عرض الإصدار الكامل : ...أعمى يسدد الهدف...


زيكا
26-07-2004, 04:14 PM
لم أكن جاوزت الثلاثين حين أنجبت زوجتى أول أبنائى ..
مازلت أذكر تلك الليلة .. بقيت إلى أخر الليل مع الشلة فى إحدى الإستراحات ..كانت سهرة مليئة بالكلام الفارغ .. بل بالغيبة و التعليقات المحرمة ..
كنت أنا الذى أتولى فى الغالب إضحاكهم .. و غيبة الناس .. و هم يضحكون ..
أذكر ليلتها أنى أضحكتهم كثيراً .. كنت أملك موهبة عجيبة فى التقليد .. بإمكانى تغيير نبرة صوتى حتى تصبح قريبة من الشخص الذى أسخر منه .. أجل كنت أسخر من هذا وذاك .. لم يسلم أحد منى حتى أصحابى ..
صار بعض الناس يتجنبنى كى يسلم من لسانى ..
أذكر أنى تلك الليلة سخرت من أعمى رأيتة يتسول فى السوق ..والأدهى أنى وضعت قدمى أمامه فتعثر وسقط يتلفت برأسه لايدرى ما يقول ..وانطلقت ضحكتى تدوى فى السوق..
عدت الى بيتى متأخراً كالعادة..
وجدت زوجتى فى أنتظارى .. كانت فى حالة يرثى لها ..
قالت بصوت متهدج : راشد ..أين كنت ؟
قلت ساخراً : فى المريخ ..عند أصحابى بالطبع ..
كان الإعياء ظاهراً عليها .. قالت و العبرة تخنقها : راشد ..أنا تعبة جداً .. الظاهر أن موعد ولادتى صار وشيكاً..سقطت دمعة صامتة على خدها ..أحسست أنى أهملت زوجتى ..كان المفروض أن أهتم بها و أقلل من سهراتى.. خاصة أنها فى شهرها التاسع.. حملتها الى المستشفى بسرعة..
دخلت غرفة الولادة .. جعلت تقاسى الآلام ساعات طوال..
كنت أنتظر ولادتها بفارغ الصبر ..تعسرت ولادتها..فأنتظرت طويلاً حتى تعبت ..فذهبت الى البيت..وتركت رقم هاتفى عندهم ليبشرونى ..
بعد ساعة ..اتصلوا بى ليزفوا لى نبأ قدوم سالم ..
ذهبت الى المستشفى فوراً ..أول ما رأونى أسال عن غرفتها ..طلبوا منى مراجعة الطبيبة التى أشرفت على ولادة زوجتى ..
صرخت بهم : أى طبيبة ؟‍‍‍‍‍ المهم أن أرى ابنى سالم ..
قالوا ..أولاً ..راجع الطبيبة..
دخلت على الطبيبة .. كلمتنى عن المصائب ..و الرضى بالأقدار ..
ثم قالت : ولدك به تشوة شديد فى عينيه ويبدوا أنه فاقد البصر ‍‍‍‍‌‌‍‍‍..خفضت رأسى ..و أنا أدافع عبراتى تذكرت ذاك المتسول الأعمى .. الذى دفعته فى السوق و أضحكت عليه الناس ..
سبحان الله كما تدين تدان .. بقيت واجماً قليلاً .. لا أدرى ماذا أقول .. ثم تذكرت زوجتى وولدى ..
شكرت الطبيبة على لطفها .. و مضيت لأرى زوجتى ..
لم تحزن زوجتى .. كانت مؤمنة بقضاء الله . راضية .. طالما نصحتنى أن أكف عن الاستهزاء بالناس كانت تردد دائما ..لا تغتب الناس ..
خرجنا من المستشفى .. و خرج سالم معنا ..
فى الحقيقة ..لم أكن أهتم به كثيراً .. اعتبرته غير موجود فى المنزل ..
حين يشتد بكاؤه أهرب إلى الصالة لأنام فيها .. كانت زوجتى تهتم به كثيراً ..و تحبه كثيراً ..أما أنا فلم أكن أكرهه.. لكننى لم أستطع أن أحبه..
كبر سالم ..بدأ يحبو ..كانت حبوته غريبة ..قارب عمره السنة فبدأ يحاول المشى ..فأكتشفنا أنه أعرج ..أصبح ثقيلاً على نفسى أكثر ..
أنجبت زوجتى بعده عمر و خالداً ..
مرت السنوات .. و كبر سالم .. و كبر أخواه ..
كنت لا أحب الجلوس فى البيت ..دائماً مع أصحابى ..
فى الحقيقة كنت كاللعبة فى أيديهم .. لم تيأس زوجتى من أصلاحى .. كانت تدعو لى دائماً بالهداية ..لم تغضب من تصرفاتى الطائشة ..لكنها كانت نحزن كثيراً إذا رأت إهمالى لسالم و اهتمامى بباقى إخوته ..
كبر سالم ..وكبر معه همى ..
لم أمانع حين طلبت زوجتى تسجيله فى أحدى المدارس الخاصة بالمعاقين ..لم أكن أحس بمرور السنوات ..أيامى سواء ..عمل و نوم و طعام و سهر..
فى يوم جمعة .. استيقظت الساعة الحادية عشر ظهراً..
ما يزال الوقت مبكراً بالنسبة لى ..كنت مدعواً إلى وليمة ..
لبست و تعطرت و هممت بالخروج ..
مررت بصالة المنزل ..استوقفنى منظر سالم ..كان يبكى بحرقة...
إنها المرة الأولى التى أنتبه فيها إلى سالم يبكى منذ كان طفلاً .. عشر سنوات مضت ..لم ألتفت إليه..حاولت أن أتجاهله ..فلم أحتمل ..كنت أسمع صوته ينادى أمه و أنا فى الغرفة ..
التفت ..ثم اقتربت منه ..قلت : سالم ..لماذا تبكى ؟
حين سمع صوتى توقف عن البكاء ..فلما شعر بقربى ..بدأ يتحسس ما حوله بيديه الصغيرتين ..مابه يا ترى ؟؟
اكتشفت انه يحاول الإبتعاد عنى ..
و كأنه يقول : الآن احسست بى ..أين أنت منذ عشر سنوات ؟؟
تبعته ..كان قد دخل غرفته ..رفض أن يخبرنى فى البداية سبب بكائه ..حاولت التلطف معه ..
بدأ سالم يبين سبب بكائه ..و أنا أستمع إليه و أنتفض ..تدرى ما السبب ..
تأخر عليه أخوه عمر .. الذى اعتاد أن يوصله الى المسجد ..
ولانها صلاة جمعة ..خاف ألايجد مكاناً فى الصف الأول ..
نادى عمر ..و نادى والدته ..و لكن لا مجيب ..فبكى.. أخذت أنظر الى الدموع تتسرب من عينيه المكفوفتين ..لم أستطع أن أتحمل بقية كلامه ..
وضعت يدى على فمه ..و قلت : لذلك بكيت يا سالم ؟؟ قال : نعم ..
نسيت أصحابى .. ونسيت الوليمة ..
و قلت : سالم لاتحزن ..هل تعلم من سيذهب بك اليوم إلى المسجد ؟..
قال: أكيد عمر..لكنه يتأخر دائماً ..
قلت : لا ..بل أنا سأذهب بك ..
دهش سالم ..لم يصدق .. ظن أنى أسخر منه ..استعبر ثم بكى..
مسحت دموعه بيدى ..و أمسكت يده ..أردت أن أوصله بالسيارة ..رفض قائلاً : المسجد قريب ..أريد أن أخطو الى المسجد ..أى والله قال لى ذلك ..
لا أذكر متى كانت آخر مرة دخلت قيها المسجد ..لكنها المرة الأولى التى أشعر فيها بالخوف ..و الندم على ما فرطته طوال السنوات الماضية..
كان المسجد ملياً بالمصلين ..إلا أنى وجدت لسالم مكاناً فى الصف الأول ...
استمعنا لخطبة الجمعة معاً وصلى بجانبى ..بل فى الحقيقة أنا صليت بجانبه ..
بعد أنتهاء الصلاة طلب منى سالم مصحفاً ..
استغربت ..كيف سيقرأ و هو أعمى ؟
كدت أن أتجاهل طلبه ..لكنى جاملته خوفاً من جرح مشاعره ..ناولته المصحف طلب منى أن أفتح المصحف على سورة الكهف ..
أخذت أقلب الصفحات تارة ..و أنظر فى الفهرس تارة.. حتى وجدتها ..
أخذ منى المصحف ..ثم وضعه أمامه..وبدأفى قراءة السورة ..وعيناه مغمضتان ..ياالله ...إنه يحفظ سورة الكهف كاملة ...
خجلت من نفسى ..أمسكت مصحفاً ..أحسست برعشة فى أوصالى ..قرأت ..وقرأت ...دعوت الله أن يغفر لى ويهدينى ..
لم أستطع الأحتمال .. فبدأت أبكى كالأطفال ..
كان بعض الناس لا يزال فى المسجد يصلى السنة ..خجلت منهم ..فحاولت أن أكتم بكائى ..تحول البكاء الى نشيج و شهيق ...
لم أشعر إلا بيد صغيرة تتلمس وجهى ..ثم تمسح عنى دموعى..
إنه سالم .. ضممته إلى صدرى ..
نظرت إليه ..قلت فى نفسى ..لست أنت الأعمى ...بل أنا الأعمى .. حين إنسقت وراء فساق يجروننى الى النار ...
عدنا الى المنزل .. كانت زوجتى قلقة كثيراً على سالم ..لكن قلقها تحول الى دموع حين علمت أنى صليت الجمعة مع سالم ..
من ذلك لايوم لم تفتنى صلاة جماعة فى المسجد ..
هجرت رفقاء السوء.. و أصبحت لى رفقة خيرة عرفتها فى المسجد ..
ذقت طعم الإيمان معهم .. عرفت منهم أشياء ألهتنى عنها الدنيا ..لم أفوت حلقة ذكر أو صلاة الوتر ..ختمت القرآن عدة مرات فى شهر ...رطبت لسانى بالذكر لعل الله يغفر لى غيبتى و سخريتى من الناس ..
أحسست أنى أكثر قرباً من أسرتى ...
اختفت نظرات الخوف و الشفقة التى كانت تطل من عيون زوجتى ..
الابتسامة ما عادت تفارق وجه ابنى سالم .. من يراه يظنه ملك الدنيا و ما فيها ..
حمدت الله كثيراً على نعمه ..
ذات يوم ..قرر أصحابى الصالحون أن يتوجهوا الى إحدى المناطق البعيدة للدعوة ..ترددت فى الذهاب ..استخرت الله ..و استشرت زوجتى ..
توقعت أنها سترفض ...لكن حدث العكس ....
فرحت كثيراً بل شجعتنى ..فلقد كانت ترانى فى السابق أسافر دون استشارتها فسقاً و فجوراً...
توجهت الى سالم ..أخبرته أنى مسافر ..ضمنى بذراعيه الصغيرين مودعاً ..
تغيبت عن البيت ثلاثة أشهر و نصف ...
كنت خلال تلك الفترة أتصل كلما سنحت لى الفرصة بزوجتى و أحدث أبنائى ..اشتقت إليهم كثيراً ...آآآه كم اشتقت الى سالم ...تمنيت سماع صوته هو الوحيد الذى لم يحدثنى منذ سافرت ..إمل أن يكون فى المدرسة أو المسجد ساعة أتصالى بهم ..
كلما حدثت زوجتى عن شوقى إليه ..كانت تضحك فرحاً و بشراً ...
إلا أخر مرة هاتفتها فيها ...لم أسمع ضحكتها المتوقعة ..تغير صوتها ..
قلت لها : أبلغى سلامى لسالم ..فقالت : أن شاء الله ...و سكتت ..
أخيراً عدت الى المنزل ..طرقت الباب ...تمنيت أن يفتح لى سالم ... لكن فوجئت بأبنى خالد الذى لم يتجاوز الرابعة من عمره ..حملته بين ذراعى و هو يصرخ : بابا ..بابا..
لا أدرى لماذا أنقبض صدرى حين دخلت البيت ..
استعذت بالله من الشيطان الرجيم ..
أقبلت الى زوجتى ..كا ن وجهها متغيراً ..كأنها تتصنع الفرح ...تأملتها جيداً ...ثم سألتها : ما بك ؟
قالت : لا شئ.....
فجأة تذكرت سالماً ..فقلت ..أين سالم ؟
خفضت رأسها ..لم تجب ... سقطت دمعات حارة عل خديها ..
صرخت بها ... سالم ..أين سالم ؟؟
لم أسمع حينها سوى صوت ابنى خالد ..يقول بلثغته : بابا ..ثالم لاح الجنة ...عند الله .. لم تتحمل زوجتى الموقف ...أجهشت بالبكاء ...كادت أن تسقط على الأرض ...
فخرجت من الغرفة...عرفت بعدها أن سالم أصابته حمى قبل موعد مجيئى بأسبوعين ....
فأخذته زوجتى الى المستشفى ...فأشتدت عليه الحمى ...و لم تفارقه ...حين فارقت روحه جسده ....


منقووووووول .....أسف للأطاله.......

صلاح يوسف
26-07-2004, 05:22 PM
اخى الفاضل .........

اشكرك شكرا جزيلا على هذا النقل .......

واحب ان اتوقف عند بعض الاحداث......

ياترى متى سيتعلم بعض الناس ان السعادة فى الرضا بما قسم الله لنا من اولاد وزوجات واموال وليس فى تمنى ما عند الناس.........

ياترى كم عدد اؤلئك الرجال والنساء الذين جعلوا بمن بيوتهم فندق وتركوا كل شي على الخدم او الجدة والجد...

كم من بلايا يبتلينا الله بها نتألم منها ولا نرضى وبعد ذلك نكتشف ان الخير فيها واننا كم تسرعنا فى اغضاب ربنا.....

اخى جزاك الله خيرا على هذا النقل ............

اخوك...............صـــــــــــلاح