شذى النجيع
29-01-2004, 02:06 PM
http://www.al-fateh.net/images9/fa9q82.gif
الحلم بفلسطين" رواية أيقظت الضمائر النائمة"
إبنة الخامســــــة عشرة أثارت حفيظة اليهود::::
21ابريل 2003
بقلم: موناليزا فريحة
لم تكن رانده غازي، الفتاة المصرية المولودة في إيطاليا تتوقع أن يسطع نجمها فجأة، وهي لم تتخط الخامسة عشرة من عمرها، أو أن يصبح اسمها متداولا في الصحف العالمية! كل ما فعلته أنها كتبت رواية باللغة الإيطالية عنوانها "الحلم بفلسطين" سرعان ما لقيت نجاحا كبيرا في إيطاليا أولا، ثم في فرنسا وبعض العواصم العالمية.
وقد ترجمت الرواية إلى اكثر من لغة، خصوصا بعدما أثارت ضجة كانت وراءها جمعيات يهودية معترضة على الرواية، وعلى مضمونها المعادي للسياسة الإسرائيلية، وان كانت الرواية تدور حول مجموعة من الشبان الفلسطينيين الذين يواجهون العنف الإسرائيلي في فلسطين، ويناضلون ضد الاحتلال فهي لا تخلو من الحلم بالسلام القائم على الحق والعدل، إضافة إلى أنها تنقل المأساة الحقيقية التي يكابدها الفلسطينيون وهم يدافعون عن بيوتهم وأراضيهم ببسالة كبيرة، إلا أن الصلافة اليهودية دفعت بعض الجمعيات العالمية المؤيدة لإسرائيل وسياستها إلى استنكار صدور الرواية والى المطالبة بمنعها.
في باريس طالب "مركز سيمون فيزنتال" وهو من ابرز المجموعات اليهودية العالمية، الناشر الفرنسي (دار فلاماريون) بسحب الترجمة الفرنسية للرواية من السوق تحت حجة أن الرواية "تمجد العمليات الانتحارية، واعتبر المركز ان الرواية "تتحدث بطريقة مؤثرة جدا عن شاب فلسطيني يتحول إلى قنبلة حية" من اجل "محاربة اليهود المتعطشين للدماء" والذين يغتالون الأطفال والشيوخ وينتهكون حرمة المساجد ويغتصبون النسوة الفلسطينيات".
ودعا المركز المكتبات الفرنسية إلى عدم بيع هذه الرواية التي كما زعم "تحث بوضوح على العنف العنصري، وتبرر الإرهاب" وطالبت "الرابطة الدولية لمكافحة العنصرية واللاسامية" في باريس وزيري الداخلية والعدل الفرنسيين بمنع الرواية، ونظمت تظاهرات ضمت العشرات أمام دار النشر في باريس احتجاجا على الرواية.
واستنكر أحد الحاخامات في فرنسا نشر رواية "أحد أبطالها يتحول إلى مفجر قنابل" إلا أن دار فلاماريون، ناشرة الترجمة الفرنسية للرواية لم تبال بهذه الحملات وسواها، ورفضت الاتهامات الموجهة إلى الرواية وكاتبتها، واعتبرت أن بعض شخصيات الرواية تعبر عن رفضها الحرب، وطالبت الدار الجمعيات اليهودية بعدم اقتطاع أجزاء من الرواية وابرازها كدليل على موقفها الرافض، فالرواية يجب أن تقرأ ككل، وفي سياقها السردي العام، ودافع الكاتب الفرنسي المعروف دلفاي دوتون عن الرواية وصاحبتها في مقال في مجلة "لو نوفيل اوبسرفاتور" معتبرا أنها تدعو إلى السلام الحقيقي، وتصور الواقع الأليم الذي يحياه الجيل الفلسطيني الجديد الذي ولد ونشا وسط الحرب المجنونة.
هكذا أصبحت الفتاة رانده غازي، مصرية الأصل والمولودة في إيطاليا نجمة خلال اشهر قليلة، وأصبحت روايتها مادة لنقاش سياسي لم تنته فصوله حتى الآن، وكانت الرواية في الأصل عبارة عن قصة قصيرة فازت بها رانده غزي بجائزة أدب الأطفال في إيطاليا، لكن الناشر الإيطالي الذي اعجب بالقصة وأسلوبها طلب من الفتاة الشابة آن توسعها وتحولها إلى رواية، وسرعان ما نفذت الطبعة الأولى في إيطاليا، فتلتها طبعتان ثانية وثالثة وكتب عنها اكثر من مائة مقال في الصحف، وهذا ما فتح أمامها مجال الترجمة إلى لغات عالمية عدة.
حكاية الأجيال الضائعة
قد تكون الضجة التي أحدثتها الرواية مهمة، لكن الأهم هو الرواية نفسها فالرواية تنبئ بولادة كاتبة مصرية أو عربية تعبر باللغة الإيطالية لأنها اللغة التي تجيدها كونها ولدت في إيطاليا، ودرست في مدارسها ونشأت نشأة رفيقاتها ورفاقها الإيطاليين، إلا أنها ظلت مصرية الجذور بل عربية، مأخوذة دائما بهموم الوطن الام وهموم الشعب الفلسطيني، ولعل ما دفعها إلى كتابة الرواية مشهد محمد الدرة في مأساته الجارحة، فهي لم تتحمل صورة هذا الطفل يسقط صريعا في أحضان والده تحت الرصاص الإسرائيلي، وراحت منذ تلك اللحظة الأليمة تفتش عن مادتها السردية والوثائقية عبر الصحف والمجلات والإنترنت وذاكرة والديها إلى أن ارتسمت الشخصيات والأحداث في ذهنها.
ومن يقرأ الرواية يكتشف- فعلا- أنها تجمع بين الطابع المتخيل والطابع الوثائقي، فقد حاولت هذه الروائية الفتية أن تركز على بعض التواريخ لتمنح روايتها صفة الواقعية مع أنها أشارت في الختام إلى أنها من نسج الخيال، لكن ما تذكره عن سبتمبر الأسود 1970، أو عن فوز حزب العمل في الانتخابات الإسرائيلية عام 1992 وكذلك عن الصراع بين ياسر عرفات وشارون، وعن الانتفاضة وسواها، يؤكد انطلاقها من ارض الواقع لتتخيل حياة هذه المجموعة من الشبان الفلسطينيين التي تمثل اكثر من جيل، والتي حاولت أن تبني أسرة بعدما فقد معظم اعضائها اسرهم، وفشلت في ظل التهديد والعنف الإسرائيليين، ففي الختام ستتحول قصة هذه "العائلة" التي لا آباء لها ولا أمهات، إلى قصة مأساوية بعد أن يموت بعض "أبنائها" بالرصاص الإسرائيلي الغاشم فيما يهاجر البعض وينكفئ البعض الآخر على نفسه، وقد تكون الشخصيات التي اختلقتها رانده غازي من صميم الواقع، موجودة وغير موجودة وقد تكون نماذج لشبان فلسطينيين يحيون وسط "الحرب" المفتوحة في المدن والقرى..ابراهيم، نضال، ريهام، جمال، محمد، رامي، جهاد، انجي وسواهم.. حيث يشكلون هذه الاسرة التي التأمت بالمصادفة اثر حدوث المآسي الشخصية التي جعلت هؤلاء الأفراد بلا أسرة ولا منازل... إبراهيم الذي قد يكون كبيرهم (31 سنة) فقد والدته في الخامسة من عمره، والد المهندس شيخا يدعو المسلمين إلى الصلاة، ولم يتوان عن تذكير ولده:" عليك أن تقاتل يا إبراهيم، هذا بيتك وهذه أرضك" أما جملته التي كان يرددها والتي لم ينسها إبراهيم يوما فهي "لا سلام من دون عدل" الوالد الشيخ سيموت بالرصاص الإسرائيلي، وهو يحمل المصحف، والمصحف سيكون الكتاب الوحيد الذي يقرأه إبراهيم في حياته مؤثرا الصمت ومقلا الكلام...نضال في العشرين من عمره، كان يعيش مع أمه وأخته بعدما سافر والده إلى دمشق ولم يعد، وقد استضاف في منزل عائلته جهاد وأخته، تموت أن نضال وأخته انجي قتلا بالرصاص الإسرائيلي واثر هذا الموت الفجائعي، يقرر الرحيل عن مجموعة الأصدقاء لانه لم يعد يحتمل الحياة، لكن حبه الدفين لريهام سيدفعه للعودة بعد فترة قصيرة، وسيتزوجها، ويعيشان مع أصدقائهما حياة عائلية، جهاد شقيق ريهام شاب فلسطيني متفائل في التاسعة عشرة من عمره، مقبل على الحياة بشجاعة وحب، محمد سائق شاحنة اعتاد أن يجول على القرى الفلسطينية المهدمة لينقل المواطنين المهجرين والجرحى والشهداء مغامرا تحت القصف والرصاص.. ومحمد هو الذي سيجعل من بيته مسكنا للأصدقاء مقسما عليهم الغرف والاسرة00 رامي فتى صغير ونحيل اسود الشعر، وديع القسمات، يعمل في أحد المستشفيات ويساعد محمدا في نقل الجرحى والقتلى، أما احمد الذي اصبح وحيدا بعد موت أخته أشجان فيجد في "عائلة الأصدقاء" ملجأ له، كان يهوى القراءة، وكانت بين يديه دائما مسرحية شكسبير "هاملت" .. وتستفيد الكاتبة من علاقة احمد بشخصية هاملت لتقارن بين الجنون الشكسبيري في مأساته والجنون الذي يدفع الإسرائيليين إلى ارتكاب المجازر وهدم البيوت.
وينضم إلى العائلة فتى فلسطيني في الثالثة عشرة من عمره يدعى وليد وكان متسولا وشغله الشاغل أن يرمي الجنود الإسرائيليين بالحجارة وعندما يقرر الأصدقاء أن يلحقوه بمدرسة ليتعلم مثل كل الأطفال يرفض ويصر على رفضه، انه ابن الانتفاضة الذي فقد أهله وبيته.
شخصيات مختلفة في ملامحها وسلوكها جمعتها الكاتبة في أسرة واحدة وتحت سقف واحد، شخصيات مأساوية بعضها لم يخل من الحنين الطفولي، وبعضها لم يتخل عن حماسة المراهقة، وبعضها (إبراهيم) كان يشعر بأنه اصبح على حافة الشيخوخة على الرغم من انه لا يزال في ربيع العمر، شخصيات شبه يائسة، تحاول أن تتحدى الظروف السلبية التي أفقدتها كل شيء ولا تستطيع حتى النضال اليوم ضد الآلة الإسرائيلية لم ينقذها من حالة الألم، يقول إبراهيم: " أفكر في انتفاضتنا التي مضى عليها عام، ولعل الشيء الوحيد الذي حصلنا عليه هو عدد رهيب من القتلى".
وتحاول هذه الشخصيات أن تقتل اليأس بالأمل، والموت بالحياة والخوف بالحلم، لكن المأساة كانت اكبر منها جميعا، إبراهيم سيقتل في النهاية، وكذلك احمد ونضال.. وريهام ستقتل وهي حامل ووليد سيسقط رميا بالرصاص الإسرائيلي، وعندما يسقط أرضا يصرخ: "ماما" .. رامي سيفقد ساقه، ومحمد سيترك شاحنته ويكرس حياته للصلاة، جهاد سيترك فلسطين ويرحل إلى دمشق بحثا عن أية .. نهاية بل نهايات مأساوية تعبر عن حقيقة المعاناة التي يعيشها الجيل الجديد في فلسطين، هذا الجيل الذي يكاد يفقد حياته من اجل الأرض والوطن:" كانت هناك صرخات دائمة، صرخات نسوة فقدن أبناءهن وازواجهن..".
وتقول الكاتبة أيضا على لسان ريهام: " إنها الحرب.. مصيبتنا، لاحقت آباءنا وعذبتهم، وها هي الآن تلاحقنا وستلاحق أبناءنا".
جمعت رانده غازي في روايتها بين الأسلوب التعبيري والأسلوب الوصفي، واستخدمت الحوار لتجعل الرواية اكثر حيوية، أما لغتها فهي في غاية البساطة، لغة ذات إيقاع سريع وجمل قصيرة، وجعلت الكاتبة الشخصيات في بعض الأحيان تعبر عن نفسها وعن معاناتها عبر التداعيات أو التأملات التي كانت تساورها.
وقد تكون الرواية أثارت حفيظة الجمعيات اليهودية المؤيدة لإسرائيل بسبب قدرتها على النفاذ إلى قلوب القراء أيا كان أعمارهم، فهي رواية حافلة بالمشاعر الإنسانية الكبيرة والأحاسيس النبيلة والأحزان والشجون، ومن يقرأها لا يقدر ألا أن ينحاز إلى الفلسطينيين الأبرياء الذين سقطوا ضحايا الغدر الإسرائيلي والظلم والجور، أما الجمل التي أثارت الجمعيات اليهودية فهي ناطقة بمعاناة الشخصيات، وتدور على ألسنتها وهي شخصيات في موقع الضحايا، ومن هذه الجمل ما دار على لسان رامي: "هؤلاء الإسرائيليون متوحشون ويجب أن يقتلوا عن أخرهم" أو ما دار على لسان ريهام التي قتلت لاحقا وهي حامل: "يا ربي أليست هناك طريقة لوقف هؤلاء اليهود الظالمين؟! انهم يقتلوننا جميعا" اما احمد فكان كما تقول الكاتبة "يكره كل إسرائيلي يعيش على وجه الأرض".
رواية "الحلم بفلسطين" بديعة حقا، بأسلوبها ومضمونها بمأساتها وواقعيتها، ببراعتها وعذوبتها، وقد استطاعت رانده غازي عبرها أن ترتقي بأدب الأطفال إلى مرتبة إبداعية راقية، منطلقة من مفهوم الالتزام بقضايا الوطن والأرض والناس، صحيح أن رانده استعانت بمخيلتها لتكتب قصة هؤلاء "الأصدقاء" لكنها شاءت أن تظل واقعية لتعبر عن المأساة التي يحياها الفلسطينيون الذين يجايلونها أو يصغرونها أو يكبرونها بقليل، انه ملمح جديد لادب الأطفال تكتبه مؤلفة في الخامسة عشرة من عمرها، مخاطبة أصدقاءها الفلسطينيين والعرب أولا، ثم سائر القراء في إيطاليا والعالم، لقد نجحت هذه الراوية-حقا-في هز الضمائر وإيقاظها من تناسلها أو تجاهلها قضية الأطفال في فلسطين!.
المصدر:::::
المركز العربي للمصادر و المعلومات "امان" www.amanjordan.org
الحلم بفلسطين" رواية أيقظت الضمائر النائمة"
إبنة الخامســــــة عشرة أثارت حفيظة اليهود::::
21ابريل 2003
بقلم: موناليزا فريحة
لم تكن رانده غازي، الفتاة المصرية المولودة في إيطاليا تتوقع أن يسطع نجمها فجأة، وهي لم تتخط الخامسة عشرة من عمرها، أو أن يصبح اسمها متداولا في الصحف العالمية! كل ما فعلته أنها كتبت رواية باللغة الإيطالية عنوانها "الحلم بفلسطين" سرعان ما لقيت نجاحا كبيرا في إيطاليا أولا، ثم في فرنسا وبعض العواصم العالمية.
وقد ترجمت الرواية إلى اكثر من لغة، خصوصا بعدما أثارت ضجة كانت وراءها جمعيات يهودية معترضة على الرواية، وعلى مضمونها المعادي للسياسة الإسرائيلية، وان كانت الرواية تدور حول مجموعة من الشبان الفلسطينيين الذين يواجهون العنف الإسرائيلي في فلسطين، ويناضلون ضد الاحتلال فهي لا تخلو من الحلم بالسلام القائم على الحق والعدل، إضافة إلى أنها تنقل المأساة الحقيقية التي يكابدها الفلسطينيون وهم يدافعون عن بيوتهم وأراضيهم ببسالة كبيرة، إلا أن الصلافة اليهودية دفعت بعض الجمعيات العالمية المؤيدة لإسرائيل وسياستها إلى استنكار صدور الرواية والى المطالبة بمنعها.
في باريس طالب "مركز سيمون فيزنتال" وهو من ابرز المجموعات اليهودية العالمية، الناشر الفرنسي (دار فلاماريون) بسحب الترجمة الفرنسية للرواية من السوق تحت حجة أن الرواية "تمجد العمليات الانتحارية، واعتبر المركز ان الرواية "تتحدث بطريقة مؤثرة جدا عن شاب فلسطيني يتحول إلى قنبلة حية" من اجل "محاربة اليهود المتعطشين للدماء" والذين يغتالون الأطفال والشيوخ وينتهكون حرمة المساجد ويغتصبون النسوة الفلسطينيات".
ودعا المركز المكتبات الفرنسية إلى عدم بيع هذه الرواية التي كما زعم "تحث بوضوح على العنف العنصري، وتبرر الإرهاب" وطالبت "الرابطة الدولية لمكافحة العنصرية واللاسامية" في باريس وزيري الداخلية والعدل الفرنسيين بمنع الرواية، ونظمت تظاهرات ضمت العشرات أمام دار النشر في باريس احتجاجا على الرواية.
واستنكر أحد الحاخامات في فرنسا نشر رواية "أحد أبطالها يتحول إلى مفجر قنابل" إلا أن دار فلاماريون، ناشرة الترجمة الفرنسية للرواية لم تبال بهذه الحملات وسواها، ورفضت الاتهامات الموجهة إلى الرواية وكاتبتها، واعتبرت أن بعض شخصيات الرواية تعبر عن رفضها الحرب، وطالبت الدار الجمعيات اليهودية بعدم اقتطاع أجزاء من الرواية وابرازها كدليل على موقفها الرافض، فالرواية يجب أن تقرأ ككل، وفي سياقها السردي العام، ودافع الكاتب الفرنسي المعروف دلفاي دوتون عن الرواية وصاحبتها في مقال في مجلة "لو نوفيل اوبسرفاتور" معتبرا أنها تدعو إلى السلام الحقيقي، وتصور الواقع الأليم الذي يحياه الجيل الفلسطيني الجديد الذي ولد ونشا وسط الحرب المجنونة.
هكذا أصبحت الفتاة رانده غازي، مصرية الأصل والمولودة في إيطاليا نجمة خلال اشهر قليلة، وأصبحت روايتها مادة لنقاش سياسي لم تنته فصوله حتى الآن، وكانت الرواية في الأصل عبارة عن قصة قصيرة فازت بها رانده غزي بجائزة أدب الأطفال في إيطاليا، لكن الناشر الإيطالي الذي اعجب بالقصة وأسلوبها طلب من الفتاة الشابة آن توسعها وتحولها إلى رواية، وسرعان ما نفذت الطبعة الأولى في إيطاليا، فتلتها طبعتان ثانية وثالثة وكتب عنها اكثر من مائة مقال في الصحف، وهذا ما فتح أمامها مجال الترجمة إلى لغات عالمية عدة.
حكاية الأجيال الضائعة
قد تكون الضجة التي أحدثتها الرواية مهمة، لكن الأهم هو الرواية نفسها فالرواية تنبئ بولادة كاتبة مصرية أو عربية تعبر باللغة الإيطالية لأنها اللغة التي تجيدها كونها ولدت في إيطاليا، ودرست في مدارسها ونشأت نشأة رفيقاتها ورفاقها الإيطاليين، إلا أنها ظلت مصرية الجذور بل عربية، مأخوذة دائما بهموم الوطن الام وهموم الشعب الفلسطيني، ولعل ما دفعها إلى كتابة الرواية مشهد محمد الدرة في مأساته الجارحة، فهي لم تتحمل صورة هذا الطفل يسقط صريعا في أحضان والده تحت الرصاص الإسرائيلي، وراحت منذ تلك اللحظة الأليمة تفتش عن مادتها السردية والوثائقية عبر الصحف والمجلات والإنترنت وذاكرة والديها إلى أن ارتسمت الشخصيات والأحداث في ذهنها.
ومن يقرأ الرواية يكتشف- فعلا- أنها تجمع بين الطابع المتخيل والطابع الوثائقي، فقد حاولت هذه الروائية الفتية أن تركز على بعض التواريخ لتمنح روايتها صفة الواقعية مع أنها أشارت في الختام إلى أنها من نسج الخيال، لكن ما تذكره عن سبتمبر الأسود 1970، أو عن فوز حزب العمل في الانتخابات الإسرائيلية عام 1992 وكذلك عن الصراع بين ياسر عرفات وشارون، وعن الانتفاضة وسواها، يؤكد انطلاقها من ارض الواقع لتتخيل حياة هذه المجموعة من الشبان الفلسطينيين التي تمثل اكثر من جيل، والتي حاولت أن تبني أسرة بعدما فقد معظم اعضائها اسرهم، وفشلت في ظل التهديد والعنف الإسرائيليين، ففي الختام ستتحول قصة هذه "العائلة" التي لا آباء لها ولا أمهات، إلى قصة مأساوية بعد أن يموت بعض "أبنائها" بالرصاص الإسرائيلي الغاشم فيما يهاجر البعض وينكفئ البعض الآخر على نفسه، وقد تكون الشخصيات التي اختلقتها رانده غازي من صميم الواقع، موجودة وغير موجودة وقد تكون نماذج لشبان فلسطينيين يحيون وسط "الحرب" المفتوحة في المدن والقرى..ابراهيم، نضال، ريهام، جمال، محمد، رامي، جهاد، انجي وسواهم.. حيث يشكلون هذه الاسرة التي التأمت بالمصادفة اثر حدوث المآسي الشخصية التي جعلت هؤلاء الأفراد بلا أسرة ولا منازل... إبراهيم الذي قد يكون كبيرهم (31 سنة) فقد والدته في الخامسة من عمره، والد المهندس شيخا يدعو المسلمين إلى الصلاة، ولم يتوان عن تذكير ولده:" عليك أن تقاتل يا إبراهيم، هذا بيتك وهذه أرضك" أما جملته التي كان يرددها والتي لم ينسها إبراهيم يوما فهي "لا سلام من دون عدل" الوالد الشيخ سيموت بالرصاص الإسرائيلي، وهو يحمل المصحف، والمصحف سيكون الكتاب الوحيد الذي يقرأه إبراهيم في حياته مؤثرا الصمت ومقلا الكلام...نضال في العشرين من عمره، كان يعيش مع أمه وأخته بعدما سافر والده إلى دمشق ولم يعد، وقد استضاف في منزل عائلته جهاد وأخته، تموت أن نضال وأخته انجي قتلا بالرصاص الإسرائيلي واثر هذا الموت الفجائعي، يقرر الرحيل عن مجموعة الأصدقاء لانه لم يعد يحتمل الحياة، لكن حبه الدفين لريهام سيدفعه للعودة بعد فترة قصيرة، وسيتزوجها، ويعيشان مع أصدقائهما حياة عائلية، جهاد شقيق ريهام شاب فلسطيني متفائل في التاسعة عشرة من عمره، مقبل على الحياة بشجاعة وحب، محمد سائق شاحنة اعتاد أن يجول على القرى الفلسطينية المهدمة لينقل المواطنين المهجرين والجرحى والشهداء مغامرا تحت القصف والرصاص.. ومحمد هو الذي سيجعل من بيته مسكنا للأصدقاء مقسما عليهم الغرف والاسرة00 رامي فتى صغير ونحيل اسود الشعر، وديع القسمات، يعمل في أحد المستشفيات ويساعد محمدا في نقل الجرحى والقتلى، أما احمد الذي اصبح وحيدا بعد موت أخته أشجان فيجد في "عائلة الأصدقاء" ملجأ له، كان يهوى القراءة، وكانت بين يديه دائما مسرحية شكسبير "هاملت" .. وتستفيد الكاتبة من علاقة احمد بشخصية هاملت لتقارن بين الجنون الشكسبيري في مأساته والجنون الذي يدفع الإسرائيليين إلى ارتكاب المجازر وهدم البيوت.
وينضم إلى العائلة فتى فلسطيني في الثالثة عشرة من عمره يدعى وليد وكان متسولا وشغله الشاغل أن يرمي الجنود الإسرائيليين بالحجارة وعندما يقرر الأصدقاء أن يلحقوه بمدرسة ليتعلم مثل كل الأطفال يرفض ويصر على رفضه، انه ابن الانتفاضة الذي فقد أهله وبيته.
شخصيات مختلفة في ملامحها وسلوكها جمعتها الكاتبة في أسرة واحدة وتحت سقف واحد، شخصيات مأساوية بعضها لم يخل من الحنين الطفولي، وبعضها لم يتخل عن حماسة المراهقة، وبعضها (إبراهيم) كان يشعر بأنه اصبح على حافة الشيخوخة على الرغم من انه لا يزال في ربيع العمر، شخصيات شبه يائسة، تحاول أن تتحدى الظروف السلبية التي أفقدتها كل شيء ولا تستطيع حتى النضال اليوم ضد الآلة الإسرائيلية لم ينقذها من حالة الألم، يقول إبراهيم: " أفكر في انتفاضتنا التي مضى عليها عام، ولعل الشيء الوحيد الذي حصلنا عليه هو عدد رهيب من القتلى".
وتحاول هذه الشخصيات أن تقتل اليأس بالأمل، والموت بالحياة والخوف بالحلم، لكن المأساة كانت اكبر منها جميعا، إبراهيم سيقتل في النهاية، وكذلك احمد ونضال.. وريهام ستقتل وهي حامل ووليد سيسقط رميا بالرصاص الإسرائيلي، وعندما يسقط أرضا يصرخ: "ماما" .. رامي سيفقد ساقه، ومحمد سيترك شاحنته ويكرس حياته للصلاة، جهاد سيترك فلسطين ويرحل إلى دمشق بحثا عن أية .. نهاية بل نهايات مأساوية تعبر عن حقيقة المعاناة التي يعيشها الجيل الجديد في فلسطين، هذا الجيل الذي يكاد يفقد حياته من اجل الأرض والوطن:" كانت هناك صرخات دائمة، صرخات نسوة فقدن أبناءهن وازواجهن..".
وتقول الكاتبة أيضا على لسان ريهام: " إنها الحرب.. مصيبتنا، لاحقت آباءنا وعذبتهم، وها هي الآن تلاحقنا وستلاحق أبناءنا".
جمعت رانده غازي في روايتها بين الأسلوب التعبيري والأسلوب الوصفي، واستخدمت الحوار لتجعل الرواية اكثر حيوية، أما لغتها فهي في غاية البساطة، لغة ذات إيقاع سريع وجمل قصيرة، وجعلت الكاتبة الشخصيات في بعض الأحيان تعبر عن نفسها وعن معاناتها عبر التداعيات أو التأملات التي كانت تساورها.
وقد تكون الرواية أثارت حفيظة الجمعيات اليهودية المؤيدة لإسرائيل بسبب قدرتها على النفاذ إلى قلوب القراء أيا كان أعمارهم، فهي رواية حافلة بالمشاعر الإنسانية الكبيرة والأحاسيس النبيلة والأحزان والشجون، ومن يقرأها لا يقدر ألا أن ينحاز إلى الفلسطينيين الأبرياء الذين سقطوا ضحايا الغدر الإسرائيلي والظلم والجور، أما الجمل التي أثارت الجمعيات اليهودية فهي ناطقة بمعاناة الشخصيات، وتدور على ألسنتها وهي شخصيات في موقع الضحايا، ومن هذه الجمل ما دار على لسان رامي: "هؤلاء الإسرائيليون متوحشون ويجب أن يقتلوا عن أخرهم" أو ما دار على لسان ريهام التي قتلت لاحقا وهي حامل: "يا ربي أليست هناك طريقة لوقف هؤلاء اليهود الظالمين؟! انهم يقتلوننا جميعا" اما احمد فكان كما تقول الكاتبة "يكره كل إسرائيلي يعيش على وجه الأرض".
رواية "الحلم بفلسطين" بديعة حقا، بأسلوبها ومضمونها بمأساتها وواقعيتها، ببراعتها وعذوبتها، وقد استطاعت رانده غازي عبرها أن ترتقي بأدب الأطفال إلى مرتبة إبداعية راقية، منطلقة من مفهوم الالتزام بقضايا الوطن والأرض والناس، صحيح أن رانده استعانت بمخيلتها لتكتب قصة هؤلاء "الأصدقاء" لكنها شاءت أن تظل واقعية لتعبر عن المأساة التي يحياها الفلسطينيون الذين يجايلونها أو يصغرونها أو يكبرونها بقليل، انه ملمح جديد لادب الأطفال تكتبه مؤلفة في الخامسة عشرة من عمرها، مخاطبة أصدقاءها الفلسطينيين والعرب أولا، ثم سائر القراء في إيطاليا والعالم، لقد نجحت هذه الراوية-حقا-في هز الضمائر وإيقاظها من تناسلها أو تجاهلها قضية الأطفال في فلسطين!.
المصدر:::::
المركز العربي للمصادر و المعلومات "امان" www.amanjordan.org