عرض الإصدار الكامل : الاثـــــم .. التوبــــة .. الصبــر


لمياء الجلاهمة
15-06-2004, 08:34 AM
الإثــــــــــم


الإثــــــــم انهيار داخلي... ونوع من مخالفة الفطرة السليمة ومناقضتها... والذي يقع في الإثم شخص مسكين نكد الحظ استسلم للشيطان بكل قابلياته وبكل ملكاته الروحية، وترك نفسه لعذاب الضمير ولوخزات القلب. فإن استمر في اقتراف الإثم نفسه، فهذا يعني أنه ترك حبل نفسه على غاربها، ولم تعد لديه أي إرادة، ولا أي مقاومة، ولا أي قدرة لتجديد نفسه.

الإثــــــــم ليس إلا صفعة على وجه الإرادة، وزقوم أُشرِبه الروح. وما أحط الإنسان الذي يتلذذ بالإثم! وما أكثر تسيب الإنسان الذي دمّر بالإثم روحه!..

الإثــــــــم عاصفة هوجاء تطفئ جميع الاستعدادات والمشاعر السامية المهداة للإنسان، ودخان سامّ يحيط بحياته القلبية من جميع جوانبها‏. فمن تعرض لهذه العاصفة جف وذبل، ومن تعرض لهذا الدخان اختنق ومات.

ما أن يدخل الإنسان في دائرة الإثم حتى تنقلب لديه المقاييس والموازين. فكما يكون مصير الطائرة التي لا تحسب حسابا للجاذبية الأرضية وللقوانين الفطرية هو السقوط والارتطام بالأرض، كذلك الأمر بالنسبة لمن يلج بيئة عفنة منعتها يد الحكمة.

وعندما قام آدم عليه السلام بفتح مثل هذه الثغرة في حياته الشخصية، لم يستطع تجاوزها إلا بسيول من الدموع التي لو جمعتها لكانت بحرا. أما الشيطان فلم يستطع الخلاص من بئر الإثم التي وقع فيها رأسا على عقب، فكان الهلاك مصيره.

كم من شاب أهيف كغصن البان،
وكم من أميرة وردية الخدّ،
وكم من سلطان عظيم،
وكم من صاحب تاج كبير...

كم من هؤلاء فتح بخطوة واحدة أشرعته لبحار الإثم ولكنهم لم يستطيعوا الرجوع أو العودة من سفرهم هذا أبدا. فالإثم يسري في الإنسان رويدا رويدا... ويداعب هواه كنسيم ويلاعبه، يتربع هناك على عرش قلبه. ثم يتحكم بمشاعر الإنسان تحكما لا يستطيع الخلاص من قبضته إلا صاحب إرادة قوية، وبعناية من السماء. والأسوأ من هذا أن المرء عندما يمخر عباب الإثم يبتعد عن نفسه وينأى عنها إلى درجة أنه لا يشعر ولا يدرك مدى التغير الذي أصابه، ولا يسمع، ولا يلتفت إلى صراخ روحه، أي أن عالم الحس وعالم القلب عنده أصبح هامدا متبلدا لا ينبض بأي حركة.

الإثــــــم متكومة على الطريق الذي يسلكه الإنسان، وهي تترقبه وتترصده مثل حية رقطاء. ومع أنه من الممكن التخلص من إحداها، ولكن من الصعب عليه التخلص منها جميعا وعدم التورط فيها وهو يواصل سيره في طريقه، فهذا يحتاج إلى إرادة من فولاذ. وإلا كان هذا شبيها بسيارة قد تعطل فيها مقسم السرعات، وتريد منها أن تجتاز بك الطرق الملتوية الوعرة للجبال الشم. فمصير مثل هذه السيارة أنها تستقر في حفرة من الحفر أو في قاع واد من الوديان.

الإثم أنواع مختلفة، في مقدمتها -كما أخبرنا بها الصادق المصدوق- هذه السلسلة من الآثام التي تقشعر منها الأبدان: أن تشرك بالله، أو أن تقتل نفسا بغير حق، أو أن تعق والديك، أو أن تدلي بشهادة زور، أو أن تفر من الزحف، أو أن ترمي المحصنات من النساء... الخ.

تعد هذه الآثام انحرافات كبيرة في عالم الفكر وفي العالم الداخلي للإنسان وفي العائلة والمجتمع. فإن لم تتخذ التدابير للحيلولة دونها في أوانها المناسب انهارت العائلة والمجتمع

لمياء الجلاهمة
15-06-2004, 08:37 AM
التوبــــــــة



التوبــــــــة هي تجديد المرء لنفسه، ونوع من التعمير والإصلاح الداخلي، أي إعادة للتوازن القلبي الذي اختل نتيجة الأفكار ‏والتصرفات المنحرفة، أو بالأصح هي فرار من الحق تعالى إلى الحق تعالى، أو هي انتقال من غضبه إلى لطفه، ولجوء من حسابه ‏ومؤاخذته إلى رحمته وعنايته.‏

ويمكن تعريف التوبــــــــةأيضا بأنها محاسبة للذات تحت وطأة شعور الإثم. أي قيام الذات والإرادة بالوقوف كالجبل الأشم تجاه ‏النفس التي تريد أن تحيا حياة غير مسؤولة، وتجاه الإثم وعدم إفساح المجال له.‏

فإن كان الإثم تدحرج غير متوازن في حفرة، فالتوبة –حسب مقتضياتها- قفزة آنية للخروج منها.

وبتعبير آخر إن كان الإثم ‏جرحا في الروح ناتجا عن سهو مؤقت للضمير عن المراقبة، فالتوبة هي وقوع القلب في عذاب دائم، وبدء بمراقبة جدية وبسيطرة ‏حازمة على النفس، مما تكسب المشاعر الإنسانية قوة وعزما جديدين.‏

ولما كان الإثم ناتجا عن تحكم الشيطان وبتأثير من النفس، فالتوبة هي دفاع المشاعر ضد الشيطان، وجهدها في علاج عدم ‏التوازن الذي حدث في الروح.‏

تقوم التوبــــــــة-بعكس الإثم الذي يؤدي إلى تآكل الروح وتعريتها- بتزيين جوانب القلب وفرش الزهور فيها بـ"الكلمة الطيبة" -‏التي هي أجمل الكلمات والأفكار وأعذبها- والوقوف أمام جميع التخريبات والتآكلات والحيلولة دونها.

فكم تكون محاولة التوبــــــــة التي ‏تحرك القلوب مبجلة قبل أن يأتي اليوم الذي تشخص فيه الأبصار وتبلغ فيه القلوب الحناجر. فكم نتمنى الوصول إلى المستوى الذي ‏نستطيع فيه بدموعنا المسكوبة تعمير وسد كل ثغرة يفتحها الإثم في قلوبنا.‏

أجل!..التوبــــــــةعنوان للرجوع الرجولي، وبخلافه يكون كل كلمة باطلة، وكل تصرف خداعا. لأنه إن لم يتم تلافي ما فات، ‏ولم تسد ثغرات الإثم التي أحدثت ندوباً في بعض مساحات الزمن، فادعاء الندم على الذنوب التي ارتُكبت دون أي دمع في العين ‏ودون أي رجفة في المشاعر، ودون أي ألم في الروح ادعاء فارغ وبعيد عن القبول.‏

لمياء الجلاهمة
15-06-2004, 08:42 AM
الصبــــــــر



الصبــــــــر أساس مهم من أسس السمو إلى الفضيلة، وهو انتصار للإرادة. وعند غيابه لا يمكن توقع تهذيب الروح، ولا العلو ‏للوصول إلى أسرار الذات.
الصبــــــــر يتخلص المرء من الارتباط بالتراب وباللحم وبالعظم، ويكون من السعداء المرشحين للوصول إلى ‏عوالم عليا.

فإن كان الصبــــــــر ممرا ضيقا، وقمة عالية صعبة الاجتياز إلى سلطنة عوالم ما وراء الأفق، فإن جندي الحق الذي عشق تلك ‏العوالم وتوله بها حبا ووجدا هو البطل الذي يتحدى هذه الممرات الصعبة وتلك القمم العالية، ويراها سهولا منبسطة سهلة ‏الاجتياز.‏

الصبــــــــر هو شعور المرء بالتناغم الموجود في ثنايا الفطرة وفهمه وتقليده. أجل!.. إنه جهد لفهم لغة الأشياء والحوادث، ودخول ‏في حوار معها. وما أجلّ الذين يبدون صبرا وثباتا في سبيل إدراك هذه اللغة ومعرفتها، ثم يقومون بتأسيس جسر بين تصرفاتهم ‏وسلوكهم وبين الحوادث المتدفقة عبر سيل الزمن للتوحد مع الطبيعة! وما أسمى هذه الموسيقى الإلهية التي يترنم بها الكون! وما أسمى ‏الإحساس بهذا التناغم ورؤيته، وما أسطع هذه الرؤية!‏

الصبــــــــر هو فهم لفعل الزمن وصروفه وتأثيره في الأشياء، وإدراك أن الزمن يأخذ الحوادث ويلوكها بين أسنانه الحادة ويفتتها ‏ويطحنها، ويقلبها من حال إلى حال، ومن شكل إلى شكل.
والذين يعرفون كيف يكونون فولاذا في أحيان وجليدا في أحيان ‏أخرى حيال هذه الإذابة الصامتة للزمن، يستطيعون الوصول إلى بعد آخر في خط جريان الزمن فيتخلصون من العدم. ومن لم ‏يستطع إدراك هذا عصرته يد الزمن.‏

أجل!.. إن الفطرة تقوم بكسر أرجل الذين لا يعرفونها ولا ينظمون سيرهم حسب قواعدها، وتسحق أرواحهم. بينما تكون ‏لينة كالشمع في أيدي الذين يعرفونها، ويتناغمون مع روحها في سلوكهم وحركاتهم وسكناتهم، ويكسبونها لحنا داوديا

من كتابات المفكر الاسلامي فتح الله كولن