عرض الإصدار الكامل : الكــف بين الطــــب والتنجيم...


صلاح يوسف
20-07-2004, 09:02 AM
كتب الدكتور عبد المطلب بن احمد السح
استشاري في طب الأطفال وحديثي الولادة
بمجلة المجتمع الكويتية بتاريخ 3 يوليو ‏2004
الكف بين الطب والتنجيم





ابتسم الأب وهو يراني أتأمل أنامل صغيره واقلب كفيه، فبادرته باسماً: "كذب المنجمون ولو صدقوا "،
والحقيقة أن كف الإنسان تنطوي على أسرار كبرى وميزات فريدة وضعها الخالق عز وجل بها، ولذلك لا عجب إن كانت تشتمل بالفعل على مفاتيح للعديد من الحالات والأمراض والمتلازمات التي قد يكون الإنسان مصاباً بها أو قد تعتريه في وقت ما، وربما عرف أدعياء الطب من مشعوذين ومنجمين وغيرهم بعضاً من هذه الأسرار منذ قديم الزمان، واستغلوا ذلك ليمزجوه بخرافاتهم وأكاذيبهم حتى ينخدع الناس بها،

وبمرور الأيام تراكم إرث ثقيل أخذ أسم التنجيم، ولا يزال له بؤر وحتى مدارس في يومنا هذا لأن الحالات التي تعتري النفس البشرية واضطراباتها، وحالات الجسد بين الصحة والمرض وخصوصا عند تعقدها قد تصل بالإنسان لحالة من اليأس فيصبح كالغريق يتعلق بأي " قشة" قد يستشعر بها نجدةً.

التنجيم حراما قطعاً، فبه يأخذ بعض البشر ميزات اختص بها الله سبحانه لنفسه، فعلم الغيب مقصور على الخالق عز وجل، ومعرفة العبد مقصورة على ما يعلمنا إياه الله تعالى، لقد حمَل المنجمون اليد اكثر مما تحتمل فادخلوها في إمكانيات تحديد مستقبل الشخص ومصيره، وعلاقاته الاجتماعية والعاطفية وأحواله النفسية والمزاجية. واحتمالات سعادته أو نكده، وأوضاعه العائلية، وكان الشغل الشاغل في أذهانهم ـ مع علمهم بكذبهم وبطلان أفعالهم تحقيق السطوة والسيطرة الاجتماعية والمعنوية وبالتالي الاقتصادية كمنفذ لسلطة دينية في المحصلة.ولقد استطاع بعض المنجمين التحكم بمجريات حياة بعض المجتمعات والأمم من خلال نفوذهم لدى الحكام وتنفيذ مآربهم عبر ذلك.

تشتمل الكف تشريحيا على جلد وأظافر وعضلات وعظام ومفاصل وأعصاب وعروق دموية على شكل شرايين وأوردة وأوعية شعرية صغيرة، وهذا الكم الهائل من الموجودات وما يتبعه من وظائف عظيمة الكم والتنوع نجدة بوضوح على خريطة الدماغ حيث تتمثل اليد برقعة كبيرة نسبيا تفوق ما تحتله أعضاء أخرى اكبر حجماً من اليد بكثير.

تعتري الكف حالات مرضية عديدة قد تكون موضعية، وقد تكون جزءاً من إصابات معممة، هناك الحالات المكتسبة وهناك الخلقية، وللإصابات أنواعها فهناك الرضية والالتهابية والورمية والوراثية والمناعية والجلدية والاستقلابية والغذائية والسمية والحركية والحسية.. إلى ما هنالك من إصابات يصعب حصرها وتتنوع دراجتها. قد يولد الإنسان بيد واحدة والأسباب مختلفة، وقد يولد ولدية اضطراب بشكل اليد أو اختلاف بعدد الأصابع زيادة أو نقصاناً، وقد كنت اعتبر نفسي محظوظاً لامتلاكي صورة مريض لدية سبعة أصابع " أباخس " في كل قدم من قدميه، وستة أصابع في كل كف، ولكنني وجدت في الأدب الطبي صورة من كان عنده تسعة أصابع في يد واحدة والعاشرة كانت في أعلى فخذه، إن زيادة الأصابع تكثر في حالة متلازمة صبغية " كروموزومية "عديدة، وكذلك قلتها، كما قد تلتصق الأصابع ببعضها في حالات أخرى، وقد يختلف شكل الإصبع في بعض المتلازمان الوراثية كأن تنحني أو يزداد عرضها أو يقصر طولها، والأمثلة كثيرة.

إن الأصابع تصبح طويلة وتدعى بالعنكبية في متلازمة مارفان مثلاً، وتصبح نهايتها وكأنها مضارب الطبل في ألإصابات التنفسية المزمنة والآفات القلبية وحتى الهضمية، وتمثل الأظافر وإصاباتها مدخلاً لحالات عديدة من اضطرابات المناعة واضطرابات جارات الدرق والإصابات الفطرية، أما احمرار اليد فنجدة بالإصابات الكبدية المزمنة وفى حالات زيادة نشاط غدة الدرق التي قد تؤدي لزيادة تعرق الكفين أيضاً، وهذا الأخير يحدث أيضاً في حالات الاكتئاب والقلق والتوتر النفسي ويرافقه في هذه الحالة برودة. وعلى ذكر البرودة فأن طبيب الأطفال الذي يرى اليد باردة وجلد الصدر أو البطن حاراً يعرف أن الحرارة الداخلية للطفل مرتفعة ويبدأ علاجه دون انتظار قياس الحرارة.

إن زرقة اليدين تشير للبرودة الشديدة أو لنقص في دورة الدم أو لنقص بالأكسجين، وهذا له أسبابه العديدة القلبية والدموية والدورانية، ومن أمراض القلب الالتهابية كالتهاب الشغاف ما يكون لها علاماته اليدوي من طفح وعقد وغير ذلك.
أما الحالات الجلدية وما أكثرها فاليد مسرح لها، هناك البهاق الذي يزول لون الجلد الطبيعي فيه ويصير على شكل بقع، وهو من الحالات التي تشغل بال الكثيرين رغم عدم عدواه للغير، على عكس الجرب، ذلك الذي تعشق القارمة الجربية التي تسببه ما بين الأصابع لتحفر فيها الإنفاق وتثير حكة لا مثيلا لها، وعدواه شديدة، وقد تحدث باليد التهابات جرثومية أو فطرية أو فيروسية أو سمية أو تحسسيه عديدة، ولعل الاكزيما لا يوجد شخص إلا يعرفها.
أما متلازمة اليد والقدم والفم فهي إصابة يعرفها أبناء المهنة، وسببها فيروس من فيروسات كوكساكي عادة، بينما متلازمة اليد والقدم "دون الفم" فتحدث في تكسر الكريات المنجلي الشائع.
قد تضمر عضلات اليد في أمراض النخاع الشوكي وإصابات الأعصاب واعتلالات العضلات، وقد تتورم المفاصل وتؤلم، وإصابة البعيدة منها تشير عادة لتآكل الغضاريف وحالات النقرس"داء الملوك"والصدفية، أما القريبة فتسمى الروماتيزم عادة. قد تتعرض اليد لجروح وعضات وواخزات ولدغات وحروق، وقد يكون لبعض ذلك تأثيراته المستقبلية، كما قد تتأثر اليد من اضطرا بات التغذية وبعض حالات نقص الفيتامينات، ويبقى ببالنا أن حالات فقر الدم والشحوب المرافق له واليرقان بأسبابها المختلفة كلها تظهر على اليد.

إن خطوط اليد تصبح داكنة في داء أديسون الذي هو عبارة عن قصور بالغدة الكظرية، وقد تختفي التجاعيد ويلتصق الجلد بما تحته في حالات تصلب الجلد.
إن خطوط اليد الكبيرة والدقيقة هي روائع ولوحات فنية بالفعل، وتعطي الكف لمسة خاصة من الجمال والخصوصية، ولها أشكالها وأنواعها الطبيعية وغير الطبيعية، وتشكل البصمة جزءاً منها، ولا يتشابه بالبصمة اثنان. ولذلك اعتمد عليها الطب الشرعي تقليدياً، وهناك مدارس لطرق عد ودراسة الخطوط.

لقد نسج خيال الإنسان كثيراً من القصص حول الخطوط التي تقسم راحة الكف، فلو قرأنا الكف اليسرى بالأرقام المتداولة لدينا لوجدناها وكأنها الرقم "81" واليمنى وكأنها الرقم "18" وبجمع الرقمين نحصل على رقم 99 وبطرحهما نحصل على رقم 63 وقد استغل البعض حتى هذه النقطة لتوافق الأولى مع أسماء الله الحسنى والثانية مع عمر النبي (ص) عند وفاته.
قد يصبح الخطآن البعيدان الكبيران خطاً واحداً يسمى الوحيد أو السيامي، ويكثر ذلك في العديد من المتلازمات الوراثية والصبغية ومنها متلازمة داون "المنغولية" وقد يوجد عند إنسان طبيعي، وما زلت أذكر صديقاً درس الطب معنا وتخصص في طب الأطفال أيضا وكنا ندعوه "أبا أطفال المتلازمة داون" كون كفة كانت تشبه كفوفهم. لقد اهتم الطب بأنواعه وتخصصاته باليد ذلك الكتاب المفتوح، وقد أولتها بعض مدارسه كالكب الصيني أهمية خاصة، وصارت ليس فقط مدخلا للتشخيص بل بوابة للعلاج أيضاً.
وختاماً لا أنسى أن أقول إنه بالإضافة إلى وظائف اليد السامية المعروفة، فهي العين التي يقرأ بها الكفيف لغة "برايل".