عرض الإصدار الكامل : مـــا العــــلا قـــة بيـــــن النفــــس والجســـــــــم ؟؟؟


عيون القلب
09-02-2004, 04:03 PM
لقد شغل هذا السؤال الفلاسفة من قديم الزمان، ثم عاد يشغل العلماء اليوم كما كان يشغل الفلاسفة من قبل.
كان الرأي الغالب في القديم أن النفس هي الجوهر الحق، أو على الأقل الجوهر الأسمى. وأن الجسم مجرد مظهر، أو ((محل)) تحل فيه النفس. أو على أكثر تقدير هو الجوهر الأدنى.
ثم ظل محور الثقل ينتقل رويداً رويداً حتى أوشكت المدرسة التجريبية في علم النفس أن تقول ـ أو لعلها قالت بالفعل ـ إن الجسم هو الأصل. هو الحقيقة. هو منبع كل ألوان النشاط الحيوي من فكر وحس وإدراك وتذكر وانفعال وتصرف. وإن ما نسميه ((النفس)) ليس إلا انعكاساً للنشاط الجثماني. وجاء علماء الغدد ليؤكدوا هذه ((الحقيقة!)) حين قالوا إن الغدد هي التي تتصرف في كل نشاط الإنسان، وهي موطن غرائزه وميوله ونزعاته.
هل صحيح أن النفس هي مجرد الإطار الخارجي الذي تنعكس فيه كيميائيات الجسم وكهرباؤه. وأنها ليست جوهراً مستقلاً كما كان يتصور القدماء، فضلاً عن أن تكون هو الجوهر الأسمى؟ وهل كل هذه المشاعر النبيلة التي يشيد بها الأخلاقيون والفلاسفة وتدعو إليها الأديان وتسجلها قصص البطولة .. هل هي كلها مجرد إفرازات كيميائية، عضوية وغير عضوية، تفرزها أجهزة الجسم المتعددة، أو مجرد نشاط كهربي في نسيج الجسم؟
إن الخلاف بين النظرتين ليس مسألة هينة. إنه خلاف في تقويم الحياة كلها. خلاف في تقويم ((الإنسان)). هل نعامله على أنه نفس أم على أنه جسم؟ هل نعطيه دروساً في الأخلاق تدريبات على الفضيلة أم نعطيه حقناً كيميائية؟! فإذا كان الإنسان غدداً وإفرازات كيميائية ونشاطاً كهربياً فما معنى العقائد؟ وما قيمة المثل؟ وما دلالة الأفكار؟ ولماذا نتعب أنفسنا في ذلك كله؟ لماذا نعني أنفسنا ((بالقيم))؟ لماذا لا نترك هذا الحيوان الإنساني يتصرف كما توحى إليه غدده وإفرازاته، أو كما خلقته ((الطبيعة))؟
من البديهيات المعروفة أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش بلا غذاء. وأن نشاطه الجسدي والفكري والنفسي كله متوقف على كمية من الغذاء يتناولها بين الحين والين. ولكن مَن يقول إن قصيدة الشعر التي أكتبها أو اللوحة التي أرسمها أو الفكرة التي ابتدعها أو النشوة النفسية التي أحس بها هي المعادل الرياضي لهذا الغذاء بحيث أستطيع أن أكتب هذه المعادلة:
س فيتامينات + ص بروتينات + ع نشويات + و ماء
= قصيدة في وصف الربيع!!
أو = عقيدة
أو = نظرية هندسية!
ولماذا لا تنشأ القصيدة أو العقيدة أو النظرية الهندسية في جسم الحيوان الذي يشارك الإنسان في تناول هذه الفيتامينات والبروتينات والنشويات والماء؟
بل لندع الحيوان جانباً. فقد تكون كيميائياته ناقصة! لماذا لم يبتدع الناس جميعاً نظرية كنظرية النسبية التي ابتدعها إينشتين، أو أدباً كأدب شكبير ودستويفسكي، أو جهازاً لاسلكياً كماركوني أو قنبلة ذرية كالعلماء الألمان الذين ((سرقهم)) الحلفاء في نهاية الحرب وجندوهم لتفجير الذرة؟
إن هؤلاء جميعاً يأكلون نفس الفيتامينات والبروتينات والنشويات والماء .. ولم يثبت العلم التجريبي أن مخ هؤلاء العباقرة يحوي مادة أخرى غير ما في أمخاخ الآخرين.
وهل لو أخذنا الإفرازات الكيميائية المتمثلة في جسد الشاعر وقت ((إفرازه)) قصيدته ثم حقنا بها ذلك الجلف الغليظ الحس، أو حتى ذلك الفتى المرهف الحس الذي لا دراية له بنظم الشعر ... هل تكون نتيجة الحقنة أن يمسك بالقلم ويكتب لنا نفس الأبيات التي كتبها الشاعر؟!
لم يقل ذلك أحد من السادة العلماء.
كل ما قالوه أن حقنة من الإفرازات الداخلية في جسم مُتعَب، تشيع التعب المفاجئ في الجسم النشيط حين يحقن بها، لأنها مجموعة من السموم التي تؤثر في الخلايا والأنسجة فتحيل نشاطها إلى خمول. وقالوا إن حقنة من جسم كلب على وشك الموت لأنه حرم من النوم عدة أيام، قتلت كلباً سليماً معافى كان يأخذ نصيبه الطبيعي من النوم والغذاء والرياضة.
نعم، كل ذلك مفهوم. إنه ((جسم)) يتأثر بإفرازات جسم مماثل. ولكنا لم نجد بعد أن الحقن بالإفرازات الجسمية ينشئ أفكاراً وفنوناً وعقائد تشابه مثيلاتها عند صاحب الإفرازات!
ثم إن هذه هي نصف الحقيقة. فلماذا يحتفل بها العلماء كل هذا الاحتفال ويهملون النصف الباقي؟
لقد جعلوا كل همهم دراسة تأثير الجسم في النفس. فلماذا لا يدرسون كذلك تأثير النفس في الجسم؟
إنني أكون متعباً، متضايقاً، مهموماً، آيساً من الحياة .. بمعنى أن إفرازاتي الداخلية من الغدد والأجهزة الأخرى قد رسمت لنفسي هذا الإحساس، ووجهتها ـ بغير إرادتها ـ هذه الوجهة ... ثم أرى فلاناً من الناس أحبه فتنطلق أساريري وآنس إليه وأنسى نظرتي القاتمة إلى الحياة .. بمعنى أن إفرازاتي الداخلية من الغدد والأجهزة الأخرى قد تغيرت مناسيبها وأنواعها، فرسمت لنفسي هذا الاتجاه الجديد. فماذا حدث يا ترى؟ هل مجرد الانعكاس الضوئي لصورة هذا الشخص على شبكية العين هي التي تحرك هذه الإفرازات، بحيث لو نقلت هذه الإفرازات إلى المعمل، وعكست عليها صورة الصديق تنقلب ـ كيميائياً ـ إلى إفرازات فرحة مستبشرة؟!
أوَليست هذه ((عملية نفسية)) تؤثر في نشاط الجسم، وتعدل إفرازاته وكيميائياته؟
وأكون متعباً .. بمعنى أن إفرازات التعب قد سممت خلايا جسمي وأنسجته. فأعجز عن الاستمرار في العمل، وأحس بحاجة ملحة إلى الراحة. ثم فجأة يخطر في بالي خاطر .. إن المصلحة العليا، إن العقيدة التي أعتنقها، إن حبي لفلان من الناس، إن رغبتي في زيادة الكسب، إن رغبتي في التفوق على فلان .. تعطيني عزيمة جديدة، فأندفع في العمل بروح ماضية، وأحس أن التعب قد زال، وأنني أستطيع أن أعمل عدداً آخر من الساعات .. فما الذي حدث؟ من أين جاءت الإفرازات الجديدة التي عدلت الإفرازات الأولى وعادلت ما فيها من سموم؟!
أوَليست هذه دوافع نفسية تؤثر في نشاط الجسم وتغير إفرازاته وكيميائياته؟
وطاقة الجسم البشري محدودة. محدودة بالحساب المادي لقوة أنسجته واحتمال خلاياه فكيف حدثت على مدار التاريخ تلك المعجزات من احتمال بعض الأفراد من ذوي العقائد ألواناً من التعذيب لا يتصورها العقل، ثم ظلوا أحياء، وظلوا محافظين على قواهم العقلية، وظلوا مستبشرين للحياة واثقين بالله، وبعض هذا التعذيب يقتل آخرين، وبعضه يفسد قواهم العقلية، وبعضه يورث الهم والحزن ويشيع اليأس من الحياة؟
هناك إذن علاقة متبادلة بين النفس والجسم. فما هي يا ترى هذه العلاقة؟
في الأمومة والأبوة إن إحساس الأم بطفلها هو أنه جزء منها. من صميم كيانها، تحس وجودها في وجوده، ويتحقق كيانها بتحققه. إن هذا الإحساس النفسي مواز للحقيقة الجسمية وهي نشوء الطفل في داخل جسم الأم واتحاد كيانهما الجسمي فترة من الزمن يتغذيان من غذاء واحداً ومن ((كيان)) واحد.
وإن إحساس الأب بطفله مختلف. فهو يحس أنه جزء منه، ولكنه جزء موجود خارج كيانه، والعلاقة بينهما هي مودة الألفة والصداقة أكثر مما هي وحدانية الكيان. وإن هذا الإحساس مواز للحقيقة الجسمية وهي أن ((المادة)) التي يشارك بها الأب في تكوين الطفل، مادة تندفع إلى الخارج ولا تبقى داخل الجسم كما يحدث في حالة الأم.
لست أقصد أن الاتجاه النفسي ينشأ من الحالة الجسمية ولكني فقط ألحظ التوازي في الاتجاه.
وقلت إن الجسم في سبيل الحصول على الرشاقة يحتمل كثيراً من الجهد ويحتاج إلى كثير من التدريبات لا يصل إلى الرشاقة بدونها، ولكنه بعد ذلك ينعم بهذه الرشاقة ويحس بالخفة والانطلاق. وكذلك النفس تحتاج إلى تدريبات وجهد، وامتناع عن بعض الرغبات لتصل إلى الرشاقة النفسية، ولكنها بعد ذلك تنعم بهذه الرشاقة وتحس بالخفة والانطلاق.
العضلات الجسمية تتضخم وتقوى بالتدريب المستمر والاستخدام الطويل، وتذبل وتضوي بالإهمال حتى لتكاد تعجز عن وظفتها. والخصائص النفسية كذلك لابد من استخدامها وتدريبها لتقوى. وإذا أهملتها ذوت وضعفت حتى كأنها غير موجودة. ومن هنا يعجز العبد عن التصرف الحر، لا لأن كيانه النفسي مختلف في أصله عن كيان الحر، ولكن لأنه لا يستخدم أجهزة التصرف. وهذا ما يلجأ إليه الاستعمار في استعباد الشعوب نفسياً إذ يسلبون الشعوب حرية التصرف فتستعبد على مر الأيام.
والكيمياء الجاهزة يحتاج إليها الجسم أحياناً في صورة فيتامينات. ولكنها لا تؤدي مهمة الغذاء الطبيعي كاملة، إذ أن الجسم يستفيد أكثر من الغذاء الذي يهضمه ويمثله ويختار منه ما يريده ويطرد فضلانه: أي يتفاعل معه تفاعلاً إيجابياً في كل مرحلة من المراحل. والنفس كذل. قد تحتاج أحياناً إلى أفكار جاهزة ومشاعر جاهزة أو لكنها لا تستطيع أن تعيش عليها، ولابد أن تذوي وتضعف إن لم تقم بالتفاعل الإيجابي مع الأفكار. لهذا يقف النمو النفسي للشعوب الجماعية، ذوات الحكومات الدكتاتورية التي تلقنها أفكاراً جاهزة ومشاعر جاهزة تنتجها معامل الدولة كما يحدث في الشيوعية.
وغير ذلك كثير.
كلها أمثلة تشير إلى وجود تواز بين كثير من التصرفات النفسية والتصرفات الجسمية في الإنسان.

جهاد المشاقبة
09-02-2004, 05:27 PM
الامراض النفسية وأثرها في الصحّة الجسمية


اسمحي ان اشارك في هذا الموضوع ؟
يبدو ان لدينا عضو متميز في هذة المنتدى وهيا العضو عيون القلب اتمنى لها التوفيق دايما ولجميع الاعضاء طبعا .





إنّ من المسلّمات الاساسية في الفكر الاسلامي أنّ لكلّ من الجسم والروح والعقل والنفس كيانه ونظامه وعمله الخاصّ به، وانّ هذه العناصر يؤثّر بعضها ببعض، ويتأثّر به. وفي دراستنا الموجزة هذه نحاول أن نعطي تعريفاً مبسّطاً بالامراض النفسية وعلاقتها بالامراض الجسمية، وخطورة تلك الامراض، وصعوبة علاجها، حتى بعد نشوء نظريات التحليل النفسي ومحاولة اكتشاف منشأ المرض والعقد النفسية، والحالات المرضية التي يعاني منها مرضى النفس، وبيان قيمة الايمان بالله سبحانه وأثره في تحصين النفس البشرية من تلك العقد والامراض، وقدرته على معالجتها واصلاحها، فالنفس البشرية كما تفيد دراسات العلماء الاسلاميين هي كيان مجرّد عن الخصائص المادّية، وجهاز قائم بذاته، وهذا الجهاز هو كالجسم يصح ويمرض ويُعالج.
ولنستمع إلى الفيلسوف الاخلاقي الشيخ محمد مهدي النراقي أحد علماء الاخلاق (8) الاسلاميين، وهو يتحدّث عن النفس والجسم والاخلاق (الاوضاع النفسية) وما يصيب كلاً من الجسم والنفس من أمراض وخلل في نظام عمليهما، قال مسجلاً ذلك:
(اعلم انّ الانسان ينقسم إلى سرٍّ وعلن، وروح وبدن، ولكلّ منهما منافيات وملائمات، وآلام ولذّات، ومهلكات ومنجيات. ومنافيات البدن وآلامه هي الامراض الجسمانية، وملائماته هي الصحّة واللذات الجسمانية. والمتكفّل لبيان تفاصيلها ومعالجاتها هو علم الطب. ومنافيات الروح وآلامه هي رذائل الاخلاق التي تهلكه وتشقيه، وصحّته رجوعه إلى فضائلها التي تسعده وتنجيه، وتوصله إلى مجاورة أهل الله ومقرّبيه، والمتكفّل لبيان هذه الرذائل ومعالجاتها هو علم الاخلاق. ثمّ انّ البدن مادّي فان، والروح مُجرّد باق)(9).
ثمّ قال:
(لاريب في تجريد النفس وبقائها بعد مفارقتها عن البدن)(10).
ثمّ تحدّث موضّحاً:
(ماعرفت من تجرّد النفس إنّما هو التجرّد في الذات، دون الفعل لافتقارها فعلاً إلى الجسم والالة، فحدّها(11): أنّها جوهر ملكوتي يستخدم البدن حاجاته، وهو حقيقة الانسان وذاته. والاعضاء والقوى آلاته التي يتوقف فعله عليها. وله أسماء مختلفة بحسب اختلافات الاعتبارات، فيسمى «روحاً» لتوقف حياة البدن عليه، و«عقلاً» لادراكه المعقولات و«قلباً» لتقلبه في الخواطر)(12)
وهكذا يشخّص التحليل الفكري لدى علماء الاسلام عدّة حقائق متعلّقة بالنفس البشرية، وهي:
1 ـ إنّ النفس كيان مجرّد عن الخصائص المادية، كما أنّ الطاقة في مفهوم علم الفيزياء تختلف عن المادة.
2 ـ إنّ النفس هي حقيقة الانسان وذاته، وهي التي تسمى (الانا) فإذا قال الانسان: (أنا) انّما يقصد (النفس) هذا الكيان المجرّد الذي يشعر باللذة والالم ويدرك ويفكر ويكره ويحب ويخاف ويقلق ويغضب ويرضى ويريد ويرفض...الخ.
3 ـ إنّ الجسم آلة لتنفيذ مآرب النفس، فما تريده النفس وترغب به يتحرّك لتحقيقه عن طريق تحويل الصورة الفكرية إلى موقف إرادي وسلوك عملي. لذا فانّ النفس تؤثّر بالبدن، كما يؤثّر البدن في النفس، ومن هذه الالية يتحول كثير من المشاعر والتصوّرات الى حالات مرضية كالقلق والخوف والحبّ والكراهية...الخ فتؤثّر تأثيراً انفعالياً فيستجيب الجسم لتلك الانفعالات استجابات فسيولوجية، وتترك آثارها المرضية أحياناً على الجسم.
4 ـ إنّ النفس تمرض كما يمرض الجسد، ومرض النفس هو انحرافها عن خطّ الاستقامة الذي يسمّيه الفلاسفة الاخلاقيون بحدّ الوسط أو الاعتدال. فتصاب بالقلق والخوف والحقد والشعور بالنقص..الخ. وانّ هذه الامراض تثير انفعالاً يتحوّل إلى أمراض جسمية. فقد أثبتت الاحصائيات العلمية أنّ نسبة عالية من الامراض الجسمية سببها الامراض والانفعالات النفسية، كأمراض الجهاز الهضمي، مثل القرح وسوء الهضم وتهيج الامعاء، وكالامراض العصبية، واختلال نسبة السكّر، وأمراض الحساسية والصداع...الخ.
فكثير من الامراض تبدأ نفسية ثمّ تتحوّل إلى أمراض جسدية. وتؤكّد الاحصاءات والدراسات النفسية أنّ معظم الامراض الجسمية سببها الامراض النفسية، وانّ العلاقة متبادلة في كثير من الاحيان بين الجسم والنفس من الصحّة والمرض.
ولنقرأ ماورد في تقرير صحّي يتحدّث عن علاقة المرض الجسمي بالمرض النفسي، فقد جاء فيه:
(وتدلّ الاحصائيات في البلدان الغربية التي انتشرت فيها ثقافة الصحّة النفسية، والتي تقدّمت فيها وسائل العلاج النفسي على كثرة انتشار الامراض النفسية والعقلية بين الناس. فتدلّ الاحصائيات في أميركا مثلاً على أنّ حوالي نصف مليون من الاميركيين يعالجون في المستشفيات من هذه الامراض، كما تقبل المستشفيات الاميركية كل عام حوالى (000/150) حالة جديدة منها. وتدلّ بعض الاحصائيات الاخرى على أنّ حوالي (10بالمئة) من الاميركيين معرّضون للاصابة بهذه الامراض في فترة من حياتهم)(13).
(الواقع انّ النتيجة التي وصلت إليها تتفق كلّ الاتفاق مع النظرية الطبّية الحديثة عن أهمّية العنصر السيكولوجي في العلاج الحديث، فقد دلّت الاحصائيات الدقيقة على أنّ (80بالمئة) من المرضى بشتى أنواع الامراض في جميع المدن الاميركية الكبرى ترجع أمراضهم إلى حدّ كبير إلى مسببات نفسية... فما هي الاسباب الرئيسية لما تسببه الامراض العصبية؟ انّ من الاسباب الرئيسية لهذه الامراض الشعور بالاثم أو الخطيئة والحقد والخوف والقلق والكبت والتردد والشكّ والغيرة والاثرة والسأم، ومما يؤسف له انّ كثيراً ممن يشتغلون بالعلاج النفسي قد ينجحون في تقصي أسباب الاضطراب النفسي الذي يسبب المرض ولكنّهم يفشلون في معالجة هذه الاضطرابات، لانّهم لايلجأون في علاجها إلى بثّ الايمان بالله في نفوس المرضى، ويجب فوق ذلك أن نتساءل عن هذه الاضطرابات الانفعالية والعوامل التي تسبب تلك الامراض، انّها هي ذاتها الاضطرابات التي جاءت الاديان لكي تعمل على تحريرنا منها...)(14).
وتتفق الدراسات النفسية الحديثة هذه مع دراسة علماء الاخلاق الاسلاميين في أنّ النفس البشرية تصاب بالامراض، وأنّها تواجه حالة الصحّة والمرض، كما يواجهها الجسم. ويسجل أحد الاساتذة المختصّين في علم النفس هذه الحقيقة بقوله: (إنّ الصحّة النفسية والمرض النفسي هما طرفا الحالات النفسية اللذان ينبغي لعلم الصحّة النفسية التركيز على دراستهما، فبأحدهما يعمق ادراكنا للاخر، ويتحدد مدى قربنا أو بعدنا عن كليهما، وهما كوجهين لعملة واحدة بها تتأكد معرفتنا للكيفية التي ينمو بها السلوك ويضطرب أو يتحلل...)(15)..
ثم يتابع حديثه قائلاً: (ومن الناحية العملية يمكن اعتبار الحياة سلسلة من الصراعات ينجح الفرد في التغلب عليها فتتكون الصحّة النفسية، أو يفشل فيكون المرض النفسي. ومعنى ذلك أنّ الصحّة النفسية لايمكن فهمها إلاّ في ضوء المرض النفسي. ويمكن القول بأنّ المرض النفسي في جوهره هو إخفاق في استيعاب وتوافر وتمثل خصائص السلوك الصحي النفسي، كما انّ دراسة المرض النفسي وتقصيه وتحليل أسبابه كان له أثر كبير في تحديد الخصائص التي يمكن الحكم في ضوئها على الصحّة النفسية)(16).
ثمّ ينتهي الى القول: (فهناك منطقتان أساسيتان هما: «منطقة الصحّة النفسية» وتشمل أحوال «الخلو من المرض النفسي» وهي أدنى حالات هذه المنطقة، تعلوها حالة «السلامة النفسية» وتأتي في القمّة «حالة الصحّة النفسية» وفي المقابل هناك «منطقة المرض النفسي» وتشمل «حالة الاضطرابات الانفعالية» والتي تعتبر أبسط أحوال المرض النفسي «حالة الامراض النفسجسمية» ثمّ «الامراض العصابية» وأخيراً «الذهان» الذي يمثّل أشدّ حالات التدهور العقلي)(17).
وهكذا تتكون أمامنا صورتان متقابلتان، وهما صورة الصحّة النفسية وصورة المرض النفسي، تتنازعان على النفس البشرية ولا سعادة للانسان إلاّ بتوفر الصحة النفسية وخلو النفس من الامراض والانفعالات المرضية.
وكما أوضح علماء الاسلام فانّ ما أسموه بالفضائل (حالات الصحّة النفسية) والخلو مما أسموه بالرذائل الاخلاقية (حالات المرض النفسي) هي من المبادي الاساسية في بناء الشخصية الاسلامية، لذلك نجد الرسول الكريم محمداً (صلى الله عليه وآله) ينادي: (انّما بعثت لاتمم مكارم الاخلاق)(18).
وفي قول آخر يحلل لنا تحليلاً علمياً انعكاس سوء الخلق المرضي على النفس فيقول:
(من ساء خُلُقُه عذّب نفسه)(19).
وتعذيب النفس ليس في الاخرة وحسب، بل وفي عذاب القلق ووخزات الضمير، من الهمّ والغمّ والكآبة والحزن وحالات الانانية والغيرة والحسد التي تنهش أعماق النفس وتصلي المصاب بها بجحيم دائم.
وقد أحسن الامام علي (عليه السلام) تصوير الحالة النفسية للانسان الحسود، وهو الاناني الذي لا يريد الخير للاخرين، ويؤلمه أن يرى تفوّق الاخرين عليه ويتمنّى ويسعى لتجريدهم وحرمانهم مما هم فيه من خير فيعيش في حقد وكراهية ورغبة في الانتقام، الذي كثيراً ما يتحوّل إلى حالات قتل أو تآمر، أو وشاية بالاخرين، أو نيل من كرامتهم وسعي لاسقاطهم، صدق أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي صوّر هذه الحالة بقوله:
(ويح الحسد ماأعدله، بدأ بصاحبه فقتله)(20).
والاحصاءات والدراسات النفسية تفيد فشل الانظمة الاجتماعية والمناهج التربوية ونظريات تنظيم السلوك البشري في علاج الامراض النفسية وانقاذ الانسان منها، بل وتشهد التقارير والاحصاءات بتزايد الاصابة بالامراض النفسية، وفقدان الصحّة النفسية نتيجة الحياة المادّية المضطربة والمقلقة للانسان. فالارهاب السياسي بسبب الخلاف الفكري أو السياسي، أو تسلّط الحكم الدكتاتوري، وفقدان أمن الافراد والجماعات في معظم دول العالم هو المأساة البشرية السائدة. والخوف من الحروب والنزاعات، وعدم الطمأنينة على الحاضر والمستقبل، والقلق من تدهور الوضع المعاشي، والاحساس بفقدان معنى الحياة واليأس من قدرة المكاسب المادّية، وفقدان الرضا والانسجام بين الناس والمحيط، وتمزّق أوضاع الاسرة، وفقدان الحبّ والعطف والحنان، وانتشار التشرّد والضياع، والاحساس باحتقار الشخصية، وعدم وجود من يعتني بالانسان المشرّد، فهذه الحالات كلّها أصبحت من مشاكل العصر، وافرازات الحضارة المادّية التي جلبت للانسان الويلات، وتسببت بنشر الامراض والعقد النفسية التي افقدت الانسان طعم الحياة والسعادة.
وليس أمام الانسان من ملجأ ولا مخلّص غير الاسلام الذي استوعب منهاجه حماية النفس وتحصينها من الامراض النفسية بالايمان بالله سبحانه وبعالم الاخرة، والعمل على تزكية النفس وتطهيرها من الحقد والانانية، وحمايتها من الخوف والقلق، بتسليم الامر إلى الله سبحانه، والرضا بقضائه وقدره عندما يواجه الحالات النفسية غير الطبيعية، وبتحصين النفس من الاصابة بالمرض النفسي بالتربية وتوفير الاجواء الاسرية والاجتماعية والسياسية والقانونية التي توفرّ للانسان الطمأنينة والحبّ والاحترام لشخصيته والرعاية له. والاساس العلمي الذي ينطلق منه المنهج الاسلامي في حماية النفس من العقد والامراض النفسية هو الايمان بأنّ الفطرة البشرية فطرة نقيّة سليمة من العقد والامراض النفسية، قال تعالى:
(فطرَة اللهِ التي فَطَرَ الناسَ عليها لاتبديلَ لخلقِ اللهِ ذلك الدّينُ القيّمُ ولكنّ أكثَرَ الناسِ لايعلمون). (الروم/30)
وانّ الصحّة النفسية تتمثل بالحفاظ على هذه الفطرة وحمايتها من التلوّث والانحراف بتعهّدها بالتربية الاخلاقية، وتوفير البيئة والمناخ الاجتماعي الذي يساعد نقاء الفطرة وسلامتها على النموّ والتكامل بعيداً عن الانحراف والشذوذ، بعد أن حرّم إخافة الانسان واحتقار شخصيته، ودعا الوالدين وأفراد الاسرة والمجتمع إلى الحبّ والتعاون واحترام الاخرين، وأوجب توفير الامن السياسي والمعاشي، وشاد في النفس عقيدة اللجوء إلى الله والاستعانة به، وبذلك يتحرر الانسان من عقدة الخوف والاحتقار والانانية.
والمبدأ الاخر من مبادي صيانة النفس من الامراض النفسية هو الايمان بعالم الاخرة وبفناء الاشياء جميعها، وخلود الخير والعمل الصالح، ليكون أساس الجزاء والنعيم، فتستقرّ النفس وتطمئنّ بعيداً عن القلق والخوف، عدوّ الانسان وسبب شقائه وعذاب نفسه في الحياة.
(اعلموا أنّما الحياةُ الدُّنيا لَعِبٌ ولهوٌ وزينةٌ وتَفاخرٌ بينَكُم وتَكاثر في الاموال والاولادِ كَمَثَلِ غَيْث أعجَبَ الكُفارَ (21) نَباتُهُ ثُمّ يَهيجُ فَتراهُ مُصفَرّاً ثمّ يكونُ حُطاماً وفي الاخرةِ عذابٌ شَديدٌ ومَغْفرةٌ من اللهِ ورضوانٌ وما الحياةُ الدُّنيا إلاّ متاعُ الغُرورِ* سابِقوا إلى مغْفرة من رَبكُمْ وجَنة عَرْضُها كَعَرضْ السماءِ والارضِ أُعِدّت للذينَ آمنوا بالله ورُسُلهِ ذلكَ فَضلُ اللهِ يؤتيهِ مَنْ يشاءُ والله ذو الفضل العظيم* ما أصابَ مِن مُصيبة في الارضِ ولا في أنْفُسِكُمْ إلاّ في كتاب من قَبلِ أنْ نَبّرأها إنّ ذلكَ على اللهِ يَسيرٌ* لِكيلا تأسوا على ما فاتَكُمْ ولا تَفْرَحوا بِما آتاكُمْ والله لايُحبّ كُلّ مختال فخور). (الحديد/20 ـ 23)
لقد قامت هذه الايات المباركة بتقديم تحليل لمعنى الحياة والموت لتوعية الانسان، وتكوين فهم سليم للحياة، وعلاقة سليمة معها، فصوّرتها بدقة حسيّة قريبة الادراك من فهم الانسان ووعيه، لاستئصال مناشىء القلق والشقاء النفسي المتركّز في خوف الانسان من أن تفوته الاشياء وتضيع منه، وفي خوفه مما يتوقّع حدوثه، ومما وقع عليه. وكما يشرح له حقيقة الحياة ويشبهها بحياة الزرع، ويدعوه الى أن لايخضع للخوف من ضياع مكاسب الحياة والقلق عليها، فكلّ شيء مقدّر ويسير وفق قدر. يوضّح له أيضاً أنّ اللجوء إلى الله هو مفتاح السعادة والطمأنينة، ليرتبط بالله بعيداً عن القلق، فيخاطبه بقوله:
(الذينَ آمَنوا وتَطمَئنُّ قُلُبُهُمْ بِذِكْرِ الله ألا بِذِكْرِ الله تَطْمَئنُّ القُلوب). (الرعد/28)


منقول
مـــع تحيات
جــهــاد

ابن طولون
09-02-2004, 07:03 PM
السلام عليكم ورحمة الله

عندى بعض الاسالة وهى

هل الروح و النفس شيء واحد ام هما شيان مختلفان؟
هل صحيح ان التفس طينية وان الروح نورنية كما يعتقد البعض؟
هل يمكن ان نفسر اعمال النفس وحركتها بلافرازات؟

جاسم79
11-03-2004, 08:06 PM
السلام عليكم أختي عيون القلب وعيون الروح


يعطيكم ألف ألف عافيه على الموضوووووووع صج أهو طويل 8) بس جدا جدا جدا رائع وجميل واتمنى لكم التوفيق .



اسمحوووولي

خالد الحارثي
07-08-2005, 05:51 PM
http://alfahemn.jeeran.com/goold%204.jpg

hiba
22-08-2005, 06:49 PM
السلام عليكــــــــ ورحمة الله وبركاته ــــــــــــــم

اظن ان العلاقة بين الجسم والنفس هي ان النفس هي التي تتحكم بالجسم.فاذا كان الجسم مريض وتعب فان مجرد التفكير الايجابي سيزيل التعب والارهاق واعراض المرض وان 65% من المصابين بامراض مختلفة يحتاجون الى الدعم والتشجيع والايجابية حتى ينسوا المرض وهو امر نحن لا نغفل عنه

لذاعليكم بالتفكير الايجابي
انا اقول انني استطيع اذا انا استطيع

فكونوا انقياء النفس تكونوا انقياء البدن
والحمد لله الذي خلقنا مسلمين
وصلي اللهم وسلم وبارك على خاتم المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم