يحيي
21-10-2003, 05:30 PM
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه، بسم الله الرحمن الرحيم، ونحمد الله عز وجل ونصلي على أفضل خلقه وخاتم رسله وسيد أصفيائه وإمام أنبيائه سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته وسار على طريقته، وانتهج نهجه إلى يوم الدين.. أما بعد:
أيها الأخوة الأحباب الكرام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وحديثنا إن شاء الله وبعونه وحوله وطوله ومدده وقوته وتوفيقه، هو حول ما أخرجه البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: جاء جماعة من الفقراء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالوا: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور والدرجات العلى، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضول أموال يتصدقون بها ولا نتصدق ويعتقون ولا نعتق، فقال صلى الله عليه وسلم : "ألا أدلكم على ما إذا فعلتموه أدركتم من سبقكم وسبقتم من معكم، ولم يأتِ أحدٌ يوم القيامة بمثل ما عملتم إلا أحدٌ عمل بما عملتم أو زاد عليه؛ تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين وتمام المائة أن تقولوا: لا إله إلا الله".
التنافس في الخيرات والمسارعة في القربات !!
الحديث فيه فوائد جمة، ووصايا هامة، وفيه من السنن والأعمال ما يرفع درجة العبد ويُعلي عند الله منزلته، والحديث دالٌ على ما تخلّق به أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، حيث رباهم على حب الدرجات وعلى التنافس في الخيرات، وعلى المسارعة إلى القربات، فها هم الفقراء لا يجدون ما يكفيهم في حاجاتهم الأساسية من المطعم والمشرب والملبس، ويهون ذلك عليهم، وإنما يعز عليهم ألاّ يجدوا من فائض المال ما يتقربون به، فيجدون أنهم تساووا مع الأغنياء في الصوم والصلاة- "يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم"، ولكن الأغنياء وظّفوا أموالهم فيما يرضي ربهم، فهم يقولون: ولهم فضول أموال يتصدقون، فلم يَنْفُسُوا عليهم أنهم كانوا أصحابَ عِزٍّ في الدنيا، ولا أصحاب مالٍ يرتفعون به على الناس، إنما نَفِسُوا عليهم أنهم كانوا يجدون من المال ما يتقربون به إلى الله، بينما هؤلاء لا يجدون. وهكذا الإسلام. لما تربى الصحابة الكرام على حب القربات، قطعت هذه الرغبة الحواجز الأصلية، فنافس الفقراء الأغنياء، قطعت حاجز المال، وقطعت حاجز الجنس، فنافس النساءُ الرجال، فقُلن: يا رسول الله، ذهب الرجال بحظنا منك فاجعل لنا يومًا تعلمنا فيه، وقُلن أيضًا: يا رسول الله، الرجال يشهدون معك الجُمعَ والجماعات، ويخرجون معك إلى الغزوات، ولهم على ذلك الأجر الجزيل، فماذا لنا؟ قال: اعلمي يا امرأة، وأَعْلِمِي من وراءَك أن حسن تبعل المرأة لزوجها يعدل ذلك كله، ونَفِسَ الضعفاء على الأقوياء، والصغار على الكبار، والمرضى على الأصحّاء، فها هو عبد الرحمن بن عوف يوم بدرٍ يقول: نظرت عن يميني فإذا غلام، وعن يساري فإذا غلام، فخشيت أن يؤتى المسلمون من قِبَلِي، فإذا الذي عن يميني يقول لي: يا عم، أتعرف أبا جهل؟ فقلت له: نعم، وما حاجتك به؟ قال علمت أنه كان يعادي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويؤذيه، حلفتُ إن رأيتُه ألا يفارق سوادي سواده، حتى يُقتل الأعجلُ مِنَّا، وإذا الذي عن يساري يقولُ مثلَ ذلك، فعلمت أني بين فارسين، وكذلك هذا عمرو بن الجموع وكان أعرج شديد العرجة يقول لأبنائه: إني أريد أن أخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغزو، فيقولون: يا أبانا، إن الله قد عذَّر فيك ونحن أربعة فتيان شبان أقوياء نكفيك القتال، فغضب الرجل وقال لرسول صلى الله عليه وسلم : إن أبنائي هؤلاء يمنعوني الجنة، فلما سأله فأجابه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما أنت فقد عذَّر اللهُ فيك، وأما أنتم فلا عليكم أن تدعوه لعل الله أن يرزقه الشهادة، فلما دخل الغزوة فقتل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : رأيته يمشي برجله في الجنة لا عرجةَ فيها.
التنافس اليوم على أعراض الدنيا !!
انظر إلى هذا التنافس!! نتنافس نحن اليوم أينا أكثر للمال جمعًا، وأينا أكثرُ كَنْزًا، ولا نتنافس أينا أكثر تقربًا وتصدقًا، نتنافس اليوم أينا أفخر طعامًا وأعلى شأنًا، لا نتنافس أينا أكثر بذلاً، وأينا أكثر عطاء، نتنافس اليوم على أعراض الدنيا، لا نتنافس على كتاب الله!! أينا الذي جمعه؟ أينا الذي علمه؟ لا نتنافس في أمور القربات!! إنما نتنافس في الفانية، في الزائلة. وكلنا عنها راحل، وكلنا لها تارك.
انظر كيف ربى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على التنافس في الخيرات؛ لأن الله عز وجل قال: وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
الأغنياء بالإنفاق والصدقة والصلاة !!
فجاء هؤلاء الفقراء يشكون في لوعة وحسرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الأغنياء سبقوهم إلى الجنة، فيقول لهم رسول الله #؛ فهو الطبيب الذي علمه ربه، وهو الذي بعثه رب العزة بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، يقول لهم: ألا أدلكم- والاستفهام هنا ليس على بابه- وإنما هو استفهام للتحريض، والحث- ألا أدلكم، على ما إذا ما فعلتموه أدركتم من سبقكم- يعني أدركتم الأغنياء المنفقين المتصدقين المصلين- وسبقتم من معكم- أي الفقراء المصلين الصائمين، ولم يأتِ أحدٌ بمثل ما عملتم- وهو الذي سيذكره من التسبيح والتحميد والتكبير دبر الصلوات- إلا أحدٌ عِملَ بما عملتم، أي كان له مثل ذلك من التسبيحات والتحميدات والتكبيرات- أو زاد عليه- لا تظن أن زاد عليه أن سبح أربعًا وثلاثين بدل ثلاثًا وثلاثين، أو زاد عليه فذكر: لا حول ولا قوة إلا بالله ثلاثًا وثلاثين مثل هذه! إنما زاد عليه: هذا سبح دبر ثلاث صلوات في اليوم. وهذا سبح دبر أربع، وهذا لم يفوت من الخمس ولا واحدة. هذا: عاش يسبح في تسبيحاته خمسين عامًا، وهذا عاش عشرًا، وذلك عاش مائة، زاد عليه- زاد عمره في الطاعة، أو زاد فحرص على ألا يضيع شيئًا من الجماعة، وإنما حرص على الصلوات وعلى التسبيح في دبرها فنال بذلك علو الدرجات ورفع القدر عند الله.
كم تستغرق منا التسبيحات؟!
ألا أدلكم على ما إذا فعلتموه أدركتم من سبقكم، وسبقتم من معكم ولا يأتِ أحدٌ بمثل ما عملتم، إلا أحدٌ عمل بما عملتم أو زاد عليه!! "تسبحون" أي: تنزهون الله بقوله: "سبحان الله"، وتحمدون، أي تقولون: الحمد لله، تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، فهذه في جملتها تسع وتسعون، وتمام المائة أن تقولوا: لا إله إلا الله.
أيها البخيل؛ بم بخلت، وعمن بخلت ؟!
كم تستغرق تلك التسبيحات دبر الصلاة؟ سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله، إن الواحدة، بل الاثنتين، كل اثنتين تمر في ثانيةٍ واحدة، فكأنه في الدقيقة يمكن أن يتمها، فإن كان بطيئًا فقال: سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله، فإن الوقت الطويل لا يزيد عن ثلاث دقائق.
أيها البخيل بم بخلت وعمن بخلت؟ بخلت بعمرك عن نفسك، ومن أعطيت؟ أعطيت عمرك الشيطان يستأنس به يُضلك فيضيع الصالحات من العمل التي اجتهدت على قلتها، ويوبقك فيوقعك في سيئات الأعمال ثلاث دقائق!! دقيقة في كل صلاة! خمس دقائق في اليوم والليلة!! عشر دقائق!! فِيمَ تنفق ذلك الوقت؟ تخرج من باب المسجد لتقف في حوار على ناصية البيت عشرات الدقائق!! بل قد تمضي الساعة واقفًا!! فهل تقربت إلى الله؟! مجالس المساجد مجالس الذكر، صليت فيها، فهل جلست تسبح الله في مسجدك، حتى تدخل في تلك المسابقة العظيمة؟ نخسر الكثير من المسابقات، اليوم: يوم جمعة ومن اغتسل في بيته ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرّب بَدَنة، كم تساوي البدنة اليوم: في أسعار أسواقنا اليوم؟ بضعةُ آلاف، إذا أنت تقدمت في التبكير قليلاً نلت كأنك قرَّبت لله بضعة آلاف، لا تنالها يد عابث فيفسدها ولا يدخل عليها الرياء فيهلكها؛ لأنك لا تستطيع أن تريها أحدًا، إنما هو عطاء رب العالمين، أعطاه من امتثل سنة النبي صلى الله عليه وسلم ، البخيل من بخل عن نفسه، البخيل الذي تاه منه لُبُّهُ وضاع عقله، أعطى الشيطان العمر، فجرهُ الشيطان فلم يُدخلْهُ إلا فيما يوبقه، تسبحون: من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرّب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرَّب كبشًا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرّب دجاجة، فيا مُقرب الدجاجة نلت، ولكنك ضيعت، ضيعت البدنة، وأكثر منك في التضييع من لم ينل إلا بيضة!! فأينا.. الذي يقبل على ربه فيتدبر؟ أينا الذي يُحيل حياته إلى ذكر وطاعة؟ وأينا الذي تدخل في حياته المؤذيات المفسدات؟ فلا ينال من ربه رفعة.
أين نحنُ من هذه القربات ؟!
انظر إلى الذي معه عملة ذهبية: قليلة في حجمها، خفيفة في وزنها، عظيمة في قدرها، والذي معه عملة من البرونز أو النحاس، ثقيلة في وزنها، كبيرة في حجمها، ضئيلة في مقدارها، فأنت يا من تختار أعمال السنة: العمل في سنة!! يجعل السلعة كالذهب ثقيلة في وزنها وإن كانت في اليد خفيفة، عظيمة في مقدارها وإن كانت توضع في الجيب، فلا يصعب على الإنسان حملها، فأين أنت من هذه القربات؟ إنها كثيرة، إنها كثيرة، فمن الراغب؟ الراغب يقبل، والمحروم يعرض، فانظر يوم الجمعة عندما يصعد الإمام إلى المنبر، فإذا صعد جلست الملائكة فطويت الصحف، فلم تكتب داخلاً إلى المسجد بعد صعود الإمام إلى المنبر، كم من داخل بعده؟ محروم.. محروم، حُرِمتَ من أن يُكتب اسمك في صحف الملائكة، فتعرض الصحف خالية من اسمك، أين كنت؟ وماذا فعلت؟ أين أنت ممن قرب البدنة، بل أين ممن قرب البيضة؟ أين أنت؟ فأنت لم تنل من ذلك شيئًا!! ينفض سوق العطاء، وخرجت صفر اليدين، أين أنت من التسبيح بعد الصلاة؟ تعجلّت فنظرت إلى حذائك وأسرعت كأنك كنت سجينًا تريد التخلص من ذلك السجن الذي دخلته، مع أنك في بيت الحبيب، في بيت الرب القريب، في بيت من يجيب الدعاء، في بيت من يرفع الرجاء، في بيت رب العزة سبحانه، في بيت الذي إذا أصابك المرض لم يأتك بالشفاء إلا هو، في بيت من إذا اشتدت بك الحاجات، لا يصرف الحاجة عنك إلا هو، في بيت رافع القدر، في بيت عظيم الشأن، في بيت من يُعلي من أراد من الخلق في بيت الله، الذي جعل له جنة هي دار نعيمه، وجعل له نارًا هي دار عذابه، أين أنت؟ أين أنت من هذه الأعمال الصالحات، الذي نال ذلك قلبه تطهر بذكر الله، ولسانه تعطر بذكر الله، وأنت شقيت بقولك، وأتعبت نفسك، ولم تنل من الخير الذي وعدك به ربك، ما أجهلك! ما أخسرك!! ما أضعفك!! ستقبل على ربك فتجد نفسك مفلسًا، ويجد غيرك العمل الصالح متكاثرًا.
إذًا ينبغي علينا إخوة الإسلام أن نراعي التنافس في الخيرات والإكثار من القربات.
أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا علمًا نافعًا، وعملاً صالحًا ودعاءً متقبلاً، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
أيها الأخوة الأحباب الكرام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وحديثنا إن شاء الله وبعونه وحوله وطوله ومدده وقوته وتوفيقه، هو حول ما أخرجه البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: جاء جماعة من الفقراء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالوا: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور والدرجات العلى، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضول أموال يتصدقون بها ولا نتصدق ويعتقون ولا نعتق، فقال صلى الله عليه وسلم : "ألا أدلكم على ما إذا فعلتموه أدركتم من سبقكم وسبقتم من معكم، ولم يأتِ أحدٌ يوم القيامة بمثل ما عملتم إلا أحدٌ عمل بما عملتم أو زاد عليه؛ تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين وتمام المائة أن تقولوا: لا إله إلا الله".
التنافس في الخيرات والمسارعة في القربات !!
الحديث فيه فوائد جمة، ووصايا هامة، وفيه من السنن والأعمال ما يرفع درجة العبد ويُعلي عند الله منزلته، والحديث دالٌ على ما تخلّق به أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، حيث رباهم على حب الدرجات وعلى التنافس في الخيرات، وعلى المسارعة إلى القربات، فها هم الفقراء لا يجدون ما يكفيهم في حاجاتهم الأساسية من المطعم والمشرب والملبس، ويهون ذلك عليهم، وإنما يعز عليهم ألاّ يجدوا من فائض المال ما يتقربون به، فيجدون أنهم تساووا مع الأغنياء في الصوم والصلاة- "يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم"، ولكن الأغنياء وظّفوا أموالهم فيما يرضي ربهم، فهم يقولون: ولهم فضول أموال يتصدقون، فلم يَنْفُسُوا عليهم أنهم كانوا أصحابَ عِزٍّ في الدنيا، ولا أصحاب مالٍ يرتفعون به على الناس، إنما نَفِسُوا عليهم أنهم كانوا يجدون من المال ما يتقربون به إلى الله، بينما هؤلاء لا يجدون. وهكذا الإسلام. لما تربى الصحابة الكرام على حب القربات، قطعت هذه الرغبة الحواجز الأصلية، فنافس الفقراء الأغنياء، قطعت حاجز المال، وقطعت حاجز الجنس، فنافس النساءُ الرجال، فقُلن: يا رسول الله، ذهب الرجال بحظنا منك فاجعل لنا يومًا تعلمنا فيه، وقُلن أيضًا: يا رسول الله، الرجال يشهدون معك الجُمعَ والجماعات، ويخرجون معك إلى الغزوات، ولهم على ذلك الأجر الجزيل، فماذا لنا؟ قال: اعلمي يا امرأة، وأَعْلِمِي من وراءَك أن حسن تبعل المرأة لزوجها يعدل ذلك كله، ونَفِسَ الضعفاء على الأقوياء، والصغار على الكبار، والمرضى على الأصحّاء، فها هو عبد الرحمن بن عوف يوم بدرٍ يقول: نظرت عن يميني فإذا غلام، وعن يساري فإذا غلام، فخشيت أن يؤتى المسلمون من قِبَلِي، فإذا الذي عن يميني يقول لي: يا عم، أتعرف أبا جهل؟ فقلت له: نعم، وما حاجتك به؟ قال علمت أنه كان يعادي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويؤذيه، حلفتُ إن رأيتُه ألا يفارق سوادي سواده، حتى يُقتل الأعجلُ مِنَّا، وإذا الذي عن يساري يقولُ مثلَ ذلك، فعلمت أني بين فارسين، وكذلك هذا عمرو بن الجموع وكان أعرج شديد العرجة يقول لأبنائه: إني أريد أن أخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغزو، فيقولون: يا أبانا، إن الله قد عذَّر فيك ونحن أربعة فتيان شبان أقوياء نكفيك القتال، فغضب الرجل وقال لرسول صلى الله عليه وسلم : إن أبنائي هؤلاء يمنعوني الجنة، فلما سأله فأجابه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما أنت فقد عذَّر اللهُ فيك، وأما أنتم فلا عليكم أن تدعوه لعل الله أن يرزقه الشهادة، فلما دخل الغزوة فقتل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : رأيته يمشي برجله في الجنة لا عرجةَ فيها.
التنافس اليوم على أعراض الدنيا !!
انظر إلى هذا التنافس!! نتنافس نحن اليوم أينا أكثر للمال جمعًا، وأينا أكثرُ كَنْزًا، ولا نتنافس أينا أكثر تقربًا وتصدقًا، نتنافس اليوم أينا أفخر طعامًا وأعلى شأنًا، لا نتنافس أينا أكثر بذلاً، وأينا أكثر عطاء، نتنافس اليوم على أعراض الدنيا، لا نتنافس على كتاب الله!! أينا الذي جمعه؟ أينا الذي علمه؟ لا نتنافس في أمور القربات!! إنما نتنافس في الفانية، في الزائلة. وكلنا عنها راحل، وكلنا لها تارك.
انظر كيف ربى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على التنافس في الخيرات؛ لأن الله عز وجل قال: وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
الأغنياء بالإنفاق والصدقة والصلاة !!
فجاء هؤلاء الفقراء يشكون في لوعة وحسرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الأغنياء سبقوهم إلى الجنة، فيقول لهم رسول الله #؛ فهو الطبيب الذي علمه ربه، وهو الذي بعثه رب العزة بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، يقول لهم: ألا أدلكم- والاستفهام هنا ليس على بابه- وإنما هو استفهام للتحريض، والحث- ألا أدلكم، على ما إذا ما فعلتموه أدركتم من سبقكم- يعني أدركتم الأغنياء المنفقين المتصدقين المصلين- وسبقتم من معكم- أي الفقراء المصلين الصائمين، ولم يأتِ أحدٌ بمثل ما عملتم- وهو الذي سيذكره من التسبيح والتحميد والتكبير دبر الصلوات- إلا أحدٌ عِملَ بما عملتم، أي كان له مثل ذلك من التسبيحات والتحميدات والتكبيرات- أو زاد عليه- لا تظن أن زاد عليه أن سبح أربعًا وثلاثين بدل ثلاثًا وثلاثين، أو زاد عليه فذكر: لا حول ولا قوة إلا بالله ثلاثًا وثلاثين مثل هذه! إنما زاد عليه: هذا سبح دبر ثلاث صلوات في اليوم. وهذا سبح دبر أربع، وهذا لم يفوت من الخمس ولا واحدة. هذا: عاش يسبح في تسبيحاته خمسين عامًا، وهذا عاش عشرًا، وذلك عاش مائة، زاد عليه- زاد عمره في الطاعة، أو زاد فحرص على ألا يضيع شيئًا من الجماعة، وإنما حرص على الصلوات وعلى التسبيح في دبرها فنال بذلك علو الدرجات ورفع القدر عند الله.
كم تستغرق منا التسبيحات؟!
ألا أدلكم على ما إذا فعلتموه أدركتم من سبقكم، وسبقتم من معكم ولا يأتِ أحدٌ بمثل ما عملتم، إلا أحدٌ عمل بما عملتم أو زاد عليه!! "تسبحون" أي: تنزهون الله بقوله: "سبحان الله"، وتحمدون، أي تقولون: الحمد لله، تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، فهذه في جملتها تسع وتسعون، وتمام المائة أن تقولوا: لا إله إلا الله.
أيها البخيل؛ بم بخلت، وعمن بخلت ؟!
كم تستغرق تلك التسبيحات دبر الصلاة؟ سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله، إن الواحدة، بل الاثنتين، كل اثنتين تمر في ثانيةٍ واحدة، فكأنه في الدقيقة يمكن أن يتمها، فإن كان بطيئًا فقال: سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله، فإن الوقت الطويل لا يزيد عن ثلاث دقائق.
أيها البخيل بم بخلت وعمن بخلت؟ بخلت بعمرك عن نفسك، ومن أعطيت؟ أعطيت عمرك الشيطان يستأنس به يُضلك فيضيع الصالحات من العمل التي اجتهدت على قلتها، ويوبقك فيوقعك في سيئات الأعمال ثلاث دقائق!! دقيقة في كل صلاة! خمس دقائق في اليوم والليلة!! عشر دقائق!! فِيمَ تنفق ذلك الوقت؟ تخرج من باب المسجد لتقف في حوار على ناصية البيت عشرات الدقائق!! بل قد تمضي الساعة واقفًا!! فهل تقربت إلى الله؟! مجالس المساجد مجالس الذكر، صليت فيها، فهل جلست تسبح الله في مسجدك، حتى تدخل في تلك المسابقة العظيمة؟ نخسر الكثير من المسابقات، اليوم: يوم جمعة ومن اغتسل في بيته ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرّب بَدَنة، كم تساوي البدنة اليوم: في أسعار أسواقنا اليوم؟ بضعةُ آلاف، إذا أنت تقدمت في التبكير قليلاً نلت كأنك قرَّبت لله بضعة آلاف، لا تنالها يد عابث فيفسدها ولا يدخل عليها الرياء فيهلكها؛ لأنك لا تستطيع أن تريها أحدًا، إنما هو عطاء رب العالمين، أعطاه من امتثل سنة النبي صلى الله عليه وسلم ، البخيل من بخل عن نفسه، البخيل الذي تاه منه لُبُّهُ وضاع عقله، أعطى الشيطان العمر، فجرهُ الشيطان فلم يُدخلْهُ إلا فيما يوبقه، تسبحون: من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرّب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرَّب كبشًا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرّب دجاجة، فيا مُقرب الدجاجة نلت، ولكنك ضيعت، ضيعت البدنة، وأكثر منك في التضييع من لم ينل إلا بيضة!! فأينا.. الذي يقبل على ربه فيتدبر؟ أينا الذي يُحيل حياته إلى ذكر وطاعة؟ وأينا الذي تدخل في حياته المؤذيات المفسدات؟ فلا ينال من ربه رفعة.
أين نحنُ من هذه القربات ؟!
انظر إلى الذي معه عملة ذهبية: قليلة في حجمها، خفيفة في وزنها، عظيمة في قدرها، والذي معه عملة من البرونز أو النحاس، ثقيلة في وزنها، كبيرة في حجمها، ضئيلة في مقدارها، فأنت يا من تختار أعمال السنة: العمل في سنة!! يجعل السلعة كالذهب ثقيلة في وزنها وإن كانت في اليد خفيفة، عظيمة في مقدارها وإن كانت توضع في الجيب، فلا يصعب على الإنسان حملها، فأين أنت من هذه القربات؟ إنها كثيرة، إنها كثيرة، فمن الراغب؟ الراغب يقبل، والمحروم يعرض، فانظر يوم الجمعة عندما يصعد الإمام إلى المنبر، فإذا صعد جلست الملائكة فطويت الصحف، فلم تكتب داخلاً إلى المسجد بعد صعود الإمام إلى المنبر، كم من داخل بعده؟ محروم.. محروم، حُرِمتَ من أن يُكتب اسمك في صحف الملائكة، فتعرض الصحف خالية من اسمك، أين كنت؟ وماذا فعلت؟ أين أنت ممن قرب البدنة، بل أين ممن قرب البيضة؟ أين أنت؟ فأنت لم تنل من ذلك شيئًا!! ينفض سوق العطاء، وخرجت صفر اليدين، أين أنت من التسبيح بعد الصلاة؟ تعجلّت فنظرت إلى حذائك وأسرعت كأنك كنت سجينًا تريد التخلص من ذلك السجن الذي دخلته، مع أنك في بيت الحبيب، في بيت الرب القريب، في بيت من يجيب الدعاء، في بيت من يرفع الرجاء، في بيت رب العزة سبحانه، في بيت الذي إذا أصابك المرض لم يأتك بالشفاء إلا هو، في بيت من إذا اشتدت بك الحاجات، لا يصرف الحاجة عنك إلا هو، في بيت رافع القدر، في بيت عظيم الشأن، في بيت من يُعلي من أراد من الخلق في بيت الله، الذي جعل له جنة هي دار نعيمه، وجعل له نارًا هي دار عذابه، أين أنت؟ أين أنت من هذه الأعمال الصالحات، الذي نال ذلك قلبه تطهر بذكر الله، ولسانه تعطر بذكر الله، وأنت شقيت بقولك، وأتعبت نفسك، ولم تنل من الخير الذي وعدك به ربك، ما أجهلك! ما أخسرك!! ما أضعفك!! ستقبل على ربك فتجد نفسك مفلسًا، ويجد غيرك العمل الصالح متكاثرًا.
إذًا ينبغي علينا إخوة الإسلام أن نراعي التنافس في الخيرات والإكثار من القربات.
أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا علمًا نافعًا، وعملاً صالحًا ودعاءً متقبلاً، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.