لمياء الجلاهمة
25-10-2003, 08:35 PM
كيميائية الصوم والسعادة الروحية
هذا الإنسان الغريب ما هو إلا سلالة من طين، ترابية الأصل تحولت إلى طين لازب، من حمأ مسنون، من صلصال كالفخار، خلقه الله من مادة أرضية تحتوي على جميع العناصر التي تدخل في كيميائية الأرض، بدءًا بالجير «الكالسيوم» إلى الحديد والنحاس وغيرها من المعادن (الفلزات واللافلزات) إلى المعادن النادرة، ويدخل في تركيب مادة جسم الإنسان المادة الرملية «السليكون»...إلخ. أنت ونحن من التراب، وإلى التراب نعود.
حينما يتوفى الله الأنفس حين موتها تنطلق الروح من عقالها، وتترك الجسم لقدره المحتوم، حيث تقوم تلك الإنزيمات بهضم مكونات الجسم، وتحولها إلى سوائل تكون غذاء شهيًا للهوام والحشرات والديدان الأرضية.
يقول الحق سبحانه وتعالى: {اللَّهٍ يّتّوّفَّى الأّنفٍسّ حٌينّ مّوًتٌهّا وّالَّتٌي لّمً تّمٍتً فٌي مّنّامٌهّا فّيٍمًسٌكٍ الپَّتٌي قّضّى" عّلّيًهّاالًمّوًتّ وّيٍرًسٌلٍ الأٍخًرّى" إلّى" أّجّلُ مٍَسًمَْى إنَّ فٌي ذّلٌكّ لآيّاتُ لٌَقّوًمُ يّتّفّكَّرٍونّ}[ الزمر:42] يمسك الله (سبحانه وتعالى) الروح من النفس التي قضى عليها الموت، ويحدث الانفصام الذي لا رجعة فيه إلى يوم القيام. أما في حالة النوم العميق فإن الروح تخرج من الجسد، ولكنها تظل مرتبطة ارتباطًا عضويًا بالجسد، ويكون بذلك الجسد «ميتًا حيًا»، ولا شك أنه قد يحدث التقاء بين أرواح الأحياء والأموات في المنام، فيتعارف ما شاء الله منها، لكن {وّيّسًأّلٍونّكّ عّنٌ الرٍَوحٌ قٍلٌ الرٍَوحٍ مٌنً أّمًرٌ رّبٌَي وّمّا أٍوتٌيتٍم مٌَنّ الًعٌلًمٌ إلاَّ قّلٌيلاْ} [ الإسراء : 85 ]
الصوم الحقيقي
إذا أراد الإنسان الاتصال بالله فعليه بالصوم بمعناه العميق، والصلاة والذكر اللانهائي مثل الأنبياء والرسل والصالحين الذين يعمقون الصلة بالله بالصوم حتى يكون انفعالهم ملائكيًا، وتسبيحهم ملائكيًا، وصلتهم بالله كصلة الملائكة بالعرش العظيم حتى يأتيهم اليقين، ويروا نور الله العظيم.
ولقد نذرت مريم ـ التي اصطفاها الله، وطهرها، واصطفاها على نساء العالمين ـ للرحمن صومًا، وهي الطاهرة البتول، ليكون الرحمن الرحيم معها أينما وجدت.. كانت تناديها الملائكة، وتتحدث إليها، وهي قائمة تصلي في المحراب.. والصوم كان يسمو بنفسها إلى نور الله العظيم، فترى الطمأنينة والرضا بقدر الله، ويناديها جبريل: ألا تحزني، وألا تعيشي في قلق، بل قريرة العين، مرتاحة الضمير، مطمئنة إلى رعاية الرحمن الرحيم.
والصوم بمعناه الكبير هو نوع من التسامي النفسي، والشفافية الروحية، والاتصال الوجداني بالبارئ العظيم، وهو دعم لقوة الروح التي تسيطر على مادية الجسم، وهو ركيزة من ركائز الإيمان.
والصوم الحقيقي دعوة إلى السمو الخلقي، والبعد عن الخطايا، وهو نوع من الاسترخاء النفسي والعقلي. والمؤمن الصائم يتصف بالسماحة الخلقية، وهو من الكاظمين الغيظ، والعافين عن الناس، وهو ممن يتصفون بالسيطرة على الغضب.
والغضب والغيظ والحقد على الناس طريق يؤدي إلى هلاك الإنسان، كيف؟
أنت حينما ينتابك الغضب أو الغيظ أو الحقد على الناس يلبسك الشيطان، ويتقمص شخصيتك، فتكون أنت الشيطان نفسه في تصرفاتك وانفعالاتك الشخصية.
ورسالة الغضب والغيظ والحقد تنتقل إلى مستويات المخ العليا، حيث ستستقبلها مراكز كيميائية تتفاعل معها، وتنقلها إلى جسم يسمى «هيبوثلاموس» (Hypothalmus) بطريقة كيميائية معجزة، حيث تنتقل بدورها إلى الغدة المعجزة الغدة النخامية (Pituitary.)
معجزة الغدة النخامية
الغدة النخامية هي معجزة من معجزات الخالق (سبحانه وتعالى)، وتلك الغدة التي تزن حوالي نصف جرام (حجم الحمصة الصغيرة) تفرز العديد من هرمونات رئيسة في الدم تحمل الأوامر المباشرة إلى كل الغدد الهرمونية الموجودة في الجسم، وبذلك تُجري تبنيها لتلك الغدد الأخرى، لتفرز هرموناتها فورًا في الدم.
والغدة الرئيسة التي تنفعل عند الغيظ والغضب والحقد هي غدة الأدرينال (فوق الكلية)، وطولها بوصتان، وعرضها بوصة، ووزنها أوقية تقريبًا، وتتكون من قسمين:
القشرة واللب (مثل قشرة البندق ولبها)، وكل قسم يفرز الهرمونات الخاصة به، وتفرز القشرة العديد من الهرمونات التي تؤثر في عمليات التمثيل في الجسم. كذلك يفرز لب الأدرينال هرمونين: الأدرينالين Adrenalin والنورادينالين Noraderanalin.
عند الغضب والغيط والحقد ترسل الغدة النخامية الأمر إلى غدة «الأدرينال» التي تستجيب على الفور، حيث يفرز هرمون «الأدرينالين»، الذي يؤدي إفرازه في الدم إلى تغيرات فسيولوجية وكيميائية حيوية مذهلة، إنه يهيئ الجسم لقوى شيطانية رهيبة، وذلك استجابة لإشارة التهديد الصادرة من الغضب والغيظ والحقد، وتقوم أيضًا غدة «الأدرينال» بإفراز هرمونات القشرة مثل هرمون «الكورتيزون»، لإعداد الجسم بيولوجيًا للدفاع عن الإرهاق النفسي بأشكاله المختلفة.
وحينما يتعرض الإنسان إلى تلك الانفعالات السابق ذكرها لفترات مستمرة تزيد إفرازات تلك الهرمونات التي تؤدي إلى تغيير مدمر لكيميائية الجسم: هدم في أنسجة الجسم، إفراز الجلوكوز في البول.. وعلى المدى الطويل قد يحدث مرض «السكر»، ويسير الجسم بخطى وئيدة إلى زيادة نسبة «الكوليسترول» في الدم، وهو ما قد يؤدي إلى حدوث الذبحة الصدرية، وتصلب الشرايين، وأمراض أخرى مدمرة لكيان الإنسان، هذا بجانب الأمراض النفسية العضوية.
وحصيلة كظم الغيظ والعفو عن الناس والخلاص من الحقد تكون هي الطريق للخلاص من قوى التدمير النفسي والعضوي، وهي الطريق المضيء نحو الاستقرار الوجداني والأمن النفسي والسعادة الروحية.
وحينما أمرنا الحق (سبحانه وتعالى) بالصوم بمعناه الحقيقي، إنما أراد بمشيئته تعالى أن يُسبغ علينا السعادة الروحية، والاسترخاء العقلي، والأمن النفسي، والإصلاح لمادية الجسم، حيث تنبعث السكينة في قلوب المؤمنين، ليزدادوا إيمانًا على إيمانهم.
د.محمد محمود عبدالقادر
أستاذ الكيمياء الحيوية- طب قصر العيني- القاهرة
هذا الإنسان الغريب ما هو إلا سلالة من طين، ترابية الأصل تحولت إلى طين لازب، من حمأ مسنون، من صلصال كالفخار، خلقه الله من مادة أرضية تحتوي على جميع العناصر التي تدخل في كيميائية الأرض، بدءًا بالجير «الكالسيوم» إلى الحديد والنحاس وغيرها من المعادن (الفلزات واللافلزات) إلى المعادن النادرة، ويدخل في تركيب مادة جسم الإنسان المادة الرملية «السليكون»...إلخ. أنت ونحن من التراب، وإلى التراب نعود.
حينما يتوفى الله الأنفس حين موتها تنطلق الروح من عقالها، وتترك الجسم لقدره المحتوم، حيث تقوم تلك الإنزيمات بهضم مكونات الجسم، وتحولها إلى سوائل تكون غذاء شهيًا للهوام والحشرات والديدان الأرضية.
يقول الحق سبحانه وتعالى: {اللَّهٍ يّتّوّفَّى الأّنفٍسّ حٌينّ مّوًتٌهّا وّالَّتٌي لّمً تّمٍتً فٌي مّنّامٌهّا فّيٍمًسٌكٍ الپَّتٌي قّضّى" عّلّيًهّاالًمّوًتّ وّيٍرًسٌلٍ الأٍخًرّى" إلّى" أّجّلُ مٍَسًمَْى إنَّ فٌي ذّلٌكّ لآيّاتُ لٌَقّوًمُ يّتّفّكَّرٍونّ}[ الزمر:42] يمسك الله (سبحانه وتعالى) الروح من النفس التي قضى عليها الموت، ويحدث الانفصام الذي لا رجعة فيه إلى يوم القيام. أما في حالة النوم العميق فإن الروح تخرج من الجسد، ولكنها تظل مرتبطة ارتباطًا عضويًا بالجسد، ويكون بذلك الجسد «ميتًا حيًا»، ولا شك أنه قد يحدث التقاء بين أرواح الأحياء والأموات في المنام، فيتعارف ما شاء الله منها، لكن {وّيّسًأّلٍونّكّ عّنٌ الرٍَوحٌ قٍلٌ الرٍَوحٍ مٌنً أّمًرٌ رّبٌَي وّمّا أٍوتٌيتٍم مٌَنّ الًعٌلًمٌ إلاَّ قّلٌيلاْ} [ الإسراء : 85 ]
الصوم الحقيقي
إذا أراد الإنسان الاتصال بالله فعليه بالصوم بمعناه العميق، والصلاة والذكر اللانهائي مثل الأنبياء والرسل والصالحين الذين يعمقون الصلة بالله بالصوم حتى يكون انفعالهم ملائكيًا، وتسبيحهم ملائكيًا، وصلتهم بالله كصلة الملائكة بالعرش العظيم حتى يأتيهم اليقين، ويروا نور الله العظيم.
ولقد نذرت مريم ـ التي اصطفاها الله، وطهرها، واصطفاها على نساء العالمين ـ للرحمن صومًا، وهي الطاهرة البتول، ليكون الرحمن الرحيم معها أينما وجدت.. كانت تناديها الملائكة، وتتحدث إليها، وهي قائمة تصلي في المحراب.. والصوم كان يسمو بنفسها إلى نور الله العظيم، فترى الطمأنينة والرضا بقدر الله، ويناديها جبريل: ألا تحزني، وألا تعيشي في قلق، بل قريرة العين، مرتاحة الضمير، مطمئنة إلى رعاية الرحمن الرحيم.
والصوم بمعناه الكبير هو نوع من التسامي النفسي، والشفافية الروحية، والاتصال الوجداني بالبارئ العظيم، وهو دعم لقوة الروح التي تسيطر على مادية الجسم، وهو ركيزة من ركائز الإيمان.
والصوم الحقيقي دعوة إلى السمو الخلقي، والبعد عن الخطايا، وهو نوع من الاسترخاء النفسي والعقلي. والمؤمن الصائم يتصف بالسماحة الخلقية، وهو من الكاظمين الغيظ، والعافين عن الناس، وهو ممن يتصفون بالسيطرة على الغضب.
والغضب والغيظ والحقد على الناس طريق يؤدي إلى هلاك الإنسان، كيف؟
أنت حينما ينتابك الغضب أو الغيظ أو الحقد على الناس يلبسك الشيطان، ويتقمص شخصيتك، فتكون أنت الشيطان نفسه في تصرفاتك وانفعالاتك الشخصية.
ورسالة الغضب والغيظ والحقد تنتقل إلى مستويات المخ العليا، حيث ستستقبلها مراكز كيميائية تتفاعل معها، وتنقلها إلى جسم يسمى «هيبوثلاموس» (Hypothalmus) بطريقة كيميائية معجزة، حيث تنتقل بدورها إلى الغدة المعجزة الغدة النخامية (Pituitary.)
معجزة الغدة النخامية
الغدة النخامية هي معجزة من معجزات الخالق (سبحانه وتعالى)، وتلك الغدة التي تزن حوالي نصف جرام (حجم الحمصة الصغيرة) تفرز العديد من هرمونات رئيسة في الدم تحمل الأوامر المباشرة إلى كل الغدد الهرمونية الموجودة في الجسم، وبذلك تُجري تبنيها لتلك الغدد الأخرى، لتفرز هرموناتها فورًا في الدم.
والغدة الرئيسة التي تنفعل عند الغيظ والغضب والحقد هي غدة الأدرينال (فوق الكلية)، وطولها بوصتان، وعرضها بوصة، ووزنها أوقية تقريبًا، وتتكون من قسمين:
القشرة واللب (مثل قشرة البندق ولبها)، وكل قسم يفرز الهرمونات الخاصة به، وتفرز القشرة العديد من الهرمونات التي تؤثر في عمليات التمثيل في الجسم. كذلك يفرز لب الأدرينال هرمونين: الأدرينالين Adrenalin والنورادينالين Noraderanalin.
عند الغضب والغيط والحقد ترسل الغدة النخامية الأمر إلى غدة «الأدرينال» التي تستجيب على الفور، حيث يفرز هرمون «الأدرينالين»، الذي يؤدي إفرازه في الدم إلى تغيرات فسيولوجية وكيميائية حيوية مذهلة، إنه يهيئ الجسم لقوى شيطانية رهيبة، وذلك استجابة لإشارة التهديد الصادرة من الغضب والغيظ والحقد، وتقوم أيضًا غدة «الأدرينال» بإفراز هرمونات القشرة مثل هرمون «الكورتيزون»، لإعداد الجسم بيولوجيًا للدفاع عن الإرهاق النفسي بأشكاله المختلفة.
وحينما يتعرض الإنسان إلى تلك الانفعالات السابق ذكرها لفترات مستمرة تزيد إفرازات تلك الهرمونات التي تؤدي إلى تغيير مدمر لكيميائية الجسم: هدم في أنسجة الجسم، إفراز الجلوكوز في البول.. وعلى المدى الطويل قد يحدث مرض «السكر»، ويسير الجسم بخطى وئيدة إلى زيادة نسبة «الكوليسترول» في الدم، وهو ما قد يؤدي إلى حدوث الذبحة الصدرية، وتصلب الشرايين، وأمراض أخرى مدمرة لكيان الإنسان، هذا بجانب الأمراض النفسية العضوية.
وحصيلة كظم الغيظ والعفو عن الناس والخلاص من الحقد تكون هي الطريق للخلاص من قوى التدمير النفسي والعضوي، وهي الطريق المضيء نحو الاستقرار الوجداني والأمن النفسي والسعادة الروحية.
وحينما أمرنا الحق (سبحانه وتعالى) بالصوم بمعناه الحقيقي، إنما أراد بمشيئته تعالى أن يُسبغ علينا السعادة الروحية، والاسترخاء العقلي، والأمن النفسي، والإصلاح لمادية الجسم، حيث تنبعث السكينة في قلوب المؤمنين، ليزدادوا إيمانًا على إيمانهم.
د.محمد محمود عبدالقادر
أستاذ الكيمياء الحيوية- طب قصر العيني- القاهرة