Bateau Ivre
26-05-2004, 10:32 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
بما أنّ بيكاسو هو طالب في الحقوق. فقد أحببتُ أن آتيكم بهذا البحث عن موجبي الاعلام والاستعلام. وأنا ما زلتُ في السنة الثانية. فادعوا لي بالنجاح.
- -
الفهرس
مقدمة
القسم الأول: موجب الإعلام
الفصل الأول: حسن نية المشتري
المبحث الأول: جهل وجود العيب.
المبحث الثاني: جهل مبرر.
المبحث الثالث: التمييز بين موجب الإعلام وموجب المشورة الفنية.
المبحث الرابع: جزاء الإخلال بموجب الإعلام.
المبحث الخامس: موقف القانون اللبناني.
الفصل الثاني: بائع سيء النية.
المبحث الأول: التذرع بخلو المبيع من العيب
المبحث الثاني: إخفاء العيب غشاً.
القسم الثاني: موجب الاستعلام.
الفصل الأول: صفة المشتري.
المبحث الأول: المشتري العرضي.
المبحث الثاني: المشتري المهني.
الفصل الثاني: طبيعة المبيع.
المبحث الأول: الأشياء المستعملة.
المبحث الثاني: الأشياء الخطرة.
المبحث الثالث: أثر الإخلال بموجب الاستعلام.
المبحث الرابع: موقف المشرع.
الخاتمة: أثر الإخلال بموجب الإعلام والاستعلام.
مقدمة
على أثر التطور الكبير الذي حصل في التعامل الاقتصادي والمالي بين الناس وبروز سلع ووسائل إنتاج متشعّبة ودقيقة تتطلّب خبرة فنيّة متقدّمة لدى المستهلكين. برز موجبا الإعلام والاستعلام. ذلكَ كانَ للمحافظة على التوازن المالي في العقود المُبْرَمة.
يترتّب موجب الإعلام على عاتق الممتهن تجاه المستهلك العادي تحت طائلة المسؤولية المدنية أو حتى الجزائية بما إذا أحدث الشيء المُباع ضرراً للمستهلك نتيجة عدم إعلامه بكيفية استعمال الشيء أو بمضارّه. أو بتدابير الوقاية والصيانة الواجبة.
فمن يمتلك وضوحَ الرؤية أكثر في شأن العقد والالتزامات المترتبة، عليه أن ينقلَ ذلك إلى المعاقد الآخر كي يقبل الطرفان على العقد بوعي تام للحقوق والواجبات المترتبة عليه.
إنّ حدود موجب الإعلام تنتهي حين تبدأ تلك الخاصة بموجب الاستعلام. باعتبار أنه يتوجب على الشاري الاستعلام عن كافة مواصفات موضوع الموجب ومضاره. ولا يحدّ من ذلك سوى عدم خبرته أو معرفته بصورة مشروعة.
فيتوجب على المشتري الاستعانة بخبير للإطلاع المهني على السلعة موضوع الشراء. ويُعتبر مقصّراً إذا لم يلجأ لذلك. كما ينشأ على عاتق البائع موجب إعلام الشاري بدقائق السلعة المباعة. بمواصفاتِها وإمكانيّاتِها. بطرق استعمالها وصيانتها. إذا امتنع عن ذلك تترتب عليه المسؤولية التي قد تؤدي إما إلى إبطال العقد لعلى لعيب الغلط أو إلى التعويض عن الأضرار اللاحقة بالشاري. فضلاً عن ترتّب هذا الموجب على عاتق الممتهن تجاه غير الممتهن وحتى أيضاً تجاه ممتهن آخر.
ونظراً لأهمية الموجبين لسلامة العقد وصحته سنخصّ موجبَ الإعلام المُلقَى على عاتق البائع بقسم مستقلّ عن القسم الخاصّ بموجب الاستعلام.
- - - - -
القسم الأول: موجب الإعلام
يقوم موجب الإعلام على مبدأ حسن النيّة والاستقامة في التعامل. بحيثُ يكونُ كلُّ فريق في العقد على بيّنة بما التزم به وبما وعد به، وأنّ ما وُعِدَ به كان مطابقاً لما ينتظره من منفعة.
وقد جاء في قرار حديث لمحكمة التمييز الفرنسية اعتبرتْ بموجبه أنّ امتناع متعهّد بيع شقق عن إعلام المشتري بالأخطاء التي وقع فيها المهندس ممّا حمله على سدِّ نافذتين في البناء يشكّل خرقاً لموجب الإعلام ولمبدأ تنفيذ العقود وفقاً لحسن النيّة ممّا يرتّب مسؤولية عليه من الأضرار اللاحقة بالمشتري منها تفويت الفرصة عليه لشراء شقة أخرى يتناسب ثمنها في ذلك الوقت مع إمكانياته المالية واستفادته من التسهيلات الضريبية المقرّرة في حينه.
“… La venderesse aurait du premier les reservataires lors de la decouverte de l’erreur de conception de l’architecte, origine des suppressions des fenetres et avait manqué a son obligation de renseignement et d’exucution de bonne foi du contrat… cette faute, retardant l’escercuce du droit de retard des reservataires, leur avait fait perdre une chance de mise en œuvre d’un nouveau projet compatible a l’evoque avec leurs disponibilites financieres et un fiscalite avantagueuse »(1)
ويعود مصدر موجب الإعلام "إلى التفاوت الحاصل بين المتعاقدين لجهة المعلومات عن موضوع التعاقد لا سيّما بين أصحاب المهن أو المنتجين من جهة والمستهلكين من جهة أخرى"(2)
_________
(1): cass. Civ. 3ch 17 nov. 1993. D. 1993. IR-259.
(2): القانون المدني. د. مصطفى العوجي. ج. 1. ص. 175.
فالسلع المنتجة من التشعّب والدقّة ما يتطلّب خبرة فنية كبيرة لا تتوفّر لدى معظم الشارين مما يرتب على عاتق البائع موجب إعلام الشاري عن كافة مواصفات موضوع التعاقد.
والجدير بالذكر أنّ العيب الموجب للضمان يجب أن يكون خفياً، بحيث أنّ البائع لا يضمن العيوب التي كان بمقدور معاقده كشفها. لأنّ العيب هو الذي يجب أن يكون خفياً لا أن يكون المشتري مغفلاً.
C’est le vice qui doit etre coche et non l’archeteur aveugle » (1)
ويمكننا أن نقسم البحث في مجال موجب الإعلام، آخذينَ بعين الاعتبار حسن نيّة المشتري من جهة. وسوء نية البائع من جهة أخرى.
______
(2): Zerah . Page 343.
الفصل الأول: حسن نية المشتري
اعتبر البعض أنّ كونَ العيب غير معلوم من المشتري هو شرط قائم بذاته مستقلّ عن شرط خفاء العيب (1). في حين أنّ فريقاً ثانياً يرى أنّ ذلك لا يشكّ شرطاً مستقلاً، إنما يجب إيراده ضمن شرط الخفاء على أساس أنّ علم المشتري بالعيب يجعله ظاهراً فلا يصدق عليه بالتالي وصف الخفاء (2). بينما الفريق الثالث يرى أنّ شرط العلم بالعيب يندمج بشرط الخفاء (3). ولا يتوجب مثل هذا الشرط، أي شرط العلم بالعيب المتميز عن الخفاء في العيب المقصود به تخلق الصفة التي كفل البائع للمشتري وجودها في المبيع لأنه يُفترض بالمشتري في هذه الحالة أن يجهل تخلف الصفة. ولذا كفل البائع له وجودها. وفي حال كان المشتري عالماً بهذا التخلّف، فعلمُهُ هنا يكون محوطاً بالغشّ وإلاّ لما كان اشترط كفالة وجود تلك الصفة (4)
وعل كُلِّ حال، فإنّ الشرط يفترض في طيّاته جهلَ وجود العيب من قبل المشتري ومشروعيّة هذا الجهل.
_________
(1) الوسيط السنهوري. ج. 4. ص. 727. فِقْرَة: 3685.
(2) جميل الشرقاوي. عقد البيع. ص. 279 و 280 فقرة 712.
(3) أسعد دياب. ضمان عيوب المبيع الخفيّة. ص. 100.
(4) منصور مصطفى منصور. مجلة العلوم القانونية والاقتصادية. سنة 1959. ص. 582.
المبحث الأول: جهل وجود العيب
إذا أقدم المشتري على الشراء برغم علمه بوجود العيب، فلا يستحقّ الضمان. لأنه يكون قد وافق ضمناً على التنازل عن هذا الضمان، معتبراً أنّ العيب لا يؤثر على استعمال المبيع.
أما في حال لم يعلم المشتري بمدى تأثير العيب على استعمال الشيء، يبقى الضمان له. وهذا تكريس للوجه الوظيفي للعيب. في هذه الحالة (جهل وجود العيب من قبل المشتري) يترتّب على البائع موجب الإعلام.
وبقدر ما يكون الشاري جاهلاً بوجود العيب، فإنه لا يعود – تجاه البائع الممتهن – من موجب استعلام على الشاري أو المستهلك كشرط لقيام موجب الإعلام على المدين به.
“Le profane n’a pas a verifier les informations fournies par le professional, ni a s’en enquerir par lui meme l’impossiblite de se renseigner n’est plus exigee comme condition de l’obligation du debiteur. La croyance legitime y supplee, car face au professionnel, le profane est presume ignprant ».(1)
وكل انفاق موجود عيب لا يمتد ليشمل عيوباً أخرى ظهرت لاحقاً. كما أن إعلان البائع عن عيب محدد لإبطال مفعوله عيوباً أخرى لم تكن ظاهرة.
أما عندما يتعلّق الأمر بوجود مؤشرات خارجية يعلمها الشاري. ومن شأن هذا الوجود أن يستتبع قيام عيوب معينة في المبيع لوجود صلة محتملة وليست أكيدة بين تلك المؤشرات وهذه العيوب. فإنّ الاجتهاد وقف في هذا المجال موقفاً مساعداً للمشتري، فاعتبر أنّ الاستنتاج بوجود العيب ليس حتمياً. ولذا، يُعتبر هذا العيب خفيّاً ويرتّب على عاتق البائع موجب الإعلام.
وجهل وجود العيب من قبل الشاري أو المستهلك يُفترض أن يكون جهلاً مُبَرّراً.
المبحث الثاني: الجهل المبرّر
لا يكون العيب مجهولاً بمجرد عدم كشفه من قبل الشاري. فعلى هذا الأخير أن يعرف العيوب العلنية والمُتوَقّعة. (1)
فبقدر ما تكون عدم معرفته بالعيب مشروعة بقدر ما يتنامى موجب الإعلام بين البائع والشاري.
“Celui qui detient, au doit chercher une information, n’a l’obligation de la transmettre a celui qui l’ignore, et aurait cependant interet. A la connaître, que si cette ignorance est non seulement reelle mais legitime ». (2)
فبالنسبة إلى العيوب العلنية كقيود السجل العقاري، فهي لا ترتب موجب الإعلام على عاتق البائع. ولا يمكن للمشتري التذرّع بعدم معرفتها للمطالبة بالضمان. كما أنّ هنالك بعض العيوب المُتعارف عليها في بعض البضائع. هذه العيوب لا ترتب موجب الإعلام على عاتق البائع لأنها ولو لم تكن ظاهرة فهي بمثابة الظاهر.
“Le vice cache dont se trouve affecte une certaine marchandise, lorsqu’il est notaire sur la place, de commerce ou s’en fait l’importation, doit etre assimile a un vice apparent, en ce sens que meme dans le cas ou il n’a pas ete declare, il ne peut servir de fondement a une action redhibitoire ». (3)
وهناك بعض الحالات يُعتبر جهل العيب فيها مُبرّراً برغم أنّ العيب هو ظاهر. وذلك بالنظر للظروف التي تحيط بالمبيع والتي تجعل من المستحيل كشف العيب فيه. وهذه الحالات تلقي على عاتق البائع موجب الإعلام.
هذا بالنسبة للعيوب العلنية. أما فيما يخص العيوب العيوب المتوقّعة فيرجع تقدير وجود العيب إلى عناصر وظروف العقد كمقدار الثمن أو نوعيّة البضاعة.
فالبائع ملزَم بإعلام الشاري عن كافة المواصفات والعيوب التي يتضمنها المبيع في حال كان الثمن المدفوع مرتفعاً، فمن حقّ المشتري أن يتوقّع حيازة مبيع سالم من العيوب. (1)
“Qui paye bien est bien servir ».
من يدفع جيداً يُخدَم جيداً.
المبحث الثالث: التمييز بين موجب الإعلام والمشورة الفنية
يقتضي التمييز بين موجب الإعلام وموجب المشورة الفنية. فالأول يشكّل موجباً عاماً على عاتق الممتهن تجاه المستهلك العادي بينما الموجب الثاني ناتج عن تعاقد حاصل بين الطرفين يتعهّد بموجبه البائع أن يسريَ المشورة الفنية للشاري، فيساعده على فهم الوضع الفني الناتج عن تعاقده. كما أنّ موجب المشورة يقع على عاتق من يقدم بوظيفة معينة ككاتب العدل تجاه من يعقده لإجراء عقد أو عمل قانوني معيناً أو من يقوم بنشاط مهني كالطبيب والمهندس حيث يترتّب على كُلٍّ منهم موجب إعطاء الإرشاد واللازم الضامن لسلامة الشخص في نفسه أو ملكه. حتى إذا أخلّ بموجب الإعلام المفروض عليه بحكم مهنته وعلاقته بمن يتعامل معه، شكّل ذلكَ خطأ مرتباً للمسؤولية حتى الجزائيّة أحياناً.
المبحث الرابع: جزاء الإخلال بموجب الإعلام
يشكّل الإخلال بموجب الإعلام خطأً يرتّب مسؤوليّة تقصيريّة على عاتق المدين به أي الملزم به. ويكون الجزاء إما إبطال العقد على مسؤوليته وتحميله العطل والضرر وردّ الشيء المُباع للبائع. أو اكتفاء الشاري بالمطالبة بالعطل والضرر عن النقص بالانتفاع أو عن أيّ ضرر آخر ناتج عن عدم إعلامه بمواصفات الشيء.
وفي حال إبطال العقد للغلط أو الخداع الحاصل نتيجة للإخلال بموجب الإعلام الذي لو حصلَ لما تعاقدَ الطرف الآخر، يحقّ للمتضرّر المطالبة بالعطل والضرر بالاستناد للمسؤولية التقصيريّة، لأنّ المعاقد الآخر ارتكب خطأً تجاهه بل أخفى عنه واقعة لو علم بها الشاري لما تعاقد.
وتتشدّد المحاكم في إقامة المسؤولية التقصيريّة على عاتق من كتم المعلومات بالنظر إلى النتائج التي تترتّب عليها إذ أنّ سهولة قبول دعاوى الإبطال نتيجة كتم المعلومات تؤدي إلى عدم استقرار التعامل التجاري. كذلك كي يبطل العقد يجب إثبات اتجاه نية من كتم المعلومات إلى خداع المعاقد الآخر.
المبحث الخامس: موقف القانون اللبناني
لم يلحظ القانون اللبناني كتم المعلومات عن المعاقد الآخر أي الإخلال بموجب الإعلام الذي تفرضه طبيعة التعامل كسبب لبطلان العقد. ولكن إعمال المبادئ القانونية يؤدي إلى اعتبار الكتمان خداعاً إذا كان حاصلاً عن قصد بُغْيَةَ إيقاع الطرف الآخر بالغلط، وجعله يتعاقد. عندها يُعتبَرُ من الأعمال الخداعية المؤدية إلى بطلان العقد.
ولكن يجب التمييز بين الكتمان العقدي المؤدي إلى غلط الضامن أو خداعه وبين الجهالة المشروعة بالخطر. الخطر الذي لم يكن بالإمكان الوقوف عليه. (1)
خلاصة:
إنّ موجب الإعلام يشكّل أحدَ عناصر التفاوض عن حسن نيّة. إذ يترتب على مَن يمتلك معلومات عن موضوع العقد المُزْمَع إبرامُه أن يلقيَ الضوء عليه حتى يكونَ الطرفان على بيّنة مما هما مقبلان عليه من التزامات ومن منافع يعوّلان عليه. ومن الملاحظ أنّ البطلان للغلط أو الخداع مصدره تصرّف خاطئ، فيُعتبر أنّ سلامةَ العقد رهنٌ بسلامة المفاوضات. وأحد مقوّمات هذه السلامة المحافظةُ على الثقةِ المُتبادَلة بين المفاوضين، والاستقامة في التعامل وحسن النية.
الفصل الثاني: بائع سيّء النية
يكون البائع مسؤولاً عن العيوب العلنية والمتوقَّعة التي كان من السهل على المشتري معرفتها. ذلكَ إذا كانَ البائع قد صرّح بخُلُوّ المبيع من هذه العيوب. أو أنه قد أخفى غِشّاً. هذا ما نصّتْ عليه م. 46 من قانون م. و ع. في فِقْرَتِها الثانية على أنّ البائع "يكون مسؤولاً حتى عن العيوب التي كان من السهل على المشتري أن يعرفَها إذا كانَ قد صرّح البائع بخلوّ المبيع منها". وأضاف القانون المصري وكذلك السوري حالة إخفاء العيب غِشاً.
المبحث الأول: التصريح بخلو المبيع من العيب
تقتصر هذه الحالة على العيب الذي كان من السهل على المشتري معرفته دون حالة ما إذا كان قد علم بالعيب. ولهذا فإذا كان المشتري عالماً بالعيب لكن البائع صرّح له بخلو المبيع منه، فلا يكون له أن يرجع عليه بالضمان.
أما إذا كان من السهل على المشتري اكتشاف العيب لو قام بفصحه بطريقة عادية ولم يفعلْ، وأكّد له البائع خلوه من العيب فيقوم الضمان. ذلكَ لأنّ عدمَ ضمان العيب الظاهر يرتكز أساساً على كون المشتري قد قصّر بعدم فحصه المبيعَ بعناية الرجل العادي. فضلاً عن أنّ البائع له أن يطمئنّ إلى أنّ المشتري قد أدخل العيب في تقديره عند الشراء.
لكنْ، إذا أكد البائع للمشتري خلو المبيع من العيب، فيكونُ المشتري قد اطمأنّ إلى ذلك وليس للبائع أن يأخذ عليه عدم فحصه اعتماداً على هذا التأكيد (1)
وتصريح البائع في هذه الحالة بخلو المبيع من العيب يُعتبر بمثابة اتفاق ضِمْنِي على تحمّله العيب الذي صرّح بخلوّ المبيع منه.
ولا بُدّ أخيراً من الإشادة بأنه لا يُكتفى من البائع مجرّدُ تصريح عامّ حول سلامة المبيع كما يفعل التُجّار عادة لترويج بضاعتهم. إنما يجب تأكيد هذه الواقعة بعبارة صريحة وقاطعة (2)
المبحث الثاني: إخفاء العيب غِشّاً
هذه الحالة توازي حالة الكتمان الخادع. فالبائع يتحمّل مسؤولية العقد إذا أخفى العيب الموجود في المبيع أو كتم لمعلومات هامّة تتعلّق به وتؤدّي – لو علمَ بها الشاري – إلى عدم التعاقد.
إذا أمكنَ للمشتري إثبات أنّ البائع قد تعمّد إخفاء العيب غِشاً كما لو كان في جزء من السيارة كسر "ملحوم" تعمّد البائع إخفاء "اللحام" فيه بطلاء كي لا يتبيّنَهُ المشتري. أوانَذاك للمشتري الحقّ بالضمان ولو كان العيب مما يمكن كشفُه. إذ حينَ الموازنة بين مصلحة مَن يرتكب الغِشّ ومصلحة المهمل، يجب إهدار الأولى في سبيل الثانية (3)
القسم الثاني: موجب الاستعلام
إنّ حدود موجب الإعلام تقف عند موجب الاستعلام المفروض على كلّ متعاقد. لأنّ القانون لا يحمي المُهْمِل لمصالحه متى كان راشداً وذا أهليّة للتعاقد والالتزام. فالإنسان مسؤولٌ عن تصرّفاته. (1)
وإذا كانت المعرفة مُفْتَرَضة لدى المدين بموجب الإعلام، فإنها تفترض عدم توافرها لدى الدائن بهذا الموجب. لذلك يُلْقَى على عاتق الشاري موجبُ الاستعلام عن كافة مواصفات وعيوب المبيع ممّن يملكه.
“ L’inhabilite et l’inexperience de l’acheteur ne permettent pas de considerer comme cache quant a lui, un defaut qu’aurait apercu une personne plus competente, celui qui n’a pas les connaissances necessaires pour apprecier la chose qu’il veut acheter doit demander le concours de gens capables » (2)
ويحدّ من موجب الاستعلام المُلقى على عاتق الشاري كون عدم معرفته مشروعة ومُبرّرة. أما إذا كانت عدم المعرفة هذه ناتجة عن خِفّة وإهمال منه فإنه في هذه الحالة يتحمّل مسؤولية إهماله هذا.
“Le Contractant qui s’est trompe parce qu’il a ete credule ou negligent dans ses verifications ne doit s’en prendre qu’a lui meme” (3)
لذلكَ نستبعدُ مسؤولية البائع عن العيوب الظاهرة. وتلكَ التي سبق للمشتري أن عرفَها أو كانَ من السهل عليه أن يعرفَها. وبالتالي، يكون إهماله حائلاً دون مطالبته بضمان هذه العيوب. والعيب الظاهر هُوَ الذي يظهر للمراقب العادي فيما إذا أمعنَ النظر.
الفصل الأول: صفة المشتري
تختلف صفة العيب خفاءً أو ظهوراً باختلاف صفة المشتري بين أن يكون رجلاً عادلاً أو مهنياً. فلا يستطيع الشاري التذرّع بعدم معرفته بالشيء أو بمواصفاته أو بفاعليته طالما أن هذا الشيء يقع ضمن مهنته أو اختصاصه (1)
وبالمقابل يتنافى موجب الاستعلام بقدْر ما يكون الشاري جاهلاً بتلك المواصفات والفاعليّة.
على أية حال سنميّز بين المشتري العرضي والآخر المهني.
المبحث الأول: المشتري العرضي
إنّ العيبَ يكونُ خفياً على المشتري العرَضي حينَ لا يتّضح إلا لذي خبرة يلجأ إلى تجاربَ خاصّة. أما إذا كان يقدر على كشفه ضمن مؤهلاته العادية فلا يُعتبَر خفياً.
وفي حال عيب الخفيّ يقع على عاتق الشاري موجبُ الاستعلام. فيكون من واجب الشخص العادي أن يلجأ إلى أهل الخبرة لكشف العيب حين لا تتوفّر فيه المزايا والمؤهلات الكافية التي تمكّنه من كشفه في حال وجوده.
إذاً، يتوجّبُ على الشاري الاستعانة بخبير لفحص المبيع. هذا ويُعْتَبَرُ مقصّراً إذا لم يلجأ لذلك (المعونة). (2)
فإذا أرادَ المشتري العرَضي (غير الممتهن) شراءَ بناء، فعليه الاستعانة بمهندس معماري قادر على كشف عيوب البناء.
كذلكَ مَن يشتري سيارة، يَصْعُبُ عليه معرفة حقيقة وضعها، عليه الاستعانة بخبير سيارات.
فاللجوء إلى الخِيْرَة (سؤال العالم) والاستعلام يضعفُ وجوبُه بقدْر ما يكونُ الشاري عرَضياً غيرَ ممتهن.
فعدم الخبرة أو الحداقة أو قلة الامتهان لدى الشاري لا تبرّر اعتبار العيب خفياً بالنسبة إليه، إذا كان بمقدور آخر اكتشافه. ذلكَ بالنظر لمواهبَ يتمتع بها. وفي حال عدم توفّر هذه المعارف لديه، عليه أن يستعينَ بمَن يملكها.
“L’inhabilite et l’inexperience de l’achteur ne permettent pas de considerer comme cache quant a lui, un defaut qu’aurait apercu une personne plus competente, celui qui n’a pas les connaissances necessaires pour apprecier la chose qu’il veut acheter doit demander le concours de gens capables » (1)
المبحث الثاني: المشتري المهني
إنّ الشاري الممتهن لا يستطيع التذرّع بعدم معرفته بالشيء. بالأخصّ إذا كان في دائرة مهنته واختصاصه، فلا يسعُهُ ادّعاء وجود عيب خفيّ كانَ من المفترض فيه أن يعرفَهُ نتيجةَ خبرته في مهنته برَغْمِ أنّ كشفه على الرجل العادي وقرينة المعرفة لا تسري إلاّ على من يشتري ما يدخل ضمن اختصاصه ونطاق مهنته. لأنّ العيب لا يمكن أن يخفى على خبرته الفنية (2)
هذه القرينة ليست قاطعة. إنما، هي بسيطة ويمكن إثبات عكسها باعتبار أنّ أيّ مشترٍ مهنيٍّ آخر لم يكنْ بمقدوره اكتشاف العيب. وقرينة المعرفة هذه تقع على عاتق الممتهن سواء أكان بائعاً أم شارياً.
فإذا قام تاجر آلات حاسبة مثلاً ويُعتبر ممتهناً في شراء عدة آلات. وتبيّن أنّ هذه الآلات معيوبة، فإنّ دعوى البطلان لا تُسمَع منه لأنّ ادعاءَهُ عدمَ المعرفة قد تآكلَ بفعل معرفته كممتهن في استعمال تلك الآلات. وما عليه – ساعتذاك – إلاّ إثبات كونه تعذّر عليه الوقوف على عمل تلك الآلات بالنظر إلى حداثتها أو إلى نظامها المختلف عن الأنظمة المتداولة. أو إذا تمكّن من إثبات أنّ أيّ مشترٍ مهنيٍّ آخر لم يكن بمقدوره اكتشاف هذه العيوب. أوانذاكَ يُقْبَلُ مُدّعاهُ حينَ ثبوت مشروعية عدم معرفته (3)
ولا يُعتبر المهنُّ المشتري المهنيَ فحسب. لأنّ المعارف التي يكتسبها الشاري من خلال ممارسة أعماله ترفعه إلى مستوىً موازٍ لمستوى المهنيين (1)
فالعيب في شاحنة هُوَ عيب غير خفي بالنسبة إلى متعهّد النقل الذي اشتراه، لأنّ أعمالَهُ كمتعهّد نَقْل أكسبَتْهُ خِبْرَةً في هذا المجال.
الفصل الثاني: طبيعة المبيع
إنّ التمييز بين العيب الخفي والعيب الظاهر يتأثّر بطبيعة المبيع، وهذا العيب هو الذي يلقي على عاتق الشاري موجب الاستعلام.
فمفهوم العيب يضيف مداه في الأشياء المستعملة ويتسع حين يتناول الأشياء الخطرة.
المبحث الأول: الأشياء المستعملة
إذا كان موضوع البيع شيئاً مستعملاً، فإنّ موجب الشاري بالاستعلام يكون أكثر تطلّباً (2)
فليس للمشتري أن يتوقع من الشيء المستعمل أن يوفر له نفس الفاعليّة التي يوفّرها الشيء الجديد. فعليه توقّع وجود عيوباً فيه أكثر من وجودها في الشيء الجديد. لذلك يكون موجب الاستعلام مُلقى عليه بدرجة أكبر. والعيب الخفي عندما يتعلق الأمر بالأشياء المستعملة هو ذلك الذي يتجاوز حدود ما هو متوقّع في الشيء المستعمل، والذي لا يجوز أ يتواجدَ عادةً فيه.
“Le vice don’t se plaint l’acheteur, essentiellement distinct du seul caractere usage de la chose, doit etre apprecie de facon relative, en ce sens qu’il doit depasser ce qui etait normalement previsible dans vehicule d’occasion en un mot il doit etre un defaut qu’une chose meme usagee ne devait pas presenter » (1)
وفي هذه الحالة، أي حالة الأشياء المستعملة يدخل ضمن العناصر المحددة لموجب الاستعلام ثمن المبيع. فإذا كان المشتري قد دفع ثمناً زهيداً لسيارة مثلاً، عليه أن يتوقّع أيّ عيب فها.
“Une machine est payee au poids du metal inerte, le vendeur n’est pas oblige de la faire maecher”.
هنا يتنافى موجب الاستعلام لدى الشاري عن حالة المبيع وعن مواصفاته والعيوب التي قد تعتريه. لكنْ لا يمكننا أخذ الثمن دائماً كمعيار مطلق وقاطع لتحديد العيب.
فالاستهلاك اللاحق بالشيء من جرّاء استعماله بصورة عادية أو طويلاً، هو من الأمور المتوقعة فيه. وهو يرتّب موجب الاستعلام لدى الشاري.
المبحث الثاني: الأشياء الخطرة
إنّ المقصود بالشيء الخطر، تلك الأدوات التي يكمن الخطر فيها بذاتها وبطبيعتها كالمواد المتفجّرة والسموم. لأنّ الخطر ينجم هنا عن طبيعة المادة وليس بفعل عاملٍ خارجيّ. فليس لأنّ مادتها أحدثتْ ضرراً تصبح خطيرة إنما، هي كذلك (خطيرة) لأنّ الخطورة تجد مصدرها بالخطر المتوقّع منها وليس بالضرر الذي تحدثه لاحقاً.
إنّ لطبيعة المبيع الخطرة هذه تأثير على مدى اعتبار العيب خفيّ وعلى مدى موجب الاستعلام المُلْقَى على عاتق الشاري.
فعندما يقوم الشاري بشراء السموم والمواد الملتهبة، عليه أن يستعلم عن كافّة مواصفات هذه الموادّ ومعالجتها.
وعند قيامه بشراء قارورة غاز مثلاً وهي مُعتبرة من الأشياء الخطرة، عليه أن يستعلم عن كافة العيوب التي قد تعتريها.
فبقدر ما تكون طبيعة المبيع خطرة بقدر ما يكون موجب الاستعلام أكثر تطلّباً.
إنّ موجب الاستعلام يقع على طرفَي العقد. البائع يستعلم ليَعلمَ الشاري. وهذا الأخير يستعلم ليكون على بيّنة من مواصفات وفاعليّة الشيء المبيع.
المبحث الثالث: أثر الإخلال بموجب الاستعلام
إنّ موجب الاستعلام كما هو موجب الإعلام مرافقان للمفاوضات بالنظر لأثرها على الاتفاق. وإذا حصل خلل في هذين الموجبين فلا شكّ في أنّ هذا الخلل سينعكس سلباً على العقد، إذ سيولد الغلط أي سيعيب الرضى مما يؤدي إلى بطلان العقد. وفي ما يتعلّق بضمان عيوب المبيع، فإنّ تقصير الممتهن في الاستعلام عن مواصفات الشيء يجعل العيب ظاهراً فلا يُسأل البائع عن العيب. وإن تخلّف موجب الإعلام والاستعلام الذي يتحقّق في مرحلة ما قبل التعاقد أثناء المفاوضات ومن ثمّ تنعكس آثاره على العقد مما يؤدي إلى بطلانه أو الإبقاء عليه مَعَ التعويض.
المبحث الرابع: موقف المشرّع
استبعد المشرّع اللبناني في المادة 460 من قانون الموجبات والعقود مسؤولية البائع عن العيوب الظاهرة، وتلكَ التي سبقَ للمشتري أن عرفَها أو كان من السهل أن يعرفَها. بالتالي يكونُ إهمالُه حائلاً دون مطالبته بضمان هذه العيوب. والعيب الظاهر هُوَ الذي يظهر للمراقب العادي فيما إذا أمعنَ النظر من هذا المنطلق يمكن للشاري أن يثبتَ عدم إمكانيّة اكتشافه للعيب بالنظر إلى ظروفه الشخصيّة أو تلك التي أحاطتْ بالعمليّة ولكنّهُ إذا كان ممتهناً يُعتبر مطّلعاً بحُكْم مهنته.
الخاتمة
أثر الإخلال بموجب الإعلام والاستعلام
إنّ موجبَ الإعلام والاستعلام مرافقان للمفاوضات بالنظر لأثرهما على الاتفاق الذي يسعى الفرقاء للوصول إليه. (1)
وبقدْر ما يكون كُلّ من البائع والشاري على اطّلاع كامل على موضوع العقد ومواصفاته وعيوبه إذا وُجدَتْ، بقدْر ما يكونُ العقد المُزْمَع إنشاؤه أكيداً.
أما إذا حصلَ أيّ خلل في موجب الإعلام والاستعلام فلا شكّ أنّ هذا الخلل سينعكس سلباً على العقد إذ سيولَدُ ما سيعيب الرضى ويؤدّي بالتالي إلى إبطال العقد على مسؤولية مَن أخلّ بموجبه. أو الإبقاء على العقد مَعَ طلَب التعويض عن الضرر الحاصل.
لكن هذا الضمان المتوجّب بسبب الإخلال بموجب الإعلام والاستعلام، يتغيّر وجوداً وعدَماً نسبةً لشدّة العيب الذي عُدّ تِبْعاً لصفات الشيء وتوقّعات المتعاقدين.
“La protection due soit proportionnelle a la qualite de l’objet et aux previsions des contractants”. (2)
والخلف عن موجب الإعلام والاستعلام يجب أن يتناولَ صفات أو مسائل جوهريّة لا ثانويّة حتى يكونَ لهذا الخلف أثَر على مصير العقد.
هذا يُبْطِل عقد بيع قطعة أرض على مسؤوليّة البائع إذا تخلّف عن إعلام الشاري بوجود إجراءات تتعلّق بصفات جوهريّة في الأرض موضوع دعوى من قبل جار الأرض.
“Manque a son obligation de renseignement le vendeur qui ne revele pas a l’aquerir l’existence d’une procedure en cours mettant en cause les qualites substantielles du tenain vendu, engagee par un autre acquereur d’un lot voisin contre le meme vendeur » (3)
فإذا ثبُتَ أنّ الغلط كان نتيجةً لكتمان خادع لمعلومات جوهريّة جعلتِ المعاقدَ يقعُ في الغلط، فإنّ ادّعاءَهُ البُطلان يُقبَل لأنّ الكتمان الخادع يوازي الخداع. والخداع لا يبطل العقد لذاته بل للغلط الذي يُحدثه لدى الغير. (1)
ويمكننا ملاحظةأّ تخلّف موجب الإعلام والاستعلام يتحقّق في مرحلة ما قبل التعاقد. أي أثناء التفاوض ومن ثمّ تنعكس آثاره على العقد مما يؤدي إلى بطلانه أو الإبقاء عليه مع المطالبة بالضمان.
ولكن، بالرغم من أهميّة موجبي الإعلام والاستعلام في المحافظة على التوازن في العقد، إلاّ أنهُ يجب احترام لعبة المبيع بين المشتري والبائع التي يُتركُ للطرفين فيها حرية محدودة ومدروسة يُسمَح لهما فيها بالإضرار ببعضهما.
“Il respecter le jeu de la vente dans laquelle les contractants demeurent prisonniers de la liberte de se nuire contractuellement” (2)
---------------------------------------------------
Bibliographie
1. Tribunal commercial. Le Havre recueil juridique du Havre cite par Zerah.
2. Patrice Jourelain « le de se rensigner » Dalloz sirey. 1983
3. Baudry la cantinerie ; traite theorique et pratique de droit uvil 3ed TXIX « De la vente et de l’echange » par saignant.
4. Roland a observations de delivrance dans la vente des meubles corporels.
5. Cassation civiles jurisclasseur periodique les semaines periodique.
بيبليوغرافيا
1. د. مصطفى العوجي: القانون المدني. ج1. العقد. مؤسسة بحسون للنشر والتوزيع. ط1 1995.
2. د. عبد الرزاق السنهوري: الوسيط في شرح القانون المدني. ج.4. البيع والمقايضة. ط.2 القاهرة 1964.
3. د. جميل الشرقاوي. عقد البيع. القاهرة 1958.
4. د. أسعد دياب. ضمان عيوب المبيع الحقية. دار اقرأ. الطبعة الثالثة 1983.
5. د.منصور مصطفى منصور. مجلة العلوم القانونية والاقتصادية. القاهرة 1959ز
6. جاك الحكيم. العقود الشائعة والمسماةز الطبعة الثانيةز مطبعة الكتبي دمشق 1983.
بما أنّ بيكاسو هو طالب في الحقوق. فقد أحببتُ أن آتيكم بهذا البحث عن موجبي الاعلام والاستعلام. وأنا ما زلتُ في السنة الثانية. فادعوا لي بالنجاح.
- -
الفهرس
مقدمة
القسم الأول: موجب الإعلام
الفصل الأول: حسن نية المشتري
المبحث الأول: جهل وجود العيب.
المبحث الثاني: جهل مبرر.
المبحث الثالث: التمييز بين موجب الإعلام وموجب المشورة الفنية.
المبحث الرابع: جزاء الإخلال بموجب الإعلام.
المبحث الخامس: موقف القانون اللبناني.
الفصل الثاني: بائع سيء النية.
المبحث الأول: التذرع بخلو المبيع من العيب
المبحث الثاني: إخفاء العيب غشاً.
القسم الثاني: موجب الاستعلام.
الفصل الأول: صفة المشتري.
المبحث الأول: المشتري العرضي.
المبحث الثاني: المشتري المهني.
الفصل الثاني: طبيعة المبيع.
المبحث الأول: الأشياء المستعملة.
المبحث الثاني: الأشياء الخطرة.
المبحث الثالث: أثر الإخلال بموجب الاستعلام.
المبحث الرابع: موقف المشرع.
الخاتمة: أثر الإخلال بموجب الإعلام والاستعلام.
مقدمة
على أثر التطور الكبير الذي حصل في التعامل الاقتصادي والمالي بين الناس وبروز سلع ووسائل إنتاج متشعّبة ودقيقة تتطلّب خبرة فنيّة متقدّمة لدى المستهلكين. برز موجبا الإعلام والاستعلام. ذلكَ كانَ للمحافظة على التوازن المالي في العقود المُبْرَمة.
يترتّب موجب الإعلام على عاتق الممتهن تجاه المستهلك العادي تحت طائلة المسؤولية المدنية أو حتى الجزائية بما إذا أحدث الشيء المُباع ضرراً للمستهلك نتيجة عدم إعلامه بكيفية استعمال الشيء أو بمضارّه. أو بتدابير الوقاية والصيانة الواجبة.
فمن يمتلك وضوحَ الرؤية أكثر في شأن العقد والالتزامات المترتبة، عليه أن ينقلَ ذلك إلى المعاقد الآخر كي يقبل الطرفان على العقد بوعي تام للحقوق والواجبات المترتبة عليه.
إنّ حدود موجب الإعلام تنتهي حين تبدأ تلك الخاصة بموجب الاستعلام. باعتبار أنه يتوجب على الشاري الاستعلام عن كافة مواصفات موضوع الموجب ومضاره. ولا يحدّ من ذلك سوى عدم خبرته أو معرفته بصورة مشروعة.
فيتوجب على المشتري الاستعانة بخبير للإطلاع المهني على السلعة موضوع الشراء. ويُعتبر مقصّراً إذا لم يلجأ لذلك. كما ينشأ على عاتق البائع موجب إعلام الشاري بدقائق السلعة المباعة. بمواصفاتِها وإمكانيّاتِها. بطرق استعمالها وصيانتها. إذا امتنع عن ذلك تترتب عليه المسؤولية التي قد تؤدي إما إلى إبطال العقد لعلى لعيب الغلط أو إلى التعويض عن الأضرار اللاحقة بالشاري. فضلاً عن ترتّب هذا الموجب على عاتق الممتهن تجاه غير الممتهن وحتى أيضاً تجاه ممتهن آخر.
ونظراً لأهمية الموجبين لسلامة العقد وصحته سنخصّ موجبَ الإعلام المُلقَى على عاتق البائع بقسم مستقلّ عن القسم الخاصّ بموجب الاستعلام.
- - - - -
القسم الأول: موجب الإعلام
يقوم موجب الإعلام على مبدأ حسن النيّة والاستقامة في التعامل. بحيثُ يكونُ كلُّ فريق في العقد على بيّنة بما التزم به وبما وعد به، وأنّ ما وُعِدَ به كان مطابقاً لما ينتظره من منفعة.
وقد جاء في قرار حديث لمحكمة التمييز الفرنسية اعتبرتْ بموجبه أنّ امتناع متعهّد بيع شقق عن إعلام المشتري بالأخطاء التي وقع فيها المهندس ممّا حمله على سدِّ نافذتين في البناء يشكّل خرقاً لموجب الإعلام ولمبدأ تنفيذ العقود وفقاً لحسن النيّة ممّا يرتّب مسؤولية عليه من الأضرار اللاحقة بالمشتري منها تفويت الفرصة عليه لشراء شقة أخرى يتناسب ثمنها في ذلك الوقت مع إمكانياته المالية واستفادته من التسهيلات الضريبية المقرّرة في حينه.
“… La venderesse aurait du premier les reservataires lors de la decouverte de l’erreur de conception de l’architecte, origine des suppressions des fenetres et avait manqué a son obligation de renseignement et d’exucution de bonne foi du contrat… cette faute, retardant l’escercuce du droit de retard des reservataires, leur avait fait perdre une chance de mise en œuvre d’un nouveau projet compatible a l’evoque avec leurs disponibilites financieres et un fiscalite avantagueuse »(1)
ويعود مصدر موجب الإعلام "إلى التفاوت الحاصل بين المتعاقدين لجهة المعلومات عن موضوع التعاقد لا سيّما بين أصحاب المهن أو المنتجين من جهة والمستهلكين من جهة أخرى"(2)
_________
(1): cass. Civ. 3ch 17 nov. 1993. D. 1993. IR-259.
(2): القانون المدني. د. مصطفى العوجي. ج. 1. ص. 175.
فالسلع المنتجة من التشعّب والدقّة ما يتطلّب خبرة فنية كبيرة لا تتوفّر لدى معظم الشارين مما يرتب على عاتق البائع موجب إعلام الشاري عن كافة مواصفات موضوع التعاقد.
والجدير بالذكر أنّ العيب الموجب للضمان يجب أن يكون خفياً، بحيث أنّ البائع لا يضمن العيوب التي كان بمقدور معاقده كشفها. لأنّ العيب هو الذي يجب أن يكون خفياً لا أن يكون المشتري مغفلاً.
C’est le vice qui doit etre coche et non l’archeteur aveugle » (1)
ويمكننا أن نقسم البحث في مجال موجب الإعلام، آخذينَ بعين الاعتبار حسن نيّة المشتري من جهة. وسوء نية البائع من جهة أخرى.
______
(2): Zerah . Page 343.
الفصل الأول: حسن نية المشتري
اعتبر البعض أنّ كونَ العيب غير معلوم من المشتري هو شرط قائم بذاته مستقلّ عن شرط خفاء العيب (1). في حين أنّ فريقاً ثانياً يرى أنّ ذلك لا يشكّ شرطاً مستقلاً، إنما يجب إيراده ضمن شرط الخفاء على أساس أنّ علم المشتري بالعيب يجعله ظاهراً فلا يصدق عليه بالتالي وصف الخفاء (2). بينما الفريق الثالث يرى أنّ شرط العلم بالعيب يندمج بشرط الخفاء (3). ولا يتوجب مثل هذا الشرط، أي شرط العلم بالعيب المتميز عن الخفاء في العيب المقصود به تخلق الصفة التي كفل البائع للمشتري وجودها في المبيع لأنه يُفترض بالمشتري في هذه الحالة أن يجهل تخلف الصفة. ولذا كفل البائع له وجودها. وفي حال كان المشتري عالماً بهذا التخلّف، فعلمُهُ هنا يكون محوطاً بالغشّ وإلاّ لما كان اشترط كفالة وجود تلك الصفة (4)
وعل كُلِّ حال، فإنّ الشرط يفترض في طيّاته جهلَ وجود العيب من قبل المشتري ومشروعيّة هذا الجهل.
_________
(1) الوسيط السنهوري. ج. 4. ص. 727. فِقْرَة: 3685.
(2) جميل الشرقاوي. عقد البيع. ص. 279 و 280 فقرة 712.
(3) أسعد دياب. ضمان عيوب المبيع الخفيّة. ص. 100.
(4) منصور مصطفى منصور. مجلة العلوم القانونية والاقتصادية. سنة 1959. ص. 582.
المبحث الأول: جهل وجود العيب
إذا أقدم المشتري على الشراء برغم علمه بوجود العيب، فلا يستحقّ الضمان. لأنه يكون قد وافق ضمناً على التنازل عن هذا الضمان، معتبراً أنّ العيب لا يؤثر على استعمال المبيع.
أما في حال لم يعلم المشتري بمدى تأثير العيب على استعمال الشيء، يبقى الضمان له. وهذا تكريس للوجه الوظيفي للعيب. في هذه الحالة (جهل وجود العيب من قبل المشتري) يترتّب على البائع موجب الإعلام.
وبقدر ما يكون الشاري جاهلاً بوجود العيب، فإنه لا يعود – تجاه البائع الممتهن – من موجب استعلام على الشاري أو المستهلك كشرط لقيام موجب الإعلام على المدين به.
“Le profane n’a pas a verifier les informations fournies par le professional, ni a s’en enquerir par lui meme l’impossiblite de se renseigner n’est plus exigee comme condition de l’obligation du debiteur. La croyance legitime y supplee, car face au professionnel, le profane est presume ignprant ».(1)
وكل انفاق موجود عيب لا يمتد ليشمل عيوباً أخرى ظهرت لاحقاً. كما أن إعلان البائع عن عيب محدد لإبطال مفعوله عيوباً أخرى لم تكن ظاهرة.
أما عندما يتعلّق الأمر بوجود مؤشرات خارجية يعلمها الشاري. ومن شأن هذا الوجود أن يستتبع قيام عيوب معينة في المبيع لوجود صلة محتملة وليست أكيدة بين تلك المؤشرات وهذه العيوب. فإنّ الاجتهاد وقف في هذا المجال موقفاً مساعداً للمشتري، فاعتبر أنّ الاستنتاج بوجود العيب ليس حتمياً. ولذا، يُعتبر هذا العيب خفيّاً ويرتّب على عاتق البائع موجب الإعلام.
وجهل وجود العيب من قبل الشاري أو المستهلك يُفترض أن يكون جهلاً مُبَرّراً.
المبحث الثاني: الجهل المبرّر
لا يكون العيب مجهولاً بمجرد عدم كشفه من قبل الشاري. فعلى هذا الأخير أن يعرف العيوب العلنية والمُتوَقّعة. (1)
فبقدر ما تكون عدم معرفته بالعيب مشروعة بقدر ما يتنامى موجب الإعلام بين البائع والشاري.
“Celui qui detient, au doit chercher une information, n’a l’obligation de la transmettre a celui qui l’ignore, et aurait cependant interet. A la connaître, que si cette ignorance est non seulement reelle mais legitime ». (2)
فبالنسبة إلى العيوب العلنية كقيود السجل العقاري، فهي لا ترتب موجب الإعلام على عاتق البائع. ولا يمكن للمشتري التذرّع بعدم معرفتها للمطالبة بالضمان. كما أنّ هنالك بعض العيوب المُتعارف عليها في بعض البضائع. هذه العيوب لا ترتب موجب الإعلام على عاتق البائع لأنها ولو لم تكن ظاهرة فهي بمثابة الظاهر.
“Le vice cache dont se trouve affecte une certaine marchandise, lorsqu’il est notaire sur la place, de commerce ou s’en fait l’importation, doit etre assimile a un vice apparent, en ce sens que meme dans le cas ou il n’a pas ete declare, il ne peut servir de fondement a une action redhibitoire ». (3)
وهناك بعض الحالات يُعتبر جهل العيب فيها مُبرّراً برغم أنّ العيب هو ظاهر. وذلك بالنظر للظروف التي تحيط بالمبيع والتي تجعل من المستحيل كشف العيب فيه. وهذه الحالات تلقي على عاتق البائع موجب الإعلام.
هذا بالنسبة للعيوب العلنية. أما فيما يخص العيوب العيوب المتوقّعة فيرجع تقدير وجود العيب إلى عناصر وظروف العقد كمقدار الثمن أو نوعيّة البضاعة.
فالبائع ملزَم بإعلام الشاري عن كافة المواصفات والعيوب التي يتضمنها المبيع في حال كان الثمن المدفوع مرتفعاً، فمن حقّ المشتري أن يتوقّع حيازة مبيع سالم من العيوب. (1)
“Qui paye bien est bien servir ».
من يدفع جيداً يُخدَم جيداً.
المبحث الثالث: التمييز بين موجب الإعلام والمشورة الفنية
يقتضي التمييز بين موجب الإعلام وموجب المشورة الفنية. فالأول يشكّل موجباً عاماً على عاتق الممتهن تجاه المستهلك العادي بينما الموجب الثاني ناتج عن تعاقد حاصل بين الطرفين يتعهّد بموجبه البائع أن يسريَ المشورة الفنية للشاري، فيساعده على فهم الوضع الفني الناتج عن تعاقده. كما أنّ موجب المشورة يقع على عاتق من يقدم بوظيفة معينة ككاتب العدل تجاه من يعقده لإجراء عقد أو عمل قانوني معيناً أو من يقوم بنشاط مهني كالطبيب والمهندس حيث يترتّب على كُلٍّ منهم موجب إعطاء الإرشاد واللازم الضامن لسلامة الشخص في نفسه أو ملكه. حتى إذا أخلّ بموجب الإعلام المفروض عليه بحكم مهنته وعلاقته بمن يتعامل معه، شكّل ذلكَ خطأ مرتباً للمسؤولية حتى الجزائيّة أحياناً.
المبحث الرابع: جزاء الإخلال بموجب الإعلام
يشكّل الإخلال بموجب الإعلام خطأً يرتّب مسؤوليّة تقصيريّة على عاتق المدين به أي الملزم به. ويكون الجزاء إما إبطال العقد على مسؤوليته وتحميله العطل والضرر وردّ الشيء المُباع للبائع. أو اكتفاء الشاري بالمطالبة بالعطل والضرر عن النقص بالانتفاع أو عن أيّ ضرر آخر ناتج عن عدم إعلامه بمواصفات الشيء.
وفي حال إبطال العقد للغلط أو الخداع الحاصل نتيجة للإخلال بموجب الإعلام الذي لو حصلَ لما تعاقدَ الطرف الآخر، يحقّ للمتضرّر المطالبة بالعطل والضرر بالاستناد للمسؤولية التقصيريّة، لأنّ المعاقد الآخر ارتكب خطأً تجاهه بل أخفى عنه واقعة لو علم بها الشاري لما تعاقد.
وتتشدّد المحاكم في إقامة المسؤولية التقصيريّة على عاتق من كتم المعلومات بالنظر إلى النتائج التي تترتّب عليها إذ أنّ سهولة قبول دعاوى الإبطال نتيجة كتم المعلومات تؤدي إلى عدم استقرار التعامل التجاري. كذلك كي يبطل العقد يجب إثبات اتجاه نية من كتم المعلومات إلى خداع المعاقد الآخر.
المبحث الخامس: موقف القانون اللبناني
لم يلحظ القانون اللبناني كتم المعلومات عن المعاقد الآخر أي الإخلال بموجب الإعلام الذي تفرضه طبيعة التعامل كسبب لبطلان العقد. ولكن إعمال المبادئ القانونية يؤدي إلى اعتبار الكتمان خداعاً إذا كان حاصلاً عن قصد بُغْيَةَ إيقاع الطرف الآخر بالغلط، وجعله يتعاقد. عندها يُعتبَرُ من الأعمال الخداعية المؤدية إلى بطلان العقد.
ولكن يجب التمييز بين الكتمان العقدي المؤدي إلى غلط الضامن أو خداعه وبين الجهالة المشروعة بالخطر. الخطر الذي لم يكن بالإمكان الوقوف عليه. (1)
خلاصة:
إنّ موجب الإعلام يشكّل أحدَ عناصر التفاوض عن حسن نيّة. إذ يترتب على مَن يمتلك معلومات عن موضوع العقد المُزْمَع إبرامُه أن يلقيَ الضوء عليه حتى يكونَ الطرفان على بيّنة مما هما مقبلان عليه من التزامات ومن منافع يعوّلان عليه. ومن الملاحظ أنّ البطلان للغلط أو الخداع مصدره تصرّف خاطئ، فيُعتبر أنّ سلامةَ العقد رهنٌ بسلامة المفاوضات. وأحد مقوّمات هذه السلامة المحافظةُ على الثقةِ المُتبادَلة بين المفاوضين، والاستقامة في التعامل وحسن النية.
الفصل الثاني: بائع سيّء النية
يكون البائع مسؤولاً عن العيوب العلنية والمتوقَّعة التي كان من السهل على المشتري معرفتها. ذلكَ إذا كانَ البائع قد صرّح بخُلُوّ المبيع من هذه العيوب. أو أنه قد أخفى غِشّاً. هذا ما نصّتْ عليه م. 46 من قانون م. و ع. في فِقْرَتِها الثانية على أنّ البائع "يكون مسؤولاً حتى عن العيوب التي كان من السهل على المشتري أن يعرفَها إذا كانَ قد صرّح البائع بخلوّ المبيع منها". وأضاف القانون المصري وكذلك السوري حالة إخفاء العيب غِشاً.
المبحث الأول: التصريح بخلو المبيع من العيب
تقتصر هذه الحالة على العيب الذي كان من السهل على المشتري معرفته دون حالة ما إذا كان قد علم بالعيب. ولهذا فإذا كان المشتري عالماً بالعيب لكن البائع صرّح له بخلو المبيع منه، فلا يكون له أن يرجع عليه بالضمان.
أما إذا كان من السهل على المشتري اكتشاف العيب لو قام بفصحه بطريقة عادية ولم يفعلْ، وأكّد له البائع خلوه من العيب فيقوم الضمان. ذلكَ لأنّ عدمَ ضمان العيب الظاهر يرتكز أساساً على كون المشتري قد قصّر بعدم فحصه المبيعَ بعناية الرجل العادي. فضلاً عن أنّ البائع له أن يطمئنّ إلى أنّ المشتري قد أدخل العيب في تقديره عند الشراء.
لكنْ، إذا أكد البائع للمشتري خلو المبيع من العيب، فيكونُ المشتري قد اطمأنّ إلى ذلك وليس للبائع أن يأخذ عليه عدم فحصه اعتماداً على هذا التأكيد (1)
وتصريح البائع في هذه الحالة بخلو المبيع من العيب يُعتبر بمثابة اتفاق ضِمْنِي على تحمّله العيب الذي صرّح بخلوّ المبيع منه.
ولا بُدّ أخيراً من الإشادة بأنه لا يُكتفى من البائع مجرّدُ تصريح عامّ حول سلامة المبيع كما يفعل التُجّار عادة لترويج بضاعتهم. إنما يجب تأكيد هذه الواقعة بعبارة صريحة وقاطعة (2)
المبحث الثاني: إخفاء العيب غِشّاً
هذه الحالة توازي حالة الكتمان الخادع. فالبائع يتحمّل مسؤولية العقد إذا أخفى العيب الموجود في المبيع أو كتم لمعلومات هامّة تتعلّق به وتؤدّي – لو علمَ بها الشاري – إلى عدم التعاقد.
إذا أمكنَ للمشتري إثبات أنّ البائع قد تعمّد إخفاء العيب غِشاً كما لو كان في جزء من السيارة كسر "ملحوم" تعمّد البائع إخفاء "اللحام" فيه بطلاء كي لا يتبيّنَهُ المشتري. أوانَذاك للمشتري الحقّ بالضمان ولو كان العيب مما يمكن كشفُه. إذ حينَ الموازنة بين مصلحة مَن يرتكب الغِشّ ومصلحة المهمل، يجب إهدار الأولى في سبيل الثانية (3)
القسم الثاني: موجب الاستعلام
إنّ حدود موجب الإعلام تقف عند موجب الاستعلام المفروض على كلّ متعاقد. لأنّ القانون لا يحمي المُهْمِل لمصالحه متى كان راشداً وذا أهليّة للتعاقد والالتزام. فالإنسان مسؤولٌ عن تصرّفاته. (1)
وإذا كانت المعرفة مُفْتَرَضة لدى المدين بموجب الإعلام، فإنها تفترض عدم توافرها لدى الدائن بهذا الموجب. لذلك يُلْقَى على عاتق الشاري موجبُ الاستعلام عن كافة مواصفات وعيوب المبيع ممّن يملكه.
“ L’inhabilite et l’inexperience de l’acheteur ne permettent pas de considerer comme cache quant a lui, un defaut qu’aurait apercu une personne plus competente, celui qui n’a pas les connaissances necessaires pour apprecier la chose qu’il veut acheter doit demander le concours de gens capables » (2)
ويحدّ من موجب الاستعلام المُلقى على عاتق الشاري كون عدم معرفته مشروعة ومُبرّرة. أما إذا كانت عدم المعرفة هذه ناتجة عن خِفّة وإهمال منه فإنه في هذه الحالة يتحمّل مسؤولية إهماله هذا.
“Le Contractant qui s’est trompe parce qu’il a ete credule ou negligent dans ses verifications ne doit s’en prendre qu’a lui meme” (3)
لذلكَ نستبعدُ مسؤولية البائع عن العيوب الظاهرة. وتلكَ التي سبق للمشتري أن عرفَها أو كانَ من السهل عليه أن يعرفَها. وبالتالي، يكون إهماله حائلاً دون مطالبته بضمان هذه العيوب. والعيب الظاهر هُوَ الذي يظهر للمراقب العادي فيما إذا أمعنَ النظر.
الفصل الأول: صفة المشتري
تختلف صفة العيب خفاءً أو ظهوراً باختلاف صفة المشتري بين أن يكون رجلاً عادلاً أو مهنياً. فلا يستطيع الشاري التذرّع بعدم معرفته بالشيء أو بمواصفاته أو بفاعليته طالما أن هذا الشيء يقع ضمن مهنته أو اختصاصه (1)
وبالمقابل يتنافى موجب الاستعلام بقدْر ما يكون الشاري جاهلاً بتلك المواصفات والفاعليّة.
على أية حال سنميّز بين المشتري العرضي والآخر المهني.
المبحث الأول: المشتري العرضي
إنّ العيبَ يكونُ خفياً على المشتري العرَضي حينَ لا يتّضح إلا لذي خبرة يلجأ إلى تجاربَ خاصّة. أما إذا كان يقدر على كشفه ضمن مؤهلاته العادية فلا يُعتبَر خفياً.
وفي حال عيب الخفيّ يقع على عاتق الشاري موجبُ الاستعلام. فيكون من واجب الشخص العادي أن يلجأ إلى أهل الخبرة لكشف العيب حين لا تتوفّر فيه المزايا والمؤهلات الكافية التي تمكّنه من كشفه في حال وجوده.
إذاً، يتوجّبُ على الشاري الاستعانة بخبير لفحص المبيع. هذا ويُعْتَبَرُ مقصّراً إذا لم يلجأ لذلك (المعونة). (2)
فإذا أرادَ المشتري العرَضي (غير الممتهن) شراءَ بناء، فعليه الاستعانة بمهندس معماري قادر على كشف عيوب البناء.
كذلكَ مَن يشتري سيارة، يَصْعُبُ عليه معرفة حقيقة وضعها، عليه الاستعانة بخبير سيارات.
فاللجوء إلى الخِيْرَة (سؤال العالم) والاستعلام يضعفُ وجوبُه بقدْر ما يكونُ الشاري عرَضياً غيرَ ممتهن.
فعدم الخبرة أو الحداقة أو قلة الامتهان لدى الشاري لا تبرّر اعتبار العيب خفياً بالنسبة إليه، إذا كان بمقدور آخر اكتشافه. ذلكَ بالنظر لمواهبَ يتمتع بها. وفي حال عدم توفّر هذه المعارف لديه، عليه أن يستعينَ بمَن يملكها.
“L’inhabilite et l’inexperience de l’achteur ne permettent pas de considerer comme cache quant a lui, un defaut qu’aurait apercu une personne plus competente, celui qui n’a pas les connaissances necessaires pour apprecier la chose qu’il veut acheter doit demander le concours de gens capables » (1)
المبحث الثاني: المشتري المهني
إنّ الشاري الممتهن لا يستطيع التذرّع بعدم معرفته بالشيء. بالأخصّ إذا كان في دائرة مهنته واختصاصه، فلا يسعُهُ ادّعاء وجود عيب خفيّ كانَ من المفترض فيه أن يعرفَهُ نتيجةَ خبرته في مهنته برَغْمِ أنّ كشفه على الرجل العادي وقرينة المعرفة لا تسري إلاّ على من يشتري ما يدخل ضمن اختصاصه ونطاق مهنته. لأنّ العيب لا يمكن أن يخفى على خبرته الفنية (2)
هذه القرينة ليست قاطعة. إنما، هي بسيطة ويمكن إثبات عكسها باعتبار أنّ أيّ مشترٍ مهنيٍّ آخر لم يكنْ بمقدوره اكتشاف العيب. وقرينة المعرفة هذه تقع على عاتق الممتهن سواء أكان بائعاً أم شارياً.
فإذا قام تاجر آلات حاسبة مثلاً ويُعتبر ممتهناً في شراء عدة آلات. وتبيّن أنّ هذه الآلات معيوبة، فإنّ دعوى البطلان لا تُسمَع منه لأنّ ادعاءَهُ عدمَ المعرفة قد تآكلَ بفعل معرفته كممتهن في استعمال تلك الآلات. وما عليه – ساعتذاك – إلاّ إثبات كونه تعذّر عليه الوقوف على عمل تلك الآلات بالنظر إلى حداثتها أو إلى نظامها المختلف عن الأنظمة المتداولة. أو إذا تمكّن من إثبات أنّ أيّ مشترٍ مهنيٍّ آخر لم يكن بمقدوره اكتشاف هذه العيوب. أوانذاكَ يُقْبَلُ مُدّعاهُ حينَ ثبوت مشروعية عدم معرفته (3)
ولا يُعتبر المهنُّ المشتري المهنيَ فحسب. لأنّ المعارف التي يكتسبها الشاري من خلال ممارسة أعماله ترفعه إلى مستوىً موازٍ لمستوى المهنيين (1)
فالعيب في شاحنة هُوَ عيب غير خفي بالنسبة إلى متعهّد النقل الذي اشتراه، لأنّ أعمالَهُ كمتعهّد نَقْل أكسبَتْهُ خِبْرَةً في هذا المجال.
الفصل الثاني: طبيعة المبيع
إنّ التمييز بين العيب الخفي والعيب الظاهر يتأثّر بطبيعة المبيع، وهذا العيب هو الذي يلقي على عاتق الشاري موجب الاستعلام.
فمفهوم العيب يضيف مداه في الأشياء المستعملة ويتسع حين يتناول الأشياء الخطرة.
المبحث الأول: الأشياء المستعملة
إذا كان موضوع البيع شيئاً مستعملاً، فإنّ موجب الشاري بالاستعلام يكون أكثر تطلّباً (2)
فليس للمشتري أن يتوقع من الشيء المستعمل أن يوفر له نفس الفاعليّة التي يوفّرها الشيء الجديد. فعليه توقّع وجود عيوباً فيه أكثر من وجودها في الشيء الجديد. لذلك يكون موجب الاستعلام مُلقى عليه بدرجة أكبر. والعيب الخفي عندما يتعلق الأمر بالأشياء المستعملة هو ذلك الذي يتجاوز حدود ما هو متوقّع في الشيء المستعمل، والذي لا يجوز أ يتواجدَ عادةً فيه.
“Le vice don’t se plaint l’acheteur, essentiellement distinct du seul caractere usage de la chose, doit etre apprecie de facon relative, en ce sens qu’il doit depasser ce qui etait normalement previsible dans vehicule d’occasion en un mot il doit etre un defaut qu’une chose meme usagee ne devait pas presenter » (1)
وفي هذه الحالة، أي حالة الأشياء المستعملة يدخل ضمن العناصر المحددة لموجب الاستعلام ثمن المبيع. فإذا كان المشتري قد دفع ثمناً زهيداً لسيارة مثلاً، عليه أن يتوقّع أيّ عيب فها.
“Une machine est payee au poids du metal inerte, le vendeur n’est pas oblige de la faire maecher”.
هنا يتنافى موجب الاستعلام لدى الشاري عن حالة المبيع وعن مواصفاته والعيوب التي قد تعتريه. لكنْ لا يمكننا أخذ الثمن دائماً كمعيار مطلق وقاطع لتحديد العيب.
فالاستهلاك اللاحق بالشيء من جرّاء استعماله بصورة عادية أو طويلاً، هو من الأمور المتوقعة فيه. وهو يرتّب موجب الاستعلام لدى الشاري.
المبحث الثاني: الأشياء الخطرة
إنّ المقصود بالشيء الخطر، تلك الأدوات التي يكمن الخطر فيها بذاتها وبطبيعتها كالمواد المتفجّرة والسموم. لأنّ الخطر ينجم هنا عن طبيعة المادة وليس بفعل عاملٍ خارجيّ. فليس لأنّ مادتها أحدثتْ ضرراً تصبح خطيرة إنما، هي كذلك (خطيرة) لأنّ الخطورة تجد مصدرها بالخطر المتوقّع منها وليس بالضرر الذي تحدثه لاحقاً.
إنّ لطبيعة المبيع الخطرة هذه تأثير على مدى اعتبار العيب خفيّ وعلى مدى موجب الاستعلام المُلْقَى على عاتق الشاري.
فعندما يقوم الشاري بشراء السموم والمواد الملتهبة، عليه أن يستعلم عن كافّة مواصفات هذه الموادّ ومعالجتها.
وعند قيامه بشراء قارورة غاز مثلاً وهي مُعتبرة من الأشياء الخطرة، عليه أن يستعلم عن كافة العيوب التي قد تعتريها.
فبقدر ما تكون طبيعة المبيع خطرة بقدر ما يكون موجب الاستعلام أكثر تطلّباً.
إنّ موجب الاستعلام يقع على طرفَي العقد. البائع يستعلم ليَعلمَ الشاري. وهذا الأخير يستعلم ليكون على بيّنة من مواصفات وفاعليّة الشيء المبيع.
المبحث الثالث: أثر الإخلال بموجب الاستعلام
إنّ موجب الاستعلام كما هو موجب الإعلام مرافقان للمفاوضات بالنظر لأثرها على الاتفاق. وإذا حصل خلل في هذين الموجبين فلا شكّ في أنّ هذا الخلل سينعكس سلباً على العقد، إذ سيولد الغلط أي سيعيب الرضى مما يؤدي إلى بطلان العقد. وفي ما يتعلّق بضمان عيوب المبيع، فإنّ تقصير الممتهن في الاستعلام عن مواصفات الشيء يجعل العيب ظاهراً فلا يُسأل البائع عن العيب. وإن تخلّف موجب الإعلام والاستعلام الذي يتحقّق في مرحلة ما قبل التعاقد أثناء المفاوضات ومن ثمّ تنعكس آثاره على العقد مما يؤدي إلى بطلانه أو الإبقاء عليه مَعَ التعويض.
المبحث الرابع: موقف المشرّع
استبعد المشرّع اللبناني في المادة 460 من قانون الموجبات والعقود مسؤولية البائع عن العيوب الظاهرة، وتلكَ التي سبقَ للمشتري أن عرفَها أو كان من السهل أن يعرفَها. بالتالي يكونُ إهمالُه حائلاً دون مطالبته بضمان هذه العيوب. والعيب الظاهر هُوَ الذي يظهر للمراقب العادي فيما إذا أمعنَ النظر من هذا المنطلق يمكن للشاري أن يثبتَ عدم إمكانيّة اكتشافه للعيب بالنظر إلى ظروفه الشخصيّة أو تلك التي أحاطتْ بالعمليّة ولكنّهُ إذا كان ممتهناً يُعتبر مطّلعاً بحُكْم مهنته.
الخاتمة
أثر الإخلال بموجب الإعلام والاستعلام
إنّ موجبَ الإعلام والاستعلام مرافقان للمفاوضات بالنظر لأثرهما على الاتفاق الذي يسعى الفرقاء للوصول إليه. (1)
وبقدْر ما يكون كُلّ من البائع والشاري على اطّلاع كامل على موضوع العقد ومواصفاته وعيوبه إذا وُجدَتْ، بقدْر ما يكونُ العقد المُزْمَع إنشاؤه أكيداً.
أما إذا حصلَ أيّ خلل في موجب الإعلام والاستعلام فلا شكّ أنّ هذا الخلل سينعكس سلباً على العقد إذ سيولَدُ ما سيعيب الرضى ويؤدّي بالتالي إلى إبطال العقد على مسؤولية مَن أخلّ بموجبه. أو الإبقاء على العقد مَعَ طلَب التعويض عن الضرر الحاصل.
لكن هذا الضمان المتوجّب بسبب الإخلال بموجب الإعلام والاستعلام، يتغيّر وجوداً وعدَماً نسبةً لشدّة العيب الذي عُدّ تِبْعاً لصفات الشيء وتوقّعات المتعاقدين.
“La protection due soit proportionnelle a la qualite de l’objet et aux previsions des contractants”. (2)
والخلف عن موجب الإعلام والاستعلام يجب أن يتناولَ صفات أو مسائل جوهريّة لا ثانويّة حتى يكونَ لهذا الخلف أثَر على مصير العقد.
هذا يُبْطِل عقد بيع قطعة أرض على مسؤوليّة البائع إذا تخلّف عن إعلام الشاري بوجود إجراءات تتعلّق بصفات جوهريّة في الأرض موضوع دعوى من قبل جار الأرض.
“Manque a son obligation de renseignement le vendeur qui ne revele pas a l’aquerir l’existence d’une procedure en cours mettant en cause les qualites substantielles du tenain vendu, engagee par un autre acquereur d’un lot voisin contre le meme vendeur » (3)
فإذا ثبُتَ أنّ الغلط كان نتيجةً لكتمان خادع لمعلومات جوهريّة جعلتِ المعاقدَ يقعُ في الغلط، فإنّ ادّعاءَهُ البُطلان يُقبَل لأنّ الكتمان الخادع يوازي الخداع. والخداع لا يبطل العقد لذاته بل للغلط الذي يُحدثه لدى الغير. (1)
ويمكننا ملاحظةأّ تخلّف موجب الإعلام والاستعلام يتحقّق في مرحلة ما قبل التعاقد. أي أثناء التفاوض ومن ثمّ تنعكس آثاره على العقد مما يؤدي إلى بطلانه أو الإبقاء عليه مع المطالبة بالضمان.
ولكن، بالرغم من أهميّة موجبي الإعلام والاستعلام في المحافظة على التوازن في العقد، إلاّ أنهُ يجب احترام لعبة المبيع بين المشتري والبائع التي يُتركُ للطرفين فيها حرية محدودة ومدروسة يُسمَح لهما فيها بالإضرار ببعضهما.
“Il respecter le jeu de la vente dans laquelle les contractants demeurent prisonniers de la liberte de se nuire contractuellement” (2)
---------------------------------------------------
Bibliographie
1. Tribunal commercial. Le Havre recueil juridique du Havre cite par Zerah.
2. Patrice Jourelain « le de se rensigner » Dalloz sirey. 1983
3. Baudry la cantinerie ; traite theorique et pratique de droit uvil 3ed TXIX « De la vente et de l’echange » par saignant.
4. Roland a observations de delivrance dans la vente des meubles corporels.
5. Cassation civiles jurisclasseur periodique les semaines periodique.
بيبليوغرافيا
1. د. مصطفى العوجي: القانون المدني. ج1. العقد. مؤسسة بحسون للنشر والتوزيع. ط1 1995.
2. د. عبد الرزاق السنهوري: الوسيط في شرح القانون المدني. ج.4. البيع والمقايضة. ط.2 القاهرة 1964.
3. د. جميل الشرقاوي. عقد البيع. القاهرة 1958.
4. د. أسعد دياب. ضمان عيوب المبيع الحقية. دار اقرأ. الطبعة الثالثة 1983.
5. د.منصور مصطفى منصور. مجلة العلوم القانونية والاقتصادية. القاهرة 1959ز
6. جاك الحكيم. العقود الشائعة والمسماةز الطبعة الثانيةز مطبعة الكتبي دمشق 1983.