د. عوض
20-10-2003, 11:19 AM
وقـفـات إيـمانـية مع الدكتور عـوض القـرني (1)
بسـم الله الـرحـمن الـرحـيم
إن الحمد لله نحمده و نستعينه و نستغفره و نتوب إليه و نعوذ بالله من شرور أنفسنا و من سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، و من يضلل فلا هادي له، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمداً عبده و رسوله، أما بعد:
ربنا اغفر لنا و لإخواننا الذين سبقونا بالإيمان و لا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم. اللهم رب جبرائيل و ميكائيل و إسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.
فهذه سلسلة وقفات إيمانية مع دكتورنا الشيخ الفاضل عوض بن محمد القرني (المدرب المعتمد في البرمجة اللغوية العصبية) وفقه الله لما يحبه و يرضاه. و قد استخرت الله تعالى في ذلك، و اطمأنت نفسي لبيانها و إخراجها. و أسأل الله العلي العظيم أن يجعلها خالصة لوجه تعالى و أن تأتي بثمارها و أن يمن علينا بعفوه و رضوانه.
و في البدء أود التنبيه على أنّ هذه الوقفات هي مجرد فهم قد فهمته من سياق كتابات الشيخ حفظه الله عز وجل في البرمجة اللغوية العصبية، و ليس لها علاقة بالنيات و السرائر التي علمها عند الله سبحانه و تعالى. فمن ورقات برنامج الدبلوم في البرمجة اللغوية العصبية للمدرب المعتمد الدكتور عوض القرني و تحت شعار الدورة (ص12) ذكر الآتي:
(("يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله و قولوا قولاً سديداً يُصلح لكم أعمالكم" الآية.
إذاً الإيمان و التقوى {فكر وشعور} ثمرته القول السديد الحق الصواب المطابق للواقع {لغة و خطاب} و النتيجة صلاح الأعمال {سلوك} و إذا صلح العمل صلحت الحياة و عمت السعادة و تحقق النجاح. و هذا ما نسعى لتحقيقه من خلال القول و العمل المبنيان على الإيمان و التقوى {بالبرمجة اللغوية العصبية} فهي فكر و مشاعر و سلوك)). ا.هـ.
و في موضع آخر تحت موضوع مكونات شخصية الإنسان و علاقة ذلك بهذا العلم (ص25) ذكر الأقسام الثلاثة المكونة لشخصية الإنسان في علم البرمجة اللغوية العصبية وهي كما سطرها: الفكر المشاعر و السلوك الخارجي. و ذكر في نفس الصفحة: (إن المدخل لتغيير معتقدات و قيم الإنسان هو تغيير تفكيره على أن التفكير يمكن تغييره من خلال السلوك أو الشعور و من هنا تنبع أهمية هذا الجانب). ا.هـ.
و بالنظر في هذا الشعار نبدأ بسلسلة وقفاتنا مع الشيخ راجين عفو ربنا عز وجل و توفيقه. فأول هذا الوقفات الإيمانية هي:
هل الإيمان فكر (أو أفكار) و شعور (أو عواطف)؟
و قبل ذلك لا بد من تمهيد بسيط حول مفهوم مكونات شخصية الإنسان في البرمجة اللغوية العصبية المذكورة سلفا. فلقد عمل علماء النفس في مراحل عديدة و متفرقة على فهم سلوك و شعور الإنسان و طرق تفكيره منذ أمد بعيد. فجاءت من جرّاء ذلك التجارب تلو التجارب و النظريات بعد النظريات لمحاولة تحسين تصورهم لهذا الإنسان العجيب الغريب المجهول في مكوناته. فمن الفلسفات و الاعتقادات الإغريقية إلى نظريات التحليل النفسي الفرويدية إلى نظريات العلاج السلوكي الإدراكي إلى غيرها من النظريات المتنوعة في علم النفس و الطب النفسي. فمثلاً، نظرية العلاج السلوكي أُستعملت للتعامل مع الخوف والتخوّفات و السلوك الإلزامي والإستحواذي، و هذا العلاج يقوم على الاعتقاد بأن ذلك السلوك المعين يتعلّم ردّاً على التجربة السابقة ويمكن أن تكون هذه التجربة جديدة أو مجدّدة، بدون اعتبار تحليل الماضي لإيجاد سبباً لذلك السلوك. و نظرية العلاج بالتحليل النفسي الإنساني تقوم على النمو الشخصي والتنمية الذاتية. و نظرية العلاج السلوكي الإدراكي تجمع الأساليب الإدراكية السلوكية في تعلم طرق تغيير الأفكار و التوقعات و طرق الاسترخاء، و تُستخدم للأمراض ذات العلاقة بالإجهاد و الخوف والإستحواذ و إضطرابات التغذية و غيرها. و نظرية العلاج الإدراكي تستعمل قوّة العقل للتأثير على السلوك، و هذه النظرية مفادها هو استطاعة التأثير على الفهم الذاتي عكسياً وتكيّف الموقف و المشاعر و القدرة على التعامل مع بعض الحالات من خلال تعديل ردود الأفعال و السلوك. و أما نظرية الجشتالت الألمانية لفريز بيرلز تتلخص في أن ردود أفعال الإنسان مرتبطة بالأفكار و المشاعر والسلوك. فالإنسان يكسب وعياً ذاتياً بتحليل السلوك ولغة الجسم التي تُعطي تعبيراً عن المشاعر المكبوتة. و تتضمّن المعالجة بهذه النظرية تمثيل السيناريوهات في أغلب الأحيان واستدعاء الأحلام.
و أما البرمجة اللغوية العصبية من جهة علم النفس فقد جمعت العلاج السلوكي و الإنساني الإدراكي و الجشتالت بالإضافة إلى عمليات التأثير الإيحائية و التخييلية الأساسية في هذا المجال. فالبرمجة تقوم على تغيير الأفكار (Thoughts) و المشاعر (أو العواطف و الأحاسيس والانفعالات) (Feelings) من أجل إحداث سلوك (Behaviours) ما مطلوب. و اللغة و قوة الخطاب التنويمي و الإيحائي و قوة التأثير التخييلي هي من أهم العوامل المساعدة على إحداث التغيير المطلوب. و مع تحفظي الشديد على هذا التقسيم الذي ذكره الدكتور عوض القرني في مكونات شخصية الإنسان الثلاثة (فكر و شعور و سلوك) المأخوذ من نظريات علم النفس المذكورة سلفاً إلا أنه ليس هذا مجال التفصيل فيه، و له فسحة أخرى بإذن الله تعالى. و هذا التحفظ نابع من أن المؤثرات المذكورة تخص فقط علم النفس مع أن هناك مؤثرات و مكونات كثيرة أقوى على شخصية الإنسان و خاصة القدرة و المشيئة الإلهية و الجوانب القلبية و الروحية منها، و كذلك العوامل الوراثية والبيولوجية و التركيبة البشرية والبيئية والاجتماعية و غيرها.
و مفهوم الأفكار (Thoughts) هنا في علم النفس أو البرمجة اللغوية العصبية هو ما يتفكره الإنسان من نظر و ذهن و تصوّر و رأي و تأمل و ظن و أفكار ظنية لها علاقة بالعقل و رؤاه و هي نتاجه الفكر. و هي آتية من المصدر الإنجليزي (Think) الذي يعني (أظن) أو (أفكر). و هنا ينبغي التنبيه إلى أن هناك لبس عند البعض بين المفردات الشرعية و المفردات اللغوية المترجمة. فالبعض يترجم (Think) بكلمة (اعتقد). و هذا من الأخطاء الشائعة، و خاصة إذا نُطق بالجمع لتصبح (اعتقادات) أو (معتقدات). فالاعتقاد في الشرع يعني ما عقد عليه قلبه، و هو الجزم و اليقين و التصديق القاطع، و هو من أعمال القلوب. و هذا يختلف عن المراد الأجنبي الذي يعني الظن و الرأي، و هو من أعمال العقل و الفكر.
و بعد هذه المقدمة نرجع إلى تقرير الدكتور الأخ الفاضل عوض القرني بأن الإيمان و التقوى (فكر و شعور)، فنؤكد على الآتي:
1. إن الفكر هو نتاج العقل و النظر، بينما الإيمان ليس فكراً البتة و أصله في القلب. و الإيمان اعتقاد بالقلب و قول باللسان و عمل بالجوارح. يقول شيخ الإسلام- رحمه الله- في العقيدة الواسطية: (ومن أصول أهل السنة والجماعة: أن الدين والإيمان قول وعمل. قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية). و قال رحمه الله في كتاب الإيمان أيضاً: (وأصل الإيمان في القلب وهو قول القلب وعمله. وهو إقرار بالتصديق والحب والانقياد. وما كان في القلب فلابد أن يظهر موجبة ومقتضاه على الجوارح. وإذا لم يعمل بموجبه ومقتضاه دل على عدمه أو ضعفه. ولهذا كانت الأعمال الظاهرة من موجب إيمان القلب ومقتضاه وهي تصديق لما في القلب، ودليل عليه، وشاهد له. وهي شعبة من الإيمان المطلق وبعض له). و هذا اختلاف كبير يُبطل تقرير الشيخ الدكتور عوض القرني بقوله أن الإيمان و التقوى (فكر وشعور). و يقول الله تعالى مؤكداً على ذلك: (قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يدْخلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكمْ...) (الحجرات: 14). فالإيمان أصله في القلب و هو الاعتقاد و القول و العمل جميعا.
2. إن الشيخ حفظه الله في شعاره البرمجي أيضاً قرّر أن الإيمان و التقوى فكر و شعور. و هذا أيضاً من الخطأ و الخلل العقدي. و يؤكد سماحة الشيخ ابن باز-رحمه الله- على أنّ حقيقة التقوى عند أهل السنة والجماعة هي خشية الله بأداء ما أوجبه الله على العبد من الطاعة، واجتناب ما حرم عليه من المعصية. يقول سماحة شيخنا محمد العثيمين-رحمه الله- في عقيدة أهل السنة: (هذه العقيدة السامية المتضمنة لهذه الأصول العظيمة تثمر لمعتقدها ثمرات جليلة كثيرة. فالإِيمان بالله تعالى وأسمائه وصفاته يثمر للعبد محبة الله وتعظيمه الموجبين للقيام بأمره واجتناب نهيه، والقيام بأمر الله تعالى واجتناب نهيه يحصل بهما كمال السعادة في الدنيا والآخرة للفرد والمجتمع. {مَنْ عَمِلَ صَـالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } [النحل: 97])). ا.هـ.
3. إن مجرد إرجاع الإيمان على أنه فكر يعني أنّنا أقررنا بأن الإيمان عبارة عن أفكار قابلة للأخذ و الرد لأن الفكر رأي قابل للنقاش و المجادلة و الصدق والكذب. و هذا ما حذّر منه سماحة شيخنا محمد الصالح العثيمين-رحمه الله رحمة واسعة- في مسائل رفضه لمصطلح الفكر الإسلامي في "المناهي اللفظية"، و أكد على أنه (خطر عظيم أدخله أعداء الإسلام من حيث لا نشعر). و يقول الشيخ الدكتور بكر أبو زيد-شفاه الله و عافاه- في كتابه معجم المناهي اللفظية: (كيف يصح أن يكون الإسلام و مصدره الوحي فكرا، و الفكر هو ما يغرزه العقل، فلا يجوز حال من الأحوال أن يكون الإسلام مظهراً للفكر الإنساني؟ و الإسلام الوحي معصوم و الفكر ليس معصوما).
4. إن الشيخ حفظه الله في شعاره البرمجي اخرج القول و العمل من دائرة حقيقة الإيمان و جعلهما ثمرته و نتيجته، و هذا القول هو من مذهب المرجئة، و هو قريب من قول مرجئة الفقهاء. و يقول الشيخ صالح الفوزان حفظه الله في مسائل الإيمان: (الذين يقولون إن الإيمان اعتقاد بالقلب ونطق باللسان ولا يدخل فيه العمل وهذا قول مرجئة الفقهاء وهو قول باطل). و أيضاً الشيخ الدكتور القرني لم يتطرق إلى العمل القلبي البتة. و حقيقة الإيمان كما أسلفنا عند جمهور أهل السنة و الجماعة هي الإقرار باللسان و التصديق بالقلب و العمل بالجوارح يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. و ينظم الإمام ابن القيم في أن حقيقة الإيمان تصديق بالجنان و عمل بالأركان و قول باللسان:
واشهد عليهم عن إيمان الورى****قول و فعل ثم عقد جنان
و جاء في التحذير من مثل ذلك بيان لدار الإفتاء بالمملكة برئاسة سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز-رحمه الله: (فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على الكتاب الموسوم بـ: (ضبط الضوابط في الإيمان ونواقضه) تأليف المدعو / *** فوجدته كتابا يدعو إلى مذهب الإرجاء المذموم؛ لأنه لا يعتبر الأعمال الظاهرة داخلة في حقيقة الإيمان، وهذا خلاف ما عليه أهل السنة والجماعة من أن الإيمان قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية . وعليه: فإن هذا الكتاب لا يجوز نشره وترويجه، ويجب على مؤلفه وناشره التوبة إلى الله عز وجل .ونحذر المسلمين مما احتواه هذا الكتاب من المذهب الباطل حماية لعقيدتهم و استبراء لدينهم، كما نحذر من اتباع زلات العلماء فضلا عن غيرهم من صغار الطلبة الذين لم يأخذوا العلم من أصوله المعتمدة).
و اختم بالتأكيد على أنه ينبغي على مدربي البرمجة اللغوية العصبية و مراكز التدريب عرض محتويات برامجهم التي تُقدّم للمتدربين (و خاصة ما احتوت على استدلالات شرعية) على إدارة البحوث العلمية و الإفتاء لاعتمادها و تصويبها قبل عرضها على الناس حتى لا تتوسع دائرة اللبس و الإثم و الضلال و خلخلة عقائد المسلمين. فينبغي أن تتولى جهة رسمية شرعية معتمدة اعتماد هذه الكتب قبل عرضها على الناس.
و هذا ما يحضرني في هذه الوقفة، والله اعلم. فإن أصبت فمن الله و إن أخطأت فمن نفسي والشيطان.
و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
أخوكم في الله/
د. عـوض بـن عـودة
بسـم الله الـرحـمن الـرحـيم
إن الحمد لله نحمده و نستعينه و نستغفره و نتوب إليه و نعوذ بالله من شرور أنفسنا و من سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، و من يضلل فلا هادي له، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمداً عبده و رسوله، أما بعد:
ربنا اغفر لنا و لإخواننا الذين سبقونا بالإيمان و لا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم. اللهم رب جبرائيل و ميكائيل و إسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.
فهذه سلسلة وقفات إيمانية مع دكتورنا الشيخ الفاضل عوض بن محمد القرني (المدرب المعتمد في البرمجة اللغوية العصبية) وفقه الله لما يحبه و يرضاه. و قد استخرت الله تعالى في ذلك، و اطمأنت نفسي لبيانها و إخراجها. و أسأل الله العلي العظيم أن يجعلها خالصة لوجه تعالى و أن تأتي بثمارها و أن يمن علينا بعفوه و رضوانه.
و في البدء أود التنبيه على أنّ هذه الوقفات هي مجرد فهم قد فهمته من سياق كتابات الشيخ حفظه الله عز وجل في البرمجة اللغوية العصبية، و ليس لها علاقة بالنيات و السرائر التي علمها عند الله سبحانه و تعالى. فمن ورقات برنامج الدبلوم في البرمجة اللغوية العصبية للمدرب المعتمد الدكتور عوض القرني و تحت شعار الدورة (ص12) ذكر الآتي:
(("يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله و قولوا قولاً سديداً يُصلح لكم أعمالكم" الآية.
إذاً الإيمان و التقوى {فكر وشعور} ثمرته القول السديد الحق الصواب المطابق للواقع {لغة و خطاب} و النتيجة صلاح الأعمال {سلوك} و إذا صلح العمل صلحت الحياة و عمت السعادة و تحقق النجاح. و هذا ما نسعى لتحقيقه من خلال القول و العمل المبنيان على الإيمان و التقوى {بالبرمجة اللغوية العصبية} فهي فكر و مشاعر و سلوك)). ا.هـ.
و في موضع آخر تحت موضوع مكونات شخصية الإنسان و علاقة ذلك بهذا العلم (ص25) ذكر الأقسام الثلاثة المكونة لشخصية الإنسان في علم البرمجة اللغوية العصبية وهي كما سطرها: الفكر المشاعر و السلوك الخارجي. و ذكر في نفس الصفحة: (إن المدخل لتغيير معتقدات و قيم الإنسان هو تغيير تفكيره على أن التفكير يمكن تغييره من خلال السلوك أو الشعور و من هنا تنبع أهمية هذا الجانب). ا.هـ.
و بالنظر في هذا الشعار نبدأ بسلسلة وقفاتنا مع الشيخ راجين عفو ربنا عز وجل و توفيقه. فأول هذا الوقفات الإيمانية هي:
هل الإيمان فكر (أو أفكار) و شعور (أو عواطف)؟
و قبل ذلك لا بد من تمهيد بسيط حول مفهوم مكونات شخصية الإنسان في البرمجة اللغوية العصبية المذكورة سلفا. فلقد عمل علماء النفس في مراحل عديدة و متفرقة على فهم سلوك و شعور الإنسان و طرق تفكيره منذ أمد بعيد. فجاءت من جرّاء ذلك التجارب تلو التجارب و النظريات بعد النظريات لمحاولة تحسين تصورهم لهذا الإنسان العجيب الغريب المجهول في مكوناته. فمن الفلسفات و الاعتقادات الإغريقية إلى نظريات التحليل النفسي الفرويدية إلى نظريات العلاج السلوكي الإدراكي إلى غيرها من النظريات المتنوعة في علم النفس و الطب النفسي. فمثلاً، نظرية العلاج السلوكي أُستعملت للتعامل مع الخوف والتخوّفات و السلوك الإلزامي والإستحواذي، و هذا العلاج يقوم على الاعتقاد بأن ذلك السلوك المعين يتعلّم ردّاً على التجربة السابقة ويمكن أن تكون هذه التجربة جديدة أو مجدّدة، بدون اعتبار تحليل الماضي لإيجاد سبباً لذلك السلوك. و نظرية العلاج بالتحليل النفسي الإنساني تقوم على النمو الشخصي والتنمية الذاتية. و نظرية العلاج السلوكي الإدراكي تجمع الأساليب الإدراكية السلوكية في تعلم طرق تغيير الأفكار و التوقعات و طرق الاسترخاء، و تُستخدم للأمراض ذات العلاقة بالإجهاد و الخوف والإستحواذ و إضطرابات التغذية و غيرها. و نظرية العلاج الإدراكي تستعمل قوّة العقل للتأثير على السلوك، و هذه النظرية مفادها هو استطاعة التأثير على الفهم الذاتي عكسياً وتكيّف الموقف و المشاعر و القدرة على التعامل مع بعض الحالات من خلال تعديل ردود الأفعال و السلوك. و أما نظرية الجشتالت الألمانية لفريز بيرلز تتلخص في أن ردود أفعال الإنسان مرتبطة بالأفكار و المشاعر والسلوك. فالإنسان يكسب وعياً ذاتياً بتحليل السلوك ولغة الجسم التي تُعطي تعبيراً عن المشاعر المكبوتة. و تتضمّن المعالجة بهذه النظرية تمثيل السيناريوهات في أغلب الأحيان واستدعاء الأحلام.
و أما البرمجة اللغوية العصبية من جهة علم النفس فقد جمعت العلاج السلوكي و الإنساني الإدراكي و الجشتالت بالإضافة إلى عمليات التأثير الإيحائية و التخييلية الأساسية في هذا المجال. فالبرمجة تقوم على تغيير الأفكار (Thoughts) و المشاعر (أو العواطف و الأحاسيس والانفعالات) (Feelings) من أجل إحداث سلوك (Behaviours) ما مطلوب. و اللغة و قوة الخطاب التنويمي و الإيحائي و قوة التأثير التخييلي هي من أهم العوامل المساعدة على إحداث التغيير المطلوب. و مع تحفظي الشديد على هذا التقسيم الذي ذكره الدكتور عوض القرني في مكونات شخصية الإنسان الثلاثة (فكر و شعور و سلوك) المأخوذ من نظريات علم النفس المذكورة سلفاً إلا أنه ليس هذا مجال التفصيل فيه، و له فسحة أخرى بإذن الله تعالى. و هذا التحفظ نابع من أن المؤثرات المذكورة تخص فقط علم النفس مع أن هناك مؤثرات و مكونات كثيرة أقوى على شخصية الإنسان و خاصة القدرة و المشيئة الإلهية و الجوانب القلبية و الروحية منها، و كذلك العوامل الوراثية والبيولوجية و التركيبة البشرية والبيئية والاجتماعية و غيرها.
و مفهوم الأفكار (Thoughts) هنا في علم النفس أو البرمجة اللغوية العصبية هو ما يتفكره الإنسان من نظر و ذهن و تصوّر و رأي و تأمل و ظن و أفكار ظنية لها علاقة بالعقل و رؤاه و هي نتاجه الفكر. و هي آتية من المصدر الإنجليزي (Think) الذي يعني (أظن) أو (أفكر). و هنا ينبغي التنبيه إلى أن هناك لبس عند البعض بين المفردات الشرعية و المفردات اللغوية المترجمة. فالبعض يترجم (Think) بكلمة (اعتقد). و هذا من الأخطاء الشائعة، و خاصة إذا نُطق بالجمع لتصبح (اعتقادات) أو (معتقدات). فالاعتقاد في الشرع يعني ما عقد عليه قلبه، و هو الجزم و اليقين و التصديق القاطع، و هو من أعمال القلوب. و هذا يختلف عن المراد الأجنبي الذي يعني الظن و الرأي، و هو من أعمال العقل و الفكر.
و بعد هذه المقدمة نرجع إلى تقرير الدكتور الأخ الفاضل عوض القرني بأن الإيمان و التقوى (فكر و شعور)، فنؤكد على الآتي:
1. إن الفكر هو نتاج العقل و النظر، بينما الإيمان ليس فكراً البتة و أصله في القلب. و الإيمان اعتقاد بالقلب و قول باللسان و عمل بالجوارح. يقول شيخ الإسلام- رحمه الله- في العقيدة الواسطية: (ومن أصول أهل السنة والجماعة: أن الدين والإيمان قول وعمل. قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية). و قال رحمه الله في كتاب الإيمان أيضاً: (وأصل الإيمان في القلب وهو قول القلب وعمله. وهو إقرار بالتصديق والحب والانقياد. وما كان في القلب فلابد أن يظهر موجبة ومقتضاه على الجوارح. وإذا لم يعمل بموجبه ومقتضاه دل على عدمه أو ضعفه. ولهذا كانت الأعمال الظاهرة من موجب إيمان القلب ومقتضاه وهي تصديق لما في القلب، ودليل عليه، وشاهد له. وهي شعبة من الإيمان المطلق وبعض له). و هذا اختلاف كبير يُبطل تقرير الشيخ الدكتور عوض القرني بقوله أن الإيمان و التقوى (فكر وشعور). و يقول الله تعالى مؤكداً على ذلك: (قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يدْخلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكمْ...) (الحجرات: 14). فالإيمان أصله في القلب و هو الاعتقاد و القول و العمل جميعا.
2. إن الشيخ حفظه الله في شعاره البرمجي أيضاً قرّر أن الإيمان و التقوى فكر و شعور. و هذا أيضاً من الخطأ و الخلل العقدي. و يؤكد سماحة الشيخ ابن باز-رحمه الله- على أنّ حقيقة التقوى عند أهل السنة والجماعة هي خشية الله بأداء ما أوجبه الله على العبد من الطاعة، واجتناب ما حرم عليه من المعصية. يقول سماحة شيخنا محمد العثيمين-رحمه الله- في عقيدة أهل السنة: (هذه العقيدة السامية المتضمنة لهذه الأصول العظيمة تثمر لمعتقدها ثمرات جليلة كثيرة. فالإِيمان بالله تعالى وأسمائه وصفاته يثمر للعبد محبة الله وتعظيمه الموجبين للقيام بأمره واجتناب نهيه، والقيام بأمر الله تعالى واجتناب نهيه يحصل بهما كمال السعادة في الدنيا والآخرة للفرد والمجتمع. {مَنْ عَمِلَ صَـالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } [النحل: 97])). ا.هـ.
3. إن مجرد إرجاع الإيمان على أنه فكر يعني أنّنا أقررنا بأن الإيمان عبارة عن أفكار قابلة للأخذ و الرد لأن الفكر رأي قابل للنقاش و المجادلة و الصدق والكذب. و هذا ما حذّر منه سماحة شيخنا محمد الصالح العثيمين-رحمه الله رحمة واسعة- في مسائل رفضه لمصطلح الفكر الإسلامي في "المناهي اللفظية"، و أكد على أنه (خطر عظيم أدخله أعداء الإسلام من حيث لا نشعر). و يقول الشيخ الدكتور بكر أبو زيد-شفاه الله و عافاه- في كتابه معجم المناهي اللفظية: (كيف يصح أن يكون الإسلام و مصدره الوحي فكرا، و الفكر هو ما يغرزه العقل، فلا يجوز حال من الأحوال أن يكون الإسلام مظهراً للفكر الإنساني؟ و الإسلام الوحي معصوم و الفكر ليس معصوما).
4. إن الشيخ حفظه الله في شعاره البرمجي اخرج القول و العمل من دائرة حقيقة الإيمان و جعلهما ثمرته و نتيجته، و هذا القول هو من مذهب المرجئة، و هو قريب من قول مرجئة الفقهاء. و يقول الشيخ صالح الفوزان حفظه الله في مسائل الإيمان: (الذين يقولون إن الإيمان اعتقاد بالقلب ونطق باللسان ولا يدخل فيه العمل وهذا قول مرجئة الفقهاء وهو قول باطل). و أيضاً الشيخ الدكتور القرني لم يتطرق إلى العمل القلبي البتة. و حقيقة الإيمان كما أسلفنا عند جمهور أهل السنة و الجماعة هي الإقرار باللسان و التصديق بالقلب و العمل بالجوارح يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. و ينظم الإمام ابن القيم في أن حقيقة الإيمان تصديق بالجنان و عمل بالأركان و قول باللسان:
واشهد عليهم عن إيمان الورى****قول و فعل ثم عقد جنان
و جاء في التحذير من مثل ذلك بيان لدار الإفتاء بالمملكة برئاسة سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز-رحمه الله: (فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على الكتاب الموسوم بـ: (ضبط الضوابط في الإيمان ونواقضه) تأليف المدعو / *** فوجدته كتابا يدعو إلى مذهب الإرجاء المذموم؛ لأنه لا يعتبر الأعمال الظاهرة داخلة في حقيقة الإيمان، وهذا خلاف ما عليه أهل السنة والجماعة من أن الإيمان قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية . وعليه: فإن هذا الكتاب لا يجوز نشره وترويجه، ويجب على مؤلفه وناشره التوبة إلى الله عز وجل .ونحذر المسلمين مما احتواه هذا الكتاب من المذهب الباطل حماية لعقيدتهم و استبراء لدينهم، كما نحذر من اتباع زلات العلماء فضلا عن غيرهم من صغار الطلبة الذين لم يأخذوا العلم من أصوله المعتمدة).
و اختم بالتأكيد على أنه ينبغي على مدربي البرمجة اللغوية العصبية و مراكز التدريب عرض محتويات برامجهم التي تُقدّم للمتدربين (و خاصة ما احتوت على استدلالات شرعية) على إدارة البحوث العلمية و الإفتاء لاعتمادها و تصويبها قبل عرضها على الناس حتى لا تتوسع دائرة اللبس و الإثم و الضلال و خلخلة عقائد المسلمين. فينبغي أن تتولى جهة رسمية شرعية معتمدة اعتماد هذه الكتب قبل عرضها على الناس.
و هذا ما يحضرني في هذه الوقفة، والله اعلم. فإن أصبت فمن الله و إن أخطأت فمن نفسي والشيطان.
و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
أخوكم في الله/
د. عـوض بـن عـودة