الـــطـلـســـم
27-10-2003, 11:47 PM
بين الإيمان والفكر
هل يجوز التفكير في الأمور التي لا نعرف عنها شيئاً ؟ ... أم ينبغي علينا أن نتقبلها دونما جدل، أو أن نؤمن بها من دون التفكير فيها.
هل يجب علينا فقط أن نؤمن بوجود الله والعدل الالهي و النظام الكوني الذي يسيّر كل موجود ومخلوق في هذا الكون؟ ... أم أنه ينبغي علينا أن نفكِّر لنؤمن؟!
بتعبير آخر ، هل يجب ان يكون هناك مسلمات لا يحق لنا التفكير في كنهها والتعمق في ماهيتها؟... أم أنه بإمكاننا التمعن في حقائقها لإدراك أبعاد معانيها، أو ما يمكننا أن نبلغه من تلك الأبعاد؟
سؤال منطقي راود أذهان العديد من البشر على مرّ العصور ... بل نكاد نجزم ان ما من انسان لم يخطر في باله هذا السؤال في مرحلة ما من مراحل حياته.
فهو سؤال ينم عن تواجد الطاقة الفكرية فيه... وعن صراعها مع ما يسمّى بالمسلّمات أو بالإيمان المسلّم به! فلأن الانسان يجهل كل وجود يختلف عما يحسّه ويلمسه ويراه بواسطة الحواس، نجده يحيا في قلق دائم وعدم استقرار داخلي تجاه ذلك المجهول... مما يعني ان عدم المعرفة يسبب له القلق، والمعرفة توفر له الراحة!
لهذا الأمر، ولأن فكره الذي حدّه ضمن نطاق المادة والحواس غير قادر على التفكير في أمور غير منظورة... ولا يمكنه الـتأكد فكرياً وذهنياً ومنطقياً من وجودها بواسطة المشاعر و المدارك، لجأ الانسان الى الإيمان بما يدعى بالمسلّمات... وذلك كي يشعر بالراحة النفسيّة، تلك الراحة التي لم يستطع تفكيره وبحثه تأمينها له! (هذا أحد التفاسير الأقرب الى منطق الظاهر. لكن ثمة تفاسير أخرى ذات علاقة بحقيقة الباطن الانساني وما تسجل فيه من معارف تعود الى بداية الخلق) .
وبما ان الانسان لم يستطع ان يكتشف بنفسه سر وجوده وخلقه، لا بواسطة حواسه، ولا بواسطة مداركه العقلية أو الروحية في مرحلة تطوره الحالي، فقد لجأ الى الايمان بأن ثمة خالقاً هو الذي أوجده ووهبه الحياة .
نقول "اضطر" ان يؤمن ... لأن لو ترك المرء العنان لفكره كي يبحث ويحلّل، فلربما وجد نفسه يحيد عن درب الايمان، أو يشكِّك في تلك الحقيقة ، أو ينفي وجود العدل الالهي ، إن لم ينفِ الوجود الالهي ككل!
ولأن ليس في مقدور الذهن البشري العادي فهم أسباب الآلام التي يتعرض لها المرء ، كونه لا يستطيع استيعابها بواسطة حواسه الخمس ومداركه ومشاعره... نراه يلجأ الى الايمان بعدل الهي يعمّ الكون وجميع الخلائق.
إذاً، الايمان شعور يحتاج اليه المرء ليوفر له الطمأنينة والراحة ويحميه من الخوف من المجهول... ما دام فكره عاجزاً عن إدراك الحقائق الروحية!
ويبرز السؤال : هل يحق للعقل ان يفكر ويتعمّق في موضوع الايمان؟!
يعتقد الكثيرون ان التفكير في الشؤون الإلهية إما مرفوض أو غير محبذ أو حرام أو ممنوع... إذ انهم إما يخشون الخوض في مواضيع مجهولة، أو يظنون ان الفكر قادر على دحض الايمان، فينتهي به الأمر الى الكفر!
لماذا هذا التناقض أو الصراع أو عدم التوافق بين الايمان والفكر ؟
لأن الفكر البشري محدود بوجه عام ، ولأنه اعتاد التفكير ضمن الحدود المادية الضيقة، فهو ينظر الى المادة و المحيط المادي والفكر من خلال بُعد المادة فقط . لذلك لا يمكنه ان يبصر غير المنظور .
مثلاً، حين يفكر المرء في سبب الأوجاع التي تنتابه، لا يستطيع ان يبصر غير الجسد والأعضاء، فلا يصل الى الأبعاد اللامنظورة!... وحين يفكر في الآلام النفسية التي يتعرض لها ، لا يبصر غير ما يحويه وعيه الظاهري، الذي يُظهر له ان تفكيره سليم وتصرفاته منطقية.
من هذا المنطلق لا يلام أحد إذا ما استنتج ان لاسبب للألم ولا داعي للعذاب الذي يتعرض له... مما يعني له بالتالي ان ثمة ظلماً في الحياة... من دون ان يفطن الى ان فكره المحدود لم يتمكن من الانطلاق خلف الحدود المادية وتفهم العدل الالهي و النظام الدقيق الشامل الذي يحكم العالم ويسيّر الكائنات.
لهذا الأمر، وخوفاً من الارتطام بهذا الظلم، أو الظلام، أو المجهول، يلجأ وعيه الباطني الى إرساء شعور الايمان في نفسه، كي ينقذه من الغرق في لجّة الخوف والضياع واللاوعي... وهكذا يتمسك الانسان بإيمانه بالمسلّمات.
وحتى لا يساء فهم المقصود، نودّ التوضيح ان علوم الايزوتيريك لا تناقض مفهوم الايمان، بل على العكس. فالايزوتيريك ينص ويشدّد على وجوب إيجاد الايمان في النفس، قبل اتخاذ أيّة خطوة الى الأمام، أو القيام بأي عمل. لكن ما نقصده هو السؤال التالي : هل يحق للانسان ان يفكر في الأمور التي يسلّم بها ، كي يتوسع في إدراكها ويتعمّق في مفهومها... أم انه يجب ان يدع تلك الأمور للايمان فقط ؟!
إذا أجرينا تحليلاً دقيقاً للسؤال، وجدناه سؤالاً فلسفياً محضاً . و النظريات الفلسفية لا تنتمي الى علوم الايزوتيريك إن لم يتم تطبيقها عملياً. لذلك يرفض الايزوتيريك طريقة طرح النظريات الفلسفية أصلاً . فيأخذ الفكرة ويطرحها بأسلوب المنطق العلمي، المنطق العملي الحياتي الاختباري ، فيقول : "متى لايمكننا ان نتخطى عتبة المسلّمات بالفكر؟... ومتى نستطيع ان نخترق أبعاد الايمان بالتحليل و المنطق؟" .
تجيبنا علوم الايزوتيريك بأن للانسان حرية الاختيار في اتخاذ الموقف الذي يشاء، شرط ان يحسن اختياره... لأنه هو المسؤول عن اختياره وعن النتائج التي ستتأتّى عن هذا الاختيار!
ويضيف الايزوتيريك : ان يفكر المرء في المسلّمات أمر غير ممنوع، لا بل أمر محبّذ، شرط ألا يفقده التفكير منحى ايمانه . لأن الفكر ما وجد إلا لإيصال الباحث الى الحقائق . فإن أدّى به فكره الى المجهول ، وفي الوقت نفسه جرّده من الإيمان بالمسلّمات... فهذا مرفوض أصلاً. لأن النتيجة ستكون شخصاً ضائعاً لا يستند الى قاعدة فكريّة ولا إيمانيّة... وانسان كهذا لا يرتقي في الحياة لأنه يفتقر الى الدافع الذي يجعله يسعى الى التطور، لا بل يفتقد لذة اختبار الحياة!
العقل طاقة وهبها الخالق للانسان فقط ، كي يتبصّر في أعماق كينونته، كي يستشف روحانيته وكي يدرك الطريق الى خالقه. لكن، ان يبعده تفكيره عن خالقه، وحتى عن إيمانه بخالقه، فذلك منتهى الضياع والفشل.
وان يحيد الانسان عن ايمانه بعض الوقت، ريثما يغوص فكره في حقائق الأمور، أمر غير محبّذ أيضاً. لأن المرء، في حالات كهذه، قد يتوه عن درب الايمان، ويضلّ طريق العودة اليه. كما ان أشخاصاً عديدين قد يجهلون طريقة ربط نتائج التفكير التي سيتوصلون اليها، بالايمان الذي كان لديهم... فينتهون الى مزيد من ضياع!
إذاً، الوسيلة الفضلى وفق مفهوم الايزوتيريك هي أن ينطلق المفكر من قاعدة الايمان نفسها، ويرتقي بالتفكير ويتوسّع خارجها.
بعبارة أخرى، ليعتبر الايمان كنقطة البيكار، ويحاول ان يتوسع منها نحو الأشمل بواسطة الفكر . بهذه الوسيلة العملية لن يضيع المرء عن حقيقة الإيمان. لأن الايمان بات نقطة الإرتكاز . حتى وإن أخذه التفكير بعيداً، يبقى مشدوداً الى المحور ، لأنه أساس انطلاقته.
المقصود ان يأخذ المرء موضوع الايمان نفسه، كأن يتناول الايمان بالعدل الالهي مثلاً، ويفكِّر في كونه يؤمن به، لا بل في ضرورة الايمان به، وفي الشعور الذي يغذّيه في كيانه، و الراحة التي يضيفها على نفسه. ثم ليبدأ بالتوسع، مفكراً في العدل الالهي نفسه... في طريقة تطبيقه بين البشر... في حقيقته... في مصداقيته... في يقظته ادائمة... في عدم إغفاله أية شاردة أو واردة... في عدم تمييزه بين شخص وآخر، الخ... وليتوسع في تشعبات تلك الفكرة بقدر ما يشاء... حتى إذا شعر بحاجة الى الابتعاد قليلاً عن مركز دائرة تفكيره، بحيث يفترض عدم وجود العدل الالهي ، ليحاول ان يبحث عن النتائج التي قد تتأتّى عن هذا الافتراض، الى ان يبلغ مرامه في التفكير.
بهذه الوسيلة التفكيرية العملية، لن يخسر المرء ايمانه بالعدل الالهي. لأنه انطلق من ركيزة ثابتة، هي قاعدة الايمان نفسه.
لكن،ان يفكر المرء وفق القاعدة الفلسفية التي تستند الى افتراض أولي (قد يكون صحيحاً وقد لا يكون) في محاولة إما لتأكيده أو لنفيه، فذلك سيؤدّي بتفكيره الى متاهات لا يعرف كيف يخرج منها. لأنه، أحياناً كثيرة حين ينطلق المرء من قاعدة غير ثابتة، ويتأكد في نهاية الأمر انها واهية... يختلط عليه الأمر أو يفشل في تحديد القاعدة الصحيحة و الثابتة. لأن الشك سيراوده في أن تكون جميع القواعد غير ثابتة!
إذاً، الايمان بالمسلّمات جوهر ضروري إلزامي، لكن لمرحلة معينة – أي ريثما ينطلق الفكر في مرحلة البحث عن الحقائق. لأن باستطاعة الفكر التوسع في موضوع المسلّمات التي يؤمن بها المرء، فيوصله الى أبعاد ايمانية جديدة لم يكن يعرفها قبلاً، ويرسخ الايمان في نفسه ليصبح ليس يقيناً وحسب، بل حقيقة ملموسة. بذلك يتحوّل الايمان الى واقع حي معاش عملياً.
يمكننا اتباع هذا النهج التفكيري في أمور حياتية عديدة . مع العلم ان الشك قد يقودنا الى تشعبات سلبية بعيدة عن الواقع. لهذا الأمر، إذا رغب المرء في اكتشاف حقيقة شيء ما لا يعرفه، أكان حياتياً، شخصياً أو باطنياً... لينطلق من قاعدة ثابتة، هي الايمان بوجود تلك الحقيقة . ومنه ليتوسع بتفكيره خارجاً و يتمدد بعيداً نحو الآفاق والابعاد اللامنظورة. فإذا ما أحس ان الشك قد بدأ يتغلّب على إيمانه، أو تصوراته الفكرية بدأت تبعده عن واقع الايمان، ليَعُد الى قاعدة الإيمان الراسخ (محور الدائرة) الى ان يتمكن مرة أخرى من التوصّل الى الحقيقة. إذ ان الايمان عادة أكثر صدقاً مما تصوِّره لنا الأفكار ويزيّفه الواقع .
من جهة أخرى ، ان الثقة بالنفس في إنجاز عمل ما لهي أقوى بكثير من ضعف قد يوهمك به تفكيرك. فإن انت انطلقت من قاعدة ايمانك بمقدرتك الذاتية على إنجاز العمل، وقررت طريقة تنفيذه... فالنتيجة ستكون نجاحاً أكيداً! وقِس على ذلك سائر الأمور الحياتية و الشؤون العملية.
و ليسدّد الفهم خطواتنا للوصول الى وعي الايمان .
من كتاب ( تعرف الى فكرك ) من سلسلة علوم الايزوتيريك ،، سأنشر الكتاب قريبا إن شاء الله وهو اهداء لكل اعضاء المنتدى ،،
هل يجوز التفكير في الأمور التي لا نعرف عنها شيئاً ؟ ... أم ينبغي علينا أن نتقبلها دونما جدل، أو أن نؤمن بها من دون التفكير فيها.
هل يجب علينا فقط أن نؤمن بوجود الله والعدل الالهي و النظام الكوني الذي يسيّر كل موجود ومخلوق في هذا الكون؟ ... أم أنه ينبغي علينا أن نفكِّر لنؤمن؟!
بتعبير آخر ، هل يجب ان يكون هناك مسلمات لا يحق لنا التفكير في كنهها والتعمق في ماهيتها؟... أم أنه بإمكاننا التمعن في حقائقها لإدراك أبعاد معانيها، أو ما يمكننا أن نبلغه من تلك الأبعاد؟
سؤال منطقي راود أذهان العديد من البشر على مرّ العصور ... بل نكاد نجزم ان ما من انسان لم يخطر في باله هذا السؤال في مرحلة ما من مراحل حياته.
فهو سؤال ينم عن تواجد الطاقة الفكرية فيه... وعن صراعها مع ما يسمّى بالمسلّمات أو بالإيمان المسلّم به! فلأن الانسان يجهل كل وجود يختلف عما يحسّه ويلمسه ويراه بواسطة الحواس، نجده يحيا في قلق دائم وعدم استقرار داخلي تجاه ذلك المجهول... مما يعني ان عدم المعرفة يسبب له القلق، والمعرفة توفر له الراحة!
لهذا الأمر، ولأن فكره الذي حدّه ضمن نطاق المادة والحواس غير قادر على التفكير في أمور غير منظورة... ولا يمكنه الـتأكد فكرياً وذهنياً ومنطقياً من وجودها بواسطة المشاعر و المدارك، لجأ الانسان الى الإيمان بما يدعى بالمسلّمات... وذلك كي يشعر بالراحة النفسيّة، تلك الراحة التي لم يستطع تفكيره وبحثه تأمينها له! (هذا أحد التفاسير الأقرب الى منطق الظاهر. لكن ثمة تفاسير أخرى ذات علاقة بحقيقة الباطن الانساني وما تسجل فيه من معارف تعود الى بداية الخلق) .
وبما ان الانسان لم يستطع ان يكتشف بنفسه سر وجوده وخلقه، لا بواسطة حواسه، ولا بواسطة مداركه العقلية أو الروحية في مرحلة تطوره الحالي، فقد لجأ الى الايمان بأن ثمة خالقاً هو الذي أوجده ووهبه الحياة .
نقول "اضطر" ان يؤمن ... لأن لو ترك المرء العنان لفكره كي يبحث ويحلّل، فلربما وجد نفسه يحيد عن درب الايمان، أو يشكِّك في تلك الحقيقة ، أو ينفي وجود العدل الالهي ، إن لم ينفِ الوجود الالهي ككل!
ولأن ليس في مقدور الذهن البشري العادي فهم أسباب الآلام التي يتعرض لها المرء ، كونه لا يستطيع استيعابها بواسطة حواسه الخمس ومداركه ومشاعره... نراه يلجأ الى الايمان بعدل الهي يعمّ الكون وجميع الخلائق.
إذاً، الايمان شعور يحتاج اليه المرء ليوفر له الطمأنينة والراحة ويحميه من الخوف من المجهول... ما دام فكره عاجزاً عن إدراك الحقائق الروحية!
ويبرز السؤال : هل يحق للعقل ان يفكر ويتعمّق في موضوع الايمان؟!
يعتقد الكثيرون ان التفكير في الشؤون الإلهية إما مرفوض أو غير محبذ أو حرام أو ممنوع... إذ انهم إما يخشون الخوض في مواضيع مجهولة، أو يظنون ان الفكر قادر على دحض الايمان، فينتهي به الأمر الى الكفر!
لماذا هذا التناقض أو الصراع أو عدم التوافق بين الايمان والفكر ؟
لأن الفكر البشري محدود بوجه عام ، ولأنه اعتاد التفكير ضمن الحدود المادية الضيقة، فهو ينظر الى المادة و المحيط المادي والفكر من خلال بُعد المادة فقط . لذلك لا يمكنه ان يبصر غير المنظور .
مثلاً، حين يفكر المرء في سبب الأوجاع التي تنتابه، لا يستطيع ان يبصر غير الجسد والأعضاء، فلا يصل الى الأبعاد اللامنظورة!... وحين يفكر في الآلام النفسية التي يتعرض لها ، لا يبصر غير ما يحويه وعيه الظاهري، الذي يُظهر له ان تفكيره سليم وتصرفاته منطقية.
من هذا المنطلق لا يلام أحد إذا ما استنتج ان لاسبب للألم ولا داعي للعذاب الذي يتعرض له... مما يعني له بالتالي ان ثمة ظلماً في الحياة... من دون ان يفطن الى ان فكره المحدود لم يتمكن من الانطلاق خلف الحدود المادية وتفهم العدل الالهي و النظام الدقيق الشامل الذي يحكم العالم ويسيّر الكائنات.
لهذا الأمر، وخوفاً من الارتطام بهذا الظلم، أو الظلام، أو المجهول، يلجأ وعيه الباطني الى إرساء شعور الايمان في نفسه، كي ينقذه من الغرق في لجّة الخوف والضياع واللاوعي... وهكذا يتمسك الانسان بإيمانه بالمسلّمات.
وحتى لا يساء فهم المقصود، نودّ التوضيح ان علوم الايزوتيريك لا تناقض مفهوم الايمان، بل على العكس. فالايزوتيريك ينص ويشدّد على وجوب إيجاد الايمان في النفس، قبل اتخاذ أيّة خطوة الى الأمام، أو القيام بأي عمل. لكن ما نقصده هو السؤال التالي : هل يحق للانسان ان يفكر في الأمور التي يسلّم بها ، كي يتوسع في إدراكها ويتعمّق في مفهومها... أم انه يجب ان يدع تلك الأمور للايمان فقط ؟!
إذا أجرينا تحليلاً دقيقاً للسؤال، وجدناه سؤالاً فلسفياً محضاً . و النظريات الفلسفية لا تنتمي الى علوم الايزوتيريك إن لم يتم تطبيقها عملياً. لذلك يرفض الايزوتيريك طريقة طرح النظريات الفلسفية أصلاً . فيأخذ الفكرة ويطرحها بأسلوب المنطق العلمي، المنطق العملي الحياتي الاختباري ، فيقول : "متى لايمكننا ان نتخطى عتبة المسلّمات بالفكر؟... ومتى نستطيع ان نخترق أبعاد الايمان بالتحليل و المنطق؟" .
تجيبنا علوم الايزوتيريك بأن للانسان حرية الاختيار في اتخاذ الموقف الذي يشاء، شرط ان يحسن اختياره... لأنه هو المسؤول عن اختياره وعن النتائج التي ستتأتّى عن هذا الاختيار!
ويضيف الايزوتيريك : ان يفكر المرء في المسلّمات أمر غير ممنوع، لا بل أمر محبّذ، شرط ألا يفقده التفكير منحى ايمانه . لأن الفكر ما وجد إلا لإيصال الباحث الى الحقائق . فإن أدّى به فكره الى المجهول ، وفي الوقت نفسه جرّده من الإيمان بالمسلّمات... فهذا مرفوض أصلاً. لأن النتيجة ستكون شخصاً ضائعاً لا يستند الى قاعدة فكريّة ولا إيمانيّة... وانسان كهذا لا يرتقي في الحياة لأنه يفتقر الى الدافع الذي يجعله يسعى الى التطور، لا بل يفتقد لذة اختبار الحياة!
العقل طاقة وهبها الخالق للانسان فقط ، كي يتبصّر في أعماق كينونته، كي يستشف روحانيته وكي يدرك الطريق الى خالقه. لكن، ان يبعده تفكيره عن خالقه، وحتى عن إيمانه بخالقه، فذلك منتهى الضياع والفشل.
وان يحيد الانسان عن ايمانه بعض الوقت، ريثما يغوص فكره في حقائق الأمور، أمر غير محبّذ أيضاً. لأن المرء، في حالات كهذه، قد يتوه عن درب الايمان، ويضلّ طريق العودة اليه. كما ان أشخاصاً عديدين قد يجهلون طريقة ربط نتائج التفكير التي سيتوصلون اليها، بالايمان الذي كان لديهم... فينتهون الى مزيد من ضياع!
إذاً، الوسيلة الفضلى وفق مفهوم الايزوتيريك هي أن ينطلق المفكر من قاعدة الايمان نفسها، ويرتقي بالتفكير ويتوسّع خارجها.
بعبارة أخرى، ليعتبر الايمان كنقطة البيكار، ويحاول ان يتوسع منها نحو الأشمل بواسطة الفكر . بهذه الوسيلة العملية لن يضيع المرء عن حقيقة الإيمان. لأن الايمان بات نقطة الإرتكاز . حتى وإن أخذه التفكير بعيداً، يبقى مشدوداً الى المحور ، لأنه أساس انطلاقته.
المقصود ان يأخذ المرء موضوع الايمان نفسه، كأن يتناول الايمان بالعدل الالهي مثلاً، ويفكِّر في كونه يؤمن به، لا بل في ضرورة الايمان به، وفي الشعور الذي يغذّيه في كيانه، و الراحة التي يضيفها على نفسه. ثم ليبدأ بالتوسع، مفكراً في العدل الالهي نفسه... في طريقة تطبيقه بين البشر... في حقيقته... في مصداقيته... في يقظته ادائمة... في عدم إغفاله أية شاردة أو واردة... في عدم تمييزه بين شخص وآخر، الخ... وليتوسع في تشعبات تلك الفكرة بقدر ما يشاء... حتى إذا شعر بحاجة الى الابتعاد قليلاً عن مركز دائرة تفكيره، بحيث يفترض عدم وجود العدل الالهي ، ليحاول ان يبحث عن النتائج التي قد تتأتّى عن هذا الافتراض، الى ان يبلغ مرامه في التفكير.
بهذه الوسيلة التفكيرية العملية، لن يخسر المرء ايمانه بالعدل الالهي. لأنه انطلق من ركيزة ثابتة، هي قاعدة الايمان نفسه.
لكن،ان يفكر المرء وفق القاعدة الفلسفية التي تستند الى افتراض أولي (قد يكون صحيحاً وقد لا يكون) في محاولة إما لتأكيده أو لنفيه، فذلك سيؤدّي بتفكيره الى متاهات لا يعرف كيف يخرج منها. لأنه، أحياناً كثيرة حين ينطلق المرء من قاعدة غير ثابتة، ويتأكد في نهاية الأمر انها واهية... يختلط عليه الأمر أو يفشل في تحديد القاعدة الصحيحة و الثابتة. لأن الشك سيراوده في أن تكون جميع القواعد غير ثابتة!
إذاً، الايمان بالمسلّمات جوهر ضروري إلزامي، لكن لمرحلة معينة – أي ريثما ينطلق الفكر في مرحلة البحث عن الحقائق. لأن باستطاعة الفكر التوسع في موضوع المسلّمات التي يؤمن بها المرء، فيوصله الى أبعاد ايمانية جديدة لم يكن يعرفها قبلاً، ويرسخ الايمان في نفسه ليصبح ليس يقيناً وحسب، بل حقيقة ملموسة. بذلك يتحوّل الايمان الى واقع حي معاش عملياً.
يمكننا اتباع هذا النهج التفكيري في أمور حياتية عديدة . مع العلم ان الشك قد يقودنا الى تشعبات سلبية بعيدة عن الواقع. لهذا الأمر، إذا رغب المرء في اكتشاف حقيقة شيء ما لا يعرفه، أكان حياتياً، شخصياً أو باطنياً... لينطلق من قاعدة ثابتة، هي الايمان بوجود تلك الحقيقة . ومنه ليتوسع بتفكيره خارجاً و يتمدد بعيداً نحو الآفاق والابعاد اللامنظورة. فإذا ما أحس ان الشك قد بدأ يتغلّب على إيمانه، أو تصوراته الفكرية بدأت تبعده عن واقع الايمان، ليَعُد الى قاعدة الإيمان الراسخ (محور الدائرة) الى ان يتمكن مرة أخرى من التوصّل الى الحقيقة. إذ ان الايمان عادة أكثر صدقاً مما تصوِّره لنا الأفكار ويزيّفه الواقع .
من جهة أخرى ، ان الثقة بالنفس في إنجاز عمل ما لهي أقوى بكثير من ضعف قد يوهمك به تفكيرك. فإن انت انطلقت من قاعدة ايمانك بمقدرتك الذاتية على إنجاز العمل، وقررت طريقة تنفيذه... فالنتيجة ستكون نجاحاً أكيداً! وقِس على ذلك سائر الأمور الحياتية و الشؤون العملية.
و ليسدّد الفهم خطواتنا للوصول الى وعي الايمان .
من كتاب ( تعرف الى فكرك ) من سلسلة علوم الايزوتيريك ،، سأنشر الكتاب قريبا إن شاء الله وهو اهداء لكل اعضاء المنتدى ،،