد الهم، عندما تشعبت بهم هموم

الدنيا.

ولكن العامل للآخرة، والذي جعل الهم همًا واحدًا تصاغرت وتضاءلت في عينه هموم الدنيا

كلها، وأصبحت لا تستحق أن ينفق عليها شيئًا من همه الذي حصره كله في هم الآخرة. ولهذا

السبب فهو لا يتأثر بما يصاب به من هموم الدنيا، وإن تأثر فإنما يمر ذلك عليه كمر السحاب

على ضوء القمر لا يلبث أن يغادره، ويرجع القمر منيرًا تارة أخرى، كما ذكر الرسول صَلَّى

اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

وهذا هو كفايته من هم الدنيا، والذي يلجأ بسببه الكثير إلى الانتحار والجريمة، والعقد

النفسية، والأمراض الكثيرة؛ لأن الله لم يبال في أي أوديتها هلك.


**التهديد وكفاية الله:

في سبيل إيقاف صاحب الحق والداعي إلى الله تعالى قد يلجأ أعداء الله إلى تخويفه، أو

تهديده بما يملكون من قوة، وقد يتسرب الشيطان إلى نفس الداعية، إلا أن الله يذكره بأنه

معه دائمًا، وأن كفايته متصلة دون انقطاع، تكفيه من شرور هؤلاء وتخويفهم وتهديدهم، بل

يؤكد له هذه الكفاية على صيغة تساؤل:} أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ

وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ[36]{ [سورة الزمر].

يقول الشيخ المراغي:'أي ويخوفك المشركون بغير الله من الأوثان والأصنام عبثًا وباطلاً، لأن

كل نفع أو ضر فلا يصل إلا بإرادته تعالى... وفي الآية إيماء إلى أنه سبحانه يكفي نبيه

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دينه ودنياه، ويكفى أتباعه أيضًا، ويكفيهم شر الكافرين'.

◄ ومن ذلك ما قاله تعالى في كتابه عن الذين خوفوا المؤمنين مما أعد لهم أعداء الله، فكانت

ثقتهم بربهم، وكفايته خير رد على ذلك التهديد، حيث قال تعالي:} الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ

النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ[173]{ [سورة

آل عمران].

يقول الإمام الطبري:

'} فَزَادَهُمْ إِيمَانًا { فزادهم ذلك من تخويف من خوفهم أمر أبي سفيان وأصحابه من

المشركين، يقينًا إلى يقينهم، وتصديقًا لله ولوعده ووعد رسوله إلى تصديقهم، ولم يثنهم ذلك

عن وجههم الذي أمرهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالسير فيه، ولكن ساروا حتى بلغوا

رضوان الله منه، وقالوا ثقة بالله وتوكلاً عليه، إذ خوفهم أبو سفيان وأصحابه من المشركين:}

حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ { يعني كفانا الله، يعني يكفينا الله ونعم الوكيل'.

◄ إنه الإيمان العميق بالله تعالى، الإيمان بقدرته وقوته، وكفايته، إيمان يصل إلى اليقين

المشاهد في القلوب، والذي لا يداخله شك كأنهم يرونه عيانًا يقينًا بنصر الله، وكفايته

لشرورهم وأعدائهم، وإلا فكيف يخاف المنتصر، ويجرؤ المغلوب؟



**كيف نطلب الكفاية؟

هذه الكفاية، لا تأتي إلا بالعمل الصالح:'من عمل لآخرته ' وأن يطلبها من الله كما بين لنا

رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في عدة أحاديث:

1- قراءة الإخلاص :

عَنْ مُعَاذِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خُبَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ:خَرَجْنَا فِي لَيْلَةٍ مَطِيرَةٍ وَظُلْمَةٍ شَدِيدَةٍ نَطْلُبُ رَسُولَ

اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي لَنَا فَأَدْرَكْتُهُ فَقَالَ:[ قُلْ] فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا ثُمَّ قَالَ:[ قُلْ] فَلَمْ أَقُلْ

شَيْئًا قَالَ:[ قُلْ] فَقُلْتُ مَا أَقُولُ قَالَ:[ قُلْ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ حِينَ تُمْسِي وَتُصْبِحُ ثَلَاثَ

مَرَّاتٍ تَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ] رواه الترمذي وأبوداود والنسائي .

2- شكره لكفايته:

فَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ قَالَ:[ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي

أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَكَفَانَا وَآوَانَا فَكَمْ مِمَّنْ لَا كَافِيَ لَهُ وَلَا مُؤْوِيَ] رواه مسلم . إنه استشعار

لنعمة الكفاية وطلب في استمرارها، ومقارنة مع حاله وحال من تركه الله من غير كفاية.

3-الدعاء بالكفاية:

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:' أَنَّ قُرَيْشًا لَمَّا أَبْطَئُوا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

بِالْإِسْلَامِ قَالَ:[ اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ] فَأَصَابَتْهُمْ سَنَةٌ حَصَّتْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَكَلُوا

الْعِظَامَ حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ فَيَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مِثْلَ الدُّخَانِ قَالَ اللَّهُ:} فَارْتَقِبْ يَوْمَ

تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ[10]{ [سورة الدخان] قَالَ اللَّهُ:} إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ

[15]{[سورة الدخان] أَفَيُكْشَفُ عَنْهُمْ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقَدْ مَضَى الدُّخَانُ وَمَضَتْ الْبَطْشَةُ'

رواه البخاري ومسلم.

إنه لجوء إلى الله تعالى، وجلب معونته من رجل صالح بذل كل الأسباب لهداية قومه فلم

يؤمنوا، فتقبل الله دعاءه 'الكفاية' منهم. والله يلبي دعوة أوليائه الصالحين عندما يلجأون إليه

طالبين الكفاية من شرور أعداء الله، أو من كل ظالم.


4- الاعتقاد بكفايته :


عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ:' سَرَّحَتْنِي أُمِّي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَيْتُهُ وَقَعَدْتُ

فَاسْتَقْبَلَنِي وَقَالَ:[ مَنْ اسْتَغْنَى أَغْنَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَمَنْ اسْتَعَفَّ أَعَفَّهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَمَنْ

اسْتَكْفَى كَفَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَمَنْ سَأَلَ وَلَهُ قِيمَةُ أُوقِيَّةٍ فَقَدْ أَلْحَفَ] فَقُلْتُ نَاقَتِي الْيَاقُوتَةُ خَيْرٌ مِنْ

أُوقِيَّةٍ فَرَجَعْتُ وَلَمْ أَسْأَلْهُ' رواه النسائي وأحمد . فمن طلب الكفاية من الله تعالى كفاه الله.


متى نفقد الكفاية ؟

1-عدم الإخلاص :

فإذا أريد بالعمل غير وجه الله؛ لا يمكن أن تتحقق الكفاية الإلهية.

فكلما أخلصنا أعمالنا لله، كلما استحققنا هذه الكفاية.

2- عدم الإيمان :

إن الشرط الذي ذكره الله تعالى لاستحقاق المؤمنين للكفاية هو الإيمان وذلك بقوله:

}قُولُوا ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ

وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ

مُسْلِمُونَ[136] {

ثم قال: }فَإِنْ ءَامَنُوا بِمِثْلِ مَا ءَامَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ

اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ[137] { [سورة البقرة].

فإذا تساوينا مع أعداء الله بعدم الإيمان، وضعف الارتباط بالله ، وعدم القيام بمستلزمات

الإيمان؛ فإننا نفقد الكفاية الإلهية.


**◄ ومن أنواع كفاية الله:

جعل أعدائهم في شقاق دائم وخلاف، لا يقف عند حد، وهم الآن في خلافهم وشقاقهم يتفقون

ضدنا، ما دمنا شاردين عن الله، ولكن إذا عدنا إلى الله عودة صادقة نحمل فيها رسالته،

ونعمل على إعلاء كلمته، كما عمل الأسلاف؛ جعل الله بأسهم بينهم كما مضى، وجعل

شقاقهم وخلافهم يتفاقم، فلا يتفقون ضدنا كما هم عليه الآن، فإن الله بوعده سيكفينا شرهم،

كما كفى أسلافنا الصادقين إذا حققنا الصدق معه، والله هو السميع العليم، يسمع كل شيء،

ويجزي كل نفس بما كسبت.

علو الهمه
08-08-2004, 01:11 PM
** المعادلة الثامنة: تعجيل الجزاء


يقول تعالى في كتابه الكريم:{ مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَـاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ

جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَـاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُوراً [18]} [سورة الإسراء].

ويقول تعالى أيضاً:} وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِى الآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ [20]{

[سورة الشورى].

وفي هاتين الآيتين تتضح معالم المعادلة الثامنة:

* ففي شطرها الأول اختيار الدنيا والرغبة فيها، وتفضيلها على الآخرة،

*وفي شطرها الآخر: نتيجة هذا الاختيار، وهي تعجيل ما أراد من

الدنيا، وفي الآخرة ليس له شيء البتة غير جهنم يصلاها محتقراً.


**أين العقل ؟

من علم مثل هذه النتيجة الخطيرة كيف يختار هذا الاختيار الخطير؟ بل كيف يكون عاقلاً، أو

به ذرة من عقل من يختار ذلك؟

يقول الإمام ابن القيم:'كيف يكون عاقلاً من باع الجنة بما فيها بشهوة ساعة؟'

وما أجمل ما علق الزاهد يحيى بن معاذ على ذلك الاختيار عندما قال:'ما عصى الله كريم،

وما آثر الدنيا على الآخرة حكيم' .

ذلك لأن الحكيم ينظر بالعواقب، والسفيه هو الذي لا ينظر إلا لشهوته.


** الزائلة المعجَّلة:

لذات الدنيا كلها زائلة، ومن اختارها فإن الله يعطيها إياه، ويعجلها له في الدنيا؛ لأنه يحرم

منها في الآخرة، حيث اللذات الدائمة.

يقول الشيخ أحمد المراغي- معلقاً على قوله تعالى: } مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَـاجِلَةَ {:' أي من كان

طلبه الدنيا العاجلة، ولها يعمل ويسعى، وإياها يبتغي، لا يوقن بمعاد، ولا يرجو ثواباً، ولا

يخشى عقاباً من ربه على ما يعمل، يعجل الله له في الدنيا ما يشاء من بسط الرزق، وسعة

العيش، ثم يصليه حين مقدمه عليه في الآخرة جهنم مذموماً على قلة شكره، وسوء صنيعه

فيما سلف، مبعداً من رحمته، مطروداً من إنعامه'.


◄ وكان التابعون –رضي الله عنهم- شديدي الخوف والحساسية من الدنيا، لدرجة أن أحدهم إذا

رأى تتابع النعم على أحد من الناس؛ ظن أن ذلك استدراج من الله، ويخشى أن تكون نعمة

معجلة، وليس له في الآخرة من نصيب.

مما جعل التابعي الجليل أبو حازم سلمة بن دينار، يقول:'إذا رأيت الله عز وجل يتابع نعمه

عليك، وأنت تعصيه فاحذره' .

وكان يقول:'نعمة الله فيما زوى عني من الدنيا أعظم من نعمته فيما أعطاني منها، لأني

رأيته أعطاها قوماً فهلكوا ' .


** أدبرت عنكم :

كلمات بالغات لأصحاب الحق والمؤمنين الذين يتحسرون على منصب أُعطي لغيرهم، وتجارة

ينجح بها غيرهم من أهل الدنيا وهم يخسرون، ورزق يبذر به أهل الدنيا ميمنة وميسرة، وهم

محرومون منه، وغيرها من زخارف الدنيا، فيشغلهم ذلك عن ذكر الله، والسعي للآخرة،

وينقلهم ذلك التحسر يوماً بعد يوم إلى بيع الآخرة وشراء الدنيا، فلا يعطون لآخرتهم إلا ما

فضل من أوقاتهم:

يصيح التابعي الجليل عون بن عبد الله بأمثال هؤلاء قائلاً:'إن من كان قبلنا كانوا يجعلون

للدنيا ما فضل عن آخرتهم، وإنكم تجعلون لآخرتكم ما فضل عن دنياكم'.

ومن استمر في مثل هذه الغفلة عن الآخرة، وشراء الدنيا؛ فهو في خطر عظيم قد ينسيه

الآخرة بالكلية، ثم ينزلق إلى المعاصي التي تجعله ربما ختمت حياته بها، لذلك عندما سئل

زين العابدين علي بن الحسين: مَنْ أعظم الناس خطراً ؟ قال:'من لم ير الدنيا خطراً لنفسه' .

ولأن الصحابة الكرام، وطلاب الآخرة من بعدهم انتبهوا لخطورة الدنيا، فقد هربوا منها عندما

أقبلت عليهم، يقول عابد الكوفة الفقيه إبراهيم التيمي مخاطباً أبناء جيله بعد أن عقد مقارنة

بين من مضوا من الصحابة والتابعين، ومن اقتفى أثرهم:'كم بينكم وبين القوم ! أقبلت عليهم

الدنيا فهربوا، وأدبرت عنكم فاتبعتموها' .


ولا يعني الهروب من الدنيا، اعتزلها بالكلية، وتركها للفجار من أهل الأهواء يعبثون بها

كيفما يشاءون، واختيار الفقر على الغنى، بل الهروب المقصود هو جعلها بالأيدي لا في

القلوب، وألا تشغلنا عما خلقنا من أجله وهو العبادة، وألا تكون لها الأولوية على الآخرة، وألا

نعطيها جل أوقاتنا، وألا تكون سبباً في تقصيرنا فيما أمرنا الله به، وألا تبعدنا عن التقرب

إلى مرضاته، هذا هو الهروب المقصود.


** تعجيل مقيد:

ومع ذلك التعجيل من النعم المتقاذفة على أهل الدنيا وعبيدها، إلا أن الله تعالى جعلها مقيدة

بقيدين:

الأول: قوله :} مَا نَشَاء { أي ما يشاء الله سبحانه تعجيله له

منها لا ما يشاؤه ذلك المريد، ولهذا نرى كثيراً من هؤلاء المريدين للعاجلة يريدون من الدنيا ما

لا ينالون، ويتمنون ما لا يصلون إليه.


والقيد الثاني: هو قوله:} لِمَن نُّرِيدُ { أي لمن نريد التعجيل له

منهم ما اقتضته مشيئتنا...

وهذه الآية تقيد الآيات المطلقة، كقوله سبحانه:} وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا[20]{

[سورة الشورى].

وقوله:} مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ[15]

{ [سورة هود ]' [فتح القدير – الشوكاني 3/216] .


**خسارة الآخرة:

وبالرغم من تعجيل النعم لمن اختار العاجلة، وفضلها على الآخرة، فإن الخسارة الكاملة

تنتظره في الآخرة الدائمة، ليتحقق الشطر الآخر من هذه المعادلة:} ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَـاهَا

مَذْمُومًا مَّدْحُوراً [18]{ [سورة الإسراء].

وخسارة الآخرة لهؤلاء لا تعني أنها العقوبة الوحيدة، بل إن الله يعاقبها في الدنيا قبل

الآخرة، وذلك بتعسير الأمور عليهم، وسلبهم السعادة النفسية، وراحة البال.

علو الهمه
08-08-2004, 04:35 PM
**المعادلة التاسعة : إرادة الخير للعبد



كيف للعبد أن يعرف أن الله يريد له الخير ؟

وقد انقطع الوحي، وخُتمت الرسالات برسالة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟

◄ لقد أخبرنا الله في كتابه، و في السنة المطهرة ببعض العلامات الدالة على محبة الله للعبد،

وإرادته للخير له، ومن هذه العلامات:

إصابة العبد بالبلاء، أو توفيقه لحب العلم وتعلم الدين، وصاغ الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذه

العلامات على شكل معادلة مكونة من شطرين:

الأول: فيه إرادة الخير من الله للعبد.

والثاني: إصابته بالبلاء، أو تعلم العلم، حيث يقول الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:[مَنْ

يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ] رواه البخاري.

ويقول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:[ مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ...] رواه البخاري ومسلم.


**ما هو الخير الذي يريده الله للبعض من الناس ؟

يقول المناوي في هذا الخير:'أي: جميع الخيرات؛ لأن النكرة تفيد العموم، أو خيراً كبيراً

عظيماً كثيراً، فالتنوين للتعظيم'. فقد يكون هذا الخير في الرزق الوفير، أو البركة في المال،

والوقت، والزوجة، والولد، والعمر، وقد يكون هذا الخير في التوفيق للطاعات، واكتساب محبة

الناس، وقد يكون هذا الخير هو الحماية من شر شياطين الإنس والجن، وقد يكون هذا الخير

هو السعادة، والسداد في القرار، غيرها من أمور الخير التي تُسعد الإنسان في دنياه وآخرته.


** بماذا يستحق الخير؟

هذا الخير الذي يريده الله بالبعض لا يتحقق إلا إذا تحقق الشطر الآخر من المعادلة، وهذا الشطر

مكون من علامات، منها: الإصابة بالبلاء، ومنها: التوفيق لتعلم العلم.

أولاً: البلاء:

ولأن الأنبياء هم أحب الخلق إلى الله، وأحقهم بهذا الخير الرباني، فهم أكثر

الناس بلاءً، كما جاء في الحديث:[أَشَدّ النَّاس بَلَاءً الْأَنْبِيَاء , ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ , ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ]

رواه الإمام أحمد .

وقوله في حديث المعادلة:[ يُصِبْ مِنْهُ] أي: يبتليه بأنواع البلاء، ليثيبه عليه.

ويقول القاضي:'أي: يوصل إليه المصائب ليطهره من الذنوب ويرفع درجته، وهي اسم لكل

مكروه، وذلك لأن الابتلاء بالمصائب طب إلهي يداوي الإنسان من أمراض الذنوب المهلكة'[

فيض القدير 6/243].

ومن الخير الذي يناله صاحب البلاء:

تكفير الذنوب، حيث يقول الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:[مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ

وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ] رواه

البخاري ومسلم .


ثانياً: التفقه في الدين :

وهي العلامة الثانية لمن أراد الله به الخير، حيث يحبب إليه تعلم العلم، ويزيد من همته في

طلبه، كأن يكون رأساً في العلم، ثم ينقله للآخرين، فيسبب لهم الهداية الموجبة للأجر العظيم.

يقول المناوي:'أي يفهمه أسرار أمر الشارع ونهيه بالنور الرباني الذي أناخه في قلبه، كما

يرشد إليه قول الحسن: إنما الفقيه من فقه عن الله أمره ونهيه، ولا يكون ذلك إلا لعامل بعلمه'.

والفقه لا يقتصر على علوم بعينها، بل حقيقة الفقه هو التقوى، ولا خير في فقه لا يوصل إلى

التقوى.

يقول الغزالي:'إن حقيقة الفقه في الدين ما وقع في القلب، ثم ظهر على اللسان، فأفاد العمل،

فأورث الخشية فالتقوى'.

وكان الحسن البصري يغضب لمن 'لقب' الفقيه لمن يتعلم علماً بعينه، بل دأبه دوماً إرجاع من

يحتك بهم إلى المعنى الحقيقي للفقه، فقد روى عنه عمران قال:قلت للحسن يوماً في شيء

قاله: يا أبا سعيد ! هكذا يقول الفقهاء، قال: ويحك، هل رأيت فقيهاً قط، إنما الفقيه الزاهد

في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير بأمر دينه، المداوم على عبادة ربه.


أين الخير ؟

إذا كان تعلم العلم والتفقه في الدين يتسبب في الخير للمسلم سواءً في زيادة معرفته بالله

تعالى، ودعوته للناس، وبروزه في المجتمع، واحترام الناس له، وسبباً في هداية الناس

إلى آخر هذه المنافع الواضحة، فأين هذا الخير فيمن يصاب بالبلاء؟


إذا عرفنا أن الخير المقصود في الحديث لا يقتصر على المنافع الملموسة والدنيوية، وإنما

يتجاوزه إلى المنافع المعنوية غير الملموسة، والأخروية، علمنا بأن الخير الذي يجنيه المصاب

بالبلاء كبير، وربما يتجاوز المتفقه بالدين.

فمن هذا الخير :

** تقوية معدنه بعد البلاء: فالذهب لا ينقى مما شابه من المعادن حتى يوضع في النار.

** تعلمه للصبر: وفي الصبر خير كثير.

**تكفيره للسيئات: كما جاء في الحديث:[مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا

حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ] رواه البخاري

ومسلم .

** علامة لحب الله له: كما جاء في الحديث:[...إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ...] رواه الترمذي وابن

ماجة وأحمد .


** المنزلة العالية يوم القيامة:كما في الحديث:[ يَوَدُّ أَهْلُ الْعَافِيَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يُعْطَى أَهْلُ

الْبَلَاءِ الثَّوَابَ لَوْ أَنَّ جُلُودَهُمْ كَانَتْ قُرِضَتْ فِي الدُّنْيَا بِالْمَقَارِيضِ ] رواه الترمذي .

**الإحساس بنعمة الله عليه: فلا يشعر بنعم الله إلا الذي يفقدها.

** زيادة التقرب واللجوء إلى الله: فالإنسان يزداد لجوؤه إلى الله إذا شعر بالضعف والحاجة

للعون، وفي هذا الخير كثير.

**الانكسار والتواضع بسبب البلاء.

أن يكون عظة لغيره... هذا بعض الخير الذي يجنيه من أصيب بالبلاء.

نسمة صبا
08-08-2004, 10:45 PM
أختي علو الهمة ،،،

أشكرك على هذا الموضوع القيم ...

جزاك الله خيرا

و جعل مانقلتيه في ميزان حسناتك
و أقر عينك برؤية نبيك صلى الله عليه وسلم..

آمــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــين

أختك:
نسمة صَبـــــــــا

علو الهمه
09-08-2004, 12:16 AM
الاخت الفاضله نسما صبا

جزاك الله خيرا على الدعاء ولك مثله ..

علو الهمه
09-08-2004, 12:28 AM
**المعادلة العاشرة: حَرْثُ الآخِرة


يقول تعالى: { مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ...[20]} [سورة الشورى].


ويقول تعالى:} وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا[

19]{ [سورة الإسراء].


** حرث الآخرة :

الحرث عملية صعبة، فيها يتم شق الأرض وتقليبها، وإصلاحها إذا احتاجت إلى إصلاح، ثم

تسميدها بما يقويها...الخ .

هذه العملية المتعبة يمثلها الله سبحانه وتعالى لمن اختار الآخرة على الدنيا، فهو يقوم بمثل

هذه العملية الشاقة، ولكنه لا يبتغي الزروع المأكولة، بل يريد ثمار الآخرة من رضوان الله

عليه، ودخول الجنة، والوقاية من النار.


◄ فالحرث:

هو العمل المكلف به من عند الله، وتنقية الأرض من الآفات والأحجار، هو تنقية هذا العمل من

الرياء والخطأ، وحماية الزروع من الطيور والآفات داخل الأرض وخارجها، وهو الانتباه من

شياطين الإنس والجن والنفس التي بين الجوانح، وفحص الأرض بين فترة وأخرى هو

المحاسبة للنفس ومراجعته الأعمال ... هذه العمليات بالرغم من مشقتها إلا أن الحارث يجد

متعة في عمليات الحرث، وراحة نفسية عظيمة لما سيعود عليه بالخير.


**حرَّاث الآخرة :


فالشطر الأول من هذه المعادلة يبين الله فيه صفة حرَّاث الآخرة، ومن اختار الآخرة على

العاجلة ليكون شرطاً في استحقاقهم الزيادة في الحرث، وشكر السعي الذي جاء ذكره في

الشطر الثاني من المعادلة.

هذه الصفات كامنة في كلمة 'الحرث' وفي كلمة 'السعي' و'الإيمان'، و'إرادة الآخرة' حيث

قال تعـالى: } مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ...[20]{ [سورة الشورى]. وقال تعالى في سورة

الإسراء: } وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا[19]

{ .
وقال في الآية الأخرى من السورة نفسها قال:} وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ...[19]{ .

فالإيمان صفة لازمة لكل عمل صالح، وهو الاعتقاد بوجوب العمل، وبأسماء الله وصفاته،

وبالإخلاص بالعمل، وابتغاء وجه الله فيه، والجزاء الأوفى يوم القيامة وما يتصل بالإيمان من

مستلزمات.. والحرث والسعي هي الهمة العالية ونبذ الكسل، والحركة الدائبة حتى مغادرة

هذه الحياة في سبيل مرضاة الله، وتحقيق العبودية التي خلقنا من أجلها، ثم الهدف من هذا

السعي هو 'إرادة الآخرة'، والعلم واليقين بأنها خير وأبقى.


**صفات حرَّاث الآخرة:

ومن هذه الصفات الرئيسية التي ذكرها الله تعالى لحراث الآخرة، كشرط لاستحقاقها ما في

الشطر الآخر من المعادلة، تتشعب صفات كثيرة منها:


1- فهم حقيقة الدنيا :

فهم يفهمون الهدف من وجودهم في هذه الدنيا، ويعرفون حقيقة الدنيا، ويفهمون كيف

يتعاملون معها، ويحذرون منها أشد الحذر، فقد ذم رجل الدنيا عند علي رضي الله عنه

فقال:'الدنيا دار صدق لمن صدّقها، ودار نجاة لمن تزود منها، مهبط وحي الله، ومصلى

ملائكته، ومسجد أنبيائه، ومتجر أوليائه، ربحوا منها الرحمة، واحتسبوا فيها الجنة، فمن ذا

يذمها وقد آذنت ببينها، ونادت بفراقها ،وشبَّهت بسرورها السرور، وببلائها البلاء، ترغيباً

وترهيباً، فيا أيها الذام الدنيا، المعللُ نفسه، متى خدعتك الدنيا ؟ أم متى استذمت إليك ؟

أبمصارع آبائك في البِلَى ؟ أم بمضاجع أمهاتك في الثرى؟ كم مرَّضت بيديك؟ وعلَّلْتَ

بكفيك، تطلب له الشفاء، وتستوصف له الأطباء، غداة لا يغني عنه دواؤك، ولا ينفعك بقاؤك'.

فهم لا يزهدون في الدنيا، أو يكرهونها لعلة فيها، بل عندما تكون وما فيها من الزينة سبباً

في نسيانه لآخرتهم، وابتعادهم عن الهدف الذي خلقوا من أجله، أما إذا كانت لا تشغلهم ولا

تبعدهم عن عبادة ربهم؛ فلا يذمونها، بل يحبون العيش فيها، والتزود منها لآخرتهم، لذلك

عندما قرأ أحدهم قوله تعالى:} وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا [77]{ [سورة القصص] قال:'ليس

هو عَرَض من عرض الدنيا، ولكن نصيبك عمرك أن تقدم فيه لآخرتك'.


2-تحمل خسارة الدنيا:

فمن اختار الآخرة على العاجلة، فإنه قطعاً سيخسر بعض مكاسبها، ويتحمل خسارة الدنيا

على خسارة الآخرة، ولهذا السبب فإن معظم طلاب الآخرة يخسرون الكثير من زينة الدنيا، ولا

يحزنون لذلك، بل يستلذون هذه التضحية بالداني على الباقي، ويتحملون تلك الخسارة، بل

يتوقعونها؛ لأنهم مستيقنون بأن سلعة الله الغالية، تحتاج إلى ثمن باهظ، والحور العين تحتاج

إلى مهر غال، ولهذا السبب قلّ أن تجد من طلاب الآخرة تاجراً رابحاً؛ لأن دينه وآخرته تمنعه

من كثير من الربح السريع، يقول عمرو بن مرة:'من طلب الآخرة أضر بالدنيا، ومن طلب الدنيا

أضر بالآخرة، فأضروا بالفاني للباقي' ، فهم يتحملون ضرر الدنيا، ولكنهم لا يتحملون ضرر

الآخرة.

3- لا يحبون الدنيا لذاتها:

فلا يدخلون في قلوبهم سوى الله، وإن أحبوا الدنيا فإنما يحبون ما يقربهم إلى الله فيها، وما

يكون سبباً في زيادة محبتهم لله فيها، لذلك كثرت العبارات التي تصدر منهم بما يؤكد هذا

المعنى، خاصة عند احتضارهم:

◄ فعن أبي الدرداء أنه كان يقول:'لولا ثلاثة لأحببت أن أكون في باطن الأرض لا على ظهرها،

لولا إخوان لي يأتوني ينتقون طيب الكلام كما ينتقى طيب الثمر، وأعفر وجهي ساجداً لله عز

وجل، أو غدوة أو روحة في سبيل الله'.

◄ وكان آخر كلمات الصحابي معاذ بن جبل قبل وفاته:'اللهم إن كنت تعلم أني لم أكن أحب

الدنيا وطول البقاء فيها لكري الأنهار، ولا لغرس الشجر، ولكن لظمأ الهواجر، ومكابدة

الساعات، ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر'.

◄ بل إن الحسن البصري يجعل حب الدنيا لذاتها من الذنوب فيقول:'لو لم يكن لنا ذنوب نخاف

على أن أنفسنا منها إلا حبنا الدنيا لخشينا على أنفسنا منها، إن الله عز وجل يقول:} تُرِيدُونَ

عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ[67] { [سورة الأنفال] . أريدوا ما أراد الله عز وجل'.


4- حرص شديد على الوقت :

فهم أشد الناس حرصاً على الوقت أن يمضي دون الاستفادة من كل دقيقة فيه، ويسابقون

الزمن حتى يملأوا صحائفهم بكل ما يرتفع إلى الله، ويعتبرون كل انشغال عن الآخرة من

الخراب، فيقول يحيى بن معاذ:'الدنيا خراب وأخرب منها قلب من يعمرها، والآخرة دار

عمران، وأعمر منها قلب من يطلبها'.

ولكثرة انشغالهم في العمل لآخرتهم التي اختاروها على العاجلة فلا وقت لديهم ليتحدثوا عن

الدنيا إلا بما لابد منه من تسيير أمورهم اليومية كالبيع والشراء وغيره، حتى أن أبا حيان قد

روى عن أبيه عن التابعي الربيع بن خثيم يقول:'ما سمعت الربيع بن خثيم ذكر شيئاً من أمر

الدنيا إلا أني سمعته مرة يقول : كم لكم مسجداً'.

ولئن كان البعض يرى في هذه الصورة شيئاً من المبالغة، فإنه ليس مطلوباً من الجميع أن

يكونوا على قانون بن خثيم، وهمته العالية، فلا أقل من التقليل ما أمكن من الخوض فيما لا

ينفع من أمور الدنيا، لأن ذلك قطعاً يشغل عن الآخرة، ولقد وضح الإمام الشافعي ذلك في

عبارته المشهورة: 'نفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل'.


5- لا ينامون كثيراً:

ولقد وصفهم الله مادحاً فيهم هذه الصفة، فقال:} كَانُواْ قَلِيلاً مّن الَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ[17]

وَبِالأَسْحَـارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ[18]{ [سورة الذاريات]. ليس بسبب حبهم للسهر، أو إصابتهم

بالأرق ولكن بسبب معرفتهم بأهمية الوقت، وعلمهم بأن النوم يسرق منهم الكثير من هذا

الوقت الثمين، لذلك يقللون ساعات نومهم لاستغلالها بما يقربهم إلى الله تعالى.

فالأسبوع الواحد فيه ما يقارب 168 ساعة، ينام الإنسان فها من 50 إلى 60 ساعة، أي ما

يعادل ثلث الأسبوع، وهي نسبة ليست بالقليلة، خاصة إذا ما عرفنا أن الثلثين الباقيين ليسا

فارغين تماماً للاستغلال بل يتخللهما الكثير من فترات الطعام والعلاج والعمل والدراسة

وصيانة البيت والسيارة وغيرها من الأوقات الضائعة.



7-التفكر الدائم بالرحيل:

لقد رسم الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المنهج الرباني لمن أراد سلوكه، ومن ذلك التفكر الدائم

بالموت، فقال:[أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ - يَعْنِي الْمَوْتَ-] رواه الترمذي وابن ماجة والنسائي

وأحمد. فمن أكثر ذكر الموت خاف انقطاع العمل مما يجعله أكثر شعوراً للوقت، فيدفعه ذلك

لمسابقة الزمن، ومضاعفة البذل، لذلك قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:[مَنْ خَافَ أَدْلَجَ وَمَنْ أَدْلَجَ

بَلَغَ الْمَنْزِلَ أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ]رواه الترمذي . والإدلاج هو مواصلة

السير، ولاشك أن من واصل السير في السفر يصل قبل ذلك الذي يكثر الوقفات والاستراحات،

وكذلك أمر الآخرة، فمن اختارها على العاجلة جد في السير، وقلل الراحات، فلا راحة إلا

تحت شجرة طوبي .

يقول ابن الجوزي:'من تفكر في قرب رحيله تشاغل بالتزود'.


8- نتيجة اختيار الآخرة:

فإذا ما حقق طلاب الآخرة الشطر الأول من المعادلة وهو:'إرادة الآخرة، والسعي لها،

والإيمان' حقق لهم الله الشطر الآخر من المعادلة كنتيجة طبيعية لذلك الاختيار، وهي قوله

تعالى: }... نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ...[20]{ [سورة الشورى].

ويقول تعالى:} ... كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا[19]{ [سورة الإسراء].

◄ قال الإمام القرطبي مفسراً قوله تعالى: }نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ{ :'قيل : نوفقه للعبادة، ونسهلها

عليه.

وقيل: حرث الآخرة الطاعة، أي من أطاع فله الثواب. وقيل: }نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ{ أي: نعطيه الدنيا

مع الآخرة'.

◄ وقال الإمام الشوكاني:' }كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا{ عند الله: أي مقبولاً غير مردود، وقيل :

مضاعفاً إلى أضعاف كثيرة'.


**◄ وعلى هذا تكون نتيجة اختيار الآخرة:

التوفيق للعبادة.

تسهيل العبادة والإعانة عليها.

إعطاء الثواب.

إعطاء الدنيا مع الآخرة.

مضاعفة الثواب.

قبول العمل.

بوعبدالعزيز
29-08-2004, 05:09 AM
أختي علو الهمة

نقلة رائعة جداً جداً ، وبارك الله فيك وزادك الله من فضله ورفع همتك وقدرك .آمين

ممكن أختي تسمحين لي نقله ونشره ؟

الحقيقة موضوع رائع وانت تستاهلين زيادة الاجر.


أخوكم

بوعبدالعزيز

علو الهمه
29-08-2004, 09:56 PM
الأخ الفاضل بوعبدالعزيز

جزاك الله خيرا على كلماتك...وتقبل الله دعائك ولك مثله.


أخي الفاضل
كما اسلفت سابقا هو من كتاب:'معادلات إيمانية' للشيخ / عبد الحميد البلالي.

وقد نقلته من إحدى المواقع

وليس لدي مانع في نشر الخير...ولا اعتقد ان الشيخ البلالي لديه المانع كذلك.

جعلنا الله ممن يقولون وينقلون الحق ويتبعونه.