المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : الأنساق الميتافيزيقيّة الكبرى


القوة المبدعة
25-07-2004, 02:49 PM
الأنساق الميتافيزيقيّة الكبرى.


منقول


لقد كان شغل ديكارت الشّاغل، وهو في حضرة تراث مدرسيّ كان يُنظر فيه إلى الأنواع على أنّها كائنات نصفها ماديّ ونصفها روحيّ، إنّما الفصل فصلا مستوفيا بين الآليّة والفكر. وإذ هو قد رَدَّ كلّ الردّ الجسدانيّ إلى الآليّ، فالصّورة هي شيء ماديّ، وهي حاصل فعل الأجسام الخارجيّة في جسدنا الخاصّ بتوسّط الحواسّ والأعصاب. فالمادّة والوعي لكونهما متنافيين، فالصّورة من حيث ما هي مَطْلِيَّةٌ مادّيا في جزء من الدّماغ لا يمكن أن ينفث الوعي فيها من روحه. إنّها موضوع، مثلها على السّواء مثل المواضيع الخارجيّة. إنّها على التّحصيل، نهاية الخارجيّة.

فالتّخيّل أو المعرفة بالصّورة تأتي من الذّهن ؛ إنّه الذّهن، وقد أُوقِعَ على الانطباع الحاصل في الدّماغ، الّذي يعطي وعيا بالصّورة(1). وهذه الصّورة كذلك هي ليست موضوعة قدّام الوعي بنحو الموضوع الجديد للمعرفة، على رغم مالها من صفة كونها واقعة جسدانيّة : فذلك كان سيدفع إلى ما لانهانية إمكانيّة علاقة الوعي بموضوعاته. وإنّما هي تملك هذه الخاصّة الغريبة بكونها قادرة على استحثاث أفعال الرّوح(2) ؛ فالحركات الدّماغيّة إذ تكون قد سبّبتها مواضيع خارجيّة، على ماهي ليست تشتمل على شبيهاتها، فهي تُوقِظُ في النّفس أفكارا ؛ والأفكار لا تأتي من الحركات، بل فطريّة في الإنسان. فهي بمناسبة الحركات هي تظهر في الوعي. والحركات هي بمثابة العلامات الّتي تُحْدِثُ في النّفس بعض المشاعر؛ إلاّ أنّ ديكارت لم يُطْنِبْ في فكرة العلامة هذه الّتي يُشْبِهُ أنّه كان قد خلع عليها معنى الرّابطة الاعتباطيّة، وهو، لاسيّما، لم يشرح كيف يحصل الوعي بهذه العلامة ؛ بل هو كأنّه كان يقبل بنوع من الفعل المُتَعَدِّي بين الجسد والنّفس كان قد أدّاه لأن يُدْخِلَ في النّفس ضربا من المادّية وفي الصّورة المادّيّة ضربا من الرّوحانيّة. ولسنا نفهم لا كيف الذّهن ينطبق على تلك الواقعة الجسدانيّة المخصوصة أخصّ الاختصاص الّتي هي الصّورة، ولا بالعكس، كيف يمكن أن يدخل التّخيّل والجسد في الفكر، إذا كان نفس الجسد، حسب ديكارت، إنّما يُدْرِكُهُ الذّهن الخالص.

والنّظريّة الدّيكارتيّة لا تمكّننا من أن نميّز الإحساسات من الذّكريات أو الخيالات، لأنّه إنّما هناك في كلّ الأحوال نفس الحركات الدّماغيّة، سواء كان الّذي يَرُجُّ الأرواح الحيوانيّة هو مثير متأتّ من الخارج، أو من الجسد، أو أيضا من النّفس نفسها(3). وليس إلاّ الحكم والذّهن وحدهما الّذان من شأنهما أنّ يمكّناننا من أن نفصل، بحسب الانسجام الذّهني للخيالات، أيّها تتناسب مع مواضيع موجودة.

فديكارت قد اقتصر إِذًا على وصفه ما يقع بالجسد حينما النّفس تفكّر، وعلى بيانه أيّ علاقات التّلاصق contiguïté الموجودة بين تلك الواقعات الجسدانيّة الّتي هي الصّور وآليّة انتاجه لها. لكن الأمر ليس يتعلّق لديه بأن نميّز الفكر عن طريق تلك الآليّات الّتي هي تنتمي، مثلها مثل الأجسام الأخرى، إلى عالم الأشياء المشكوكة.

أمّا سبينوز Spinozaفقد أكّد تأكيدا أشدّ وضوحا من ديكارت بأنّ مسألة الصّورة الحقيقيّة لا يمكن حلّها في مرتبة الصّورة، وإنّما فقط بطريق الذّهن. ونظريّة الصّورة كما كانت عند ديكارت هي مفصولة عن نظريّة المعرفة ومتّصلة بوصف الجسد : فالصّورة هي انفعاليّة في الجسد الإنسانيّ ؛ والصّدفة، والتّلاصق والعادة هي ينابيع ارتباط الصّور بينها، والذّكرى هي انبعاثيّة مادّيّة لانفعال في الجسد، يكون أحدثته أسباب آليّة ؛ أمّا المتعاليات والأفكار العامّة الّتي تؤلّف الخبرة المبهمة فإنّما هي نتيجة لخلط في الصّور من طبيعة أيضا مادّيّة. والتّخيّل، أو المعرفة بالصّور هي مختلفة عميق الاختلاف عن الذّهن ؛ فهي يمكن أن تنحت أفكارا خاطئة، ولا تعرض الحقيقة إلاّ في صورة مبتورة.

ومع ذلك، ومع أنّ الصّورة هي تُضَادّ الفكرة البيّنة، فهي تستحفظ معها بشيء مشترك، ألا وهو أنّها هي أيضا فكرة ؛ إنّما هي فكرة مبهمة، تُعْطَى بنحو الشّكل المتردّي من الفكر، لكنّها تَصِحُّ فيها نفس الرّوابط الموجودة في الذّهن. فالتّخيّل والذّهن ليسا هما مختلفين بإطلاق، لأنّ المرور من أحدهما إلى الآخر بتحقّق الماهيات المنطوية في الصّور هو أمر ممكن. إنّها مثلها مثل المعرفة من الجنس الأوّل والمعرفة من الجنس الثّالث أو العبوديّة والحريّة الإنسانيّتين، موصولان ومتّصلان معا دفعة واحدة.

فللصّورة لدى سبينوزا وجهان اثنان : فهي مختلفة غاية الاختلاف عن الفكرة، إذ هي فكرة الإنسان بماهو ضرب متناه، ومع ذلك فهي فكرة وقطعة من العالم اللاّمتناهي الّذي هو جماعة الأفكار. وإذا فُصِلَتْ من الفكر، كما لدى ديكارت، فإنّها تميل أيضا، كما هو عند ليبتنز، لأن تختلط به، وذلك لأنّ عالم الرّوابط الآليّة الذّي وصفه سبينوزا بنحو عالم التّخيّل، ليس بمنفصل، مع ذلك، عن العالم العقليّ.

وكلّ جهد لايبتنز فيما يتعلّق بالصّورة قد انصبّ من أجل وضع اتّصاليّة بين هذين الضّربين من المعرفة : الصّورة والفكر؛ فالصّورة عنده، إنّما مُشْرَبَةٌ عقلا(4).

فليبنتز أيضا، قد بدأ أوّلا بوصف عالم التّخيّل على أنّه محض آليّة، حيث لا شيء من شأنه أن يمكّننا من فرز الصّور بالحقيقة من الإحساسات، إذ كلاهما إنّما هما يعبّران عن أحوال جسدانيّة. إلاّ أنّ ترابطيّة لا يبنتز لم تعد فيزيولوجيّة : بل إنّما في النّفس، وبنحو غير مشعور به، إنّما تنحفظ الصّور وترتبط فيما بينها. وليس إلاّ الحقائق الّتي يضعها العقل الّتي ترتبط بينها بروابط ضروريّة، وهي وحدها الّتي هي بيّنة ومتميّزة. فهناك إذا هاهنا أيضا تفرقة بين عالم الصّور، أو الأفكار الغامضة، وعالم العقل.

والعلاقة بينها قد تُصُوِّرَتْ على نحو عاديّ : فأوّلا، بحسب ليبنتز، الذّهن لا يكون البتّة خالصا، لأنّ الجسد هو أبدا حاضر للنّفس، ولكن، من وجه آخر، ليس للصّورة إلاّ فعلا عرضيّا وتابعا، وهو أن يكون مجرّد مُعِينٍ للفكر، أي علامة. لقد طلب ليبنتز أن يزيد تعميقا لمقولة العلامة هذه : فالعلامة، على رأيه، إنّما هي عبارة، أي أنّه في الصّورة هناك احتفاظ بنفس العلاقات الموجودة في الموضوع الّذي هي صورة له، وأنّ تغيّر أحدهما يجوز أن يتحقّق بقاعدة تصحّ على السّواء للكلّ أو لواحدة واحدة من الأجزاء.

أمّا الفرق الوحيد بين الصّورة والفكرة، فهو إذًا أنّ التّعبير عن الموضوع في الحال الأوّل يكون ذا لَبْسٍ، وفي الحال الآخر فيكون بيّنا ؛ ويتأتّى اللَّبْسُ من أنّ كلّ حركة فهي تشتمل على لا متناه حركات العالم، والدّماغ يتلقّى لامتناهيا من التّغييرات الّتي لا يمكن أن تناسبها إلاّ فكرة ذات لَبس هي تنطوي على لامتناه من الأفكار البيّنة الّتي تتناسب مع جزء جزء. فالأفكار البيّنة إذًا هي محتواة في الفكرة ذات اللّبس ؛ إنّها لا واعية، إنّها مدركة من غير أن تكون مُتَبَيَّنَةً Perçue sans être aperçue؛ وليس يُتَبَيَّنُ إلاّ جملتها الكلّيّة الّتي تبدو لنا بسيطة لجهلنا بمركّباتها.



إذن، فهناك بين الصّورة والفكرة فرق يشبه أن يكون مجرّد فرق رياضيّ : فالصّورة لها ثخانة اللاّمتناهي، والفكرة لها وضوح الكمّ المتناهي والمُحلَّلِ. وكلاهما مُعَبِّرَانِ.

إلاّ أنّه إذا كانت الصّورة تُحَلُّ إلى عناصر لا واعية هي في نفسها عقلانيّة، وإلى لامتناهي من النّسب التّعبيريّة، لِتُشَارِكَ بذلك الفكر في شرفه، فإنّ وجهها الذّاتي متعذّر بيانه. إذ أَنَّى لتجميع إدراكات لا واعية، مثلا، إدراك الأصفر والأزرق، أن تعطي تبيّنا واعيا بالأخضر ؟ وأنّى، إذا أضعفنا من درجة الوعي بالأفكار العنصريّة، فإنّ شدّتها في الذّهن هي تعطي مثل تلك التّركيبات الفجائيّة ؟ إنّ ليبتنز لم يحتفل ببيان ذلك. وإنّما التمس أن يجد في الصّورة معنى يصلها بالفكر، فبددّ الصّورة بما هي كذلك(5). وهو قد أضلّته أيضا مشابهة رياضيّة لمّا أخذ على سبيل التّسليم بأنّ اللَّبس يساوي لامتناهية، فيساوي ثخانة أو أيضا لا عقلانيّة ؛ إذ أنّ اللاّمعقول الرّياضي ليس هو أبدا إلاّ ضربا من المعقول لم نستوعبه بَعْدُ. أمّا إذا نظرنا نظرا منطقيّا، فليس يمكن أبدا أن نفضي بعد بناء ما إلى ثخانة لا منطقيّة يهون معها كلّ فكر. فالكيف ليس هو الكمّ، ولو كان الكمّ لانهائيّا، وليبنتز لم يُفْلِحْ في أن يعيد للإحساس صفته الحسّية والكيفيّة الّتي كان قد نزعها عنه أوّلا.

ثمّ إنّ مقولة التّعبير، الّتي كانت تمكّن من إفادة المعطيات الحسّيّة بدلالة ذهنيّة، هي غامضة. إنّها علاقة نظام ومناسبة فيما يقول لايبنتز. ولكنّه لايمكن أن يوجد تمثّلا طبيعيّا ل " جنس " من " جنس " آخر ؛ بل ينبغي أبدا أن يكون هناك بناء جزافيّ لكي يُمْكِنَ للذّهن فيما بعد أن يقبل بأنّه يوجد في حضرة علاقات مكافئة.

فليبنتز إذًا، لمّا حاول أن يؤسّس القيمة التَّمَثُّلِيَّةِ للصّورة، فقد أخفق دفعة واحدة في وصفه وصفا جليّا لعلاقتها بالموضوع، وفي بيانه لأصالة وجودها من حيث ما هي مُعْطَى أوّليّ للوعي donnée immédiate de la conscience.

وفي حين أنّ لا يبنتز كان قد رام من أجل حلّه للمقابلة الدّيكراتيّة، الصّورة والفكر، لأن يصرف الصّورة من حيث هي كذلك، فإنّ خبريّة هيوم قد جهدت على العكس، من أجل أن تردّ الفكر بأسره إلى نسق من الصّور(6). فهي قد استعارت من الدّيكارتيّة وصفها للعالم الآليّ للتّخيل، وبُعَيْدَمَا أفردت هذا العالم من تحت عن الموضوع الفيزيولوجيّ الّذي يضرب فيه، ومن فوق عن الذّهن، فقد جعلت منه الموضوع الوحيد الّذي يتحرّك فيه الذّهن البشريّ حقيقة.

فليس يوجد في الذّهن إلاّ انطباعات ونسخ من تلك الانطباعات الّتي هي الأفكار والّتي تنحفظ في الذّهن بضرب من العطالة ؛ والأفكار والانطباعات لا تختلف بالطّبيعة، ممّا يجعل أنّ الإدراك لا يختلف في نفسه عن الصّورة. فينبغي لكي نتعرّف عليهما أن نستخدم مقياسا موضوعيّا مقياس الانسجام، والاتّصاليّة ذي المعنى الغامض أشدّ من غموضه لدى ديكارت، لأنّنا لا نرى على أيّ شيء يمكن للفكر أن يعتمد حتّى يفارق الانطباعات ويرتفع عنها بالحكم، إن كان هو ليس يتكوّن إلاّ من فسيفساء من الانطباعات.

إنّ الصّور هي موصولة بينها بعلاقات التّلاصق والتّشابه Ressemblance الّتي تفعل بنحو" قوى معطاة " ؛ إنّها تتضامّم بحسب انجذابات ذات طبيعة نصفها آليّ ونصفها سحريّ. والتّشابه الّذي بين بعض الصّور من شأنه أن يمكّننا من إطلاق اسما مشتركا قد يدفعنا للاعتقاد في وجود الفكرة العامّة المناسبة له، ومع ذلك فإنّما مجموع الصّور هي وحدها الموجودة في الواقع، وهي موجودة "بالقوّة " في الاسم.

وهذه النّظريّة بأسرها إنّما تستلزم مقولة لم يقع مع ذلك الإفصاح عنها بتاتا، وهي مقولة اللاّوعي. فالأفكار ليس لها من وجود إلاّ كوجود الموضوعات الباطنيّة للفكر، ومع ذلك فهي ليست أبدا واعية، بل إنّها لا تستيقظ إلاّ حينما تُوصَلُ إلى أفكار واعية ؛ فهي إِذًا تبقى موجودة وجود المواضيع المادّيّة، وهي أبدا حاضرة كلّها بالذّهن : إلاّ أنّها لا تكون بأسرها مُتَبَيَّنَةً. ولِمَ ذلك ؟ وكيف يمكن أنّ هذه الصّور متى تُجْلَبُ بقوّة ما معطاة إلى فكرة واعية فذلك مَانِحُهَا صفة كونها واعية ؟ إنّ هيوم لم يضع هذا السّؤال. وإنّما وجود الوعي قد تبخّر بأكمله وراء عالم من المواضيع الثّخينة الّتي تتّخذ، ولسنا ندري من أين، ضربا من الفوسوفورسيّة Phosphorescence الموزّعة، لعمري، توزيعا جزافيّا، وليس له من أيّ عمل فاعل.

ثمّ إنّ التّرابطيّة Associtionisme، فمن أجل أن تعاود بناء الفكر كلّه بالصّور فهي مُجْبَرَةٌ على أن تضع وجود صنفا كاملا من الأفكار ذات الموضوع الّذي، كما كان قد تبينّه أهل الدّكارتيّة، ليس يُعطيه أيّ انطباع من الانطباعات.

*

* *

فمنذ نهاية النّصف الأوّل من القرن الثّامن عشر، قد صِيغَتْ إذا مسألة الصّورة صوغا بيّنا ؛ وفي نفس الوقت فقد وضعنا ثلاثة حلول.

فإمّا أن نقول، مع الدّكارتيين، بأنّه يوجد فكر محض، أهل أبدا، أو أهل من جهة الحقّ en droit في الأقلّ، لأنّ يحلّ محلّ الصّورة كحلول الحقيقة محلّ الكذب أو المطابق محلّ اللاّمطابق. وعندئذ، فلن يعود هناك عالم الصّورة وعالم الفكر، وإنّما ضرب من الأخذ Appréhension ناقص، ومبتور، ومحض عمليّ للعالم، وضرب آخر من الأخذ يكون رؤية شاملة وغير نفعيّة. فالصّورة هي مجال الظّاهر، وهو ذو ظاهريّة طبيعتنا كوننا بشرا تفيدها بنوع من الجوهريّة. فهناك إِذًا بين الصّورة والفكر، على الأقلّ، في المرتبة النّفسيّة، هوّة حقيقيّة. والصّورة ليست تفترق عن الإحساس ؛ أو بالأحرى إنّ التّفرقة الّتي نحكم بها بينها إنّما لها بخاصّة قيمة عمليّة. والانتقال من المرتبة التّخيّليّة إلى المرتبة الفكريّة يحصل أبدا بطريق ضرب من القفز : فهنالك توجد لااتّصاليّة أولى تقتضي بالاضطرار قلبا أو، كما قد اعتدنا التّكرار فيه، تقتضي " قلبا" فلسفيّا. وهو قلب على غاية من الجذّريّة حتّى أنّه قد لزمت منه مسألة هويّة الذّات نفسها : على معنى أنّه، وبعبارة نفسيّة، فهو سوف يجب شكل تأليفيّ خاصّ حتّى يجتمع في وحدة وعي واحد الأنا الّذي يتعقّل قطعة الشّمعة، والأنا الّذي يتخيّلها، وحتّى تجتمع بالمساوقة، قطعة الشّمع المُتَخَيَّلَةِ والقطعة المُتَعَقَّلَةِ في حكم يقضي بالهويّة " بأنّها إنّما هي موضوع واحد هو هو " . فالصّورة، بالذّات، لايمكنها أن تفيد الفكر إلاّ بمعونة على غاية من الرّيبة. وهناك مسائل ليست تعرض إلاّ في حقّ الفكر المحض، لأنّ حدودها لايمكن البتّة أن تُتَخَيَّلَ. وهناك آخرون يُجِيزُونَ استخدام الصّور، بشرط أن نُقَعِّدَ هذا الاستخدام صارم التّقعيد. وعلى أيّة حال، فهذه الصّور ليست لها من وظيفة إلاّ أن تُهَيِّأَ الذّهن لأن يقوم بالقلب. فهي تُسْتَخْدَمُ بنحو المخطّطات Schèmes والعلامات والرّموز، ولكنّها لا تدخل إطلاقا في فعل التّصيير فكرا Idéation على التّحقيق. بل إذا تُرِكَتْ وشَأْنَهَا، فإنّها تتعاقب على نمط من التّرابط محض آليّ(7). وعلم النّفس فمن شأنه أن يُصْرَفَ إلى موضوع الإحساسات والصّور. والحكم بوجود فكر محض فمن شأنه أن ينزع الذّهن نفسه من أن يكون موضوع وصف نفسيّ : بل إنّه لن يُمْكِنَ أن يكون إلاّ موضوع فحص ابستمولوجيّ ومنطقيّ للدّلالات.

لكنّه ربّما الوجود المفارق لهذه المعاني سوف يبدو لنا بنحو الخلف. فهي إمّا أن نسلّم بأنّها ماقبليّة موجودة في الفكر أو بأنّها بمنزلة الكائنات الإفلاطونيّة. وفي كلتا الحالين، فهي تمتنع عن العلم الاستقرائيّ. ولورغبنا في أن نؤكّد على حقوق علم وضعيّ بالطّبيعة الإنسانيّة، شأنه أنّه يرتفع من الواقعات إلىالقوانين بمنزلة الفيزياء أو البيولوجيا، ولو رُمْنَا أن نتناول الواقعات النّفسيّة بنحو الأشياء، فسوف يتوجّب أن ننصرف عن عالم الماهيات ذاك الّذي ندركه بالتّأمّل الحدسيّ، والذّي يُعْطَى فيه العموم أَوَّلَ مايُعْطَى. وينبغي أن نحكم بهذه البديهيّة المنهجيّة : وهي أنّا لا يمكن أن ندرك قانونا واحدا حتّى نمرّ أوّلا بالواقعات. إذن، وبإجراء مشروع لتلك البديهيّة على نظريّة المعرفة، فإنّه لعمري، إنّما ينبغي أن نُقِرَّ بأنّ قوانين الفكر هي أيضا هي صادرة من الواقعات، أي أنّها أجزاء نفسيّة(8). ومن هنا يصبح المنطق قطعة من علم النّفس، والصّورة الدّيكارتيّة تصبح واقعة فرديّة يمكننا أن نستقرأ ابتداء منها، والمبدأ الابستمولوجيّ القائل : " أن نبتدأ من الواقعات حتّى نستقرأ القوانين "، سوف يصبح ذلك المبدأ الميتافيزيقيّ : لا شيء يوجد في الذّهن إلاّ وقد سبق وجوده في الواقع Nihil est in intellectu quod non fuerit prius in sensu.. ومن ثَمَّ فإنّ الصّورة الدّكارتيّة تظهر دفعة بنحو الموضوع الفرديّ الّذي ينبغي على العالم أن يبتدأ منه، وبنحو العنصر الأوّل الّذي بالتّركيب يُحْدِثُ الفكر، أي يحدث مجموع الدّلالات المنطقيّة. ولنا أن نصرّح هنا بشموليّة نفسيّة Panpsychologisme هيوميّة. فالواقعات النّفسيّة هي أشياء مُتَشَخِّصَةٌ موصولة بينها بعلاقات خارجيّة : ولا جَرَمَ بأنّه هناك تكوين للفكر. وبذلك فإنّ البُنَى الفوقيّة الدّكارتيّة قد تهاوت، ولم تبق إلاّ الصّورــ الأشياء. وبتهاوي البنى الفوقيّة تتهاوى أيضا القدرة التّأليفيّة للأنا ونفس مقولة التّمثّل. فالتّرابطيّة إنّما هي قبل كلّ شيء، أنطولوجيّة تقضي بالهويّة هويّة جذريّة بين ضرب وجود الواقعات النّفسيّة وضرب وجود الأشياء. فليس يوجد على العموم إلاّ الأشياء: وهذه الأشياء ترتبط بينها بعلاقات فتؤلّف بذلك نوعا من المجموعة نطلق عليها اسم الوعي. والصّورة ما هي إلاّ الشّيء من حيث ما هو يتّصل بسائر الأشياء بضرب من العلاقات. وهنا نرى نطفة الواقعيّة الجديدة الأمريكيّة. إلاّ أنّ كلّ هذه الأحكام المنهجيّة والأنطولوجيّة والنّفسيّة إنّما لَزِمَتْ تحليليّا من انصرافنا عن الماهيات الدّكارتيّة. فالصّورة لم تصبح شيئا، ولم ينلها أيّ تغيير، لمّا كانت سماء العقليّ تتهاوى، وذلك لسبب يسير وهو أنّ الصّورة كانت، مِنْ قَبْلُ، عند ديكارت شيئا(9). وذلك ما كان ظهور النّفسانيّة Psychologisme الّتي بأشكالها المختلفة ما هي إلاّ أنتروبولوجيّة وضعيّة، أي علم يروم البحث في الإنسان على أنّه جزء من العالم، غافلة عن هذه الحقيقية الجوهريّة وهي أنّ الإنسان إنّما هو كذلك كائن يَتَمَثَّلُ se représente العالم وهو نفسه داخل العالم. وهذه الأنتروبوبوجيا الوضعيّة كانت موجودة في طور النُّطْفَةِ في النّظريّة الدّيكارتيّة في الصّورة. فهي ليست تضيف شيئا على الدّكارتيّة : وإنّما هي قد اجتزأت منها فقط. فلقد كان ديكارت يضع معا وجود الصّورة والفكر خِلْوًا من الصّورة ؛ أمّا هيوم فلم يُبْقِ إلاّ على الصّورة عارية من الفكر.

فقد يوجد أن نبغي أن نحتفظ بالكلّ في اتّصاليّة روحيّة، وأن نروم الجزم بمجانسة الواقعة والقانون، وأن نبرهن على أنّ التّجربة المحضة، كانت من قَبْلُ عقلا. فحينئذ، سوف نشير إلى أنّه إن كان من الممكن المرور من الواقعة إلى القانون، فذلك لأنّ الواقعة كانت من قَبْلُ بنحو تعبير عن القانون، وعلامة للقانون : أو بالحَرِيِّ، إنّ الواقعة هي القانون بعينه. فلم يبق البتّة شيء من التّفرقة الدّكارتيّة بين الماهية الضّروريّة والواقعة الخبريّة. بل إنّما نروم أن نلفى في الخبريّ الضّروريّ. صحيح أنّ الواقعة إنّما تظهر بنحو الممكن ؛ وصحيح أنّه لاعقل إنسانيّ واحد بقادر على أن يستوفي علّة لون هذه الورقة أو شكلها. ولكن ذلك فقط من أجل أنّ الذّهن البشريّ هو قاصر في طبيعته. إذ ليس يمكننا البتّة أن نستقرأ إلاّ حيث يمكننا من جهة الحقّ en droitأن نستنتج. و" الحقائق الممكنة " لليبنتز فهي من جهة الحقّ حقائق ضروريّة. فالصّورة إذن قد بقيت عند ليبنتز واقعة مماثلة لسائر الواقعات، والكرسيّ في الصّورة ليس مغايرا للكرسيّ في الواقع. ولكن، ومثلما أنّ الكرسيّ في الواقع هو معرفة مبهمة لحقيقة من جهة الحقّ يمكن أن تُرَدُّ إلى قضيّة هي هي، كذلك الصّورة فهي ليست إلاّ فكرة مبهمة. وبالجملة، إنّ حلّ ليبنتز إنّما هو، لعمري، شموليّة منطقيّة Panlogisme، ما عدا أنّ هذه الشّموليّة ليس لها إلاّ وجود من جهة الحقّ، ينضاف إلى خبريّة واقعيّة. فبمقتضى علم النّفس، نحن لامحالة نلفى وراء كلّ صورة، الفكر الّذي هي تقتضيه من جهة الحقّ : ولكن الفكر لا ينكشف البتّة لحدس واقعيّ، ولا تحصل لنا البتّة تجربة متعيّنة بفكر خالص، كما نلفاه بالنّسق الدّكارتيّ. فالفكر ليس يظهر لذاته، ولا يمكن استخلاصه إلاّ بطريق تحليل رَوَوِيٍّ. فهو من أجل ذلك كان أمكن لليبنتز أن يجاوب لوك بعبارته المشهورة اللّهم إلاّ العقل نفسه. والحقّ أنّ صورة الخبريين هي موجودة هاهنا كما هي هي بنحو الواقعة النّفسيّة، ولم يكن إلاّ فيما يتعلّق بطبيعتها الميتافيزيقيّة كان لايبنتز في خلاف مع لوك.

إمّا عالم فكريّ يمتاز غاية الامتياز عن عالم الصّورة ـــ أو عالم من محض الصّور ــ أو عالم من الواقعات الصّور، يكون بالاضطرار أن نلفى وراءها فكرا هو لا يظهر إلاّ بتوسّط، بنحو العلّة الوحيدة الممكنة في الانتظام والغائيّة الّذين نتبيّنهما في عالم الصّور ( مثل اللّه، في البرهان الفيزيائيّ اللاّهوتي، الّذي نَدُلُّ عليه من الإِحْكَامِ الموجود في العالم ) : تلك هي إِذًا الحلول الثّلاثة الّتي بسطتها لنا المذاهب الكبرى الثّلاثة في الفلسفة الكلاسيكيّة. وقد حافظت الصّورة في الحلول الثّلاثة، على بنية واحدة. فهي قد بقيت شيئا. وليس إلاّ علاقاتها مع الفكر الّتي كانت قد تغيّرت بحسب ما رُئِيَ من رأي في علاقة الإنسان بالعالم، والكلّي مع الفرديّ، والوجود بنحو الموضوع مع الوجود بنحو التّمثّل، والنّفس مع الجسد. وعسانا أن نتبيّن حينما نتعقّب التّطوّر المتّصل لنظريّة الصّورة عبر القرن التّاسع عشر، بأنّ هذه الحلول الثّلاثة هي الوحيدة الممكنة كلّما ارتضينا بالمُصَادَرَةِ بأنّ الصّورة هي ليست إلاّ شيئا، وبأنّ ثلاثتها كلّها ممكنة على السّواء وكلّها ناقصة على السّواء.



الملاحظات





1) فديكارت إِذًا يفرّق بين الصّورة بما هي موضوع، ويردّها إلى الأثر المادّي المتخلّف في الدّماغ لفعل الأشياء المادّيّة الخارجيّة، والوعي بالصّورة بما هو فعل ذهنيّ يتعقّل الأثر. والفعل الذّهنيّ المُتَعَقَّلُ للأثر هو ذو طبيعة ميتافيزيقيّة مختلفة اختلافا جوهريّا عن الأثر الصّورة، لِمَكَانِ الاختلاف الجوهريّ نفسه الّذي أثبته ديكارت بين المادّة والرّوح.

2) وهذه الصّورة الأثر وإن كانت هي من نفس طبيعة الأشياء الموضوعيّة، فهي لا تظهر للذّات بنحو موضوع للإدراك، لأنّه لو كان الأمر كذلك، لاستمرّ إلى مالانهاية، إذ أنّ نفس الصّورة الأثر بماهي موضوع مادّي سوف يُخَلِّفُ أثرا في الدّماغ، وهذا الأثر نفسه بماهو أيضا موضوع سوف يخلّف أثرا آخر في الدّماغ، فيتسلسل الأمر. فإِذًا للصّورة الأثر مَزِيَّةٌ لامحالة على الموضوع الحقيقيّ وهي أنّها من شأنها أن تُثِيرَ الأرواح الحيوانيّة الّتي كان ديكارت قد ذكرها بالتّفصيل في كتابه انفعالات الجسد Passions de l’âme

3) إنّ حَدَّ ديكارت للخيال بأنّه حركات الأرواح الحيوانيّة لِمَكَانِ الأَثَرِ الخارجيّ الّذي يثيرها، سوف يلزم عنه شكّ كبير وهو أنّه كيف يكون من الممكن للذّهن حينئذ أن يفرّق بين الخيال والذّكرى ؟ وهذا الشّك هو شكّ حَقٌّ للسّبب الآتي:

فالوعي هو يفرّق أبدا تفرقة أولى وعفويّة بين موضوع ما مُتَخَيَّلٍ، وموضوع ما مُتَذَكَّرٍ. فالموضوع المتخيّل هو يظهر للوعي بنحو ما هو ليس يوجد بلحمه ودمه، أو بنحو ماليس يوجد إطلاقا ؛ أمّا الموضوع المُتَذَكَّرُ فهو يظهر للوعي بنحو ما هو موجود، ولكن ليس وجودا حاضرا، وإنّما وجودا مُتَّخِذًا حَيِّزًا زمنيّا يُسَمَّى الماضي. فإِذًا قَرِينَةُ الزّمنيّة هي مُقَوِّمَةٌ للموضوع التذكّري ؛ وهي ليست مقوّمة البتّة للموضوع التّخيّلي. فمتى تقرّر ذلك، فالشكّ هو: إذا كان الخيال والذّكرى كلاهما قد نُظِرَ إليهما من جهة طبيعتهما الميتافيزيقيّة بكونهما آثارا مُتَخَلَّفَةً بالدّماغ، فكيف كان قد أمكن إِذًا أن تحصل التّفرقة الّتي يأتيها الوعي إتيانا بديهيّا بينهما الإثنين ؟ لقد كان حلّ ديكارت لهذا الشكّ، كما سوف يذكره المصنّف في الأسطر القادمة، بأن افترض عملا حُكْمِيًّا يأتيه الوعي من أجل فرز المتخيّل من المتذكّر بطريق مقياس انسجاميّة كلّ منهما.

4) أي أنّ الفرق بين الصّورة والفكرة ليس فرقا في الطّبيعة، وإنّما في الدّرجة فقط. فالصّورة ليست بشيء محض مادّي ولا عقلانيّ بمقابل الفكرة الّتي هي محض عقليّة وذهنيّة. بل الصّورة هي نفسها فكرة ولكنّها فكرة ذات لَبْسٍ وهي تنحلّ إلى لا متناهي من الأفكار الّتي هي أفكار مُدْرَكَةٌ من غير أن تكون مُتَبَيَّنَةً. Perçues sans être aperçues.

5) يريد أن ليبنتز برَوْمِهِ أن يصل الصّورة بالفكر وبأن يجعلها من نفس طبيعة الفكر فهو قد بدّد الصّورة بما هي كذلك، أي بماهي بنية فينومينولوجيّة وعييّة أوّليّة Structure phénoménolgique immédiate de la conscience..

6) أمّا حلّ هيوم فسيكون على جهة المضادّة التّامّة لحلّ لايبنتز. فإذا كان لايبنتز قد رام من أجل حلّه لمسألة علاقة الصّورة بالفكرة لأن يردّ كلّ حقيقة الصّورة إلى حقيقة الفكر، وكان قد وضع أنّ الصّورة إنّما هي الفكرة من جهة الحقّ، فإنّ هيوم سوف يردّ كلّ حقيقة الفكر إلى حقيقة الصّورة، وسوف يجعل من الوعي إنّما هو مجموع نفس الانطباعات الّتي تُحْدِثُهَا المواضيع الخارجيّة فينا. ( أنظر هيوم، في الطّبيعة الانسانيّة. The nature of human )

7) أي أنّ هذه الصّور مَأْخُوذَةً بِمُجَرَّدِهَا فإنّها تضبطها نفس القوانين الّتي تضبط المواضيع الطّبيعيّة، كقانون العطالة أو قانون التّرابط الآليّ. وبالجملة فهي سوف تكون شيئا كسائر الأشياء.

8) أنظر هوسّرل، مقدّمات لمنطق خالص Prolegomena Zur reinen Logik..

9) يريد أنّ الصّورة عند هيوم ماهي إلاّ نفس الصّورة الدّكارتيّة، أي بأنّها محتوى حسّيّ وشيء من الأشياء. وكلّ الفرق بين النّظرتين هو أنّ ديكارت يضع مع الصّورة الفكر، وهيوم يرفعه عن الصّورة أو الانطباع.

الشبح-الطيب
13-08-2004, 08:48 AM
اخى المبدع دائما
القوة المبدعة
موضوع رائع مثل مواضيعك الرائعة دائما
ومجهود كبير جدا تستحق الشكر عليه
جزاك الله عنا كل خير اخى الفاضل
ونفعنا جميعا بعلمك
تحياتى لك

القوة المبدعة
21-05-2005, 03:52 AM
الشيخ الطيب

شكرا لمرورك

الموضوع منقول وليس موضوعي