عرض الإصدار الكامل : بكاء تحت المطر للكاتبة قماشة العليان ( روايتان ) لا تفوتكم..


غفران
24-05-2004, 08:29 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يسعدني أن أقدم لكم هذا الكتاب الثاني للكاتبة المفضلة لدي ( قماشة العليان ) بعنوان ( بكاء تحت المطر ) عبارة عن روايتان جميلتان تحكي عالمنا الحاضر.
سبق لي أن كتبت في هذا المنتدى الحصن الرائع بنفس الكاتبة بعنوان ( الرجل الحائط ) عبارة عن مجموعة قصصية اليوم لدي الكتاب الثاني لأنقله لكم أحبتي الكرام. أتمنى أن يعجبكم.

الرواية الأولى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ
بكاء تحت المطر

في يوم غائم ممطر التقيته لأول مره.. كان شارد اللب حزيناً تقطر عيناه دموعاً ومرارة.. وكنت في أسوأ حالاً قلباً وقالباً.. أحسست بأعماقي أنه مصدوم.. صدمته قوية أطاحت بكل آماله وأحلامه.. كما أن حياتي بأسرها هي صدمة.. صدمة مؤلمة منذ بدايتها وإلى الآن وحتى النهاية.. لا بصيص نور يضيء حياتي ولوحتي انكسار وضوء يبدد العتمة..
سألته وحبات من الدموع تغرق عيني:
ــ أهي أزمة مالية.. أم اجتماعية؟
أجاب بانكسار معذب:
ــ لا هذه ولا تلك..
استطر بعد أن نظر إلى بشرود:
ــ ربما هي أزمة عمر.. وربما هي ليست أزمة بمعنى الكلمة.. فكلمة أزمة هي كلمة فضفاضة واسعة تحمل ألف معنى ومعنى.. بينما ما أعانيه وما أشعر به وما أحسه لا علاقة له بتلك الكلمة لا من قريب ولا من بعيد..
تمالكت نفسي وحاولت السيطرة على مشاعري المنهارة.. ابتلعت دموعي المنسابة داخلي وغصة ألم تقتادني بمرارة نحو دهاليز لا أجهلها..
اغتصبت ابتسامة وأنا أقول:
ــ أهو لغز أم فزورة..؟
تنهد بقوة خلت معها أن قلبه سيقفز خارج صدره.. قال بكلمات اعتدت رنينها:
ــ أتفضلين أن أجلس كما أنا؟ أم لابد من ذلك المقعد الطويل لما له من أهمية لديكم أيها الأطباء النفسانيون؟
ترددت برهة.. لا.. لن أعامله كأي مريض يزور عيادتي.. إنه.. هو.. حالة خاصة.. حالة خاصة جداً.. وجلوسه على المقعد الاعتيادي سيجعله أكثر قرباً مني.. وأكثر صدقاً.. وأقل مرارة.. لن أجعله يشعر بالفروق الفردية بيننا كطبيبة ومريضها.. سأعامله كصديق.. كقريب يحكي لصديقه عن عذاباته وكأننا نجلس في مقهى أو على ناصية في أحد الشوارع أو في مطعم للوجبات السريعة.. سأكون كما لم أكن قبلاً، الأم والصديقة والطبيبة..
هززت كتفي بلا مبالاة وأنا أقول:
ــ كما يحلو لك.. ولتبق مكانك إن أردت.. وأضفت برقة:
لنتحدث كأصدقاء..
التفت إلي فجأة.. تألقت عيناه ببريق طالما أحببته..
همس بصوت خافت:
ــ غريبة.. إن الأطباء الذين زرتهم كانوا دائما يصرون على أن أستلقي على ذلك المقعد..
هتفت بمرح:
ــ إذن فأنا لست أول طبيبة تزورها؟
رد بأسى:
ــ بالضبط يا دكتورة.. فلقد زرت خمسة من الأطباء قبل أن أسمه بك.. وللأسف كلهم تجاريون.. ولم أجلس عند أي منهم أكثر من خمس دقائق فقط..
ازداد الصخب في أعماقي وأنا اسأله:
ــ لقد تجاوزت فترة مكوثك لدي الخمس عشرة دقيقة فهل تفضل الانصراف أم..؟
قاطعني قائلاً:
ــ لقد ارتحت هنا.. وأعتقد أن أهم بنود العلاج النفسي هي ارتياح المريض للطبيب وثقته به..
التزمت الصمت وابتسامة ثقة ترتسم على شفتي المرتجفتين انه يرتاح لي.. انه يثق بي.. انه.. لا.. الماضي لا يمكن أن يعود.. يجب أن أنسى.. وهيهات أن أنسى..
أفقت فجأة من تأملاتي على صوته المتذبذب.. هدير صوته كشلال ينساب في أعماقي فيوقظني.. يوقظني حتى الحنين.. حتى الألم.. حتى جروح الذاكرة المقفلة على صديد.. سألني بغتة:
ــ دكتورة.. هل ابدأ منذ البداية.. أعني بداية قصة حياتي..
ترددت برهة قبل أن أقول:
ــ دع نفسك على سجيتك وحادثني في أي موضوع ترتاح إليه، حديث الأصدقاء أو كما تحب أن يكون..
أغمض عينيه بشدة، وكأنه يحجب صورة بشعة عن ناظريه كأنه يهرب من قدر يطارده..
وأضحيت نفسي أتأمله.. أتأمله كما لم أتأمل مريضاً يدخل عيادتي.. بشعره الأسود الداكن وأنفه الروماني الدقيق.. واستدارة الوجه العجيبة.. إنها الاستدارة بنفسها بالشارب الأسود الخفيف نفسه.. والشفتين الممتلئتين.. وكأنهما غاضبتان من العالم بأسره..
اهتزت رموشه فجأة.. لتضيء عينيه دموع.. دموع حقيقية.. دموع رجل في قمة مأساته.. قمة معاناته.. منتهى الانهيار والخضوع..
قال بتداع:
ــ أكره الأطباء.. لم أفكر باللجوء إلى أحد منهم حتى تجاوزت مأساتي ( إن صح إطلاقي عليها لقب مأساة ) خطوطها الحمراء.. طفولتي كانت عادية، أو هذا ما أذكره منه كانت عادية.. لا شيء غير اعتيادي سوى انفصال أمي وأبي بالطلاق.. مشاكل وقضايا وتخيط في أورقة المحاكم.. انتهت بأن انضممت إلى أمي أنا وأختي الصغرى، بينما أخواتي الثلاث الكبيرات ذهبن على غير إرادتهن إلى أبي.. أمي لم تكن قاسية ولم تكن حنونة بل كانت حزينة.. حزينة ويائسة إلى حد الجنون.. عشت معها وأختي في جو كئيب حزين تخيم عليه التعاسة من كل جانب.. ولم نكن نرى أبي ولا حتى أخوتي، وكأنهم انفصلوا عن دنيانا إلى دنيا أخرى وعالم آخر لا يمت لعالمنا بصلة..
صمت وعيناه تغيمان بسحابة حزن غامضة.. نظر إلي فجأة وهو يسألني عن الوقت..
ابتسمت وأنا أبادله السؤال:
ــ ألا ترغب في إكمال الحديث؟
رد بحرج:
ــ لقد مضت ساعة يا دكتورة وأنا لست مريض الوحيد.. سآتي فيما بعد أيقنت أنه يهرب.. يهرب من شيء ما.. شيء لم يذكره ولا يريد ذكره.. لم أشأ الضغط عليه.. وإبقاءه رغما عنه.. فهذا يفشل خطة العلاج ويدمر العلاقة بين الطبيب والمريض، يجب أن يشعر بالحاجة لي من تلقاء نفسه.. يجب أن يعود دون أية ضغوط..
هززت كتفي بلا مبالاة قائلة:
ــ حسناً هذا يكفي اليوم.. إذا شئت أن تعود مرة أخرى، فالرجاء أن تأخذ موعد لا حقاً..
نظر إلي بدون تركيز وهو يهمس:
ــ سأعود.. حتماً سأعود..
كان هذا هو اللقاء الأول لي معه.. مع الصورة المجسمة لحبيبي الراحل.. صورة خلتها عادت من لحم ودم كما كانت قبل أعوام.. زوجي وحبيبي حسن.. الهيئة نفسها.. والمنظر نفسه، وله ذات الوجه الأسمر المهيب والشارب الأسود الخفيف.. والشفتان ذاتهما الغاضبتان من العالم بأسره.. هو,, هو بشحمه ولحمه.. هو هذا المريض.. خالد.. ظهور سكب الملح على جرحي وأيقظ حنينا يسكن الضلوع.. ظهور أعاد لي ذكريات الماضي القريب غاية القرب إلى نفسي، لم يكن حبي له وليد المصادفة.. أو الظروف.. بل ولد معي وتنفسته مع هوائي وعايشته بأجوائي.. فهو ابن عمي وأقرب قريب لي.. أحببته منذ الطفولة وعايشته في صباي وتعاهدنا على الزواج ونحن على مشارفة المراهقة.. لم يخيب أبواي رجائي.. ولم تكتنف طريق حبنا عثرة من أي نوع.. كان كل شيء سهلاً ميسراً بصورة تبعث على الشك.. وكيف لي أن أرتاب في أن سعادتي ستغتال في أقرب فرصة.. وأنني سأعود عما قريب صفر اليدين وحيدة إلا من ذكرياتي.. أجتر أحزاناً هائلة يعجز عنها قلب بشر.. وجراحاً عميقة تمزق أعتى القلوب..
زففت إلى حسن في ليلة حلوة بهيجة.. رقص فيها كل شيء حولي حتى أشياء حجرتي الصغيرة.. ارتديت الثوب الأبيض الذي أهداه حسن، والعقد الماسي الذي قال لي يوماً أنه يحاكي لون قلبي..
بدوت جميلة.. كما لم أكن أبداً من قبل.. سعادتي الداخلية أضفت على مظهري رونقا لم أكن أعهده.. غدوت حديث الجميع في تلك الليلة حتى ابنة خالتي الغيورة همست بحقد اخترق أذني:
ــ إنها تبدو جميلة على غير العادة..
لم أعر أحداً انتباهاً ومضيت بطريقي غير عابئة بأحد أستقبل سعادتي المنتظرة بكل شوق وحب ولهفة..
تزوجته.. واتفقت معه ألا يفرقنا عن بعضنا إلا الموت.. وهيهات للموت أن يتغلغل في أفكارنا حينذاك، ونحن في قمة الفرح والسعادة.. كانت كلمة الموت بالنسبة لنا في ذلك الوقت كقصة اسطورية.. كظهور طبق طائر في الفضاء تثير سخريتنا أكثر مما تثير خوفنا..
وتكلل حبنا بقدوم أول طفل لنا.. وقتها ظهرت أول مشكلة في حياتنا.. كانت تبدو لي حينها ضخمة مجسمة محيره.. وهى إكمال دراستي في كلية الطب، وقد اجتزت المستوى الثالث بنجاح مشرف.. اعترض حسن على ذلك وقال لي بأن رعاية الطفل أهم.. بينما أصررت على رأيي وخيرته بين إكمال دراستي وحياتنا معاً..
تذكرت الدموع التي انسابت على وجهه حينذاك وهو يهمس:
ــ ألهذه الدرجة أبدو تافهاً بنظرك.. تفضلين دراستك علي؟
أسرعت إليه تسابق دموعي دموعه.. وأعلنت له بكل حرارة بأن حبي له وحياتي معه أثمن من أية شهادة في العالم.. ومضيت حياتنا في سعادة خالصة حتى أحسست بما اعترى زوجي وحبيبي من تغير.. لاحظت شحوبه ونحوله.. وشروده الدائم والصداع القاتل الذي يمزق رأسه.. طلبت منه مراراً أن يعرض نفسه على الطبيب..
إجابته الدائمة كانت أن ما به لا يعدو صداعاً نصفياً ستقضي عليه المسكنات وأن هذا هو تشخيص كل طبيب زاره..
إحساس خفي يؤكد لي بأنه يكذب، وأنه يحاول أن يجنبني عذاباً لا طاقة لي بتحمله.. قلبي يود تصديقه وينفي كل احتمال آخر بكذبه.. وكيف لي أن أكذبه وهو حياتي التي أعيشها وعمري الذي أحياه حتى سقط بين أقدامي ذات يوم فاقداً الوعي.. حاولت إسعافه بأدويته التي يتناولها عادة، ولكن بدون أية فائدة.. اتصلت بوالده الذي حضر على الفور وساعدني على إفاقته من الغيبوبة ودموعه لا تفارق خديه..
هتفت جزعة:
ــ عمي.. ماذا حدث.. هل زوجي حسن مريض؟
هز رأسه دون أن يتكلم..
صرخت دون وعي:
ــ ما به؟
ارتجفت شفتاه وهو يقول برهبة:
ــ ذلك المرض اللعين.. السرطان..
أغمي علي وافقت على واقع بشع مخيف.. يخلو من حبيب العمر حسن.. انطفأت شمعة حياتي وغدا عالمي حالك الظلام.. حالك السواد..
صرخت من أعماقي.. لماذا لم تخبرني من قبل؟ لم لم تدعني أشاركك مأساتك ومرضك وعذابك وقد تشاركنا من قبل في كل شيء.. في حلاوة الدنيا ومرارتها.. لم حاولت أن تجنبني العذاب لأصحو على عذاب أشد قسوة.. وأكثر مرارة.. لما حرمتني وداعك.. لأعطيك من أنفاسي حرارة تبعث الحياة في جسدك وأعطيك من حبي دفقة أمل تواجه بها المرض الكاسر وتهزمه.. وضاعت صرخاتي وسط صدى الأحزان ولكني لم أبك.. لم أذرف دمعة واحدة.. تحجرت دموعي لتدميني من الداخل ولتفجر أحزاناً تشقق من حملها الأضلاع..
كل شيء يذكرني به.. كل كلمة أستشعرها بوجوده.. حتى وجه طفلي الحبيب أبيت النظر إليه ودموع الداخل تنساب دون حساب.. وعيناي جافتان بدون دموع.. فقط حين رأيت خالد بكيت!! فوجوده أعاد صورة حسن إلى ذهني.. بشبابه وصحته وحيويته.. حسن كما عرفته دائما وكما تمنيت دائما أن يكون.. ظهور خالد أعادني إلى واقع طالما حاولت الهروب منه.. إن حسن موجود بأعماقي لم يمت ولن يموت.. هو حبي الوحيد الذي يسري في دمائي، ولن أنساه ما حييت رغم انشغالي بدراستي في السنوات الماضية، وتخرجي من الجامعة.. حتى طفلي لم ينس والده، وما فتىء يذكره في صحوه ومنامه ويسألني عنه في كل شاردة وواردة وماذا كان يحب وماذا كان يكره رغم مرور سبع سنوات على رحيله..
أيقضني صوت الممرضة من تأملاتي:
ــ دكتورة.. لقد حان موعد الانصراف.. هل ترغبين بشيء؟
مسحت دمعة فرت من عيني وأنا أجيبها باستسلام:
ــ شكراً يا هدى.. مع السلامة..

*****************************
يتبع

لمياء الجلاهمة
24-05-2004, 09:18 PM
شوقتينا ياغفران...بانتظارك:)

felooooooooooooo
25-05-2004, 02:15 PM
رائع يا غفران

في انتظار المزيد منك اخي

تقبل تحياتي
اخوك احمد :wink:

غفران
25-05-2004, 07:58 PM
مرحبا أختي لمياء وأخي أحمد سعيدة بوجودكم

اليوم سأكمل لكم أحداث القصة

أختكم غفران

غفران
25-05-2004, 07:59 PM
عشت أياماً رهيبة تلت لقائي بالمريض خالد.. عانيت ضغوطا وصراعات نفسية غاية في القسوة.. كنت أحاول إقناع ذاتي بأن الماضي لا يمكن أن يعود، وأن ما تمضي به الأيام لا يمكنه بحال من الأحوال العودة إلى الوراء مرة أخرى..
ولكن قلبي.. ومشاعري.. أحاسيسي كله انتفضت من جديد وعاد كياني ينبض بأسى عشت عمري كله أقاومه..
ضممت ابني إلى صدري وصور الماضي بكل عذاباته تتدافع إلى نفسي من جديد.. كفاحي في الدراسة بعد غياب وحملي لقب أرملة وسط زميلاتي الطالبات.. ومأساة بعد التخرج واجتماع العائلة لتقرير مصيري.. أعمل أم لا أعمل.. ملغين بذلك وجودي واختياراتي كامرأة ناضجة لها الحق في تميز دربها الصحيح.
بعد أسبوع من لقائي مع خالد.. أتتني الممرضة لتخبرني بحضور المريض خالد.
دق قلبي بعنف.. حاولت جاهدة إخفاء ملامح اللهفة والاشتياق.. خانتني دمعة.. وهل حقا هذا الذي يحدث.. من بين آلاف البشر يطرق عيادتي ذات مساء شبيه لحبيبي الراحل.. إنها حكمة الله ولله في خلقه شئون.
دخل خالد الحجرة دون أن يلقي علي السلام.. نظرت إليه بسرعة.. لم يكن كعادته.. كان بادىء الاضطراب يعلو وجهه الوسيم وجوم شديد.. ترتجف يداه بعنف..
بادرته قائلة:
ــ مرحبا.. هل أنت في أحسن حال؟
باقتضاب أجاب:
ــ لقد عاودتني النوبة..
لم أسأله أية نوبة يقصد.. فأنا لم أكن أعرف عنه إلا القليل.. القليل جداً مما حكاه لي.. ولم يتشعب حديثنا إلا عن حياته العائلية فقط ولا شيء آخر..
ولم أدر بقصة النوبات التي تحدث له..
حاولت الإفراخ عم روعه وأنا أقتاده إلى المقعد الطويل ليرتاح عليع..
جلست قربه وأنا اسأله بطريقة ودودة:
ــ ما الأمر.. ماذا حدث..؟
تنفس بعمق قبل أن يقول:
ــ لقد عاودتني النوبة.. نهضت من النوم من غير أن أشعر، وصعدت إلى أعلى البناية التي أقطن بها، وحاولت أن ألقي بنفسي من فوق سبعة أدوار.. لولا أن تجمهر الناس وأنقذوني.. والكلمات المعاد نفسها:
ــ لماذا تحاول الانتحار؟ أنت شاب وأمامك مستقبل لامع فلماذا تقتل نفسك بهذه الطريقة؟ وغيرها الكثير من العبارات التي مللت سماعها..
فمتى يعرفون أنني لا أدري عن نفسي شيئاً وأنا أعمل ذلك.. متى يفهمون بأنني مسير ولست مخيراً وأن هذا شيء لا أفهمه.. يحدث بغير إرادتي وكأن شخصا ما يحركني رغماً عني.. لقد تعبت يا دكتورة وأريد أن استريح..
ــ منذ متى تعاودك هذه النوبات؟
ألقى برأسه إلى الوراء وكأنه يعتصر ذاكرته.. قال أخيراً باستسلام:
ــ منذ ثلاث سنوات تقريباً..
ــ وهل تحدث هذه النوبات بانتظام؟ شهرياً مثلاً؟
أشاح بيده قائلاً:
ــ لا.. إنها غير منتظمة.. وقد يحدث أن تأتيني في الشهور الستة مرتين وأحياناً تمر الشهور طويلة دون أن تأتي..
ــ خلال هذه السنوات الثلاث.. كم مرة عاودتك؟
ــ تقريباً أربع أو خمس مرات..
ــ وكلها انتهت بالفشل؟
ــ طبعاً.. و إلا لما كنت أمامك الآن على قيد الحياة..
ــ وماذا يحدث أثناء النوبة بالضبط؟
ــ لا أدري بالضبط.. ولكن شيئاً ما يدفعني بقوة إلى الانتحار.. شيء لا أدري كنهه..
وبدون شعور أحاول أن أقتل نفسي.. أفقت مرة وأنا أحاول طعن نفسي بسكين حادة.. وأمي تحاول انتزاعها مني وهي تنتحب بحرقة.. وأخرى وجدت نفسي قد سكبت البنزين على رأسي، وأحاول إشعال عود ثقاب، لولا أن تدخلت أختي الصغرى آخر لحظة لتنقذني.. والكل يتساءل لماذا أحاول الانتحار.. ماذا يحدث في حياتي لأحاول التخلص منها بهذه الطريقة.. الكثير يقولون لي ألهذه الدرجة هانت عليك نفسك..
وأمي أوعزت لإمام المسجد بأن ينصحني ويقول لي بأنني شاب مؤمن بالله وأن الانتحار كفر..
وأشيح بوجهي يائساً، وأنا أتمزق من الداخل، يفهمهم بأنني فعلاً لا أريد أن أقتل نفسي؟ وأن ما يحدث لي هو شيء لا أرغب به ولا أعلم به.. شيء يصيبني بالرعب والفزع والخوف.. فماذا لو نجحت إحدى هذه المحاولات وقتلت نفسي بالفعل وأنا لا أشعر؟ ماذا يحدث عندها.. إن القلق أدى بي إلى الخوف.. والخوف أدى بي إلى مزيد من القلق ومزيد من الضياع والاكتئاب، فحياتي عاديه أو كما تبدو لي كذلك.. فقد تخرجت في الجامعة منذ عامين وأعمل الآن في وظيفة مكتبية.. وأعيش مع أمي وأختي الصغرى التي تدرس في الجامعة ولا حب في حياتي ولا علاقات من أي نوع..
اضطرمت أحاسيسي وأنا أسمع جملته الأخيرة.. واندلعت النيران في جوفي.. تذكرت "حسن".. حسن الحبيب الراحل.. حبة لفؤاد ولؤلؤة العين.. ولماذا أتذكره في هذه اللحظات بالذات؟
وفي غمرة عملي الذي يجب أن أفصله فصلاً تاما عن حياتي الخاصة.. أنني أتعذب.. أتعذب بالماضي.. وبرؤية الحاضر.. وبالخوف من المستقبل.. آه لو تعلم يا خالد أنني أشاركك الخوف.. الخوف من الآتي القادم والخوف من كل خطوة أخطوها بعد ذلك.. الخوف من العودة إلى وحدتي ويأسي وعذابي.. الخوف من سجن الذكريات الذي ما زال يضرب أسواره حولي.. الخوف من كل شيء وأي شيء..
جاءني صوته المضطرب:
ــ إنني أخشى أن تواتيني النوبة في عملي وبين زملائي فتحدث الفضيحة ويتهمونني بالجنون..
خرج صوتي قوياً على غير إرادتي وأنا اسأله:
ــ هل تذكر بالضبط متى حدثت لك النوبة الأولى؟
وضع يديه على رأسه وهو يضغط بعنف، وكأنه يحاول الإمساك بشيء أفلت من بين يديه..
ثم قال بصوت متهدج:
ــ لا أدري.. ولكن أعتقد إنها حدثت منذ ثلاث سنوات تقريباً.. كنت في السنة النهائية بالجامعة.. وعدت إلى البيت.. كنت مرهقاً مكدوداً.. الجو بارد وغائم.. وجدت أمي تبكي بحرقة ودموعها تسيل على وجنتيها بحرارة.. توجهت إلى حجرتي وألقيت بجسدي على السرير لأنام.. فوجئت بعد ذلك بأمي وأختي وخالي يحاولون إنقاذي من سلك المدفأة الذي لففته حول عنقي لأموت..
كانت صدمة قاسية لي.. وأوشكت فعلاً على التصديق بأنني حاولت الانتحار حقاً ولكن لم؟ لماذا؟ وليس هناك شيء في حياتي يدعوني لذلك.. ثم أني قبل أن أخلد للنوم لم أفكر في هذا الموضوع لا من قريب ولا من بعيد..
كيف؟ ولماذا؟ ومتى؟ والى أين؟
كلها أسئلة حائرة تطرق رأسي ولا مجيب.. لا شيء غير خواء داخلي يحيل حياتي إلى قبضة من سراب..
ثم أجهش بالبكاء..
قاومت نفسي بشدة كيلا أقترب منه وأربت على كتفيه بحنان وأزيح عن كاهليه ولو جزءاً بسيطاً من العبء الذي يحيل حياته لجحيم معذب..
يجب أن أفصل بين عملي كطبيبة وبين إحساسي وشعوري كامرأة.. فالطبيب النفساني يجب ألا يسلط على المريض أي نوع من أنواع العاطفة حتى يتمكن من إنقاذه من الحالة التي يتخبط فيها.
قلت جاهدة ألا يبدو في صوتي أية رأفة وضعف:
ــ وماذا كان موقف أسرتك في ذلك اليوم الذي حدثت لك فيه هذه النوبة؟
نظر إلي برهة وكأنه يستعيد ذكرى ذلك اليوم البعيد ثم قال بصوت أجش:
ــ أبداً.. اجتمع رأي العائلة على أن أذهب لشيخ يقرأ علي القرآن لعل وعسى..
قاطعته بلهفة حاولت إخفائها:
ــ وهل ذهبت؟
قال بحسرة:
ــ نعم ذهبت وذهبت.. وذهبت..
ذهبت في البداية لرجل ادعى بأنني مسكون بأرواح شريرة، ومضى يحاول خنقي بكل قسوة.. وأنا مستسلم دون حراك، وكأنني جثة بلا روح ولما لم يجد شيئاً ادعى بأن الأرواح ترفض الخروج من جسدي..
ثم ذهبت إلى آخر فآخر.. والعلاج يتنوع ما بين ماء وزيت وخلطة من أعشاب متنوعة.. ولا فائدة.. كنت منهمك النفس مهدود القوى.. مشتت الفكر..
كنت أدرك إدراكاً تاما بأن ما يمكن داخلي هو علة نفسانية لا أكثر ولا أقل.. ولكنني رغم هذا كنت عاجزاً.. عاجزاً حتى عن الشكوى..
أرجوك يا دكتورة أنا متعب الآن..
ابتسمت لأوحي له بالثقة وأنا أقول:
ــ حسناً موعدنا بعد ثلاثة أيام الساعة الخامسة مساء..

********************************************
يتبع................

مجدولين
25-05-2004, 08:15 PM
مجهود طيب تشكرين عليه اختي غفران وننتظرك رغم اني في الحقيقة لا احب اسلوب قماشه

وخصوصا اذا كنت تذكرين مجموعتها الاولى فيها قصة يقشعر لها بدني كلما تذكرتها ..

اشعر ان هدفها الاسمى من الكتابة جعل المتلقي يذرف اكبر قدر من الدموع..وهذه مشكلة اغلبية كتابنا الخليجين للاسف..

وجهة نظري :P

اذا كان ممكن تضيفي لي روابط المجموعة التي نقلتيها سابقًا..


دمتم..

غفران
26-05-2004, 08:51 PM
مرحباً أختي مجدولين أحترم وجهت نظرك والكل له وجة نظر :)

وش القصة التي أبكتك يمكن أذكرها أو ممكن موجودة هنا على هذا الرابط الذي سوف

أكتبه لك بناء على طلبك...

http://www.bafree.net/forum/viewtopic.php?t=19608&highlight=

أرجو أن يعجبك هذا الكتاب بعنوان الرجل الحائط

غفران
26-05-2004, 08:54 PM
استلقيت على سريري شبه منهارة.. لم تكن مشاكل عيادتي تؤثر بي ولكن خالد.. خالد إنه شيء آخر.. شيء أكبر من كل الكلمات وحكاية تتضاءل عندها كل الحكايات.. إنه حسن الراحل في ثوب جديد.. ربما يصغره بخمس سنوات.. ولكن الشبه بينهما يستحيل تجاهله أو التغاضي عنه..
بحثت في أحد الأدراج وأخرجت صورا قديمة.. صوراً من سعادة باتت ذكرى توجع القلوب.. صوري مع الحبيب الراحل.. وانسابت الدموع من عيني بحرارة.. الدموع التي تحجرت فيما مضى وذابت حين تعلقت بالحلم المستحيل..
التقيت "خالد" في العيادة.. شوقي تخفيه رزانتي كطبيبة.. وأحلامي تقتلها عيناه الكئيبتان..
قال لي بدون مقدمات:
ــ هل هناك أمل يا دكتورة؟
ابتسمت في وجهه ببشاشة:
ــ بالطبع إن شاء الله.. فأنت لست مريضاً بمعنى الكلمة.. إنما أنت تعاني من شيء ما يمكن في اللاشعور.. في عقلك الباطن.. وحين نتوصل إليه ستشفى بإذن الله.. فلا يوجد داء بلا دواء.. لذلك سأعطيك الآن إبرة التفريغ النفسي.. إنها إبرة مهدئة.. ستريحك تماماً..
وعندما استرخى تماماً على المقعد.. قلت له بهدوء:
ــ والآن ماذا تتذكر من طفولتك..؟
قال بصوت كأنه خرير الماء:
ــ كنا أسرة واحده غريبة.. مجتمعين ولكن على شتات في كل منا أحزان هائلة يعجز عنها قلب بشر.. ومشاكل لا تنتهي بين أمي وأبي على أي شيء وكل شيء.. كنت منتظماً في دراستي رغم ضياعي..
وفجأة حدث الطلاق بين أمي وأبي.. وما زالت ذكرى ذلك اليوم البائس تسكن ذاكرتي وتلقى ظلالاً بائسة على حياتي حتى هذه اللحظة..
فقد عدت من مدرستي متعباً مهدود القوى ( وهكذا أنا دائماً ) وجدت أمي تبكي.. تبكي بحرقة وهي تلملم ملابسنا في حقيبة كبيرة وأبي يلاحقها بكلمات ولكمات غاضبة وألفاظ جارحة.. كنت أشعر بالتمزق والضياع وأنا أسرع راكضاً لألقي على بنفسي بين أحضان أمي ليشدني أبي بقسوة ويطرحني أرضاً وهو يقول:
ــ الفاسد.. المدلل.. أفسدته بتدليلها.. إنه لا يصلح لشيء..
وصمت خالد.. وانعكست عينيه اللامعتين صوراًً من الماضي.. صوراً كئيبة تؤلمه.. تعذبه.. تنغص عليه حياته.. ومستقبل أيامه..
أمسكت بالقلم وكتبت في المفكرة التي في يدي:
( عقدة تكمن في الطفولة.. ولدا وحيد بين أربع بنات )
قلت ببطء:
ــ وقبل ذلك.. أعني الطلاق.. ماذا كان نوع العلاقة بين أمك وأبيك؟
ارتعشت رموشه بين عينيه وهو يقول:
ــ كانت علاقة باردة.. جافة.. تخلو من دفء الحب وحرارته.. كان دائماً يحقر أمي ويهينها ويضربها.. لم أرهما يوماً متضاحكين أو باسمين.. كان كلاً منهما يعيش في عالم آخر ودنيا منفصلة عن شريكة.. وعوضت أمي هذا النقص فينا أو على الأحرى بي أنا..
فأغدقت علي من الحنان والحب الكثير والكثير.. كانت تقول لي دوماً:
ــ أنت حبيبي الوحيد.. أنت الرجل الوحيد في حياتي.. ليس في دنياي سواك..
دونت في المفكرة:
( تعلق مبالغ من الأم بالولد وفي الوقت نفسه قسوة شديدة من الأب )
سألته:
ــ وهل تحب أمك كثيراً؟ أعني أكثر من والدك؟
التفت إلي وكأنه فوجىء بالسؤال.. ثم قال ببرود:
ــ لقد كانت حنونة علي أكثر من أبي وشيء طبيعي أن أحبها أكثر منه..
قلت له وأنا أقصد السؤال:
ــ أتحبها إلى درجة الموت؟
قفز مكانه فجأة وكأنني صفعته.. ولبث لحظة يحدق بي دون حراك.. تمالكت نفسي بصعوبة فلم ترهبني حالته النفسية قدر إحساسي المجنون بقربه مني "حسن الحبيب الراحل يعود لي مرة أخرى"..
انتشلت نفسي من أفكاري وأنا أواجهه.. ترددت أنفاسه بصعوبة.. جاءني صوته وكأنه ينتشله من بئر عميق:
ــ أحب أمي أكثر من أي شيء آخر في الوجود..
وألقى بنفسه على المقعد منهاراً وكأنه اجتاز معركة رهيبة.. معركة مع نفسه..
كتبت في مفكرتي:
( علاقة غريبة تربطه بأمه.. الموت هو كلمة السر )
قلت وأنا أتفحص وجهه:
ــ ماذا كانت علاقة والدتك بأخواتك البنات؟
نكس رأسه بأسى وهو يقول:
ــ كان كل شيء عادياً بينها وبين أخواتي.. لم ألمح أو أحس بأن هناك شيئاً غير طبيعي.. وكما يحدث في كل بيت كان هناك خلافات بين الأم وبناتها.. أحياناً أيضاً كانت هناك أوقات سعيدة ضاحكة بينهن.. والجميع كانوا يشاركون في رعايتي وتلبية كافة احتياجاتي..
قاطعته:
ــ هل كان والدك يضربك؟
اعتدل في جلسته على المقعد فجأة.. ونظر مترددة.. ثم ابتلع ريقه وهو يقول في صوت مهزوز:
ــ ربما.. في أحيان كثيرة.. ولكن هذا لا يهم.. فكل أب في الدنيا من حقه أن يربي أولاده بالطريقة التي يختارها.. وكل الآباء يضربون أبنائهم..
ثم قفز واقفاً وهو يستطرد قائلاً:
ــ أعتقد أننا تكلمنا بما فيه الكفاية هذا اليوم.. أرجو المعذرة.. أريد أن أذهب..
وتركته يذهب بكل بساطة.. تركته يغادرني ومئات الأسئلة تطرق رأسي حائرة دون جواب.. وصورته لا تغادر عيني..
ماذا وراءه؟ مم يعاني هذا الشاب الفتى الممتلىء صحة وحيوية؟ ما العقدة التي تستقر في عقله الباطن وتنغص عليه حياته؟ ما الحادث الذي اعترض حياته وانتهى به إلى هذه الحالة النفسية التي تقوده للأنتحار؟
لماذا قفز فجأة من المقعد حينما سألته عن ضرب أبيه له؟ وإجابته الملتوية ودفاعه الصارخ عم حق أبيه في ضربه؟ وكأنه يهرب من السؤال ومن الإجابة.
أين تكمن عقدته يا ترى؟
لم أنم تلك الليلة.. ولا في الليالي التي تلتها.. حالة ذلك الشاب خالد الذي أسر كياني حيرني ومزقني خوفاً وهلعاً عليه.. فهي ليست حالة عادية بل حالة خطيرة وممكن أن تودي بحياته في أية لحظة..
ماذا لو فقد حياته قبل أن أتوصل لعلاجه؟ ماذا يحدث لي حينئذ؟ لابد أن أسرع في علاجه وأتخذ كافة التدابير والاحتياطات.. لابد أن أرى والته، فربما عن طريقها اكتشف الخيط الذي يقودني إلى عقدته وأحاول حلها..
قبل موعد الجلسة التالية بيومين اتصلت هاتفياً بخالد.. وهي ليست المرة الأولى التي أتصل فيها بمريض، فكثيراً ما ينقطع الخيط بيني وبين مرضاي مما يضطرني الاتصال بهم.
فمنهم المكتئب الذي يرغب بالتقوقع على نفسه بعيداً عن الأطباء النفسانيين.. ومنهم الذي يهرب بعقدته خوفاً من اكتشاف الطبيب لها في اللحظة الأخيرة.. والبعض يخشى من تعرية ذاته أمام الطبيب.. وغيرهم الكثير..
ولكن خالد كان حالة خاصة ليس لإحساسي الوجداني به فعيناه المعذبتين تدفعاني دفعاً لإنقاذه من دياجير الظلام التي يتخبط فيها..
قلت له بمرح:
ــ خالد.. أريد أن أرى والدتك وأتحدث معها إذا كان ذلك في الإمكان..
قال برجفة فضحها صوته:
ــ هل أحضرها في موعد الجلسة القادمة يا دكتورة؟ وهل وجودها ضروري؟
أجبته برقة:
ــ بالتأكيد وجودها مهم في خطة علاجك.. أرجو أن أراها في الجلسة التالية..
في موعد الجلسة التالية دخل خالد وبصحبته امرأة هزيلة تناهز الخامسة والخمسين من عمرها.. وخطها الشيب وترك الزمان بصماته على وجهها النحيل.. في عينيها هلع غريب وكأنها تخاف من كل شيء وأي شيء.. وكأنها شبعت رعباً وخوفاً وهلعاً..
قبل أن أتحدث معها بكلمة دونت في مفكرتي:
( أم خالد.. امرأة خائفة.. خائفة حد الرعب )
دعوتها للجلوس وابتسامتي لا تفارق شفتي.. أردت بث الطمأنينة والأمان إلى نفسها المضطربة الخائفة..
طلبت من خالد أن يغادر العيادة على أن يعود بعد ساعة واحدة.. نظر إلى بتردد قبل أن يبتلعه الباب الخارجي..
قلت لها بود حاولت من خلال النفاذ إلى أعماقها:
ــ ابنك شاب مثقف ورائع..
غابت ابتسامتها السريعة وهي تقول:
ــ كان كذلك دائماً.. حتى.. حتى وقت حدوث النوبات كما يسميها خالد.. إنه..
ثم أجهشت بالبكاء.. اقتربت منها أشد على يديها بحرارة..
قالت من خلال دموعها:
ــ لا أدري لماذا يحاول خالد الانتحار؟ إنه شاب وسيم والمستقبل كله أمامه وأنا أفديه بعمري لو أراد.. ولكن.. لا أدري ماذا أفعل يا دكتورة.. إنني حقاً أتعذب..
قلت لها بهدوء:
ــ إذن ساعديني لننقذ "خالد" مما هو فيه.. إنه حقاً لا يدري ماذا يفعل.. ولكن إذا تعاونا معاً أنا وأنت أمكن أن نساعد خالد وننشله بإذن الله من هذه الأزمة..
أجابت وبقايا دموع عالقة بأهدابها:
ــ وماذا أستطيع أن أفعل؟
ــ نستطيع أنا وأنت فعل الكثير.. فكل ما أريده منك هو سرد ما تستطيعين تذكره من طفولة خالد..

************************************************** *****
يتبع.........

الريشه
26-05-2004, 09:23 PM
مؤثره وتحزن كتييير

انا أحب القصص الحزييييييييينه مرررررررررررره كتير :cry: :cry:

شكرا لكي اختي غفران

وننتظر الباقي>>>>>>>

دمتي بالف خير

اختك الريشه

غفران
27-05-2004, 08:46 PM
أهلاً أختي الريشة

سعيدة بوجودك معنا

اليوم نكمل أحداث القصة

غفران
27-05-2004, 08:48 PM
كيف تزوجت والده.. كيف كانت ظروف ولادته.. طفولته.. نوعية حياتكم العائلية.. وهكذا..
خفضت بصرها إلى الأرض قبل أن تقول:
ــ كعادة أهلنا في هذه المنطقة، فقد تزوجت والد خالد وأنا لا أعرفه ولا أعلم عنه شيئاً ولا حتى صورته.. وفوجئت به بعد الزواج.. فقد كان قاسياً متزمتاً جافاً كعود الحطب.. كان يضربني بسبب وبدون سبب.. يئست من الوصول إلى قلبه أو حتى إلى طريق مشترك يجمعنا ببعضنا، فأهملته وأهملت نفسي وتفرغت لرعاية أولادي.. كل حبي ورعايتي وحناني أصبح لأولادي.. ولسوء الحظ والنصب، أنجبت ثلاث بنات على التوالي، مما أغاظ زوجي وفاقم الأزمة بيننا حتى أوشكنا على الطلاق.. ثم أنجبت "خالد" الولد الوحيد بين البنات.. كان رأسمالي في الحياة والورقة الوحيدة الرابحة في عش الزوجية التعيس.. كان مجيئه للدنيا بمثابة المنقذ الذي انتشلني مما كنت أتخبط فيه.. كنت أحبه أكثر من بناتي وأكثر من حياتي نفسها.. أحطته بحناني وحبي ورعايتي وأرضعته ثلاث سنوات كاملة.. حملت وأنجبت شقيقته التي تليه وأنا أرضعه.. حتى تزوج والده.. تزوج بامرأة أخرى غيري وأعادني أنا وأطفالي بدون فلس واحد إلى بيت والدي الذي لم يرض لي بكل هذا الظلم.. فتقدمنا للمحاكم ورفعنا عليه قضية نفقة ليرد لنا اللطمة بأخرى ويطالب بحضانة بناته الكبيرات اللاتي تعدين سن السابعة..
انحدرت دموعاً مرة على وجنتيها وهي تستطرد:
ــ وانتزع مني بناتي وكأنه ينتزع فؤادي.. انتزعهن قبل أن أودعهن الوداع الأخير.. فلم أكن أعتقد ولو للحظة بأنه سيحرمني منهن إلى الأبد..
وبكت بمرارة..
قلت لها بهدوء:
ــ وخالد ما موقفه..؟ وماذا كان يفعل إزاء كل هذه المشاكل بينك وبين والده؟
مسحت دموعها بظهر كفها وهي تقول وكأنها تتذكر:
ــ إنه غالباً يبقى هادئاً صامتاً ولا ينبس بكلمة..
قاطعتها:
ــ ولا حتى انفعال من أي نوع؟
كررت كلماتي ببطء:
ــ ولا حتى انفعال من أي نوع..
ثم لمعت عيناها فجأة وأردفت بعد هنيهة صمت:
ــ إنه أحياناً يندفع خارجاً من البيت وكأنه يهرب من شيء ما..
سألتها:
ــ ومتى كان يحدث هذا؟
أجابت بهدوء:
ــ لا أدري.. ولكن أعتقد أنه بعد أن يراني أبكي بشدة يفعل هذا.. وقد كان هذا سابقاً.. ولا..
قاطعتها بسرعة:
ــ ولما أصبح شاباً تغيرت حالة الهروب هذه إلى نوبات.. بمعنى أنه عندما يراك تبكين بقوة بدلاً من أن يهرب من البيت كالسابق عندما كان طفلاً فأنه يحاول أن يقتل نفسه بغير إرادته.. هل هذا صحيح؟
نهضت من مقعدها لتواجهني بعينيها الخائفتين:
ــ ما معنى هذا يا دكتورة..؟
ألقيت بنفسي على مقعدي متثاقلة وأنا أقول:
ــ لا أدري.. حقاً.. مازلت حتى الآن لا أدري.. ولكن هل تتذكرين بالضبط ماذا حدث في نوبته الأولى.. أول نوبة تحدث له؟
امتلأت عيناها بالدموع وقالت بصوت متهدج:
ــ كنت مستلقية في سريري أحاول عبثاً النوم حينما اقتحمت حجرتي ابنتي الصغرى صارخة:
ــ أمي.. أسرعي.. خالد يحاول الإنتحار..
أسرعت إليه بدون شعور بينما انطلقت شقيقته لتبلغ خالها في الجوار.. تحلقنا حوله نحاول انتزاع سلك المدفأة من بين يديه الذي كان يلفه حول عنقه بإحكام شديد وكأنه يود الخلاص من حياته..
بعد محاولات عدة وبكاء وصراخ، فتح عينيه فجأة، وكأنه يفيق من حلم مزعج.. عاتبناه على فعلته.. نظر إلينا بدهشة شديدة وأنكر أنه يحاول الانتحار ثم بكى منهاراً وهو يقول بأنه لم يكن يدري ما يفعل..
قلت لها فجأة:
ــ وكيف كانت هيئته حينذاك.. أقصد حينما كان يحاول الانتحار؟
أغمضت عينيها كمن يحاول التذكر.
قلت لها هامسة:
ــ أرجوك تذكري.. فالأمر مهم..
عمّّ الصمت أرجاء الحجرة لعدة ثوان قبل أن تهتف فجأة:
ــ نعم.. نعم تذكرت.. كان وجهه محتقناً بشدة وعيناه محمرتين وكأنه قد شبع من البكاء.. وقد كان خائفاً.. نعم نعم.. لقد كان خائفاً جداً وكأنه يهرب من وحش يطارده.. كان السلك يلتف حول عنقه وهو يتلفت بخوف باحثاً عن شيء ما.. لماذا يا دكتورة؟
كتبت في مفكرتي دون أن أجيب:
( يهرب من شيء ما يرعبه.. تمكن عقدته في الخوف من شيء ما )..
اقتربت منها بهدوء وأنا أقول:
ــ سؤال أخير يا أم خالد.. أرجوك أن تتذكري بالضبط.. ماذا حدث لك في ذلك اليوم الذي حدثت لخالد فيه النوبة.. لماذا كنت تبكين بشدة؟
نظرت إلي بسرعة.. ثم نكست رأسها وصمتت.. طال صمتها حتى اعتقدت أنها لن تجيب عن سؤالي..
أخيراً قالت بصوت جاف:
ــ لم أنس بناتي طوال تلك السنوات حتى وإن نسيهن من حولي.. كنت أنام كل ليلة وصورتهن بين أحداقي.. كنت أتساءل بالسر والعلن عن مكان وجودهن.. وقبل أن تحدث لخالد النوبة الأولى بأيام صادفت امرأة تعرفني منذ أيام زواجي الأولى فقد كانت قريبة لزوجي من بعيد.. تعلقت بها كما يتعلق الغريق بقطعة خشب طافية على الماء.. عرفت منها أن اثنتين من بناتي قد تزوجن وإن كانت لا تعرف على وجه التحديد أين يقيمان والثالثة ما زالت باقية عند أبيها وزوجته وأولاده..
حاولت أن أحصل منها على العنوان لكنها لم تكن تعرفه.. كل ما أخذته منها هو رقم هاتف منزلهم.. عايشت صراعاً مريراً مع نفسي حتى انتصرت عاطفتي على كرامتي وبقيت إرادة الأم هي الأقوى..
لم يكن يجيب على الهاتف سوى زوجي السابق.. لذلك رجحت بأن هذا الرقم ربما يكون هاتف المكتب أو العمل..
في ذلك اليوم البائس حادثته.. رجوته أن أرى ابنتي أو الأخريات.. عنفني وبصق في وجهي.. ذكرته بأولاده الباقين هدى وخالد.. وما أن نطقت بإسم خالد حتى صرخ بشدة:
ــ فلتشبعي به.. أنني لا أريد أن اعرفه ولا أن أراه..
وأغلق سماعة الهاتف في وجهي..
فأجهشت في بكاء مرير.. ودخل خالد.. كان قادماً من الجامعة متعباً.. منهمكاً.. أخبرته بما حدث.. ولم يعلق بكلمة.. دلف إلى حجرته بصمت وأنا غارقة وسط دموعي الحارة.. ثم حدث ما حدث..
دونت في المفكرة:
( النوبات تحدث له بعد مواجهة صريحة مع ماضيه.. مع والده على وجهه التحديد.. شيء ما يخيفه من والده )..
قلت بصوت ناعم:
ــ لقد أتعبتك اليوم يا أم خالد.. ولكن أرجو أن تخبريني هل كان والد خالد يضربه؟
اختلجت شفتاها بقوة واهتزت رموش عينيها.. قالت بعد جهد.. وكأنها تهرب من الإجابة:
ــ نعم..
لاحقتها بالسؤال:
ــ هل كان ضرباً مبرحاً؟
أجابت بحسم وكأنها تنهي الموضوع:
ــ نعم.. ولكن ما علاقة ذلك بالموضوع؟
فاجأتها بسؤالي:
ــ أم خالد.. لماذا أنت خائفة؟
ارتعدت أوصالها بعنف.. وكأن قشعريرة باردة قد تخللت جسدها المنهمك.. شرد عيناها.. أجابت بشردود:
ــ إنني خائفة على ابني.. خائفة على خالد..
ثم استطردت بعد أن استجمعت شتات نفسها:
ــ أرجوك يا دكتورة حاولي أن تنقذيه..
شددت على يدها بحرارة وأنا أعدها بكل خير..
خرجنا من الحجرة لأجد خالد يذرع غرفة الاستقبال جيئة وذهاباً..
ابتسم قائلاً حين رآنا معاً:
ــ هل انتهيتما من الحديث عني؟
بادلته الابتسامة وأما أهمس:
ــ لا تنس يا خالد.. أرجو أن تعود إلي بعد ثلاثة أيام.. اتفقنا..
وغادرني متأبطاً ذراع والدته أو على الأصح هي المتشبثة به وكأنه سيغادرها إلى غير رجعة..
عدت إلى حجرتي وأنا أمسح دموعي الكثيرة.. جاءني صوت الممرضة حانياً:
ــ أنت عاطفية يا دكتورة.. ستتعبين كثيراً إذا لم تفصلي بين عملك كطبيبة.. وبين أحوال الناس ومآسيهم..
ابتسمت ظاهرياً وأنا ابتلع غصة.. إنها لا تدري ولن تدري بأن خالد هو جزء لا يتجزأ من حياتي.. إنه حسن يعود في صورة أخرى.. وليته لم يعد..

&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&

يتبع.........................................

felooooooooooooo
28-05-2004, 03:47 AM
مجهود طيب منكي اختي غفران

وفقك الله وساعدك

تحياتي لك
وانتظر منكي البقيه :)

اخوكي احمد

غفران
29-05-2004, 09:44 PM
شكراً أخي أحمد على

متابعتك لأحداث القصة

غفران
29-05-2004, 09:45 PM
عشت أياماً كئيبة وأنا أغوص في أمهات الكتب بحثاً عن حالة مشابهة لحالة خالد.. ولكن عبثاً كنت أحاول..
خالد حالة خاصة متفردة بذاتها لا يشبهها شيء حتى بالنسبة لي شخصياً.. فهو قد أيقظ نفسي التي ماتت وشبابي الذي دفنته بين المرضى.. وجوده أعاد لي إحساسي بالحياة رغم إصراري على فصل عالمه عن عالمي وألا تطغى شخصيتي الأنثوية على عملي كطبيبة..
كنت أؤكد دائماً لنفسي أن حسن مات ولن يعود وأن خالد مجرد صورة.. صورة منه..
تتراءى لي صورته.. صورة خالد باستدارة وجهه وشاربه الأسود الخفيف وعينيه المملوءتين حزناً ودموعاً.. شملتني تعاسة تامة فكيف أنتشله مما هو فيه.. كيف؟
تذكرت والده.. والد خالد.. وهو المحطة الأخيرة التي يجب أن أصل إليها.. الضرورات تبيح المحظورات.. ووالد خالد ضرورة بعد أن سدت السبل في وجهي وأصبح خالد المشكلة الوحيدة في حياتي.. فرغم أن كل شيء واضح أمامي إلا أن عقدته الأساسية ما زالت غير مرئية وتغيب في دهاليز ذاكرته..
ولكن كيف أصل لوالده وبيننا عشرات مئات العراقيل.. أولها أن الأب يحاول إنكار وجود ولده خالد، وليس آخرها إنه رجل متزمت ذو عقليه متحجرة كما سمعت عنه..
ولكنني لم أيأس وطمأنت نفسي بأنني حتى لو فشلت في مهمتي فيكفيني شرف المحاولة..
قررت أن أبحث عن والد خالد بمعزل عن ولده.. فلا أريد لخالد أن يعرف أي شيء عن هذا الموضوع.. فربما تعاوده حالاته المرضية التي تشتد بقوة حينما يتذكر والده.. وطفقت أبحث في دليل هاتف المنطقة حتى عثرت على ثلاثة أرقام للإسم نفسه..
اتصلت بالرقم الأول ليرد علي عامل آسيوي أخبرني بلغة متعثرة بأن أصحاب المنزل قد انتقلوا إلى منزل آخر.. وأنه لا يعرف لهم عنوانا أو رقم هاتف..
حاولت بالرقم الثاني ليأتيني الإحباط مضاعفاً، فقد أجابتني امرأة بأن صاحب هذا المنزل قد توفى منذ عشر سنوات وأن لا أولاد له..
ورقم الهاتف الثالث كان يرن بلا مجيب.. أعدت المحاولة مرات ومرات بدون أية فائدة..
ألقيت برأسي على سريري غارقة في لجة من الأحزان، تطالعني صورة حسن بطلعته البهية لتزيد من حزني وآلامي..
رباه كيف أساعد خالد.. كيف أنقذه من مخالب هذا المرض المخيف الذي يحاول الانقضاض عليه في أية لحظة..
لماذا تنغلق الأبواب في وجهي ولا أقبض إلا السراب..
وفجأة خطر لي خاطر.. لماذا لا يكون رقم الهاتف الثالث خاص بمكتب أو شركة لا تتواجد إلا في الصباح فقط..
فرحت لهذا الخاطر وقضيت ليلة مسهدة في انتظار طلوع الصباح..
وفي العيادة كررت الاتصال بالرقم نفسه ليرد علي صوت أجش سألته فيما إذا كان هو والد خالد..
تغيرت لهجته في الحال وقال لي بخشونة:
ــ من أنت وماذا تريدين؟
بصوت رقيق أفهمته بأنني طبيبة خالد وأحاول مساعدته ويجب أن يحاول هو كذلك مساعدتنا..
قال بأنه لا يعرف "خالد" ولا يريد أن يعرفه.. أمنته على كلامه، ولكنني أخبرته صراحة بحرج وضع ابنه وأنه يجب أن يساعدني وليس من الضروري بأن يرى أبنه..
قال وقد نفد صبره:
ــ وماذا تريدين بالضبط؟
ــ أن تحضر لعيادتي لألقي عليك بعض الأسئلة..
صرخ بقوة:
ــ أنا لست مجنوناً لأزور عيادات نفسية.. إذا كان لديك أسئلة فأخبريني بها حالاً..
وقررت بسرعة بيني وبين نفسي بأن ألجأ للتهديد.. فإن هذا الرجل على ما يبدو لا يجدي معه اللين، فكلما ازددت هدوءاً ازداد هو حقدة وعنفاً، فأيقنت أنه من ذلك الصنف الذي فقد كل شيء مع أبوته وما إمعاني له بالتوسل إلا نوع من الإذلال تأباه نفسي وكرامتي ولا يزداد معه إلا تعنتاً وطغياناً.. قلت له بسرعة:
ــ أتعلم بأن رفضك التعاون مع الأطباء يعد مخافة تعاقبك عليه السلطات المختصة؟
صمت لحظات وكأنه يبتلع ريقه قبل أن يقول بصوت بالغ الهدوء:
ــ إنني لم أرفض التعاون معك، ولكنني خشيت أن يراني الناس أتردد على العيادة النفسية فيعتقدونني مجنوناً..
ابتسامة نصر اعتلت شفتي وأنا أقول:
ــ اطمئن لا يستطيع أحد أن يقول عنك مجنوناً.. ولا حتى ابنك خالد.. ولكن صدقني أنا في حاجة إليك..
قال باستسلام:
ــ غداً العاشرة صباحاً.. لن أستطيع الحضور بعد الظهر على الإطلاق..

قلت بهدوء:
ــ حسناً فلتكن العاشرة من صباح الغد..
نبض قلبي بجنون حينما وقع بصري على والد خالد لأول مرة.. إنه نسخة منه.. نسخة طبق الأصل.. بل خالد نسخة من والده.. الأنف الروماني الدقيق ذاته واستدارة الوجه العجيبة.. الشفتان نفسهما المملوءتان قرفاً واشمئزازاً..
وكأن خالد أمامي وقد أضيف لعمره عشرون سنة على الأقل..
رباه.. لماذا ينكر الأب أبنه وهو نسخة مكررة منه، لماذا يكرهه ويرفض مرآة وهو أبيه من صلبه؟ لا بد أن هناك نقطة ما تغيب عني.. لا بد أن في الأمر سراً..
حييته بابتسامة، ولكنه كان يشبك يديه بعصبية وينظر إلى ساعته بين فينة وأخرى وكأنه متعجل..
قلت له بصوت حاولت جهدي أن ينفذ إلى أعماقه:
ــ ألا تريد أن تعرف مرض خالد بالضبط..
قال ورموشه تهتز فوق عينيه:
ــ هذا موضوع لا يهمني.. أرجوك يا دكتورة ألقي علي ما تشائين من أسئلة بسرعة لأني متعجل..
أطرقت برهة أفكر.. إن دوري كطبيبة لا يقتصر على معالجة النواحي النفسية في المرضى فقط.. بل يتعدى الأمر إلى النواحي العائلية.. إلى كل شيء يساعد المريض على استعادة توازنه الذهني والنفسي حتى لو اضطررت إلى بحث القضايا العائلية التي لا شأن لي فيها.. لتسليط الضوء عليها وربما للم الشمل فيما بعد..
قلت له بهدوء:
ــ أتدري أن "خالد" يشبهك كثيراً..
اشتعلت عيناه بغضب مكتوم وهو يقول:
ــ هل هذا أحد الأسئلة؟
ثم أردف بحدة:
ــ دكتورة لا أملك من الوقت إلا عشر دقائق وبعد ذلك أنا مضطر إلى الاستئذان..
واجهته بالحدة نفسها:
ــ لماذا كنت تقسو على خالد في طفولته..
بوغت.. نظر إلي بدهشة,, تم تمالك نفسه وقال بصوت عميق:
ــ هل تريدين الحقيقة.. أمه هي السبب.. كانت تحبه بجنون وتدللـه بشكل غير طبيعي وتغرقه بحبها وحنانه دوناً عن بقية أخواته البنات.. حتى هو ابتدأ يتعلق بها بجنون ويبتعد عني شيئاً فشيئاً، حتى بت أعتقد أنه يكرهني وخاصة بعد أن تزوجت بأخرى غير والدته.. يبدو أنها كانت هي التي تحرضه ضدي وتبعده عني.. إنها هي السبب.. إنها هي السبب في كل شيء..
قلت له بصوت بارد:
ــ وهل كان هذا هو السبب الوحيد؟
احتقن وجهه بشدة.. نظر إلي بغضب وهو يقول:
ــ ماذا تقصدين بالضبط؟
ألقيت برأسي إلى الوراء وأنا أقول بارتياح شديد:
ــ أقصد أنه ربما يكون هناك سبباً آخر تكره خالد من أجله.. ربما أنت لا تحب الأولاد مثلاً وتفضل عليهم البنات..
هز رأسه بعنف وهو يقول:
ــ أبداً.. على العكس من ذلك عشت طوال عمري أمقت البنات، فقد عشت وحيداً مع تسع بنات هن أخواتي.. وعائلتي بأسرها لا تنجب سوى البنات، فأختي الكبرى لديها سبع بنات وأختي التي تليها لها العدد نفسه من البنات.. ويتفرق عدد البنات بين بقية أخواتي بين خمس وأربع واثنتين.. مما سبب لي أزمة نفسية كبرى خاصة عندما أنجبت زوجتي ثلاث بنات على التوالي، فألقيت يقيناً تاماً بأنني لن أحصل على الولد طوال حياتي وتقبلت حياتي على هذا الأساس.. وفجأة أنجبت زوجتي "خالد" الولد الوحيد في العائلة بأسرها.. المفاجأة أرعبتني وعكست ردة الفعل لدي فبدلاً من الفرحة الزاعقة التي من المفروض أن أشعر بها حدث لدي حزن عميق، وكأن هموم الدنيا قد اجتمعت فوق رأسي لدرجة أن الدموع عرفت طريقها إلى عيني ولأول مرة في حياتي.. كرهت هذا الولد ونفرت منه بشكل غريب لم أعهده قبلاً خصوصاً مع تزايد تعلق والدته به وحدبها عليها وعنايتها الشديد به.. ولما عنفتها مراراً على تفضيلها إياه على بناتي بهذه الطريقة، اتهمتني بأنني أغار منه وأنني أريد لنفسي أن أظل دائماً الرجل الوحيد في العائلة.. إنها لا تفهم وهي سبب في كل شيء..
بعد أن أنهى الأب كلماته.. أطرقت مفكرة.. لقد فهمت جزءاً من العقدة التي تحيل حياة خالد إلى جحيم لا يطاق.. فهمت أن والده مصاب بما يشبه المرض النفسي ويكره ابنه من جراء ذلك، فهو اعتاد على كونه الذكر الوحيد بين مجموعة من الإناث ويصعب عليه تقبل وجود ذكر آخر حتى ولو كان ابنه الذي انتظره طويلاً.. إنه مريض ويستحق الشفقة..
نظرت إليه بإشفاق وأنا اسأله:
ــ وهل أنجبت أطفالاً من زوجتك الجديدة؟
أجاب بسرور حاول إخفاءه:
ــ نعم لقد أنجبت منها ثلاثة بنات..
لم استطع مقاومة نفسي فسألته بدهشة:
ــ ألا تحتاج إلى رجل يؤازرك في عملك وفي رعاية بناتك؟ ألا تحتاج إلى ابنك الوحيد؟
أشاح بوجهه وقد عادت إليه عنهجيته وهو يقول:
ــ أنني لا أريده.. فلتشبع أمه به..
أطرقت لحظات أفكر بالأمر.. وقد تملكني اليأس من كل الجهات.. الأب يعاني من عقدة نفسية، وينكر ابنه، ولا يريد أن يراه، والأم ضعيفة خائفة لا حول لها ولا قوة.. والإبن ضائع بينهما، يموت في اليوم ألف مرة، ويعاني من خوف رهيب يكاد يقضي علي حياته في أية لحظة..
هل أقف هكذا مكتوفة الأيدي.. لم أخرج مع لقائي مع الأم بشيء.. ولقائي مع الأب يكاد ينتهي دون أن أخرج منه بفائدة ترجى..
أعدت النظر إلى أوراقي.. وفجأة خطرت لي فكرة غريبة تنطوي على مخاطر قد أستفيد منها بشيء وإلا ضاع كل شيء..
فكرت بسرعة.. إن حياة خالد ومستقبله وشبابه يستحقان مني هذه المقامرة وليكن ما يكون..
تململ أبو خالد في مقعده.. ووقف متأهباً للمغادرة قائلاً:
ــ أعتقد أننا قد انتهينا.. استأذن أنا..
قلت له بصوت قوي، وقد عقدت العزم على تنفيذ ما فكرت به:
ــ انتظر لحظة يا أبو خالد.. إنك لم تقل لي كل شيء.. فقد بقي لي سؤال واحد أو على الأصح استفسار.. إنك لم تقل لي مثلاً لماذا حاولت قتل ابنك خالد؟
تسمر في مكانه لحظات.. وقف يحدق بي كالمصعوق.. ارتجفت يداه بشدة.. وتهاوى على مقعدة باستسلام.. وأخيراً تمالك نفسه.. سألني بحقد والشرر يتطاير من عينيه:
ــ هل أخبرتك بذلك.. أليس كذلك؟
وقبل أن أعي ما يتطلبه هذا الموقف مني.. أردف بصوت متداع ونبرة من الحزن تغلف كلماته:
ــ إنها هي السبب في كل شيء.. فلم أكن أقصد قتله.. أبداً لم اقصد.. وهل من المعقول أن يقتل أي إنسان أو حتى حيوان ابنه؟
وقفت صامتة ولم أحر جواباً.. وماذا أقول لهذه الصدمة غي المتوقعة.. لقد كان الأمر مجرد استنتاجاً من الممكن أن يصيب أو يخيب.. كنت قد فكرت بكل الاحتمالات التي من الممكن أن تجعل شاباً مثل خالد يخشى من أبيه ويخافه ويتعلق بأمه هذا التعلق الطفولي، ثم أنه كان يتحاشى الحديث عن ضرب والده له، وحتى والدته كانت ترهب الجانب من الحديث، وتهرب منه.. فطرأ لي هذا الطارىء الغريب الذي ما لبث أن أصبح حقيقة واقعة من المذهل أن تكون هي الحلقة المفقودة التي أبحث عنها..
خرج صوتي جافاً مبحوحاً وأنا أقول له:
ــ تقصد أم خالد..
هتف بشدة:
ــ ومن غيرها تسبب في تدميرنا أنا وأولادها..
حاولت اجتراه للحديث أكثر وأكثر:
ــ صدقني يا أبو خالد.. أم خالد لم تقل لي أي شيء عن هذا الأمر..
قال وهو يرمقني بريبة:
ــ ومن قال لك إذن؟
أجبته بهدوء:
ــ لم يقل لي أحد شيئاً عن هذا الموضوع.. كان مجرد استنتاج أكدته أنت بكلامك.. ألم تلحظ أنني قلت لك في صيغة سؤالي " لم تقل لي مثلاً لماذا حاولت قتل ابنك خالد" إنني قلت مثلاً ولم أؤكد..
انتصب واقفاً وهو يقول:
ــ لقد أمضيت هنا في عيادتك ما يقارب الساعة وقد اتفقنا على عشر دقائق.. آسف فأنا مضطر للإنصراف..
لم أستقبله أكثر من ذلك.. فيكفيني ما عرفته منه.. ما كنت أحسب أنني سأتوصل لهذا الاكتشاف المثير..
بقي أن أعرف تفاصيل هذه الحادثة.. وكيف حدثت.. ولماذا؟ لأتمكن من التوصل لعلاج خالد العلاج الشافي والنهائي بإذن الله..

&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&

يتبع*********************

غفران
02-06-2004, 01:03 AM
لم يكن أمامي سوى أم خالد.. هي الكائن الوحيد الذي سيوضح لي ما غمض لي فهمه، ولم أتراجع أو أتردد..
اتصلت بخالد هاتفياً.. جاءني صوته المرتجف:
ــ أهلاً يا دكتورة..
قلت له بمرح:
ــ يبدو أنني قد تعلقت بالسيدة والدتك، فأنني أرغب في رؤيتها مرة أخرى لو كانت تود ذلك..
أجابني بفرحة أخافني مصدرها:
ــ بالطبع.. بالطبع يا دكتورة سأحضرها لك في أي وقت تريدينه..
أغلقت سماعة الهاتف بعد اتفقنا على الخامسة من مساء الغد.. أعادني صوت خالد إلى صورة الحبيب الراحل حسن.. امتلأت عيناي بالدموع وغرقت الحجرة الكئيبة بالصمت الحزين، حتى علا صوت نشيجي بعد لحظات..
بكيت كما لم أبك من قبل.. ترى هل أحسست بقرب انتهاء مهمتي من علاج خالد ووداعي له بعد ذلك؟ وماذا يعني لي ذلك؟
كان يجب ألا يعني لي شيئاً وداع مريض كائن من كان.. كانت رفقة لمصلحة المريض ثم يذهب كل منا في طريق بدون عذابات أو جراح أو ارتباطات من أية نوع..
فأي مريض يكون في فترة ضعف أثناء مرضه، خاصة المريض النفسي.. يتقبل فيها كل شيء ويتعلق فيها بأي شيء..
ترى هل بدر مني ما شجع خالد على الاقتراب وجدانياً؟
هل رأى في عيني نظرة أو لمح في وجودي إحساساً أو عكست له ملامحي يوماً ما شيئاً مما يعتمل داخلي..
ترى هل نجحت فترة علاج خالد في فصل عملي كطبيبة ومعالجة نفسية عن عواطفي ومشاعري كأي امرأة أخرى في هذه الدنيا؟
لأن أي تفكير آخر في هذا الموضوع من الاستحالة بمكان أن يتحقق..
فحتى لو أحبني خالد.. فلن أقبل حبه، لأنه سيكون حباً مؤقتاً بطبيعة الحال، وحالما يستعيد نفسه وقوته النفسية والمعنوية فسيكرهني بالتأكيد.. لأنني أعلم ما لا يعلمه غيري.. أعلم ما يخجل بذكره أمام الناس.. أعلم نقاط ضعفه وقوته.. وأي إنسان بالعالم لا يرغب في أي يكون مكشوفاً أمام الآخرين فما البال برجل وشاب في بداية تفتحه للحياة.. وفي فترة تكونيه لشخصيته المستقلة..
وماذا عن نفسي أنا الأرملة والأم لطفل في العاشرة من عمره.. المسحوقة بالعذاب.. ذات القلب الممتلىء صديداً ومرارة ودموعاً.. كيف أربط حياتي بحياته.. كيف أتوق لمعانقة المستحيل.. ومجافاة الواقع الأليم..
سأدعه لحياته وشبابه وسأجهض أية محاولة له للتقرب مني.. إن حسن الراحل شيء وخالد شيء آخر.. حسن هو حبي الأول والأخير.. ولن يحتل مكانه آخر في قلبي حتى الممات.. إنه هو الأصل.. هو الأصل دائماً.. وخالد ما هو إلا صورة ممزقة عنه.. صورة يجب أن أنزعها من أعماقي لتعود لحياتي سكونها وروعتها.. ويعود هو لحياته الصاخبة وشبابه الواعد ومستقبله الزاهر.. لن أربط حياتي بحياته..
وفي الغد استقبلت أم خالد ببشاشة.. ولم تفتني نظرة الخوف التي تسكن عينيها بصفة دائمة..
سألتني برهة:
ــ ألم يحدث أي تقدم في علاج خالد؟
ابتسمت في وجهها بحرارة وأنا أقول:
اطمئني يا أم خالد.. أياما قليلة ويعود لك خالد كما عرفته دائماً.. ولكنك لم تخبريني كل شيء عن خالد..
برقت عيناها الصغيرتان بوميض غريب وهي تقول:
ــ وعن ماذا تريدين أن أخبرك؟ لقد حكيت لك كل شيء..
فاجأتها بسؤالي:
ــ ولكنك لم تحكي لي عن محاولة والد خالد قتله..
تلفت حولها في ذعر، وكأنها تخشى أحداً سينقض عليها.. ثم تراخت على مقعدها وهي تنتفض بشدة.. وحالما استعادت هدوءها طلبت مني كوباً من الماء.. بعدها ران صمت عميق في الحجرة لا يقطعه سوى تنهداتها الحارة..
أدركت إنها تعاني بشدة، فلم أشأ إزعاجها بكلامي.. حتى قطعت الصمت بقولها:
ــ لقد مر زمن طويل على هذه الحادثة.. فنسيتها أو على الأصح حاولت نسيانها، لأنها تمثل لي أمراً مزعجاً لا أحب تذكره على الإطلاق..
فقد كثرت خلافاتنا أنا وأبو خالد حول خالد وطريقة رعايتي وتدليلي له، وذات يوم وخالد يبلغ من العمر حوالي ثلاث سنوات أو يزيد قليلاً، حدثت مشادة كبرى بيني وبين والد خالد فقام بضربي بكل ما تقع عليه يداه ثم جذبني من شعري ليلقيني أرضاً ويركلني بقدميه..
لكن خالد الصغير الذي كان يتفرج على هذا المشهد أسرع إلى والده يحاول ضربه بحذاء كان في يده صارخاً فيه أن يبتعد عني..
وفوجئنا جميعاً ذلك اليوم المشئوم بالأب وهو يكاد يجن غضباً، يحمل "خالد" وهو يهدر بقسوة: سأقتله.. سأقتل هذا الولد.. قسماً بربي سأقتله..
وأسرعت وراءه لأجده فعلاً يقوم بسكب البنزين على رأس الصغير ويحاول إشعال النار فيه، ولما حاولت إنقاذه من بين يديه استل سكيناً كبيرة كانت في المطبخ وقتذاك.. وهددني بذبحة أمام عيني إذا لم أبتعد عنهما..
ولما أعيتني الحيل بكيت بعنف وأنا أقبل أقدام أبا خالد راجية منه أن يهدأ ويفكر بالأمر بروية.. وسأكون خادمة له طوال العمر..
وما أن انقضت لحظات على بكائي وعويلي حتى أسقط ابنه أرضاً وأسرع خارجاً من البيت..
صمتت أم خالد.. صمتت ولكن دموعها تحدثت.. إنها تبكي.. تبكي لذكرى ذلك اليوم المفجع.. إنه حقاً يوم أسود يصعب أن ينمحي من الذاكرة أو الوجدان، فكيف بعقلية طفل دون الرابعة يعيش المخاوف الطبيعة كغيره من الأطفال في هذه السن الحرجة..
مسكين أنت يا خالد.. إن في أعماقك وحشاً كاسراً اسمه القتل يكاد ينقض عليك في أية لحظة..
تندت عيناي بالدموع على الرغم مني.. وحاولت جاهدة أن أتمالك نفسي وأنا اسأل أم خالد:
ــ وكيف كان موقف خالد ذلك اليوم؟
قالت بصوت متهدج:
ــ أتقصدين وقت الحادث.. أنني لم أنس منظر خالد ذلك اليوم ما حييت.. كادت عيناه تخرجان من محجريهما خوفاً ورعباً، وكان يبكي.. ووجهه محتقناً بشدة.. وشفتاه زرقاوان.. لم ينم تلك الليلة، بقي ساهراً حتى وقت متأخر رافضاً شتى إغراءاتي له لينام.. وعندما نام كان يصرخ بين الفينة والأخرى، وكأنه يعاني من شيء مزعج يقض عليه مضجعه..
تمتمت وكأنني أحادث نفسي:
ــ أي الحالة نفسها والتفاصيل نفسها عد أنه في الحالة الأخيرة يكون هو الساعي لقتل نفسه وليس أباه..
مسحت الأم دموعها الكثيرة وهي تقول:
ــ إنه لا يستحق أن يكون أباً.. إنه رجل قاس بلا رحمة أو شفقة.. إنني أنأى بخالد أن يكون ابناً لذلك الرجل..
حاولت تهدئة نفسها المضطربة من جراء إعادة الذكرى الموجعة لذلك اليوم الكئيب..
وقبل أن تغادرني صافحتها بحرارة وأنا أؤكد لها كلماتي:
ــ كما اتفقنا يا أم خالد.. لمصلحة ابنك أرجو ألا تحدثيه عما دار بيننا من حديث على الإطلاق خاصة تلك الحادثة..
أقبل خالد وهو يبتسم بوداعة.. نبض قلبي بجنون وأنا أحاول الثبات باستماتة، لا أدري هل حادثه طفولته قد تركت أثراً في يبتسم الابتسامة نفسها.. رباه.. لا..
قلت له بثقة حاولت التشبث بها..
ــ أراك غداً في الموعد نفسه..
حدق بوجهي لحظات قبل أن يقول:
ــ حسناً دكتورة.. إلى اللقاء غداً..
واصطحب والدته التي بدت وكأنها قد تقدم بها العمر عشر سنوات أخرى.. أكثر شحوباً وأكثر هزالاً وأعمق حزناً..

**********************************************
يتبع******

ترقبوا غداً آخر أحداث الرواية لا تفووووووووووتكم.

غفران
02-06-2004, 11:42 PM
ما أن نهضت من النوم صباحاً حتى فوجئت بهاتف من أم خالد.. جاءني صوتها المضطرب:
ــ أسرعي يا دكتورة.. خالد.. لقد عاودته النوبة.. إنه يحاول قتل نفسه..
ارتديت ثيابي على عجل وعشرات الأفكار تدور في رأسي.. وعرفت الدموع طريقها في عيني، وأنا أفكر ترى هل نجحت محاولته هذه المرة وقتل نفسه.. قتل نفسه قبل قبل أن أنقذه..
تمتمت بدعواتي إلى الله أن يحميه..
استقبلتني أم خالد على الباب جازعة.. سألتها بقلق.. :
ــ أين خالد؟
أشارت إلى أحد الأبواب في صالة الاستقبال الفسيحة.. كان الباب موارباً.. دخلت وأنا أرتعش..
فوجئت بهيئته العامة.. فقدت عيناه بريقهما المحبب، واتسعت حدقتهما خوفاً ورعباً.. كان وجهه أحمراً ملتهباً والعرق الغزير يغرق وجهه ويبلل صدره.. كلا.. إنه ليس عرقاً..إنها دموع.. دموع خوف ورجاء وتوسل.. إنه يبكي ولا يدري علام يبكي.. إنه في قمة معاناته النفسية.. في قمة عقدته ومأساته..
رأيت شقيقته إلى جانبه تبكي وقد مسكت بزجاجة دواء أخفتها بين طيات ثيابها..
أشارت إلى الزجاجة بحزن قائلة:
ــ إنه يحاول الانتحار..
التفت بغتة لي.. والتقت عيناه الخائفتان المهزوزتان بعيني الثابتة القوية.. ركزت نظراتي في عينيه وكأنني أثبت له بأنني رأيته في هذه الحالة..
وهذا شيء معروف في الطب النفسي.. فكثير من الأخصائيين يحاولون الوقوف على نقطة الضعف التي تمر بمرضاهم.. يحرصون أن يروهم في تلك الحالة وأن يتأكد المريض بأن الطبيب قد رآه في حالته تلك، وهذا هو الأهم كي يستسلم المريض تماماً لطبيبه، ويساعده ذلك على دفع العقدة التي تحتل عقله الباطن إلى التحرر، فتطفو على السطح ليعيها العقل ويشعر بتفاهتها وبساطتها فيحل السلام الداخلي ويشفى المريض..
وقد حققت هدفي رآني خالد وقد رأيته وهو في قمة عجزه وضعفه ومرضه..
اكتفيت بهذا وقلت له بصوت آمر:
ــ اليوم الساعة الخامسة عصراً..
أشار برأسه علامة الموافقة دون أن يتكلم.. خرجت إلى الصالة واجهتني الأم حزينة ملتاعة.. قالت لي ودموعها تلهب خديها:
ــ أرأيت يا دكتورة.. لا فائدة.. أنه يحاول الانتحار مجدداً، ولكن حمداً لله أنني أنقذته قبل أن يقتل نفسه بتلك الأقراص..
سألتها بهدوء:
ــ ولكن ماذا حدث؟.. لماذا حاول قتل نفسه هذه المرة؟
نكست رأسها بخجل وهي تقول:
ــ أعذريني يا دكتورة فبعد حديثنا مساء أمس.. خفت أن تفاجئيه بحقيقة حالته كما أخبرتيني، فيحدث له شيء لا قدر الله.. فحاولت التمهيد له بنفسي..
وحينما رأت علامات الاستياء على وجهي أردفت بسرعة:
ــ ولكن صدقيني يا دكتورة.. لم أتطرق لتلك الحادثة لا من قريب ولا من بعيد.. فقط اجتمعت به وبأخته وحاولت الحديث معهما عن الذكريات القديمة لحياتنا في منزل أبيه ولم ألحظ عليه سوى الانزعاج فقط لا غير..
دكتورة أرجوك ألا تحكي له شيئاً عن تلك الحادثة فربما يقتل نفسه بالفعل.. إنه لا يحتمل شيئاً.. صدقيني.. إنه لا يحتمل..
امتدت يدي لتربت على كتفها بحرارة وأنا أهمس:
ــ اطمئني يا أم خالد.. لن أفعل شيئاً يؤذي "خالد" على الإطلاق.. أرجوك أن تطمئني لكن لا تحاولي نبش الذكريات معه من جديد.. أرجوك..
وخرجت بسرعة.. لكنني لم أستطع إغماض عيني كعادتي في القيلولة.. مئات الأفكار تجول برأسي لم تكن تحيرني مقارنة بزوجي الراحل حسن، فقد محوت كل هذا من عقلي وقلبي ولم أعد أفكر بهذا الموضوع على الإطلاق..
كان ما يحيرني ويشتت تفكيري هو هذه العقدة التي تمكنت من خالد ومضت كالسوس تنخر في نفسه حتى لتكاد تقضي على حياته..
هل سيتحمل مواجهتي له بالحقيقة أم سيجزع ويهرب؟ ولكن أين؟ لينتحر مرة أخرى.. لا.. لن أسمح بهذا.. سأدعه هو ينطق بها.. هو من سيحكها لي لا أنا.. هو من سيتعذب بالحروف قبل أن ينطقها.. وعندها إن شاء الله سيشفى..

&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&

استقبلت خالد كعادتي كل يوم.. ولكنه هو لم يكن كعادته دائماً.. كان مطرق الرأس بخجل والاصفرار يكسو وجهه بلمحة من حزن.. حزن صارخ يملأ وجهه وتفيض بها عيناه.. انه لا يحتمل كل هذا الألم.. يا إلهي إنه يتعذب..
ابتسمت بوجهه وأنا أقوده إلى مقعده المعتاد..
نظر إلي بعذوبة وغشاوة من دمع تكتسح عينيه السوداوين..
قلت له بهدوء ووجهي لا يبدو عليه ما يعتمل داخل نفسي من اضطراب شديد..
ــ خالد.. نحن لم نتحدث عن طفولتك.. فماذا تتذكر منها؟
ألقى برأسه إلى الوراء وهو يقول:
ــ كنت أعود من مدرستي حزيناً مكتئباً فقد كا.....
قاطعته بحسم:
ــ أقصد قبل ذلك.. مرحلة ما قبل المدرسة.. طفولتك الأولى إلى جوار والدتك في البيت.. كيف كانت تعاملك.. وألعابك في البيت..
قبض على رأسه بعصبية وكأنه يعتصره.. ثم قال بنفاذ صبر:
ــ كلا.. لا أتذكر شيئاً عن تلك المرحلة على الإطلاق..
ركزت عيني في عينيه وأنا أقول:
ــ ألا تتذكر أبداً.. والدتك وحبها لك كيف كانت تلاعبك بحنان..
ابتلع ريقه وهو يهمس:
ــ نعم.. أمي كانت تحبني كثيراً.. وكانت تلعب معي دائماً.. ربما أكثر مما كانت أخواتي يفعلن معي..
وصمت.. ولم يقل شيئاً آخر..
أعدت عليه السؤال بصيغة أخرى:
ــ ووالدك ألا تتذكره.. كيف كان يعاملك وأنت صغير.. هل كان يحنو عليك أم كان يضربك بقسوة؟
قال بخشونة:
ــ كلا.. أنا لا أتذكره.. لا أتذكر أي شيء على الإطلاق.. اقتربت منه وقد أصررت على ملاحقته قائلة:
ــ تذكر يا خالد.. كيف كان بيتكم القديم.. الفناء الواسع وشجرة التين العتيقة.. حجرة الألعاب.. كما كنت تسميها.. هل تتذكر يا خالد؟
بدأت أنفاسه تعلو وتهبط والعرق يتفصد من جسمه بغزارة.. هتف بيأس:
ــ كلا.. لا أتذكر..
لاحقته هامسة:
ــ وحجرة نوم والدتك.. الغطاء الأزرق الملون.. والمطبخ.. هل تذكر المطبخ يا خالد..
صرخ بقوة:
ــ لا.. لا..
اقتربت هامسة:
ــ تذكر يا خالد.. والدك.. والمطبخ.. وأمك تبكي..
نظر إلي بجنون وهو يهتف:
ــ نعم أراد والدي أن يقتلني.. إني أتذكر بوضوح وهو يمسكني بقوة ليغرقني بالبنزين.. أتذكر وهو يحاول قتلي بالسكين.. وأمي تبكي.. وهو يهدد ويتوعد.. نعم أنا أتذكر كل شيء الآن..
صمت فجأة ثم أسرع نحو فتاحة الورق وهو يهدد بقوة:
سأحقق رغبة أبي.. سأقتل نفسي، فأنا غير مرغوب في وجودي.. لا أحد يريدني.. لا أحد يريدني.. أنا تعيس جداً، وسأنهي حياتي بنفسي لا بيد والدي..
وسبقته إلى الفتاحة لأخفيها بدرجي وضغطت الجرس لتسرع الممرضة بالحضور.. فأطلب منها حقنة مهدئة.. لأحقنه بها.. وما أن استلقى خالد على الأريكة وهو يلهث وكأنه قد عاد من رحلة قطعها ركضاً، حتى غامت عيناه بتأثير المهدئ.. وأحسست بالهدوء الشامل يلفني..
فعلاً لم أتوقع ثورته تلك.. ولم أضع حساباً لرد الفعل العنيف الذي تلقيته.. ولكن حمداً لله.. فلقد مرت الأزمة بسلام..
وبعد فترة لا أدري كم طالت.. فتح خالد عينيه.. ابتسمت له وبادلني الابتسام بهدوء.. قلت له بفرحة لم أستطع كتمانها..
ــ ماذا تشعر الآن يا خالد؟
قال وابتسامة هادئة تلوح على محياه:
ــ لقد أدركت يا دكتورة كم كنت شقياً فيما مضى.. فلم أكن أرف أن لهذا الحادث الأثر الكبير في حياتي.. ولكنني كنت قد نسيته.. فعلاً نسيته ولم أعد أذكر منه شيئاً على الإطلاق..
ولكنني الآن فهمت كل شيء.. فهمت سبب عذابي ومرضي ومحاولاتي الانتحار..
قلت له باسمة:
ــ أفهمت كيف أن محاولة والدك لقتلك وأنت طفل قد تسربت في عقلك الباطن، لتهرب منها وتنساها.. ولكنها لم تنساك، مضت تنغص عليك عيشك وتدفعك دفعاً لقتل نفسك مدفوعاً بإحساس إنه لا أحد يرغب بوجودك، وأن والدك بنفسه قد حاول قتلك.. فماذا عن الناس؟
ولكنني سعيدة لأنك فهمت كل شيء وأدركت كل شيء ومنذ الآن ولاحقاً أنا مطمئنة عليك..
قال وقد استعاد ثقته الكاملة وفي نفسه:
ــ الفضل لله ثم لك يا دكتورة.. ولكن ألن تعاودني تلك النوبات مرة أخرى؟
ابتسمت له معززة ثقته بنفسه وأنا أقول:
ــ اطمئن بإذن الله لن ترى شيئاً من ذلك.. لقد ولدت من جديد يا خالد.. وبإمكانك الآن مغادرتي مصحوباً بالسلامة.. إلى اللقاء يا خالد..
تردد برهة.. أحسست أنه يريد أن يقول شيئاً، ولكنه لا يستطيع.. قلت له مشجعة:
ــ خالد.. لا تتحرج من إلقاء أي سؤال.. فثق ثقة تامة أنك قد شفيت تماماً.. ومن حقك أن تسأل أي سؤال بشأن حالتك السابقة..
نظر إلي نظرة تفضح ما تضطرم به أعماقه.. أبيت أن أصدق ما وشت به عيناه.. أشحت بوجهي لأسمعه يقول لي بصوت متلجلج:
ــ ألن أراك مرة أخرى.. يا.. دكتورة..؟
قلت دون أن ألتفت إليه:
ــ لن تحتاج لي بإذن الله.. أنت الآن رجل كامل وأمامك المستقبل كله.. أتمنى لك حياة سعيدة..
مضى إلى الباب متثاقل الخطى.. ثم وقف فجأة..
تناهى إلى سمعي صوته المعهود:
ــ هل.. أقصد.. هل تسمحين لي بأن أزورك لاحقاً؟
رباه.. أن صوته قد أيقظ في نفسي كل شيء.. الحنين والحب والتعاسة.. سأقاوم حتى آخر رمق.. ان تهزمني لحظة ضعف.. إن شعوره طبيعي كمريض يتعلق بطبيبته.. ولكن ماذا عني أنا؟
الطبيبة المحترمة التي تفضل مصلحة مريضها على أي شيء في الدنيا.. حتى ولو كان في هذا تحطم لقلبها ومشاعرها..
قلت بخشونة تعمدتها وأنا أتظاهر بانشغالي بأوراقي:
ــ إن وقتي ضيق.. مع السلامة يا خالد..
صفعت أذني كلماته الأخيرة:
ــ مع السلامة.. الوداع يا دكتورة..
وانهرت على مكتبي في بكاء مرير.. لقد انتهى الحلم الوردي الذي عشت فيه أشهر طويلة من الفرح الممزوج بقلق وانتظار.. انتهى الفرح.. ووقف القلق.. وبقي الانتظار!!

&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&

(( تـــــمـــــت ))

الرواية الثانية سأنقلها لكم بعد أسبوع أن شاء الله
لقد تعبت أناملي من الكتابة لذا سأتأخر في كتابة الرواية الثانية....
وشكراً
أختكم 00 غفران

غفران
29-06-2004, 12:34 AM
الرواية الثانية
&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&
بيت من زجاج

وماتت أمي.. انتهت في ذلك اليوم التعيس القائظ من شهر ذي القعدة.. ماتت تملأها الأحزان.. تطفح نفسها بالتعاسة.. قالت لي والدموع تغرق وجهها الذي كان لا يزال جميلا رغم مسحة الألم والمرض:
ــ منى.. أنا سأموت..
صرخت بلوعة والشهقات تزدحم في صدري الصغير:
لا.. لا يا أمي لن تموتي..
ابتسمت رغم الدموع وهي تهتف:
ــ منى أرجوك يا حبيبتي لا تقاطعيني.. إنني أشعر بدنو أجلي.. وصيتك أشقائك يا منى.. أنت الكبرى وليس لهم غيرك.. أنت تعرفين والدك سامحه الله.. أخوك احمد، رغم كل شيء، وهو طفل بحاجة لحنان ورعاية.. وشقيقتك الصغرى يا منى.. إنها..
وتوقفت عن الكلام.. ثم اختلجت شفتاها بعنف.. وطفقت ترنو ببصرها إلى البعيد البعيد..
وقفت جازعة:
ــ أمي.. أمي أرجوك لا تموتي.. أرجوك لا تتركينا، أنا بحاجة إليك أكثر من أخوتي.. أنا أحبك يا أمي..
أغمضت أمي عيناها ثم فتحتها من جديد..
تألقت في عينيها نظرة غريبة لم أعهدها من قبل.. وقبل أن أنطق قالت بصوت قوي متماسك لا أثر فيه لصوتها الواهن الذي كانت تحدثني به من قبل:
ــ أين والدك يا منى؟
أجبتها بسرعة مشفقة:
ــ انه ذهب لاستدعاء الطبيب..
قالت بنفس الصوت القوي وكأنه ليس صوتها:
ــ أذهبي واستدعيه حالاً..
وما أن ابتعدت خطوات عن الحجرة، وأنا أفكر في كذبتي الصغيرة التي خدعت أمي بها بأن أبي ذهب لاستدعاء الطبيب، حتى سمعت صرخة قوية تشقق صمت البيت الراقد في هدوء.. كانت الصرخة منبعثة من حنجرة أمي.. استدرت عائدة إلى الحجرة، وقلبي ينبض بجنون مخيف.. توقعاتي كانت تسبقني وخوفي كان يسبق توقعاتي.. وما أن وصلت إلى السرير الذي ترقد عليه أمي حتى وجدتها مسجاة على السرير جثة بدون حراك.. وفي وجهها راحة وطمأنينة سلبتهما إياها الحياة وأعادهما لها الموت.
انتحبت بحرقة والى جواري الخادمة العجوز صفية..
فقد ماتت أمي..
ودفنت أمي.. وامتلأ البيت بالمعزين والمعزيات والوافدين من مختلف مناطق المملكة..
وخلال أيام كنت لا أملك فيها تفكيري وإن فكرت فإني أتصور أمي واقفة في البيت تستقبل معي المعزين والمعزيات.. ولكن من الذي مات؟
أرى شقيقي أحمد طفل العاشرة، والحزن يمزقه ومشاعر غاية في البشاعة تتصارع في نفسه الغضة الطاهرة يلعب مع الأطفال في فناء الدار وهو يستشعر نقصاً كبيراً يمور في جوفه..
وفي لحظة ما أحسست بأنه لا يعي شيئاً مما يدور حوله، ولا يدرك بأن أمي الوحيدة قد ماتت.. ولكنني صحوت في إحدى الليالي على نشيج خافت، يمزق سكون الليل.. كان أحمد الصغير يحتضن أحد ثياب أمي وهو يبكي بحرقة.. حرقة لا تتناسب وطفل صغير في سنه.. تفجرت في نفسي ينابيع الإشفاق. وأسرعت لأحتضنه وأبكي معه.. امتزجت دموعنا في يأس ومر وحزن عميقين لأفاجأ بأبي واقفاً على رؤوسنا قائلا في سخرية:
ــ منى.. ألا تكفين عن البكاء والنحيب.. إن أمك كانت مريضة ومن الطبيعي أن يموت المريض.. تماسكت بصعوبة كيلا أرد عليه.. ومن الذي أمرضها يا أبي.. من الذي جلب لها المرض غيرك.. إنها لم تصب بهذا المرض اللعين إلا بعد أن سمتها سوء العذاب، وبعد أن أريتها النجوم في عز الظهر.. كيف كانت ستتحمل نزواتك وزواجاتك العابرة وإذلالك المستديم لها.. كيف كانت ستتحمل انهيار وقلب البيت إلى ساحة معارك وشتائم من كل نوع.. كيف ستتحمل ضربك لها الدائم وطردك إياها أحيانا وهي بلا سند ولا أهل ولا إنسان تلجأ إليه.. كيف كانت ستتحمل كل هذا دون أن تتعب وتنهار وتصاب بهذا المرض اللعين الذي يقتل حامله؟
إنك يا أبي قاتلها الحقيقي وليس مرض السرطان الذي نفقت منه..
ومضى أبي دون كلمة أخرى.. دون حتى أن يربت على كتفي المثقلتين بكم من الأحزان..
وألفيت شقيقتي الصغرى ابنة السابعة المبتسمة أبداً الضاحكة اللاهية.. ألفيتها واجمة ذاهلة تحدق في الجميع الغفير المقيم في بيتنا بنظرات فارغة بلا معنى، وتنظر إلى باب حجرة أمي المغلق بحسرة تفتت الأكباد ولا تبكي ولا تسأل.. أبداً وحتى طوال فترة مرض أمي إن غابت عنا وهي التي فضلت أن تعاني في بيتها وبين أولادها على أن ترقد في المستشفى بلا أمل.. بلا أمل على الإطلاق.. أشغلني صمت شقيقتي ريم وإطراقها وانفرادها الطويل بنفسها بلا دمعة ولا تنهيدة..
قررت أن أصارح أبي بما كان عليه من أمرها، فهو يستحيل أن يلاحظ شيئاً يخصنا نحن أولاده.. فهو مشغول بنفسه فقط ولا يهمه سواها ولا أنسى حينما كانت أمي تحتضر، وذهبت لأخبره، وأطلب منه استدعاء الطبيب، كان يحادث إحدى الفتيات عبر الهاتف.. صرخت فيه غير عابئة بهمسة وكأنني أنتقم لأمي:
ــ أبي.. أمي إنها تموت..
التفت لي بحدة وفي عينيه نظرة صاعقة كالتي أراها حينما يتعارك وأمي.. أخافتني نظراته كدت أتراجع..
تذكرت كلماتها الأخيرة عن الموت وقربها الشديد منه.. هتفت بقوة:
ــ أبي.. أرجوك.. أحضر الطبيب لأمي.. إنها توشك على الموت..
نظر لي بسخرية وهو يقول:
ــ وماذا سيفعل لها الطبيب.. أنها ميتة به أو بدونه..
وعاد مرة أخرى يهمس عبر الهاتف.. وكأنه لم يفعل شيئاً.. كأنه لم يقتلني برصاص كلماته السامة التي طالما اخترقتني دون أن تصيبني بأذى كأي مجسم من خيال أما كلمته تلك فقد طعنتني بالصميم.
لكنني فكرت وقررت أن أصارحه بحالة شقيقتي المتردية، فمهما تكن فهي ابنته أولاً وأخيراً ويستحيل أن يتخلى عنها..
وبدأ بيتنا يخلو شيئاً فشيئاً.. ابتدأ الأقارب ينسحبون الواحد تلو الآخر.. كان أخرهم هو خالي الوحيد وزوجته اللذان يسكنان في قرية بعيدة نائية.. قبل أن يخرج خالي همس في أذني:
ــ هل ترغبين يا منى أنت وأخوتك أن تحلوا ضيوفاً عندي ولو لبعض الوقت ثم التفت يرمق زوجته في خوف قبل أن يتابع:
ــ ولكن تعرفين يا ابنتي إن بيتنا مزدحم بالأطفال أعاننا الله عليهم.. ثم أن أبيك في حاجة إليك في مثل هذه الظروف.. انتبهي لأبيك وأخوتك واعلمي كما كانت تعمل المرحومة أمك.. كوني شمعة الدار..
وخرج خالي محدثا فجوة عميقة داخل نفسي.. شمعة الدار، لقد انطفأت شمعة دارنا يا خالي برحيل أمي ولن تضاء مرة أخرى أبداً.. فما أنا إلا جزء من تلك الشمعة التي انتهت وإلى الأبد..
وخرجت زوجة خالي بعد أن دست في يدي نقوداً وهي تقول:
ــ أعرف أن والدك مقتر سامحه الله فانفقي من هذا المال على نفسك وعلى اخوتك.. وأنتبهي لريم إنها غير طبيعية..
فعلاً فقد نحلت شقيقتي ريم نحولاً غير طبيعي، تقعر وجهها وغارت عيناها وأصبحت كالطيف تتحرك بهدوء بدون أن نشعر بها ولا تأكل إلا لماماً.. وما أن خلا البيت إلا مني وأخوتي حتى أطلت الحقيقة بوجهها البشع تترصدنا وتحرقنا بنارها.. أن أمي غير موجودة.. غير موجودة على الإطلاق وقد ذهبت لغير رجعه..
جبت أنحاء البيت وشيء في داخلي يتمزق.. شيء لا أدري كنهه.. رأيت مكانها في المطبخ.. تخيلتها وهي تطهو الطعام وتحادثني وتضحك على نوادري التي أحكيها لها وأنا عائدة من المدرسة.. ثم تسألني في حنان:
ــ أجائعة أنت يا منى؟
وعندما تدخل ريم من المدرسة تضمها بين ذراعيها وتقبلها كثيراً، فقد كانت هي دلوعة البيت.. تساءلت بمرارة وفي داخلي ما يشبه الخواء.. من يضمك يا ريم وقبلك عند عودتك من المدرسة.. من يشعرك بحنان الأمومة التي فقدتيه يا حبيبتي الصغيرة المسكينة.. مضيت أتجول في البيت ودموعي تحرق وجنتي.. وقفت أمام حجرة الراحلة.. قبضت المفتاح بيدي.. ترددت بالدخول.. لكن كان لابد من الدخول.. لابد من أن أطوي ثياب المرحومة وأخفي ما أستطيع من ذهبها ومجوهراتها.. فأبي سيبيع كل شيء فأنا أعرفه أكثر من أي شخص آخر.
يجب أن أنتهز هذه الفرصة وأحفظ للمرحومة حقوقها التي لم تحصل عليها في حياتها.. ولو لمرة واحدة.. فأبي كان دوماً ينازعها في كل شيء ويدعي ملكية كل شيء تتحلى به أو تمتلكه بدءاً من ملابسها وحذائها وانتهاء بحليها ومجوهراتها.. إنها لم ترتاح معه يوماً..
شجاعة قوية واتتني على غير انتظار، فقد كنت أخاف أن يسبقني أبي إلى هذه الحجرة وينتهك حرمة المرحومة.. ولكنه لم يفعل حتى الآن.. ربما كان خائفاً من خيالها أو ربما كان ينتظر الفرصة الملائمة..
ودخلت.. دخلت رغم ارتعاشه هزت كياني بأسرة، حين وقع نظري على السرير الذي لفظت عليه أنفاسها الأخيرة..
أخذت أجمع ثيابها ولكل ثوب ذكرى.. ولكل ذكرى معزة خاصة.. وبكائي يشتد ونحيبي يزلزل أرجاء الحجرة الصغيرة.. بكيت كما لم أبك من قبل.. ومن بين دموعي لمحت شقيقتي الصغرى ريم تدخل الحجرة ورائي في صمت وذهول وعيناها تبرقان ببريق عجيب عجزت عن تفسيره.. دارت في أنحاء الحجرة ونظرت أسفل السرير وفوقه ثم هزت كتفيها الصغيرتين بأسى وخرجت دون كلمة واحدة.. ولا حتى سؤال.. والتفت لأجد شقيقي أحمد خلفي.. فقد جذبه بكائي.. سألته من بين دموعي:
ــ أحمد.. ماذا تريد؟
هتف والدموع تغرق وجهه وتسيل على ثيابه:
ــ لا أدري ماذا أفعل.. ولا أين أذهب.. أنا متعب يا منى..
ضممته إلى صدري بقوة واهتزازات جسدي تحيطه بقوة وتحاول أن تعوضه عن الأمومة المفقودة.. الأمومة الحانية التي لا يعادلها شيء في الوجود..
أمي يا حبة قلبي.. لماذا تركتيني وأنا بحاجة إليك.. ولم أنم تلك الليلة.. مضيت ساهدة أفكر، وأتقلب من جنب إلى جنب يغض مضجعي شحوب شقيقتي الصغيرة وتدهورها السريع المريع.. ألهذه الدرجة فقت أمي.. لماذا لم تسأل؟.. لماذا لم تعبر عن حزنها والتياعها بالدموع.. لم لا تبكي حتى تجف عيناها ويهدأ قلبها وتسكن نفسها.. لماذا أصبحت منطوية تعاف الكلام وتصد عن الطعام وتمشي وترى وتنام بغير شعور ولا فكر وكأنها جثة تمشي على قدمين..
قطع على سير أفكاري أناتها الواضحة.. فقد تغير نومها منذ ماتت أمي ولم يعد نومها هادئاً ساكناً مريحاً كما كان.. بل كانت تئن طوال الليل وتتألم وتهمهم بكلمات غير واضحة.. وعندما كنت أقترب منها وأصيخ السمع تتناهى إلىّ دمدمة مبهمة غير واضحة المعالم تخاطب فيها شخص ما وتعاتبه وتناقشه وتلومه.. خمنت أنه طيف أمي الراحلة.. كنت لا أملك من أمري شيئاً غير أن أدثرها باللحاف وأقرأ ما تيسر من القرآن عند رأسها كما كانت تفعل أمي الراحلة..
أمي.. وأناجيها في خيالي.. أطفالك أمانة في عنقي، ولن أتخلى عنهم حتى الموت، ومجوهراتك في الحفظ والصون، لن تمتد لهم يد إنسان غيرك ولا حتى أبي..

يتبع..............

غفران
04-07-2004, 11:20 PM
[align=justify:e8f7176cb1]سأحتفظ بهم حتى يزينا جيد ومعاصم طفلتك المحبوبة ريم عندما تغدو عروساً رائعة وسأقول لها إنهم هدية والدتك لزواجك.. ستفرح وستبكي وستضمني بحرارة..
أفقت في الغد على حلم مفزع.. لم يفرحني رغم مظاهر الفرح التي رافقته، فقد كنت أدرك بالفطرة أن الفرح يعقبه حزن، ولن يدوم فرح إلا بنهايته حزن ودوما كنت أستشعر ذلك ولا زالت ذكريات تلك الأيام السعيدة التي سبقت وفاة والدتي تطاردني حتى في المنام.. فقد صفت الحياة لنا فجأة من بعد عذاب.. وتحسنت صحتها كثيراً.. الصحوة التي يعقبها الموت.. وخفت آلامها بشكل ملحوظ.. تورد وجهها وتألقت عيناها وازدهرت السعادة في بيتنا، حتى أبي توقف عن العراك وإثارة المشاكل، وكأنه قد عقد هدنة حربية لوقت ما وغرض ما.. ومهما يكن غرضه فقد بدأ يتودد لأمي ويصحبنا في نزهات ورحلات.. كانت الفرحة والبسمات تتردد في أجوائنا ونتنسمها مع هوائنا.. ولكنني كنت خائفا بأعماقي.. وكان خوفي يزلزلني ويفسد على فرحتي.. كانت الضحكة كسكين تغمد في قلبي وتفجره.. تفجر صديد من الأحزان.. كانت البسمة تهزني من الداخل وتثير جروح نفسي المهترئة.. كانت الكلمة الطبية الحانية تفزعني وكأنها سيل من الصفعات.. لم استمتع بسعادتنا المؤقتة كما استمتع بها أخوتي.. كانت الفرحة الطاغية تتألق في أعينهما الصغيرة والسعادة تطفح من وجوههم النضرة.. وحبيبتي ريم كانت تتقافز جذلة بين حضن أمها الحبيبة الضاحكة وبين والدها الذي يبتسم ابتسامة من ابتساماته النادرة.. لكن سرعان ما تبدل كل شيء فجأة كما بدأ فجأة.. فبعد أيام من الصفاء والنقاء صرخت أمي في جوف الليل البهيم صرخة عميقة أفزعتني وأوقفت الدم جامداً في عروقي.. أسرعت إلى حجرتها أتعثر بخوفي.. شلني المشهد الذي رأيته، فبقيت جامدة لا أريم أحدق بأبي وأمي وتلك المرأة الغريبة.. كانت أمي تصرخ وتصيح قائلة:
ــ أخرجها حالاً من حجرتي.. فليس معنى صمتي عن خطاياك أن تبلغ بها بيتي.. وحجرتي بالذات.. هيا أخرجوا..
وأبي يرد قائلا بسخرية المعهودة:
ــ إنك شيطانة كبيرة.. ألم أناولك بنفسي جرعة كبيرة من المخدر لتنامي كيف استيقظت بهذه السهولة؟ عجيب..
وانكفأت أمي على السرير تبكي وتنتحب بمرارة وقد عاودها المرض وهاجمتها ذيوله المندحرة..
التفت أبي وقتها إلى تلك المرأة الأخرى قائلا بحب وابتسامة كبرى تتوج شفتيه.. ابتسامة من ابتساماته النادرة:
ــ هيا يا حبيبتي.. لم استطع اليوم أن أحقق رغبتك.. لكن اطمئني ستعودين مراراً عندما تنتهي هذه العجوز المريضة..
اختفيت بسرعة كيلا يراني أبي ويصب جام غضبه على رأسي.. وعدت بعد أن غادر أبي وتلك المرأة.. عدت وقد ازداد بكاء أمي ونحيبها.. ربت على كتفيها بحنان.. التفتت إلى ووجهها غارق بالدموع.. كان وجهها ضامرا ممصوصا وعيناها تقطران مرارة وأسى.. غاضت الدماء من وجهها والتي لونته في الأيام السابقة ولم يبق إلا الشحوب وطائر الموت يلف حول رأسها إيذاناً بالرحيل.. همست بصوت مبحوح:
ــ أمي..
وارتمت في أحضاني كطفل يعود إلى أمه بعد غياب.. ضممتها بحسرة وعيناي تمتلآن بالدموع..
كنت أسمع كثيراً بنزوات أبي وعلاقاته المتعددة لكن لم أتوقع أن تصل به الجرأة لهذا الحد.. أن يصحب إحدى خليلاته لبيت الزوجية بل في نفس حجرة الزوجية والتي تتردد فيه أنفاس الزوجة المريضة التي توشك على الموت هلعاً وحزناً وهواناً..
سمعت أنفاسها تضطرب في أحضاني وجسدها الضئيل يرتعش بين يدي..
هتفت بهلع:
ــ أمي..
ولم ترد.. ولم تجب على ندائي..
وخلال ساعة كان الطبيب إلى جواري بعد أن حقنها بمخدر قوي.. طلبي مني ألا أزعجها وأن أتركها تنام بهدوء حتى تستيقظ بفسها.. وبدأت حالة أمي تسوء منذ تلك الليلة حتى ماتت.. وتركت كل شيء لأبي وعشيقاته..
أسرعت إلى أبي وحلمي المفزع لا يزال يسكن ذاكرتي ويمزقني قلقا.. حلمت بأن شقيقتي الصغرى ريم عروس في ثياب الزفاف، وقد تألقت جمالا وبهاء وروعة كما لم أرها من قبل ذلك أبداً.. وكنا جميعا مبتهجين بزواجها حتى أمي.. نعم رأيت أمي في الحلم وهذا هو الجانب المفزع منه.. فقد كانت هي التي تقود ريم من يدها وسط المدعوين وتودعهم بابتسامة وكذلك كانت تفعل ريم! والأعجب في الحلم أن ريم كانت عروساً وهي مازالت طفلة!..
أعتصر الألم أحشائي وأنا أتقدم لأبي.. أقدم رجلا وأؤخر الأخرى.. كنت أخاف أن ينهرني ويسخر من أوهامي كعادته ولكن أخيرً استجمعت شجاعتي وتقدمت منه ببسالة..
كان يتناول إفطاره بتلذذ واضح وهو يقرأ الجريدة، وكأنما لم تقم جنازة في هذا البيت منذ أيام فقط.. وجنازة من؟ زوجته أم أولاده.. زفرت بقوة خلت معها بأن قلبي سيخرج من أضلاعي ثم قلت بهدوء:
ــ أبي.. أريد محادثتك في أمر مهم..
لم يلتفت إلي.. استمر يقرأ الجريدة وهو يقول:
ــ ماذا عندك؟ هيا أخبريني..
جززت على شفتي بقوة لأمنع نفسي من البكاء.. فلم هذا الجحود والنكران منك يا أبي.. ألم ترعك أمي برموش عينيها طيلة حياتها.. ألم تهمل نفسها لأجلك.. لماذا تستكبر أن تحزن عليها ولو لعدة أيام من أجل العشرة والأولاد والحب الذي كان.. أينتهي كل شيء وبهذه السهولة المقيتة؟
كدت ألقي ما في جوفي اشمئزازاً.. لكن نظرة من أبي أيقظتني من أفكاري المتلاطمة..
لاحظ شرودي وصمتي الطويل.. فوضع الجريدة جانباً وهو يهتف:
ــ ماذا تريدين يا منى؟
ثبت عيني في عينيه وأنا أقول:
ــ ريم يا أبي.. إنها ليست على ما يرام..
قاطعني بلهجة جافة:
ــ هذا شيء طبيعي لطفلة فقدت أمها..
أهتز كياني وأنا اسمع جملته الأخيرة.. تجمعت الشهقات في صدري، فلم أستطع إلا أن أجهش بالبكاء.. أخذ أبي ينقر على الطاولة بأصبعه بعصبية واضحة ولما طال أمد بكائي نهض واقفاً وسار بضع خطوات ليخرج.. لحقت به ودموعي مازالت تسيل على وجهي بغزارة.. قلت له بصوت متهدج:
ــ إن "ريم" ليست طفلة عادية يا أبي.. أنت تعرف إنها ذكية وحاسة وقد كانت.. قد كانت دلوعة أمي.. ثم إنها لم تبك منذ الحادث ولم تسأل.. أرجوك يا أبي أنقذها.. إن"ريم" أمانة في عنقك..
أجاب بعصبية:
ــ وماذا تريدين مني أن أفعل لها.. إني لا أستطيع أن أعيد أمها إلى الحياة..
تأوهت وكأن طعنة قد اخترقت أحشائي ولكنني تماسكت بصعوبة وواصلت المناضلة:
ــ أبي تستطيع أن تعرض "ريم" على طبيب.. إني خائفة من أجلها.. فقد يحدث لها شيء..
ران على وجهه حزن غريب.. إذن فقد نجحت في استشارة عاطفة الأبوة من كيانه.. نظر إلي مليا ثم قال:
ــ أين هي الآن.. أحضريها لي..
ولم أكن بحاجة لإحضارها فقد أتت ريم.. دخلت الصالة بخطوات ملائكية وكأنها تطير لا تمشي على الأرض، ومعها لعبة ألقتها بإهمال على الأرض وكأنها سأمت كل شيء وعافت نفسها أي شيء..
قال أبي بصوته الجوهري:
ــ ريم تعالي إلى هنا..
نظرت إلينا بعينين تائهتين زائغة وكأنها لا ترى.. لمح أبي اصفرار وجهها وجحوظ عينيها والتعاسة المرتسمة على محياها الجميل وكأنه يراها لأول مرة:
اقترب منها وهو يسألها:
ــ أتحبين بابا يا ريم؟
نظرت إليه بذهول وهي تقول:
ــ أنا أحب ماما..
أجابها بقسوة لا نظير لها:
ــ ماما ماتت يا ريم..
قفزت من مكانها كالملدوغة وهي تهتف:
ــ لا..لا.. ماما لم تمت.. لا.. لا..
أسرعت إليها أضمها إلى صدري وأنا أقول بهدوء:
ــ اهدئي يا ريم.. اهدئي يا حبيبتي
فقد كانت أنفاسها تتسارع ووجيب قلبها يرتفع بجنون وهي تسألني:
ــ ماما ستعود.. صحيح ماما ستعود يا منى.. أمي ستعود.. وتلتقي نظراتي بنظرات أبي المتسائلة وأنا أجيبها بحرارة:
ــ نعم يا ريم.. ماما ستعود..
وانظر إلى الطرف الآخر من الصالة إلي شقيقي أحمد وقد ترك كتبه وألعابه وانكفأ على وجهه يبكي بحرقة وقد أيقظ هذا المشهد آلامه من جديد..

يتبع0000[/align:e8f7176cb1]

المرام
09-07-2004, 06:12 PM
أختي غفران
أشكرك جزيل الشكر كنت أتمنى أن أقرأ هذه الرواية بكاء تحت المطر

وها أنت تزيدين المنتدى درر بهذه الكتابات الأدبية الراقية لكاتبة مبدعة

أختيار موفق أتمنى أن تكملي القصة لأنك جدا شوقتيني
بالأمس قرأت الروايتين في وقت واحد دون أن أحس باي ملل
لا تطولي....................... :P :P

تحياتي المرام

غفران
10-07-2004, 09:15 PM
أختي المرام كم أسعدتني مشاركتك معنا
ها أنا اليوم سأكمل لكم الرواية ....
تحياتي لكم غفران...

غفران
10-07-2004, 09:17 PM
[align=justify:474f121858]اصطحبني أبي وشقيقتي ريم إلى المستشفى بعد ذلك الموقف بأيام.. كان المستشفى مزدحماً ويعج بالغادين والرائحين وبعد انتظار دام عدة دقائق أعلنت الممرضة اسم شقيقتي ريم عبد الله الصالح.. بهتت الصغيرة وكأنها لم تسمع اسمها قبل اليوم.. نظرت لي بتساؤل ملح.. أمسكت بيدها النحلة وسرنا وراء أبي لندخل حجرة الطبيب..
كانت ترتدي في ذلك اليوم ثوباً أبيض أضاف شحوباً إلى شحوبها الدائم فبدت كروح هائمة حائرة لا تدري أي مستقر لها..
غاض قلبي بين ضلوعي وأنا ألمح ابتسامتها العذبة ولاح لي حلمي المر بجميع تفاصيله، فهززت رأسي وكأنني أطرد الذكرى من رأسي ودخلنا حيث استقبلنا الطبيب بابتسامة كبرى.. وبعد أن انتهى الطبيب من فحص ريم قال لها باسما:
ــ هل تحبين أفلام الكارتون يا ريم؟
أجابت الصغيرة بتلقائية:
ــ لا..
ــ إذن هل تحبين العرائس والألعاب؟
ــ لا..
ــ غير معقول.. إذن تحبين الآيس كريم؟
ــ لا.. لآ
ــ ألا تحبين أي شيء من هذا.. إذن ماذا تحبين؟
ــ أحب ماما..
دهشة كبرى ملأت محيا الطبيب وهو يهتف؟
ــ جميعاً نحب ماما.. وبالإضافة إلى حبنا لهذا نحب أشياء أخرى كالألعاب والحلوى وغيرها..
أجابت ريم بإصرار:
ــ كلا.. كلا.. لا أحب سوى ماما..
قال الطبيب ومازالت الدهشة تلون وجهه:
ــ وأين ماما الآن؟ هل هي في البيت؟
تغيرت ملامح وجه الصغيرة.. لكنها لم تبك وهي تجيب:
ــ كلا.. ولكنها ستعود..
انتحى أبي بالطبيب جانباً وأخذا يتحدثان همسا وقد عكست عينا الطبيب شفقة عميقة وجهها إلى ريم.. ثم قال الطبيب بصوت سمعناه جميعاً:
ــ إنها تعاني من ضعف حاد.. وأنيميا.. واعتقد إنها مصابة بانهيار عصبي..
شهقت على الرغم مني.. ولم تحرك ريم ساكنا وكأن الأمر لا يعنيها أما أبي فإنه تحول إلى الطبيب وهو يقول بصوت بدا مهتزاً:
ــ دكتور.. هل بقاؤها في المستشفى ضروري؟
اقترب الطبيب من ريم وهو يقول:
ــ هذا إذا رغبت ريم..
صرخت الصغيرة وهي تتشبث بي:
ــ لا.. لا أريد البقاء في المستشفى.. أريد أن أعود إلى البيت..
تكلم الطبيب مطولاً مع أبي ثم تحول إلي قائلا بصوت خافت:
ــ إن الدور الكبير في شفائها يقع عليك.. لن أبقيها في المستشفى ولن أحولها إلى طبيب نفسي فربما تزداد حالتها تعقيداً.. إن علاجها الحقيقي هو بقاؤها في البيت بين اخوتها وأبيها وإدراكها حقيقة وفاة أمها تدريجياً فإذا أيقنت من ذلك فإنها ستبكي وهذا جيد واعتقد بأن هذا هو ما سيحدث.. بالنسبة لضعفها العام فسأكتب لها بعض الأدوية ستحسن حالتها كثيراً إن شاء الله.. وكما أخبرتك واجهيها بوفاة والدتكم تدريجياً على مدى بضعة أيام حتى تعي هذه الحقيقة.. مفهوم..
أومأت برأسي علامة الموافقة وأنا أقود "ريم" إلى الخارج بينما بقي أبي مع الطبيب في الحجرة..
لفت أنظارنا في صالة الانتظار طفلة في عمر "ريم" تقفز وتمزح في جذل.. اقتربت من ريم تتفرس في ملامحها.. بدت ريم إلى جوارها كعجوز في السبعين أثقلتها الهموم والأحزان.. لا حركة ولا ابتسامة ولا حتى نظرات مرحة كتلك الطفلة السعيدة.. وبعد لحظات صرخت الطفلة:
ــ ماما.. أريد مثل هذا العقد..
التفتت إحدى النساء الجالسات متسائلة:
ــ ماذا يا حبيبتي.. أي عقد تريدين؟
أشارت الطفلة إلى جيد ريم قائلة:
ــ مثل هذا يا ماما..
قالت الأم بطيبة خاطر:
ــ حسناً يا حبيبتي غداً سأحضر لك مثله وأحسن منه..
عادت الطفلة للهو مرة أخرى وتقلص وجه ريم تقلصاً مؤلماً وكأنها توشك على البكاء.. ولكنها لم تبك إنما وقفت تنظر من خلال النافذة ولا ترى شيئاً..
وعاد أبي بعد لحظات ليصحبنا إلى المنزل ومعه كم من الأدوية أثقل قلبي مرآها.. فريم الحلوة الصغيرة التي لا تستطيع أن تكمل حتى النهاية هل تستطيع تناول كل هذه الأدوية وبالتناوب..
وبدأت معها رحلة قاسية مؤلمة باءت بالفشل الذريع وخبت توقعات الطبيب المتفائلة ولم يبق إلا سراب فقد بدأت ريم تذوي شيئاً فشيئاً وتساقطت ذوائب شعرها الطويل حتى أنني اضطررت إلى قصه في النهاية ولم تعاتبني ولم تغضب.
نظرت إلى نظرة طويلة وهي تقول:
ــ هكذا أجمل.. أليس كذلك؟
ابتسمت لها وفي حلقي غصة.. قالت بعد فترة صمت:
ــ هل يعجب أمي هذا؟ هل تحب شعري هكذا..
لم أستطع حبس دموعي فانطلقت أبكي بحرارة..
أمسكت يدي بيديها الصغيرتين متسائلة:
ــ منى.. لماذا تبكين؟
نظرت إليها من خلال دموعي.. رقيقة.. ناعمة.. حالمة.. أيجب أن أصدمها بالحقيقة المروعة؟ وماذا ستكون عليه
حالها عندما أخبرها بالحقيقة.. لا.. لا أيها الطبيب فلتهنأ هذه الطفلة المسكينة بحياة الخيال، فهي أرحم لها بكثير من دنيا الواقع البشعة.. ولكن الطبيب أخبرني وأكد لي بأن في هذا خطراً على حياتها وعلى صحته قواها العقلية.. ولكن كيف.. كيف أؤذي هذه الوردة اليانعة وأحطمها بكلمة تخرج من فمي.. وأي كلمة.. إنها ستقضي على حياتها..
رباه ماذا أفعل؟
عشت ليالي طويلة مؤرقة وأنا أفكر في طريقة أتدرج منها إلى إخبار الصغيرة بالحقيقة الصارخة المؤلمة ولم أجد سوى التجاهل والنسيان..
ــ لقد تأخرت أمي يا منى.. متى تعود؟
أيقظني سؤالها من أفكاري المتلاطمة.. أيقظني حتى الذهول.. نظرت إليها بكلتا عيني وكأني أحاول أن أمسك طرف خيط يقودني إلى قضيتي.. ثم قلت لها فجأة:
ــ أمي لن تعود يا ريم..
وقفت لحظات مسمرة عينيها في وجهي وأرنبتا أنفها الدقيق تهتزان بشدة وشفتها السفلى ترتجف وصدرها يعلو ويهبط.. بدت كمن تلقى صدمة عنيفة ولكنها لم تبك..
قالت لي وقد بدا الإصرار على محياها:
ــ منى أنا سأذهب إليها..
صدرت مني صرخة ملتاعة عجزت عن كتمانها.. ولكنها تابعت وهي ترنو إلى البعيد:
ــ منى.. إني أرى أمي.. أراها هناك بعيداً في السماء.. إنها تناديني أن أذهب إليها.. وأنا أريد أن اذهب.. أتمنى أن اذهب لألقي بنفسي بين أحضانها.. أنا لا أسطيع الحياة من دونها، يا منى.. اشعر بأن بيتنا ساكن مجرد من الحياة من دونها يا منى اشعر أن بيتنا ساكن مجرد من الحياة وأن حجرتها مظلمة كئيبة وأن أبي يكرهنا..
ــ منى إن ماما تناديني وأنا سأذهب..
عاودني البكاء من جديد وعجزت عن كتم شهقاتي المزدحمة في صدري.. ضممتها لتلحم في أحشائي وكأنها قطعة مني.. قلت لها وكل جزء في كياني يبكي:
ــ لا تعودي لمثل هذا الكلام مرة أخرى يا ريم.. ستبقين إلى جوارنا.. أنا وأحمد نحبك وفي حاجة لك..
مسحت دموعي بيدها الصغيرة الرقيقة وهي تقول:
ــ لا تحزني يا منى.. ولا تبكي.. صدقيني سأرتاح وأنا هناك إلى جوارها.. ولكن عديني يا منى بشيء..
همست بعيون غارقة في الدمع:
ــ ماذا تريدين يا حبيبتي؟
أجابت بنفس صوتي الهامس:
ــ أبي يا منى.. أنه مسكين.. حقاً نحن نشعر بأنه يكرهنا ولكنه لا يكرهنا.. إنه يحبنا ولكنه لا يستطيع أن يعبر عن حبه.. هكذا هم الرجال..
نظرت إليها من خلال دموعي مندهشة ومبهورة.. هل هذه ريم الطفلة الصغيرة.. إن كلامها أكبر من سنها بكثير.. لقد تحلى كلامها بالحكمة فجأة وكأنها ليست هي التي تتكلم.. هل هي حكمة الله أنزلها على قلب هذه الطفلة الصغيرة لتعبر عن أشياء كنت غافلة عنها.. ولحكمة الله أجهلها عبرت لي شقيقتي عن كل شيء لأنها توشك على.. الموت..
دوت صرخة في أعماقي وأنا أنظر جمالها اليريء الذي يوشك على الفناء..
صغيرتي.. حبيبتي أرجوك أفيقي من أجلي.. ريم لا تموتي..
تبدلت أحوال ريم فجأة.. فقد غدت أكثر صحة وحيوية وبدت أكثر نشاطاً وهي تلهو مع أحمد بعد فترة طويلة من الشرود والانطواء..
تنفس أبي الصعداء وكأنه قد انتزع من أعماقه حملاً كريهاً.. قال لي وهو يبتسم:
ــ ألا ترين كيف أصبحت ريم بفضل الأدوبة.. ألا ترين كيف تورد خداها وعادت الدماء إلى وجهها.. إنها الآن أفضل كثيراً فاستمري في مراعاتها..
نظرت إلى أبي بإشفاق.. انه لا يعرف بأن ريم قد رفضت تناول أي دواء.. وأصرت على رفضها مهددة بمقاطعتي إذا أجبرتها على شيء وأضافت بأنها تعرف نفسها جيداً وهي ليست بحاجة إلى أي دواء.. وقد أقلقني رواؤها المفاجئ أكثر مما أفرحني وخلف في نفسي وجلاً عميقاً وخوفاً شديداً.. فربما أصبحت عروساً بالفعل بعد أيام واختارها الله من بيننا لجواره..
اقترحت على أبي ذات يوم أن نغير المكان لننسى الفاجعة وتتحسن صحة ريم وتستعيد توازنها النفسي حتى احمد يحتاج لهذه الاستراحة..
هز أبي رأسه وكأنه غير مقتنع..
ــ إن "ريم" قد تحسنت تحيناً مطرداً ولا تحتاج لأي تغيير.. أما أحمد فهو فاسد مدلل لن يريحه سوى الضرب..
هتفت باكية:
ـــ وأنا يا أبي.. لا أستطيع أن أتحمل اكثر من ذلك .. إن فــــي البيت فراغاًً موحشاً لا يملآه سوى أمي ..
ثم أجهشت بالبكاء وهيئة ريم بسعادتها المفاجئـــــة تزلزلني حتى النخاع ..
نظر إلي بتركيز ثم قال :
ـــ نعم سوف نسافر .. ولكن ليس الآن .. ليس الآن..[/align:474f121858]

يتبع

~ رويــــــدة ~
12-07-2004, 07:34 PM
:cry: :cry: :cry:
غفــــــــــران
غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر

ليش هذي الحكايات :( ؟؟؟


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ

لكــــن بعد إيييييه ؟؟؟؟ :cry:

اندمجنا مع القصة واتحمسنا

نحن في انتظــــار البقية .......................

يعطيكي ألف العافية يارب

أختك
~ رويــــــدة ~

غفران
15-07-2004, 01:40 AM
[marq=down:9784f1413b]وغفر الله لك أختي رويدة

سعيدة بوجودك معنا

هيا لنكمل الرواية..............[/marq:9784f1413b]

غفران
15-07-2004, 01:43 AM
[align=justify:17acb4414f]وفي نفس الليلة ..قرب مطلع الفجر بقليل أيقظتني حركــــة بالقرب مني ..صحوت جازعة أتلفت حولي..
نظـــــرت صــــوب فراش ريم ..كأنها لم تكن في فراشها ..أحسست بـمـــــا يشــــــبه الدوار ونبضاتي تتسارع بجنون ..أين هي ..ولماذا نهضت من فراشها في هذا الوقت ..وماذا تفعل ؟
أخذت ابحث عنها في أرجاء البيت وقلبي لا يزال يخفق بقوة .. وأخيراً وجدتها في الشرفة ..كانت رائعة الجمال كملاك نوراني شفاف .. بكامل صحتها وحيويتها وبهائــــــها وقــــــد أضفــــى عليها القمر المكتمل هالة من نور يصعب وصفــــــها .. تمامــــاً بــــدت كعروس تزف إلى السماء ..
شعرت بغصة هائلة في حلقي وأنا اسألها :
ـــ ريم .. لماذا نهضت من فراشك .. هل تردين ماء ؟
ابتسمت برقة وكشفت الابتسامة عـــــن أســـــنانها الصغيرة كحبات من اللؤلؤ المنضود ..قالت بهدوء وبراءة:
ـــ إنني أتطلع إلى السماء ..
وقبل أن انطق .. تابعت بصوت عذب ..عذب لدرجة هائلة تبعث على الخوف والرهبة ..
ـــ إنني أرى ماما يا منى .. إنني أراها تناديني في السماء ..
لم استطع السيطرة على نفسي فقاطعتها وقلبي ينقبض بشدة :
ـــ ريم .. كفى عن هذا الهراء وهيا إلى النوم .. تلفحـــــي جيــــداً بدثارك وأبكي إن شئت.. بل أبكي حتى لو تشائي فإن في البكاء عزاء.. وفي العزاء راحة للنفس المكلومة..
ثم اقتربت أهزها بشدة:
ــ أبكي يا ريم.. انتحبي يا حبيبتي.. انتزعي دموعك اللؤلؤية من أعماق نفسك وابك أمك الغالية يا ريم.. إن أمك ماتت ويجب أن تبكيها وتنتحبي حتى تنضب دموعك.. ابكي يا ريم.. ابكي..
نظرت إلي برثاء وهي تسير إلى فراشها بالية غريبة.. وكأنها قد صدمت بغبائي وفي الغد أبلغني أبي أنه سيغيب طوال اليوم وأنه سيعود في وقت متأخر من المساء.. لم أجد غير خادمتنا صفية أبثها حزني وخوفي.. كانت تشاركني قلقي على ريم وترى أنه من الضروري تنويمها في أحد المستشفيات حتى تعود طبيعية كما كانت لا كما تبدو الآن.. مظهرها يخدع وباطنها مترع بالمرارة والأحزان..
راقبت "ريم" من طرف خفي وأنا أوطن نفسي استقبال كل جديد يفد به القدر حتى لو كان مراً مرارة العلقم..
وفي ذات الليلة التي عاد فيها أبي حوالي منتصف الليل تناهى إلى سمعي صوت شخير مزعج.. لم أكن قد نمت بعد فاخترق هذا الشخير أذني اختراقاً.. إنه لم يحدث قط في بيتنا.. اتجهت عيناي بلا وعي مني نحو شقيقتي الصغيرة وفطنت لجزعي بأن الشخير يصدر منها هي بالذات.. اقتربت منها لأتبين صوت حشرجة مكتومة وخيط دقيق من الدم ينساب من أنفها وفمها.. ناديتها بصوت خافت.. ليعلو صوتي بعد لحظات بصرخات زلزلت أركان البيت..
ــ ريم.. ريم.. يا ملاكي الصغيرة..
اقترب أبي منها.. كانت هادئة مبتسمة وكأنها تحلم أحلاماً سعيدة.. نظر أبي نحوي بقلق وكأن يتساءل عن معنى هذه الصرخات المتتابعة دون داع..
كنت أنتحب بحرقة في ركن من أركان الحجرة.. قلت بصوت متداع:
ــ أنها لا تجيب على النداء..
هزها أبي برفق.. ثم هزها بقوة ووجهه يتقلص بشدة ثم حملها بسرعة ومضى خارجاً دون أن يلتفت وراءه.. سقطت بين ذراعي الخادمة صفية وأنا أبكي وانتحب.. وشقيقي أحمد يقضم أظافره بعصبية وهو يدور في أنحاء الغرفة بغير هدف ولا اتجاه.. وفي الفجر عاد أبي إلى البيت.. عاد محطماً متداعياً وكأنه كبر في السن فجأة.. لقد ابيض شعره وغارت عيناه ورسمت المأساة خطوطها في وجهه على شكل تجاعيد عميقة كأخاديد حفرها الزمان على مرتفعات من الجبال..
لم أجرؤ على طرح سؤالي اليتيم الذي يضج به عقلي وأنا أرى دموع أبي تسيل على خديه بغزارة.. وأصوات عذبة كترنمية الملائكة تهتف في جذل.. لقد زفت العروس.. لقد زفت العروس.. إلى الخلد إن شاء الله..
كانت إجابة السؤال واضحة على وجه أبي المتقلص، فأسرعت منكفئة على وجهي إلى حجرتي أحدق بنظرات زائغة إلى كل شيء حولي وصدري يضيق وأنفاسي تتسارع والدنيا تضيق وتضيق حتى غدت كخرم إبرة.. ولم أشعر بشيء حولي..
أفقت لنفسي وأنا على السرير الأبيض وفي كل ذراع إبرة تتصل بأنبوب مغذي.. تمنيت لو لم أفق.. تمنيت لو طواني العالم الآخر بجناحيه المرعبين وانضممت إلى أمي الحبيبة وشقيقتي.. ماذا أفعل في هذا العالم الكبير وحدي.. كيف أحيا وأعيش وقد خلت دنياي من هذين الوجهين الحبيبين.. هل يمكن أن يكون لحياتي معنى بدونهما.. وأي معنى؟ وأي حياة؟ وهتفت من أعماقي.. رباه إرحمني.. أرحني من هذا العذاب.. أغمضت عيناي على حجارة بهيئة دموع.. حجارة تدميني وتنزل على خدي الشاحبين.. وأفقت على صوت أبي.. كان يناديني.. فتحت عيني بصعوبة.. وليتني ما رأيته.. كان هيكل رجل يمشي على قدمين.. شاحب الوجه.. دامع العينين.. في داخله تدور رحى معركة رهيبة تبدو آثارها على وجهه.. قال بحنان غريب لم أعهد منه:
ــ منى.. ألم تفيق بعد؟
ثم أردف بعد هنيهة:
ــ ريم ذهبت يا منى.. ذهبت ولن تعود..
تغضت ذقنه وشفته السفلى ثم شرع في البكاء.. بكاء صامت حار موجع.. لأول مرة في حياتي أرى أبي يبكي بحرارة وصدق.. ألهذه الدرجة كان يحب ريم.. وأمي ألم تكن لها مكانة في نفسه.. ألم تستحق ولو دمعة واحدة من الدموع التي سفحها حزناً على ريم.. ريم حبيبتي.. عروس السماء.. الوردة اليانعة التي تتضوع عطرا وأريجا.. أذهبت حقا ولن تعود؟ وأحمد.. فجأة تذكرت أحمد الطفل الصغير المسكين الذي تلقى لطمتين متتاليتين وهو لا يزال طفلاً غضاً.. كيف سيحتمل كل هذا دون أن يكون هناك أحد بجواره.. يجب أن استعيد توازني بسرعة وأحافظ على كل لياقتي من أجله هو.. من أجل أحمد..
ربت على يدي أبي المتغضنتين وقلت له بصوت بدا وكأنه ليس صوتي:
ــ أبي.. لا يزال هناك أحمد وهو في حاجة لك..
لم أنقطع عن البكاء وأنا ألملم حاجيات ريم.. أثوابها وألعابها وشرائطها الذهبية الصغيرة.. جمعتها كلها في حقيبة كبيرة لأودعها دورا للأيتام وقد كان هذا مثار جدل طويل بيني وبين أبي.. فقد كان أبي يفضل الاحتفاظ بملابسها وأشيائها مدى العمر وعارضته فقد كنت أفضل أن تستفيد منها فتيات الملجأ الصغيرات وأقنعته إن في هذا العمل الخير كل الخير لريم في قبرها وإن الاحتفاظ بملابسها لن يغير من الواقع المر شيئاً..
كان أبي جالساً على المقعد ساهماً يفكر ثم فجأة سألني أين حاجيات أمك يا منى؟
باغتني السؤال رغم أنني قد توقعته يوماً.. حاولت السيطرة على نفسي بصعوبة وأنا أقول:
ــ في حجرتها.. هناك..
نظر بتركيز في عيني المحمرتين من شدة البكاء وكأنه يتأكد من صدقي وأخيراً قال:
ــ أقصد الذهب.. هل هو كما تركته؟
تلعثمت قائلة:
ــ لا.. لا أعرف ربما باعته المرحومة في الفترة الأخيرة..
نهض بسرعة واتجه إلى حجرة المرحومة أمي دون أن ينطق بحرف.. عاد بعد برهة من الزمن مكفهر الوجه بادي الغضب وهو يهتف بقسوة:
ــ يالها من حمقاء.. يالها من حمقاء مجنونة..
وغادر المنزل في نفس اللحظة لنبقى أنا وأحمد نحدق ببعضنا بعيون دامعة ومظاهر الحزن والألم تحيط بنا جميع الاتجاهات.. ونحيب متواصل يصل إلى أسماعنا بصورة مقطعة يحمل بين طياته أنين العذاب ودهشة الفاجعة.. فقد كانت صفية الخادمة تبكي ريم..
ضقت ذرعاً بكل شيء، لكن عندما تذكرت أن الإجازة الصيفية قد قربت على الانتهاء وإننا قريباً سنعود للدراسة هدأت نفسي قليلاً، فربما وجدت عندها ما يشغلني عن نفسي وهمومي، لكن أبي هداه الله أبي أن تمر الإجازة الصيفية بسلام، ففوجئت به ذات يوم وأنا في المطبخ يدخل مصطحباً امرأة.. ذهلت حتى عجزت عن النطق.. همست صفية وكأنها تكلم نفسها:
ــ هل وصل به الأمر أن يحضر عشيقاته للمنزل في وضح النهار..
كتمت شهقة كادت تفلت مني.. فقد كانت المرأة جميلة بل باهرة الجمال وإن شاب جمالها شيء منفر لست أعرفه يطل من بين ملامحها الفاتنة.. كانت ممشوقة القد حادة النظرات يتراوح عمرها بين الثلاثين والخامسة والثلاثين.. رمقتني بنظرة لم استرح لها وهي تهتف:
ــ إذن فأنت منى.. لم أعرف أنك كبيرة لهذا الحد..
ثم التفتت إلى أبي ضاحكة وهي تقول بمرح مفتعل:
ــ بالتأكيد إنك رجل عجوز حتى تكون هذه هي ابنتك..
نظرت إلى وجه أبي بأسى ففوجئت بأساريره المنطلقة وابتسامته التي تشق وجهه وعينيه الضاحكتين وكأن الموت لم يخطف منه اثنتين من أعز الناس علينا وفي هذا البيت بالذات.. رباه إلى هذا الحد تهون سطوة الموت وجبروته لدى أبي أمام هذا الجمال الفاتن.. ألهذه الدرجة ينسى أمي وشقيقتي بلمح البصر وكأن ما حدث لم يحدث وما كان لم يكن.. ومن تكون هذه المرأة ولماذا تتحدث بهذه الطريقة وكأنها سيدة البيت..
لاحظ أبي ملامح التقزز واضحة على وجهي فقال بمرح لم يزايله منذ دخلت معه هذه المرأة بيتنا:
ــ منى.. سلمي على زوجة أبيك الجديدة.. خالتك عواطف..
قاطعته بحدة:
ــ عواطف فقط..
أيدها بهزة من رأسه وهو يضحك:
ــ منى.. سلمي على عواطف..
مددت لها يداً باردة كالثلج تلقتها ببرودة أكثر ومضت تتجول في أنحاء البيت غير عابئة بالحزن الذي يمزق أفئدتنا.. لم تعر أحمد انتباها وكأنه غير موجود على الإطلاق..
همست لأبي وأنا أكاد أبكي:
ــ أبي إنها فضيحة كيف تتزوج ولم يمض على وفاة أمي غير شهرين فقط لا غير.. وريم إن..
قاطعني بقسوة:
ــ اصمتي أنت لا تفهمين شيئاً ألا يكفي إنني قد تحملت الكثير أثناء مرض أمك ولم أتكلم أو أشكو.. اصمتي و إلا ضربتك..
شهقت باكية وأنا ألوذ بسريري اهتف من أعماقي حبيبتي يا ماما أين أنت.. أين أنت؟
[/align:17acb4414f]

غفران
18-07-2004, 12:15 AM
[align=justify:cf3c7ab2ad]فوجئت بأحمد يندس بجواري وهو ينتحب بحرقة.. ضممته لصدري وأنا أواسيه بكلمات مشبعة بالدموع..
وبقيت أراقب بألم المظاهر الجديدة التي بدأت تتوالى على بيتنا الصغير الحزين.. رأيت تلك المرأة وهي تحتل حجرة أمي بعد أن ألقت بباقي أثاثها في الشارع.. وحضر الأثاث الجديد وحجرة النوم الجديدة ثم امتد التغير إلى الصالة الكبيرة التي أثثتها المرحومة أمي ركناً ركناً، فبدلت كل شيء وغيرت كل ما استطاعت تغيره، وأبي ينظر إليها فرحاً مبهوراً وكأنه يتفرج على تحفة جديدة لم يرى لها مثيلاً من قبل.. وبدأت تمارس سيطرتها علي وعلى أخي بعد أن تمكنت من أبي.. قالت لي ذات يوم:
ــ أنت أيتها الفتاة.. أنا لا يعجبني كسلك ودورانك في البيت هكذا بدون عمل..
قلت لها باستسلام:
ــ وماذا تريدين مني أن أعمل؟ فالمدرسة على الأبواب..
قالت وكأنها تحادث نفسها:
ــ مدرسة.. آه.. نعم..
ثم أردفت بحدة:
ــ ولكنني لن أتحملك هكذا حتى تفتح المدارس..
أجبتها بنفس الاستسلام:
ــ وماذا تريدين مني أن أفعل.. الخادمة تقوم بكل عمل البيت..
ردت علي بعنف:
ــ ولماذا تعتمدين على الخادمة.. إنك مازلت فتاة صغيرة وإذا اعتدت على الخادمة منذ الآن، فلن تنجحي في حياتك الزوجية مستقبلاً..
ثم التفتت تحادث أبي:
ــ أليس كذلك يا عبد الله؟
أجاب أبي يؤيدها:
ــ بلى.. أنت محقة في كلامك يا عواطف.. لقد أفسدتها أمها بالتدليل.. لن تنفع لبيت أو زواج إذا ظلت على حالتها هذه..
رمقت أبي بعتاب طويل.. أهذه هي النهاية يا أبي.. تهينني وتذلني أمام هذه الغريبة المسيطرة.. أنسيت كل شيء.. ألا يشفع لي أن أكون ابنتك قبل كل شيء؟؟
وقررت حينها أمراً لن أرضخ لهذه الحقارة والأنانية.. سأتحداهما.. وسأضع حدا لهذه الدخيلة وسأبين لها من أكون؟؟
سأنتصر لأمي الراحلة وبيتنا الذي كان يجمعنا ذات يوم.. لن أسمح لها بالسيطرة أكثر من ذلك ولو اشتعل البيت بالنيران.. وفي نفس الليلة طلبت مني أن أغسل لها مجموعة من الثياب.. لم أبك وأنا أتلقى أوامرها فقد قررت بيني وبين نفسي أمراً.. حاولت صفية انتزاع الثياب مني لتغسلها وتتوسل بشفقة:
ــ حرام أن تغسليها أنت يا منى.. حرام..
صددتها بلطف وأنا أتوجه نحو الغاسلة الكهربائية.. ألقيت الثياب بلا اهتمام وسكبت معها كمية لا بأس بها من مبيض الغسيل لتتحول ملابسها بعد لحظات إلى كومة باهتة من الملابس لا لون لها ولا قوام..
احتملت صراخها.. احتملت تعنيفها.. احتملت صفعتها المدوية على وجهي ولم أرد سوى بكلمة واحدة..
ــ أنا لم أغسل يوماً أي ثوب ولا أعرف كيف يتم ذلك..
شدتني بعنف نحو المطبخ وهي تهتف:
ــ ستتعلمين كل شيء وفوراً..
ثم أمرت صفية أن تعلمني كيفية غسيل الملابس وخرجت وهي تهدر غضباً..
جلست في المطبخ هادئة مرتاحة البال وكأنني لم أفعل شيئاً يذكر.. يكفي إنني أشعلتها وأفسدت يومها.. لا يهمني شيء بعد ذلك..
لكن سعادتي لم تدم طويلاً فبعد أن جعلتني الخادمة الخصوصية لغسل ملابسها.. تدرجت حتى جعلتني أقوم بجميع أعمالها الخاصة من غسيل ملابس إلى تنظيف حجرتها وترتيب شعرها وتدليك قدميها.. كنت أتألم داخلياً وإن لم يبدو ذلك واضحاً في ملامحي.. فلم أكن أرغب في أن يشعر أحمد بآلامي فيزيد عذابه ويزيد مقته لهذه المرأة القاسية.. فكرت مراراً في مخرج يبعد عني ما أقاسيه من إذلال وهوان..
بيد أن الأبواب موصدة ولكل منها قفل ضخم يحتاج فتحه إلى أطنان من التضحيات والدموع..
حتى بدأت أيام الدراسة ولأول مرة أذهب لمدرستي الثانوية فرحة مستبشرة وكأنني أخرج من سجني المؤبد إلى حيث أهلي وأحبائي وأصحابي..
بادرتني صديقتي إيمان بصرخة:
ــ منى.. غير معقول.. لقد تغيرت كثيراً وقل وزنك إلى النصف.. إنك تبدين كعود من الحطب..
ابتسمت بحرارة وأنا أقول:
ــ تعرفين ظروفي يا إيمان وفاة أمي ثم شقيقتي.. وخنقتني العبرة فلم أكمل جملتي..
ربتت إيمان على كتفي بحنان وهي تهمس:
ــ أنا آسفة.. لم أقصد أن أذكرك بشيء..
مسحت دموعي بظهر كفي وأنا أنهض لأستقبل حصتي الأولى في المدرسة وقد أحسست بانقباض غريب يشمل كياني بأسره وكأن الدنيا قد أغلقت أبوابها في وجهي فجأة.. استدعتني المعلمة أثناء فترة الفسحة في أحد الأيام وقالت لي بهدوء:
ــ منى أنت طالبة متفوقة وطوال فترة مكوثك بيننا وأنا أعدك من القليلات المتميزات.. ماذا حدث لك؟ شرود دائم في الحصص وعدم انتباه وتركيز بالإضافة إلى انعزالك بنفسك والابتعاد عن زميلاتك.. لقد تدهورت تدهوراً ملحوظاً ليس على المحور الدراسي فقط بل تعداه إلى المستوى الاجتماعي.. مكانك بين زميلاتك.. لقد أدركت هذا الأمر منذ أول يوم لحضورك للمدرسة.. نقصان وزنك اللافت للنظر.. وجهك الشاحب.. شعرك المتقصف وحتى حيويتك فقد ذهبت أدراج الرياح..
لا تخفي شيئا علي فقد أستطيع مساعدتك وانتشالك مما أنت فيه.. هل تعانين من مرض يا منى؟
قلت بصوت أقرب إلى الهمس ودموعي تحرق جفوني:
ــ كلا..
جاءني صوتها ممتلئا بالدهشة:
ــ هل يحاول أهلك إجبارك على الزواج؟
قلت وأنا أبكي:
ــ أمي ماتت..
لم أكمل جملتي.. أخذتني معلمتي بين ذراعها وهي تبكي بحرارة وكأن أمها هي التي ماتت وليست أمي أنا.. وبعد أن هدأت حدة البكاء قليلاً.. قالت معلمتي وهي لا تزال تمسح دموعها:
ـــ أنني أشعر بما تعانين يا منى لأنني قد عانيته في يوم ما.. يا لك من بائسة صغيرة وماذا يفعل أبوك المسكين الآن.. بالتأكيد هو مريض..
قلت ببطء:
ــ كلا.. فقد تزوج..
فغرت فاها دهشة وذهولا وسألتني بإلحاح:
ـ أتقولين تزوج.. إن العطلة الصيفية بأسرها لم تكن إلا ما يقارب الثلاثة أشهر.. معنى هذا أن أباك تزوج بعد وفاة أمك بفترة قصيرة..
نكست رأسها بأسى وهي تفكر ثم قالت بعد برهة:
ــ وزوجة أبيك الجديدة هل هي طيبة؟
أجبتها بحزن:
ــ كلا للأسف..
وحكيت لها عذابي مع زوجة أبي وعن وفاة شقيقتي الصغيرة إثر وفاة أمي وعن شقيقي أحمد وحزن تشفق الأضلاع عن حمله..
والمعلمة تسمع وتتعجب حتى ضاعت الحصة التالية للفسحة وأنا أتحدث وأبكي.. وأخيرا طلبت مني أن أبلغها بكل ما يجد من أموري ووعدتني بأن تساعدني بكل طريقة ممكنة وكأنها شقيقتي الكبرى..
أحسست بالأمان وقتها فمهما يكن يحدث من أمور فهناك من يهمه أمري ويسأل عني ويساعدني في الملمات..
نفخت نفسي كلمات معلمتي قوة وعظمى أجهلها تمكن في نفسي فعزمت على النجاح والتفوق كما كنت دائما عندما كانت أمي الحبيبة على وجه الوجود..
واصلت الليل والنهار وأنا أتشوق لنيل شهادتي الثانوية بتفوق يؤهلني لدخول كلية الطب التي أتمناها.. حاولت إزالة العراقيل التي تضعها زوجة أبي أمامي لتعطلني عن الدراسة.. حاولت الجمع بين عملي تحت خدمتها ودراستي.. أرهقني ذلك ولكنه وضعني على حافة سلم النجاح ونسيت قراري برفض الظلم وتحديه.. نسيت كل شيء عدا مستقبلي.. حتى أحسست بالتعب ذات يوم وانهار كل عضو من جسدي يطلب الراحة المحروم منها.. حدث ذلك اليوم في المدرسة كانت الفسحة المدرسية توشك على الانتهاء حين ألم بي دوار مفاجئ، فلم أستطع الثبات وسقطت على الأرض في انهيار تام.. حملتني زميلاتي إلى حجرة المشرفة الطلابية التي تعهدتني بالراحة والعناية حتى حضرت معلمتي الحبيبة التي أكاشفها بكل ما يحدث لي.. أصرت على أن أذهب للبيت وأرتاح.. لم يجد رفضي إلا إصراراً لديها على مغادرتي المدرسة.. وهمست لي قائلة:
ــ حتى تصدق زوجة أبيك عند خروجك من المدرسة إنك مريضة وبحاجة إلى الراحة.. علها تعفيك من بعض أعماالها..

يتبـــــــــــــــــــــــع

سأتوقف عن كتابة الرواية ................

بعد رجوعي من السفر سأكملها لكم إن شاء الله أستودعكم الله...[/align:cf3c7ab2ad]

غفران
25-08-2004, 08:53 PM
آآآآآسفة على التأخير

سأكمل الرواية اليوم عساكم ما نسيتم مجريات الرواية

يا لله أنشوف أحداث الرواية اليوم

غفران
25-08-2004, 08:55 PM
[align=justify:7f3942dcd2]خرجت من المدرسة وعدت للمنزل وما أن فتحت الباب بمفتاحي الخاص ودخلت حتى أحسست بأجواء غير طبيعية في البيت.. كان مجرد إحساس، ولكنه تعاظم حين لم أجد الخادمة صفية في المطبخ كعادتها كل صباح.. بحثت عنها في أرجاء البيت ولم أجدها.. التزمت الهدوء كيلا أوقظ زوجة أبي التي اعتقدت أنها نائمة في هذا الوقت من الصباح.. لكن دهشتي الشديدة سمعتها تتحدث إلى رجل ما في حجرتها.. اختفيت بسرعة وأنا أراقب حجرتها من بعيد.. فوجئت بها وهي تخرج من الحجرة وبرفقتها رجل غريب لم أره يوماً.. رأيتهما يتهامسان.. اختفيت وقلبي يخفق بسرعة عجيبة وأوصالي ترتجف بعنف وتساؤلات حادة تخترق رأسي بنصلها السام..
ترى من يكون هذا الرجل؟ هل هو شقيقها أو أحد أقاربها الرجال؟ لكنه لا.. مستحيل.. إن شقيقها لا يزورها خفية في الصباح وبعيداً عن أعين الجميع حتى أبي.. وأين.. في حجرة نومها؟
كلا.. واستبعدت هذا الخاطر تماماً من ذهني..
هل يكون عشيقها.. يا إلهي.. أتكون زوجة أبي من هذا النوع الخائن من الزوجات.. أمعقول هذا الذي يحدث أم أني في كابوس فظيع..
ومرت عدة دقائق وأنا في ذهول حتى دخلت زوجة أبي الحجرة التي أجلس بها..
فوجئت حين رأتني وكأنها ترى وحشاً مرعباً.. تراجعت صارخة بذعر ثم تمالكت نفسها بعد برهة قائلة كأي سيدة شريفة:
ــ أهذه أنت أيتها التافهة الحقيرة.. ما الذي أتى بك إلى البيت في هذه الساعة؟
كدت أصرخ بوجهها قائلة: لقد عدت لأرى حقارتك وتفاهتك..
لكنني أمسكت بلساني وأنا أفكر.. يجب ألا أبدو خاضعة ذليلة لها بعد الآن فتستمرئ ذلك.. يجب أن أقف لها وجها لوجه وأفهمها بقوتي المفاجئة بأنني قد عرفت كل شيء وأستطيع أن أفعل أي شيء..
لم أنكس رأسي كعادتي وأتهته بالكلام.. بل رفعت رأسي علياً وأنا أواجهها بنظراتي وقلت لها بهدوء ينبض بالتحدي:
ــ عدت لأنني مريضة وقد صرفتني المدرسة باكراً لأرتاح..
كفأر وقع في مصيدة أخذت تنظر في كافة الاتجاهات وكأنها تبحث عن معين لها في هذه المحنة.. قالت بعد لحظات وهي تبتلع ريقها بصعوبة:
ــ منذ متى وأنت هنا؟
علت ابتسامة سخرية شفتي رغم كل شيء.. كدت أقول لها ساخرة: منذ وداع الحبيب.. ولكنني قلت وأنا انظر في عينيها بجسارة:
ــ منذ نصف ساعة تقريباً ولم أجد صفية في البيت..
ثم ركزت على كلماتي وأنا أقول:
ــ وكدت أحسبك نائمة..
اضطربت اضطراباً واضحاً وابتلعت ريقها مرتين وكأنها ستقول شيئاً، ولكنها صمتت في النهاية ثم قالت بارتباك ملحوظ:
ــ ارتاحي الآن وسأعود لك فيما بعد..
وما أن غادرتني حتى هنأت نفسي على ذكائي.. كان هذا هو الطريق الوحيد أمامي لإخضاعها وكسر شوكتها.. لم يكن هناك بد من أن اقف أمامها بهذه القوة..
لم اسمعها يوما تطلب مني أن ارتاح ولكن بعد أن شكت في كشفي لحقيقتها عاملتني بكل اللين والود..
غلبني النوم وأنا في دوامة من أفكاري لأفيق وصفية تضع أمامي صينية الطعام.. قلت لها بهدوء:
ــ صفية.. أين كنت في الصباح.. لقد بحثت عنك في كل مكان..
قالت لي بهمس:
ــ ليس هذا الصباح فقط يا منى.. بل كل صباح.. مدام عواطف تبعث بي إلى بيت والدتها لأنظف وأطهو لها الطعام ثم أعود سريعاً قبل أن تعودون جميعاً..
أطرقت برأسي مفكرة وقد أدركت الموضوع ككل.. إن هذه المرأة المخادعة ليست تلك العفيفة الشريفة كما يظنها أبي ونظنها نحن، بل هي امرأة حرباء خائنة.. تخدعنا جميعاً وأولنا أبي.. وتبادر إلى ذهني سؤال مر.. ولماذا لا أبلغ أبي بكل ما رأيته وهو يتصرف التصرف المناسب؟ لكن ترى هل سيصدقني؟ وإذا افترضنا أنه صدقني هل سيراقبها في صمت أم سيواجهها فوراً وأتحمل أنا كل شيء.. إذن هل أتقاضى وكأن شيء لم يكن.. لكن كيف.. كيف أستطيع الصمت وبركان هائل ينفجر داخل بيتنا وهذه المرأة تلقي بكرامتنا في الأوحال وتشوه سمعتنا.. انتهيت من تساؤلاتي الحادة إلى لا شيء، فأبي يحب هذه المرأة حباً شديداً ولا يرفض لها طلباً ولو شاءت أن يركع أمام قدميها فكيف يقتنع بروايتي بسهولة.. قررت أخيراً أن استشير معلمتي فاطمة في هذا الأمر، فهي أكبر مني وستخبرني بالحل الصحيح.
مضى اليوم وزوجة أبي في وجوم شديد تتحاشى النظر إلى وجهي وتحاول إشغال نفسها بأي شيء سوى الجلوس معي.. سألها أبي على مرأى مني:
ــ ما بك يا عواطف تبدين متعبة هذا اليوم.. هل أعرضك على طبيب؟
اغتصبت ابتسامة وهي تقول:
ــ كلا.. لا شيء.. ثم نظرت إلى وقد تبدلت نظرتها على نحو مفزع مخيف وهي تتابع:
ــ إن منى هي المريضة فقد أتت اليوم من المدرسة متعبة بعض الشيء..
لم يكلف أبي نفسه ويقترب مني ليسألني عن أحوالي، وكأن هذا العمل جريمة يخشى منها.. اكتفى بأن ألقى علىّ نظرة لا مبالية وهو يقول بفتور:
ــ إنه إرهاق من المذاكرة فقط لا غير..
ومضى غير عابئ بشيء..
حكيت لمعلمتي كل شيء حدث في منزلنا.. نظرت إلى بتركيز شديد ثم صرخت بي قائلة:
ــ لقد أخطأت يا منى.. لم يكن عليك أن تواجهيها بهذه الطريقة السافرة.. أنت مخطئة..
أجبتها ببراءة:
ــ على العكس يا أبله فاطمة لقد أخضعتها بهذه الطريقة وبعدها لن تجرؤ على إذلالي وتحطيمي ومعامتي كالخادمة..
قالت المعلمة وعلى وجهها إمارات الاستياء الشديد:
ــ كلا.. كلا.. يا منى أنت بتلك المواجهة أخفتيها حقاً لكن ليس لدرجة أن تتنازل لك عن كل شيء بسهولة فهي أقوى من هذا بكثير.. إني خائفة عليك يا حبيبتي.. لكن اطمئني لن تستطيع إيذائك.. والأفضل أن تخبري أباك بكل شيء..
قلت بلهفة:
ــ ولكن أخشى ألا يصدقني..
قالت بحسم:
ــ بل سيصدقك وحتى لو لم يصدقك فهو سيشك في الأمر ولا يوجد دخان بغير نار..
أجبتها باستسلام:
ــ سأبلغه ولكن ليس الآن.. سأقلب الأمر من جميع وجوهه أولاً..
قالت بإشفاق:
حسناً يا منى.. ولكن لا تتأخري كثيراً في إبلاغه..
كانت معلمتي على حق، وكنت قد تأخرت فعلاً في إبلاغ أبي.. رغم أن التأخير لم يدم سوى أربع وعشرين ساعة فقط لكن هذه المرأة الحرباء كانت تفكر بسرعة أكثر مني لتقضي عليّ وكانت الضربة في الصميم.. وتلقيت أكبر صدمة في حياتي وأقوى صفعة..
فقد عدت ذلك اليوم من المدرسة لأجد أبي أمامي منتفخ الأوداج.. متغير الوجه وقد انقلبت سحنته انقلاباً عظيماً.. نظرت إليه بخوف وقد سقط قلبي بين أقدامي فقد قدرت انه ربما يكون قد اكتشف خيانة زوجته له.. لكن الصفعة القوية على وجهي أيقظتني من كل أحلامي.. وفوجئت بأبي يهدر بغضب:
ــ تكلمي أيتها السافلة.. من هذا الشاب الذي تستقبلينه في البيت في غيابنا؟
فغرت فاهي دهشة وذهولاً.. أنا.. أنا.. لكنني لم أستطع النطق.. لم أستطع حتى الصراخ.. تابع أبي صراخه:
ــ أيتها المجرمة القذرة.. مثل أمك.. لو لم أربيها لسلكت سلوكك المشين.. إنك تستحقين القتل لندفن العار..
وانهال يضربني بكل ما أوتي من قوة.. ومن بين دموعي رأيتها تلك الأفعى زوجة أبي تحاول أن تنقذني من بين يديه وهي تقول:
ــ طيش شباب يا عبد الله.. إنها ما زالت فتاة مراهقة والعيب ليس عليها بل عليك أنت..
هتف عالياً:
ــ وماذا أفعل؟ أسجنها في البيت.. أفصلها من المدرسة.. كل بنات العائلات المحترمة يدرسن ولا يقترفن هذه الآثام.. إنها مجرمة.. مجرمة وتستحق القتل مثل أمها..

يتبع[/align:7f3942dcd2]

غفران
28-08-2004, 10:47 PM
[align=justify:6246ffa2a7]وانسابت دموعي بغزارة لتغرق وجهي وتبلل ثيابي.. وما ذنب المرحومة أمي في هذه المؤامرة الدنيئة التي مثلتنها هذه المرأة.. ما ذنب أمي المتوفاة لتنال كل هذا السيل من الشتائم والتجريح..
لم أستطع الدفاع عن نفسي وهذا الاتهام البشع يلتصق بي كثمرة محرمة.. لم أستطع أن أعبر عن جراحي ولو بصرخة ألم تذيب قلب هذا الأب المقدود من حجر..
وأخيراً تركني أبي بعد أن حال جسدي إلى خرقة بالية لا تستطيع التحرك إلا بصعوبة..
ساعدتني صفية على الانتقال إلى سريري وأبي يغلي كمرجل من غضب وهو يهتف بين الفينة والأخرى:
ــ سأؤدبها.. سأربيها..
وتلك الفاجرة ترد عليه بكلام لم أستطع أن أتنبه لشدة تعبي ووهني..
حطمتني الفاجعة وضيعت ما بيني وبين أبي إلى الأبد.. لقد قطعت عليّ هذه الأفعى الطريق، فلن يكون بيني وبين أبي حديث بعد اليوم.. وأي حديث وقد تقطعت الأواصر ووهنت العلاقات.. حتى أحمد كرهه أبي لكرهي وأصبح ينأى أن يحدثه أو حتى يسأله عن أحواله..
لقد حولت تلك الأفعى كل شيء لمصلحتها وأرادت أن تحطمني قبل أن أحطمها وما زلت حتى اليوم أذكر ابتسامتها الساخرة وهي تطل عليّ وتسألني إن كنت أريد شيئاً وكنت أدير وجهي جهة الحائط وأبكي بحرارة..
لماذا تنهال هذه المآسي على رأسي بغزارة حتى نسيت طعم السعادة.. وقد خلت حياتي منها.. ومن منت أنتظر منه الأمان تخلى عني بقسوة ولم يسمع دفاعي عن نفسي أو حتى يسمح لي بكلمة حق أو اعتراف بالذنب.. حتى معلمتي الحبيبة فاطمة حينما فوجئت بانقطاعي عن المدرسة حاولت أن تحادثني أو تزورني.. لكن أبي رفض رفضاً قاطعاً أن أكلم أو أستقبل أحداً حتى يبت هو في أمري..
وبت في أمري للأسف الشديد.. فقد فوجئت بعد أسبوع من الواقعة وحين استرددت بعض قواي، بأبي يلقي علي ثوباً طالباً مني أن أرتديه.. وبعد لحظات دخل على الحجرة شيخ طاعن في السن.. فوجئت.. التصقت بالجدار من هول الصدمة.. هل هذا أنس أم جن.. هل هو شيخ حقيقي من لحم ودم أم هو.. ماذا؟ أيكون أبي قد جن حتى يسمح لرجل كان من كان باقتحام حجرتي.. هتفت بصوت مبحوح من كثرة البكاء والصراخ:
ــ من أنت.. أخرج هيا بسرعة..
جاءني صوت أبي داخلاً إلى الحجرة وهو يبتسم لأول مرة منذ أسبوع:
ــ هذا زوجك يا منى.. العم صالح.. هيا حضري نفسك لتذهبي معه.. بسرعة..
وخرج أبي ومعه هذا الشيخ الطاعن في السن، لأتهاوى تحت أحد الجدران باكية بعنف.. سامحك الله يا أبي.. ماذا فعلت لتدفنني وأنا عز الشباب.. ومع من مع الشيخ يكبر أبي بعشرين سنة على الأقل.. إن الموت أحب إلى من هذا..
لم ينفعني بكائي وهذه المرأة تدخل عليّ تسحبني من يدي لترتيب شعري وتزيين وجهي وهي تأمر صفية بتجميع كل ملابسي.. وأنا أبكي وأحمد يبكي وهو متعلق بي يصيح:
ــ منى.. لا تتركيني.. منى أرجوك لا تتركيني..
صرخت به زوجة أبي:
ــ اسكت أيها الولد الشقي.. أختك ستتزوج وستذهب مع زوجها.. هيا ويكفي هذا التدلل..
تركتها ترتب شعري.. جفت دموعي فجأة وداخلي يغلي كالبركان وقلت لأحمد بصوت هادئ وكأنه ليس صوتي:
ــ اطمئن يا أحمد.. سأعود..
والتقت نظراتنا في المرآة.. نظراتي المهددة والمتوعدة بنظراتها المطمئنة وإن كانت تحمل بعض الخوف..
وما أن ضمنا البيت الكبير الموحش أنا وزوجي حتى صرخة به قائلة:
ــ ابتعد.. ابتعد عني.. إذا اقتربت فسأصرخ عالياً حتى يجتمع الناس عليك..
قال بحنان افتقدته منذ زمن طويل:
ــ اطمئني يا منى.. أنت في بيتك ولا تخافي مني.. سأتركك بمفردك حتى تهدئي..
جلست أحدق ذاهلة في كل ما حولي.. كان كل شيء يدل على الثراء الفاحش الأسطوري.. فلم يسبق لي أن رأيت مثل هذه الجدران اللامعة والثريات الكبيرة العملاقة وهذه التحف والرياش.. لم يسبق لي أن رأيت أي شيء من هذا في حياتي سوى في الأفلام التليفزيونية.. وأدركت أن أبي قد باعني لهذا الرجل.. باعني ليضرب عصفورين بحجر واحد.. يتخلص من عاري كما يعتقد ويكسب الأموال الطائلة.
أخذت أفكر بسرعة وذكائي يرسم لي الطريق.. لن أستفيد شيئاً من عراكي مع هذا العجوز الذي اشتراني.. لن أستفيد شيئاً من جفائي وعنادي وبكائي بل على العكس من ذلك ربما أخسر من حيث أعتقد أنني أكسب فربما طلقني وأعادني إلى بيت والدي.. إلى تلك الأفعى البغيضة التي لا تتورع على فعل أي شيء لتبعدني عن طريقها.. هذه المرة كان الإبعاد بالفضيحة والزواج من هذا العجوز فما يدريني ما يتفق عنه ذهنها في المرة القادمة.. ربما قتلتني أو زجت بي في السجن أو أعظم من ذلك فهي لا تخاف الله ومن لا يخاف الله يجب أن نخاف منه.. هكذا علمتني أمي.. وعلى هذه الحكمة عشت حياتي وعندما تخليت عنها برهة حدث لي ما حدث..
لا أنكر أن الطلاق من هذا العجوز هو هدفي، لكن ليس الآن وفي بيتنا يحدث ما يحدث.. يجب أن أروض نفسي على الصبر والتحمل حتى أجد لي مخرجاً.. كما أنني قد عرفت هذا الرجل العجوز وأدركت للوهلة الأولى حنانه الواضح.. ربما كان هذا الحنان لهدف تهدئتي.. لكنني سأستغل كل شيء لصالحي، فإنني وبهذه الظروف لن أجد من يشفق عليّ غيره فبيده مصيري ومصير حياتي المقبلة.. سأحاول أن اكسبه لصفي بقدر ما أستطيع..
بدلت ثيابي وأخذت أتجول في الفيلا الكبيرة الرائعة.. كان الدور الثاني يتكون من خمس حجرات للنوم عدا حجرة نومي الكبيرة.. وفي الدور الأول سبع حجرات منها حجرة واحدة مغلقة لم أستطع فتحها.. وفي تجوالي بالبيت لفتت نظري خادمة سوداء تراقبني بعينيها اللامعتين.. وحين رأتني أنظر إليها افتر ثغرها عن ابتسامة أظهرت أسنانها البيضاء.. كانت ترتدي ملابس رثة لا تتناسب وفخامة هذا البيت..
سألتها عما إذا كانت تعرف العربية فأومأت بالإيجاب.. كدت اسألها عن الرجل العجوز أين هو لكن اكتشفت يا للسخرية أنني لا أعرف حتى اسمه الأول.. قلت لها بهدوء:
ــ أين السيد.. هل خرج؟
قالت ببساطة:
ــ لا أدري..
كدت ألقي عليها أسئلة أخرى عن هذا الرجل وهل له زوجة وأولاد، لكنني أيقنت بأنها لن ترد على أي من أسئلتي..
جلست في الصالة الكبرى التي تعلوها ثريا ضخمة تتلألأ فيها عشرات الأضواء، حتى حضر زوجي الشيخ الذي تطلق عليه الخادمة اسم "عمي صالح"..
لأول مرة منذ غادرت معه منزل أبي أراه بوضوح.. قصير القامة محني الظهر تملأ وجهه لحية كبيرة بيضاء يناهز السبعين من العمر.. تبدو عليه سيماء رجل الأعمال.. بادرني قائلاً وضحكة كبيرة تملأ وجهه:
ــ هل أعجبك بيتك الجديد يا منى؟
حاولت جاهدة أن أتماسك وأنا أجيب:
ــ نعم..
ضحك مرة أخرى لتبدو لي أسنانه الصناعية واضحة جلية وهو يقول:
ــ استعدي سنسافر غداً إلى أثينا.. منها رحلة عمل ومنها شهر عسل..
أجبت وأنا أرتجف بالرغم مني:
ــ وأهلي.. ألن أراهم؟
وقد طاف بخيالي شقيقي أحمد وهو يتلقى العذاب أضعافاً مضاعفة من هذه الحرباء الأفعى.. دمعت عيناي وصوته يأتيني من بعيد:
ــ وماذا تريدين من أهلك؟ أنت يا منى قد تزوجت وأنتهى الأمر.. أنسي أهلك حالياً..
ونسيت أهلي وغادرت مع زوجي إلى أثينا..[/align:6246ffa2a7]

يتبع

امة الرحمن
02-09-2004, 08:12 PM
اين انتي غفران :| دائما تشوقينا ثم تذهبي
استمري ارجوكي......

غفران
03-09-2004, 03:07 AM
مرحباً أختي أمة الرحمن

أعذريني.... على التأخير ... لأن الرواية طويلة وإلى الآن لم أخلص من كتابتها

أنا أضع لكم جزء وأكتب في الورد جزء آخر لذلك تعبت من كتابتها..........

على العموم ما بقى إلا قليل وسأخلص من كتابتها وسأنقلها لكم يومياً...

وشكراً

غفران

غفران
03-09-2004, 03:11 AM
[align=justify:6e578f024e]وفي فندق الشيراتون حدثت أول نكته.. أو ملهاة تضحك وتبكي في رحلتي مع الرجل العجوز إذ قال موظف الفندق العربي اللبناني الأصل لزوجي ببساطة:
ــ فلتسترح ابنتك على المقعد لحين انتهاء الإجراءات..
ابتسمت أنا وتغير وجه زوجي تغيراً ملحوظاً لدرجة أنه تجاهل الموظف ونصيحته وأمر بأن ترفع الحقائب على الفور..
وعشت المأساة من جديد، حيث ما أن ضمنا الجناح الفاخر حتى انجر زوجي في وجهي صارخاً ومعاتباً:
ــ كيف تبتسمين للرجل بهذه الطريقة.. هذا يدل على الفجور وعلى قلة الأدب.. لقد دهشت حين عرض علي والدك أن يزوجني إياك والآن عرفت السر لقد تخلص منك بهذا الزواج.. تخلص من حماقتك وانعدام حيائك.. انك لا تستحقين الحياة الكريمة.. أنت تستحقين الحياة في قفص.. وهلم جراً من هذه الكلمات التي نزلت على رأسي كالصواعق الحارقة فبكيت.. وأنا أتصور عذابي القادم مع هذا العجوز الغيور فرغم أنني قد تحملت كل شيء ورضيت بمستقبلي المظلم معه وتحملت نظرات الدونية ولمساته المقززة وأنفاسه ورائحة الموت تنبعث من بين أعطافه وبرودته القاتلة.. كل شيء تحملته بروح عالية وأخيراً يتعالى هو على كل ذلك ويصفني بأبشع الأوصاف من أجل شيء تافه.. ابتسامة لا إرادية صدرت مني على نكتة أعيشها بعمري وشبابي..
حاولت الصمت أكثر من المعتاد والاتزان أكبر بكثير من عمري وإلغاء المسافات واجتياز الحواجز مهما يكن من أمر.. فلست أرغب في العودة إلى أبي وزوجته الأفعى.. وزوجي بمساوئه أفضل كثيراً من ذلك البيت المتداعي الذي أفسدته زوجة أبي بأغلالها وسيطرتها على البيت ومن فيه..
مرت أيام السفر بسرعة غريبة وأنا لا أغادر الفندق إلا لماماً.. ولمرتين على وجه التحديد.. إحداها إلى السوق لشراء بعض الحاجيات وأنا أنكس رأسي إلى الأسفل ولا أرى من الناس أو الطبيعة سوى مواضع أقدامي.. وفي المرة الثانية حينما ذهبت برفقته إلى المطعم التركي.. أغلبية من يعملون به من الرجال المتقدمين في السن ولا أدري كيف تم اختيارهم على هذه الدرجة من كبر السن والدمامة التي لا تخطئها العين..
وعدنا إلى أرض الوطن وفي داخلي قلق عظيم لم تستطع وداعتي اجتيازه.. فكيف لي أن اطمئن على حياتي القادمة مع هذا الرجل.. كيف أحاوره.. كيف أعايشه.. كيف أوجد خيطا ما يقودني إلى عقليته.. نعم هي فترة مؤقتة.. لكنها ضرورية ومهمة فخلالها يجب أن أقنعه بمتابعة دراستي وبتأمين مستقبلي ولو بمبلغ يسير.. لكن كيف وهو بهذه العقلية وبيني وبينه أميال يستحيل تجاوزها.. هو لا يراني سوى دمية جميلة ضمن أملاكه ولا شيء أكثر.. فهل يحق للدمية متابعة تعليمها وإهدائها مبلغاً ما يضمن مستقبلها..
شغلتني أسئلتي حتى طفر الدمع من عيني.. سألني بحنان كدت أنساه:
ــ منى.. ما الذي يبكيك؟
وعند هذه العبارة فقط انهارت أحزاني دموعاً.. وبكيت بحرقة شديدة اهتززت معها من أعماقي.. ربت كتفي بحنان وهو ينادي بأسمي.. أحسست به.. أدركت بأن بكاء المرأة إحدى نقاط الضعف لديه وانه يسلم أمامه بكل شيء، قررت أن الوقت قد حان لألقي أول أسلحتي.. هتفت بين دموعي:
ــ إني اشعر بضياع مستقبلي.. ولم أزد على ذلك بحرف.. أحسست به يتقوقع على نفسه كقنفذ وهو يشعر بالإهانة وربما استصغار الشأن..
أجاب بخشونة:
ــ وأنت معي لن يضيع مستقبلك.. غدا أكتب باسمك إحدى عماراتي..
زغردت روحي فرحاً ورقصت مشاعري طرباً.. لكنني لم أستسلم، فليس هذا هو هدفي الأوحد.. فازدادت حدة بكائي وأنا أقول بحرارة:
ــ أنا لا أنسى فضلك أبداً.. وأشكرك كثيراً لكن المستقبل ليس فقط بالأموال إن دراستي أيضاً مستقبل..
نكس رأسه بأسى وكأنه يفكر.. ثم قال أخيراً:
ــ حسنا.. سأفكر بالأمر..
من كلماته شممت رائحة الموافقة وإن كانت تحتاج لتأكيد لا رجعة فيه..
همست برقة:
ــ لا.. لا.. الأمر لا يحتاج لتفكير.. أرجوك..
واحترت في تسميته فأنا لم يسبق لي مناداته من قبل.. لا أدري هل أقول له العم صالح.. أن أناديه بصالح فقط.. أم ماذا.. أخيرا حسمت الأمر وقررت بألا أناديه إطلاقاً.. فأكملت جملتي ودموعي لا تزال عالقة بأهدابي:
ــ أرجوك أنا أحب مدرستي ومعلماتي، ثم إن وقت فراغي كبير وسأقضيه بالدراسة والتحصيل..
صمت وتعلقت عيناي بشفتيه أنتظر كلمة تتغير فيها مسيرة حياتي..
قال بعد أن ابتسم ابتسامة واسعة:
ــ حسنا يا منى.. كلمة رجل.. منذ الغد اذهبي إلى مدرستك والعمارة سأكتبها باسمك خلال أيام..
كدت أقفز وأتعلق بعنقه من شدة الفرحة، ولكنني تماسكت وابتسمت باتزان وأنا أشكره..
ومن غدي انطلقت إلى مدرستي وأنا أشعر بعدالة السماء تحرس خطواتي..
استقبلتني صديقاتي بفرحة صاخبة.. صرخت إيمان:
ــ منى.. أين أنت؟ ثلاثة أسابيع تختفين.. أين كنت.. وماذا فعلت؟
قالت نورة:
ــ سمعنا بأنك قد تزوجت وهاجرت..
ثم همست لي سارة:
ــ يقولون بأن والدك قد ضبطك مع أحد الشباب في البيت وسجن الشاب.
قالت أخرى:
ــ سمعت أن..
وقاطعهن صوت حاد عرفت فيه صوت معلمتي الحبيبة فاطمة.. ألقيت نفسي بين أحضانها باكية.. انتزعتني برفق وهي تقول:
ــ اذهبي الآن إلى المديرة، فهي تريدك بسرعة وبعد ذلك عودي إلي..
تشبثت بيدها وكأني لا أود مفارقتها، ولكنها سحبت يدها ودفعتني بلطف نحو حجرة المديرة..
استقبلتني المديرة بتحفظ وهي تسألني:
ــ لقد مضى على غيابك يا منى ثلاثة أسابيع كاملة.. كيف نبرر غيابك أثنائها.. ألا تدرين أن الغياب بدون عذر يستوجب الفصل النهائي..
أطبقت بأسناني على شفتي السفلي دون أن أجيب؟
قالت بهدوء:
ــ لقد كثرت الإشاعات وتنوعت.. وحاولنا مراراً الاتصال ببيتكم لمعرفة ما حدث لك.. لكن جوبهنا باستقبال مهين.. وعندما حاولت المعلمة زيارتك في المنزل طردتها زوجة أبيك وهاجمتها بكلام سيئ لا يقال ولا يحكى..
امتلأت عيناي بالدموع قهراً وألماً.. سألتني المديرة وقد علت نبرة صوتها قليلاً:
ــ هل حقاً تزوجت يا منى؟
هززت رأسي بالموافقة دون جواب وتساقطت دموعي على وجنتي..
نهضت المديرة من مقعدها وجلست بجواري وهي تهمس قائلة:
ــ كلنا نحبك يا منى لأنك طالبة متفوقة ومجتهدة دائما لذلك سنحاول مساعدتك قد استطاعتنا.. هل تستطيعين إيجاد تقرير طبي يوضح بأنك مريضة لمدة أسبوعين أو حتى أسبوع واحد ونحن نتصرف بالباقي..
أجبتها وأنا أمسح دموعي:
ــ شكراً يا أبله منيرة.. أشكرك كثيراً على مساعدتي وسأحاول إيجاد ما طلبته..
هنا نهضت المديرة قائلة:
ــ حسناً.. اذهبي الآن إلى فصلك..
وفي نهاية الفسحة اصطحبتني معلمتي فاطمة إلى حجرتها، وهي تحكي لي معاناتها مع أهلي عندما حاولت السؤال عني وكيف هاجمتها زوجة أبي بسفالة وانحطاط.. سألتني عما جد من أخباري.. حكيت لها بدموع ساخنة قصة زواجي من الرجل العجوز وحياتي معه الجافة بلا طعم ولا روح وكيف كان أحن علىّ من أبي حين وافق على إكمال تعليمي..
قالت معلمتي بعد تفكير عميق:
ــ لقد تزوجت الآن يا منى وانتهى الأمر.. واحمدي الله على هذه النهاية رغم شذوذها، فقد كان من الممكن أن تلقي من هذه المرأة ما هو أشد وأنكى.. وطني نفسك على الاحتمال وتقبلي هذه الحقيقة.. أما زوجة أبيك فسيعاقبها الله أشد عقاب.. ولن تهنأ بالتخلص منك.. فالله يمهل ولا يهمل..

يتيع...................[/align:6e578f024e]

غفران
06-09-2004, 11:44 PM
[align=justify:069cef3b18]تنهدت بعمق وأنا أجتر آهاتي الممزقة من أعماق صدري.. غادرت مدرستي ذات يوم وفي داخلي حنين لأخي أحمد ولبيتنا الصغير وخادمتنا الوافية المخلصة، فقد مر أكثر من شهر على زواجي ولم أطلب من زوجي زيارة أهلي ولم يتكلم بدوره في هذا الأمر..
في إحدى الليالي، وبينما كنت مستغرقة في مراجعة دروسي وقد اطمأن قلبي بعد أن انتظمت بالدراسة وتجاهلت المديرة غيابي الطويل بالاتفاق معي ومع معلمتي فاطمة.. سمعت أنين صادر من مكان قريب من مكاني.. تلفتت حولي ذاهلة، فقد نام زوجي منذ زمن طويل وأوت الخادمة إلى فراشها قريباً من منتصف الليل.. فما هذا الصوت الغريب ومن أين يأتي؟
وبعد برهة تلاشى الصوت وكأنه لم يكن.. هززت كتفي بلا مبالاة، فربما كان صادراً من بيت قريب من بيتنا أو ربما يكون من مذياع سيارة مرت قرب بيتي أو ربما أكون واهمة..
تناسيت الأمر واستغرقتني شئون الحياة من حياة مدرسية حافلة، وحياة زوجية باردة مملة لا يتغير فيها شيء رغم أملاكي التي زادت مع مرور الأيام..
ومع الأيام عرفت أن لزوجي الشيخ زوجة أخرى طاعنة في السن هي أم أولاده وتسكن في قصر كبير في أرقى منطقة في المدينة وتعيش هي وأولادها عيشة باذخة أقرب إلى معيشة الأميرات..
وبعد عدة أيام تناهي إلى سمعي الصوت الحاد مرة أخرى ليخفت بعد ثوان.. وتكرر الأمر مراراً.. وفي إحدى المرات كان البيت غارقاً في السكون لدرجة هائلة.. فقد كان الوقت شتاء والمكيفات مغلقة حينذاك فاخترق الصوت أذني ليزلزل أعماقي..
اتجهت نظراتي تلقائيا نحو الحجرة المغلقة.. اقتربت منها بهدوء.. إنها المكان الوحيد الذي لم تطأه أقدامي أبداً في هذا البيت.. أيضاً لم أراه يفتح ولا مرة واحدة أثناء وجودي..
اقتربت غير خائفة ولا وجلة.. وضعت أذني على الباب وأرهفت السمع ولدهشتي الشديدة سمعت همهمة خافتة لا تخطئها أذن.. ابتلعت ذهولي وأنا أتساءل ما الذي يحدث هنا.. أي إنسان أو حيوان قذف به مصيره إلى هذا المكان؟ ولماذا؟
اجتاحني الخوف الشديد وأسئلة هائلة تغمرني كمطر لا نهاية له.. ماذا يحدث وهل يعقل أن يسجن كائن ما في هذا المكان بدون علم أحد.. وفي القرن العشرين؟؟ وهل لهذا الشيخ الطاعن في السن دور في ذلك؟ انه إنسان وديع رغم أنانيته.. مرح رغم صرامته.. حنون رغم صمته.. فكيف.. كيف يحدث هذا وفي بيته!!
قررت أن أتقصى الأمر بطريقتي وألا أحكي لأي كان ما حدث ويحدث.. حاولت مراقبة زوجي بدقة ليله ونهاره.. عند دخوله وخروجه متعللة برغبتي في إسعاده لكنني ولدهشتي لم أراه يقترب من تلك الحجرة إطلاقا ولا حتى يعبأ بها على الإطلاق، وكأنها غير موجودة.. لم أحاول سؤاله كيلا أثير شكوكه.. والصرخات تزداد وأسئلتي تتعمق حيرة وذهولا..
حتى فاجأني زوجي ذات يوم بسؤال غريب:
ــ ألم تشتاقي لأهلك.. لم أسمع يوماً منك سؤالاً عن أحوالهم أو عن رغبتك في زيارتهم.. ألا تحنين إليهم؟
التمعت عيناي بالدموع.. وما يدريك أيها الشيخ ماذا يعتمل في أعماقي.. ما يدريك عن الحنين الذي يتفجر أحزاناً داخلي.. ما يدريك عن حرقة تكوي الضلوع وألم يتعمق بالوجدان.. أأحكي لك عن شوقي لأحمد ولهفتي لضمه إلى صدري وإطفاء حنيني إليه ودموعي التي أسكبها كل ليلة حزناً وألماً لأجله.. أم أحكي لك صدمتي بأبي وخيبة أملي فيه رغم حبي له.. إن من يبيع بقرة قد يسأل عنها بعد فترة ليرى أتعيش هي أم قد ماتت.. أما أبي فقد باعني وأنا ابنته دون أن يكلف نفسه ولو سؤال من باب الإعزاز لي أمام زوجي..
قلت بصوت متداعي:
ــ أبي.. إن.. إن زوجته..
قاطعني بتفهم:
ــ أنت لا تحبين زوجة أبيك.. لقد عرفت هذا منذ البداية..
استجمعت إرادتي وهتفت بقوة:
ــ إن زوجة أبي ظالمة ولا تحبني لذلك فأنا لا أحب زيارتها ولا رؤيتها.. وأبي جازاه الله خيراً فقد نساني من أجلها..
وانسابت دموعي على الرغم مني لتغرق وجهي.. ومن بين دموعي يأتيني صوته بحنان:
ــ انسي أهلك يا منى فلم يعد لك سواي.. وستعيشين معي وستغدين أم أولادي إن شاء الله.. ثم استدرك قائلاً:
ــ وبمناسبة الأولاد.. أنا أفكر بأن أعرضك على طبيبة نسائية فقد مضى ستة أشهر على زواجنا دون حمل..
أحنيت رأسي على صدري مؤمنة على كلامه فلم يعد لي سواه في الدنيا بعد أن بقيت بلا أب ولا أخ ولا سند ولا حتى ذكر أسرة..
تناسيت موضوع الحجرة المغلقة قليلاً وأنا أتأهب لزيارة الطبيبة.. لم يكن يهمني الإنجاب.. ولم يكن ضمن مشاريعي يوماً ما.. فلم أفكر أن اربط نفسي بهذا الرجل العجوز إلى الأبد.. كان مجرد حاجز عبور.. أو محطة مؤقتة أو شيء من هذا القليل.. أما أن أعيش إلى جواره طوال العمر فهذا ما لم أفكر فيه على الإطلاق..
لكنني طاوعته للذهاب إلى المستشفى، فلم يكن في الأمر ما يضر من وجهة نظري فسواء استغرق الأمر علاجاً قد تطول مدته أو اتضح إنني عاقر فكل هذا يتعلق على مدى سماحته ولطفه وحبه لي..
كنت جامدة الوجه وأنا أقف أمام الطبيبة بعد انتهاء الفحص.. فلم يكن الأمر يهمني قدر ما يهمه..
قالت الطبيبة بعفوية موجهة كلامها إلى زوجي:
ــ هل أنت والدها..
تقلصت ملامحه بغضب شديد وهو يجيبها بحدة:
ــ كلا.. هي زوجتي..
احمر وجه الطبيبة بوضوح وقالت بخجل شديد:
ــ آسفة.. فقد
قاطعها بحزم:
ــ ما النتيجة؟
قالت والخجل لا يزال يتردد على كلماتها:
ــ لا شيء.. لا مانع من الحمل.. امنحا نفسيكما فرصة فهكذا الأمر عند بعض من الناس.. فقد تمر سنة أو سنتان ثم يحدث الحمل.. اطمئن وأتمنى أن أراكما قريباً..
لم تحدث زيارة الطبيبة أدنى أثر لدي كما أحدثت عظيم الأثر لديه، فقد هاجمني بعنف وتخلى عن حنانه الزائف وهو يمطرني بوابل من كلمات التسفيه والتجريح.
أحنيت رأسي للعاصفة لتمر فقد أدركت من حياتي معه بأن نقطتا الضعف لديه هو إشعاره بما بيننا من فارق في العمر ودموع المرأة..[/align:069cef3b18]

يتبع.............

المسافر2004
07-09-2004, 05:56 AM
السلام عليكم
أخت غفران بارك الله لكِ
بصراحه بصراحه الرواية الاولى حزينة وااااااائعه جدا جدا جدا
مشكورة على هذا الجُهد الكبير لكي مني جزيل الشُكر
:o :o
اخوكِ المسافر2004

غفران
09-09-2004, 12:57 AM
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

مرحباً أخي المسافر 2004

لا شكر على واجب أخي والحمد لله على أعجابك بالرواية الأولى

إن شاء الله تعجبك الرواية الثانية

وشكراً

أختك غفران

غفران
09-09-2004, 01:02 AM
[align=justify:e68582eff4]وفي الغد لم أذهب لمدرستي فقد كنت أشعر بصداع قوي أعجزني عن النهوض من سريري..
سألني بفتور إذا ما كنت سأذهب للمدرسة.. ولما أجبته بضعف بأنني متعبه وسأنام غادر الحجرة فوراً..
نهضت بأعقابه متحاملة رغم الألم الذي يعصف برأسي، فقد داهمني شعور بأنني سأحل لغز الحجرة المغلقة.. وفعلاً ما أن وصلت إلى مكاني أعلى الدرج حتى رأيته يتجه نحو تلك الحجرة اللغز ويفتحها بمفتاح كان معه.. ثم يدخلها ولم يلبث دقائق حتى خرج وهو يتمتم بكلمات لم أسمعها في مكاني ذاك وإن خلت إنها شتائم موجهة إلى شخص ما..
جمدت في مكاني لحظات وأنا أرى الخادمة تهرول بصينية طعام تناولها منها زوجي ودفعها بقدمه إلى داخل الحجرة ثم أغلقها بعنف.. وغادر بعد لحظات وأنا غارقة في ذهولي.. إذن هناك شخص ما يقبع في تلك الحجرة المظلمة.. وتلك الخادمة اللعينة تشترك مع زوجي في ذلك السر وربما وهي تعرف كل شيء وأنا الوحيدة التي لا أفهم شيئاً مما يدور في بيتي..
فكرت بسرعة وقد اشتد ألم رأسي.. ماذا أفعل؟ هل أمسك بتلابيب الخادمة وأضربها لتحكي لي كل شيء.. لكن ربما هي لا تعرف إلا قليلاً ولا تدرك من الموضوع سوى القشور.. ربما هي لا تعرف ماذا يوجد في تلك الحجرة ويقتصر دورها على إحضار الطعام فقط لا غير..
فلماذا أتعجل الأمر وأفسد كل خططي.. لأحاول معرفة كل شيء بهدوء وروية وبطريقتي الخاصة..
وفعلاً ما أن وصلت إلى هذه المرحلة في تفكري حتى هدأت نفسي وشفيت من الصداع المزعج.. نزلت إلى المطبخ لأعد لي كوباً من الشاي دون أن أتطرق مع الخادمة حول أي موضوع وكأن شيئاً لم يكن..
لم أنم تلك الليلة.. قضيتها مسهدة أفكر .. وجل همي أن أصل إلى ما في تلك الحجرة وأكشف السر المريب الذي يخفيه زوجي عني وتشترك معه الخادمة في ذلك.. ومن يكون في تلك الحجرة؟ هل هي زوجته الأولى؟ فربما تكون قد ثارت عليه لزواجه، فغضب منها وحبسها في تلك الحجرة.. لكن لا.. إن هذه الحجرة المغلقة كانت موجودة منذ أول يوم لزواجي.. وطالما لمحتها في حلي وترحالي دون أن ألقي لها أي اهتمام.. ترى ما سر الصرخات التي ملأتها في الفترة الأخيرة والتي لم أسمعها في البداية.. ربما بسبب هدير المكيفات المزعج..
وفي لجة أفكاري المتلاطمة لفت انتباهي سلسلة المفاتيح التي تخص زوجي والملقاة بإهمال فوق منضدة الزينة..
إن مفتاح اللغز ضمن مفاتيح هذه السلسلة.. لكن كيف أحصل عليه دون أن أثير انتباه زوجي أو شكوكه.. وخطرت لي فكرة مفاجئة أن أحاول الحصول على المفتاح لأعمل نسخة منه على وجه السرعة.. ثم أعيده بكل هدوء كما أخذته.. فأنا أعلم تماماً من مراقبة زوجي الدقيقة.. أنه لا يمر على الحجرة المغلقة إلا