عرض الإصدار الكامل : فكر-مشاعر-سلوك


د. عوض
20-10-2003, 11:19 AM
وقـفـات إيـمانـية مع الدكتور عـوض القـرني (1)

بسـم الله الـرحـمن الـرحـيم

إن الحمد لله نحمده و نستعينه و نستغفره و نتوب إليه و نعوذ بالله من شرور أنفسنا و من سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، و من يضلل فلا هادي له، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمداً عبده و رسوله، أما بعد:

ربنا اغفر لنا و لإخواننا الذين سبقونا بالإيمان و لا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم. اللهم رب جبرائيل و ميكائيل و إسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.

فهذه سلسلة وقفات إيمانية مع دكتورنا الشيخ الفاضل عوض بن محمد القرني (المدرب المعتمد في البرمجة اللغوية العصبية) وفقه الله لما يحبه و يرضاه. و قد استخرت الله تعالى في ذلك، و اطمأنت نفسي لبيانها و إخراجها. و أسأل الله العلي العظيم أن يجعلها خالصة لوجه تعالى و أن تأتي بثمارها و أن يمن علينا بعفوه و رضوانه.

و في البدء أود التنبيه على أنّ هذه الوقفات هي مجرد فهم قد فهمته من سياق كتابات الشيخ حفظه الله عز وجل في البرمجة اللغوية العصبية، و ليس لها علاقة بالنيات و السرائر التي علمها عند الله سبحانه و تعالى. فمن ورقات برنامج الدبلوم في البرمجة اللغوية العصبية للمدرب المعتمد الدكتور عوض القرني و تحت شعار الدورة (ص12) ذكر الآتي:

(("يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله و قولوا قولاً سديداً يُصلح لكم أعمالكم" الآية.
إذاً الإيمان و التقوى {فكر وشعور} ثمرته القول السديد الحق الصواب المطابق للواقع {لغة و خطاب} و النتيجة صلاح الأعمال {سلوك} و إذا صلح العمل صلحت الحياة و عمت السعادة و تحقق النجاح. و هذا ما نسعى لتحقيقه من خلال القول و العمل المبنيان على الإيمان و التقوى {بالبرمجة اللغوية العصبية} فهي فكر و مشاعر و سلوك)). ا.هـ.

و في موضع آخر تحت موضوع مكونات شخصية الإنسان و علاقة ذلك بهذا العلم (ص25) ذكر الأقسام الثلاثة المكونة لشخصية الإنسان في علم البرمجة اللغوية العصبية وهي كما سطرها: الفكر المشاعر و السلوك الخارجي. و ذكر في نفس الصفحة: (إن المدخل لتغيير معتقدات و قيم الإنسان هو تغيير تفكيره على أن التفكير يمكن تغييره من خلال السلوك أو الشعور و من هنا تنبع أهمية هذا الجانب). ا.هـ.

و بالنظر في هذا الشعار نبدأ بسلسلة وقفاتنا مع الشيخ راجين عفو ربنا عز وجل و توفيقه. فأول هذا الوقفات الإيمانية هي:

هل الإيمان فكر (أو أفكار) و شعور (أو عواطف)؟

و قبل ذلك لا بد من تمهيد بسيط حول مفهوم مكونات شخصية الإنسان في البرمجة اللغوية العصبية المذكورة سلفا. فلقد عمل علماء النفس في مراحل عديدة و متفرقة على فهم سلوك و شعور الإنسان و طرق تفكيره منذ أمد بعيد. فجاءت من جرّاء ذلك التجارب تلو التجارب و النظريات بعد النظريات لمحاولة تحسين تصورهم لهذا الإنسان العجيب الغريب المجهول في مكوناته. فمن الفلسفات و الاعتقادات الإغريقية إلى نظريات التحليل النفسي الفرويدية إلى نظريات العلاج السلوكي الإدراكي إلى غيرها من النظريات المتنوعة في علم النفس و الطب النفسي. فمثلاً، نظرية العلاج السلوكي أُستعملت للتعامل مع الخوف والتخوّفات و السلوك الإلزامي والإستحواذي، و هذا العلاج يقوم على الاعتقاد بأن ذلك السلوك المعين يتعلّم ردّاً على التجربة السابقة ويمكن أن تكون هذه التجربة جديدة أو مجدّدة، بدون اعتبار تحليل الماضي لإيجاد سبباً لذلك السلوك. و نظرية العلاج بالتحليل النفسي الإنساني تقوم على النمو الشخصي والتنمية الذاتية. و نظرية العلاج السلوكي الإدراكي تجمع الأساليب الإدراكية السلوكية في تعلم طرق تغيير الأفكار و التوقعات و طرق الاسترخاء، و تُستخدم للأمراض ذات العلاقة بالإجهاد و الخوف والإستحواذ و إضطرابات التغذية و غيرها. و نظرية العلاج الإدراكي تستعمل قوّة العقل للتأثير على السلوك، و هذه النظرية مفادها هو استطاعة التأثير على الفهم الذاتي عكسياً وتكيّف الموقف و المشاعر و القدرة على التعامل مع بعض الحالات من خلال تعديل ردود الأفعال و السلوك. و أما نظرية الجشتالت الألمانية لفريز بيرلز تتلخص في أن ردود أفعال الإنسان مرتبطة بالأفكار و المشاعر والسلوك. فالإنسان يكسب وعياً ذاتياً بتحليل السلوك ولغة الجسم التي تُعطي تعبيراً عن المشاعر المكبوتة. و تتضمّن المعالجة بهذه النظرية تمثيل السيناريوهات في أغلب الأحيان واستدعاء الأحلام.

و أما البرمجة اللغوية العصبية من جهة علم النفس فقد جمعت العلاج السلوكي و الإنساني الإدراكي و الجشتالت بالإضافة إلى عمليات التأثير الإيحائية و التخييلية الأساسية في هذا المجال. فالبرمجة تقوم على تغيير الأفكار (Thoughts) و المشاعر (أو العواطف و الأحاسيس والانفعالات) (Feelings) من أجل إحداث سلوك (Behaviours) ما مطلوب. و اللغة و قوة الخطاب التنويمي و الإيحائي و قوة التأثير التخييلي هي من أهم العوامل المساعدة على إحداث التغيير المطلوب. و مع تحفظي الشديد على هذا التقسيم الذي ذكره الدكتور عوض القرني في مكونات شخصية الإنسان الثلاثة (فكر و شعور و سلوك) المأخوذ من نظريات علم النفس المذكورة سلفاً إلا أنه ليس هذا مجال التفصيل فيه، و له فسحة أخرى بإذن الله تعالى. و هذا التحفظ نابع من أن المؤثرات المذكورة تخص فقط علم النفس مع أن هناك مؤثرات و مكونات كثيرة أقوى على شخصية الإنسان و خاصة القدرة و المشيئة الإلهية و الجوانب القلبية و الروحية منها، و كذلك العوامل الوراثية والبيولوجية و التركيبة البشرية والبيئية والاجتماعية و غيرها.

و مفهوم الأفكار (Thoughts) هنا في علم النفس أو البرمجة اللغوية العصبية هو ما يتفكره الإنسان من نظر و ذهن و تصوّر و رأي و تأمل و ظن و أفكار ظنية لها علاقة بالعقل و رؤاه و هي نتاجه الفكر. و هي آتية من المصدر الإنجليزي (Think) الذي يعني (أظن) أو (أفكر). و هنا ينبغي التنبيه إلى أن هناك لبس عند البعض بين المفردات الشرعية و المفردات اللغوية المترجمة. فالبعض يترجم (Think) بكلمة (اعتقد). و هذا من الأخطاء الشائعة، و خاصة إذا نُطق بالجمع لتصبح (اعتقادات) أو (معتقدات). فالاعتقاد في الشرع يعني ما عقد عليه قلبه، و هو الجزم و اليقين و التصديق القاطع، و هو من أعمال القلوب. و هذا يختلف عن المراد الأجنبي الذي يعني الظن و الرأي، و هو من أعمال العقل و الفكر.

و بعد هذه المقدمة نرجع إلى تقرير الدكتور الأخ الفاضل عوض القرني بأن الإيمان و التقوى (فكر و شعور)، فنؤكد على الآتي:

1. إن الفكر هو نتاج العقل و النظر، بينما الإيمان ليس فكراً البتة و أصله في القلب. و الإيمان اعتقاد بالقلب و قول باللسان و عمل بالجوارح. يقول شيخ الإسلام- رحمه الله- في العقيدة الواسطية: (ومن أصول أهل السنة والجماعة: أن الدين والإيمان قول وعمل. قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية). و قال رحمه الله في كتاب الإيمان أيضاً: (وأصل الإيمان في القلب وهو قول القلب وعمله. وهو إقرار بالتصديق والحب والانقياد. وما كان في القلب فلابد أن يظهر موجبة ومقتضاه على الجوارح. وإذا لم يعمل بموجبه ومقتضاه دل على عدمه أو ضعفه. ولهذا كانت الأعمال الظاهرة من موجب إيمان القلب ومقتضاه وهي تصديق لما في القلب، ودليل عليه، وشاهد له. وهي شعبة من الإيمان المطلق وبعض له). و هذا اختلاف كبير يُبطل تقرير الشيخ الدكتور عوض القرني بقوله أن الإيمان و التقوى (فكر وشعور). و يقول الله تعالى مؤكداً على ذلك: (قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يدْخلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكمْ...) (الحجرات: 14). فالإيمان أصله في القلب و هو الاعتقاد و القول و العمل جميعا.


2. إن الشيخ حفظه الله في شعاره البرمجي أيضاً قرّر أن الإيمان و التقوى فكر و شعور. و هذا أيضاً من الخطأ و الخلل العقدي. و يؤكد سماحة الشيخ ابن باز-رحمه الله- على أنّ حقيقة التقوى عند أهل السنة والجماعة هي خشية الله بأداء ما أوجبه الله على العبد من الطاعة، واجتناب ما حرم عليه من المعصية. يقول سماحة شيخنا محمد العثيمين-رحمه الله- في عقيدة أهل السنة: (هذه العقيدة السامية المتضمنة لهذه الأصول العظيمة تثمر لمعتقدها ثمرات جليلة كثيرة. فالإِيمان بالله تعالى وأسمائه وصفاته يثمر للعبد محبة الله وتعظيمه الموجبين للقيام بأمره واجتناب نهيه، والقيام بأمر الله تعالى واجتناب نهيه يحصل بهما كمال السعادة في الدنيا والآخرة للفرد والمجتمع. {مَنْ عَمِلَ صَـالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } [النحل: 97])). ا.هـ.

3. إن مجرد إرجاع الإيمان على أنه فكر يعني أنّنا أقررنا بأن الإيمان عبارة عن أفكار قابلة للأخذ و الرد لأن الفكر رأي قابل للنقاش و المجادلة و الصدق والكذب. و هذا ما حذّر منه سماحة شيخنا محمد الصالح العثيمين-رحمه الله رحمة واسعة- في مسائل رفضه لمصطلح الفكر الإسلامي في "المناهي اللفظية"، و أكد على أنه (خطر عظيم أدخله أعداء الإسلام من حيث لا نشعر). و يقول الشيخ الدكتور بكر أبو زيد-شفاه الله و عافاه- في كتابه معجم المناهي اللفظية: (كيف يصح أن يكون الإسلام و مصدره الوحي فكرا، و الفكر هو ما يغرزه العقل، فلا يجوز حال من الأحوال أن يكون الإسلام مظهراً للفكر الإنساني؟ و الإسلام الوحي معصوم و الفكر ليس معصوما).

4. إن الشيخ حفظه الله في شعاره البرمجي اخرج القول و العمل من دائرة حقيقة الإيمان و جعلهما ثمرته و نتيجته، و هذا القول هو من مذهب المرجئة، و هو قريب من قول مرجئة الفقهاء. و يقول الشيخ صالح الفوزان حفظه الله في مسائل الإيمان: (الذين يقولون إن الإيمان اعتقاد بالقلب ونطق باللسان ولا يدخل فيه العمل وهذا قول مرجئة الفقهاء وهو قول باطل). و أيضاً الشيخ الدكتور القرني لم يتطرق إلى العمل القلبي البتة. و حقيقة الإيمان كما أسلفنا عند جمهور أهل السنة و الجماعة هي الإقرار باللسان و التصديق بالقلب و العمل بالجوارح يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. و ينظم الإمام ابن القيم في أن حقيقة الإيمان تصديق بالجنان و عمل بالأركان و قول باللسان:

واشهد عليهم عن إيمان الورى****قول و فعل ثم عقد جنان

و جاء في التحذير من مثل ذلك بيان لدار الإفتاء بالمملكة برئاسة سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز-رحمه الله: (فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على الكتاب الموسوم بـ: (ضبط الضوابط في الإيمان ونواقضه) تأليف المدعو / *** فوجدته كتابا يدعو إلى مذهب الإرجاء المذموم؛ لأنه لا يعتبر الأعمال الظاهرة داخلة في حقيقة الإيمان، وهذا خلاف ما عليه أهل السنة والجماعة من أن الإيمان قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية . وعليه: فإن هذا الكتاب لا يجوز نشره وترويجه، ويجب على مؤلفه وناشره التوبة إلى الله عز وجل .ونحذر المسلمين مما احتواه هذا الكتاب من المذهب الباطل حماية لعقيدتهم و استبراء لدينهم، كما نحذر من اتباع زلات العلماء فضلا عن غيرهم من صغار الطلبة الذين لم يأخذوا العلم من أصوله المعتمدة).

و اختم بالتأكيد على أنه ينبغي على مدربي البرمجة اللغوية العصبية و مراكز التدريب عرض محتويات برامجهم التي تُقدّم للمتدربين (و خاصة ما احتوت على استدلالات شرعية) على إدارة البحوث العلمية و الإفتاء لاعتمادها و تصويبها قبل عرضها على الناس حتى لا تتوسع دائرة اللبس و الإثم و الضلال و خلخلة عقائد المسلمين. فينبغي أن تتولى جهة رسمية شرعية معتمدة اعتماد هذه الكتب قبل عرضها على الناس.

و هذا ما يحضرني في هذه الوقفة، والله اعلم. فإن أصبت فمن الله و إن أخطأت فمن نفسي والشيطان.

و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

أخوكم في الله/
د. عـوض بـن عـودة

د. عوض
20-10-2003, 11:46 PM
تنبيه لا بد منه في مجال ردودنا العلمية و الشرعية:

إن ما اعلمه أن أهل السنة و الجماعة وسط في التعامل مع العلماء، فهم لا يدّعون عصمة لعلمائهم، ولا يتعصبون لهم مقابل الدليل، ولكن لا ينقصون قدرهم، ولا يحقرون أمرهم. فيقال للمصيب: أصبت، كما يقال للمخطئ: أخطأت. و هذا شأن طلبة العلم في نقاشهم العلمي و الشرعي. فلم اخرج عن هذا الإطار بإذن الله تعالى. و للملاحظة، فالموضوع المدرج في الأعلى، أُرسل للشيخ قبل إنزاله هنا، و قبله مثلها.

و للعلم، فإني استخرت الله تعالى قبل إنزاله و اطمأنت نفسي إلى بيانه و نشره لما فيه من المصلحة العامة، و خاصة ما يتعلق في جانب العقيدة و ليس في الاجتهادات الفقهية. فتقرير الشيخ قد تناقله من تدرب على يديه و طبع و نشر في أوساطهم و مراكزهم التدريبية، و كما أن الشيخ رعاه الله له مكانة عالية في الأوساط البرمجية، و يأخذون و يتحججون بكلامه و بما يقوله في مجالسهم دون تحقيق و تدقيق. و لذلك كان لزاماً على من علم بهذا الخلل أن يبيّنه و يردّه بالعلم من خلال الأدلة الشرعية والعلمية، و إلا أُلجم بلجام من نار والعياذ بالله الواحد الأحد. و لم أتعرض لشخص الشيخ البتة، بل إني أحبه في الله و أُجله و أقدره. و إني أُحمّل و أُلقي بالمسؤولية والأمانة في ذلك و تبعاته على كل من يقف أمام تبيين الحق و الأمانة من خلال حذف المواضيع أو طمسها و إغلاقها كما حصل في بعض المنتديات. و قد أديت في ذلك ما أوجبه الله و رسوله عليّ بقوة التي أُمرنا بها، و الله عز وجل مولاي و مولاهم.

إنسان
22-10-2003, 06:08 PM
الأخ الفاضل د.عوض جزاك الله انت والشيخ خير الجزاء وبارك فيكم

ونحن في حاجة إلى التثبت وإحقاق الحق في وقت كثر فيه اللغط والشجب.

تحية تقدير وحب وإحترام لشخصكم الكريم.

إنسان
22-10-2003, 06:33 PM
قال الله تعالى: {ولا تَقْفُ ما ليس لكَ به عِلمٌ إنَّ السَّمعَ والبصرَ والفؤادَ كلُّ أولئك كان عنه مسؤولاً}


يعرض الإسلام قواعد لتربية الحواسِّ المادِّية والروحية، لأنها إن لم تؤخذ بالعناية والعلم فإنها تخطئ في التمييز، وهذا ما يوقع صاحبها في دائرة الخطأ ثم المسؤولية والحساب. فالمرء مطالب بأن يتثبَّت من كلِّ خبر يسمعه، ومن كلِّ ظاهرة أو حركة يراها قبل أن يحكم عليها، وتلك هي مقولة الآية الكريمة الَّتي تجعل الإنسان مسؤولاً، عن سمعه وبصره وفؤاده، أمام واهب السمع والبصر والفؤاد.

إن الانقياد الأعمى وراء مبدأ أو غاية ما، دون دراسة أو حسن تبصُّر، يُعَدُّ خروجاً على قوانين الله، إذ لا يجوز تعطيل أدوات التمييز كالسمع والبصر الَّتي ترشد الفؤاد. والفؤاد يعني العقل أو القلب الَّذي يتحسَّس الخطأ والصواب إذا كان منوَّراً بالإيمان وذِكر الله تعالى.

تلك كلمات قليلة تقيم منهجاً كاملاً للقلب والعقل، يشمل المنهج العلمي الَّذي عرفته البشرية حديثاً. فالتثبُّت من كلِّ خبر ومن كلِّ ظاهرة ومن كلِّ حركة، قبل الحكم عليها، هو دعوة القرآن الكريم، ومنهج الإسلام الدقيق، ومتى استقام القلب والعقل على هذا المنهج، لم يعد هناك مجال للوهم والخُرافة في عالم الفكر، ولم يبقَ مجال للظنِّ والشبهة في عالم الحكم والقضاء والتعامل، ولم يبقَ مجال للأحكام السطحية والفروض الوهمية في عالم البحوث والتجارب والعلوم. فالأمانة العلمية الَّتي يُشِيدُ الناس بها اليوم، ليست سوى جانب من الأمانة العقلية والقلبية الَّتي يعلنها القرآن، فيجعل الإنسان مسؤولاً عن سمعه وبصره وفؤاده أمام واهب هذه النعم. إنها أمانة الجوارح والحواسِّ والعقل والقلب، أمانة يُسأل عنها صاحبها، ويرتعش الوجدان لثقلها كلَّما نطق اللسان بكلمة، أو روى رواية، أو أصدر حكماً على شخصٍ أو أمرٍ أو حادثةٍ.

فظلمة السمع كامنة في جعل الأذن أداة الاستماع إلى الغيبة واللغو، والرفث والبُهتان، والقذف واللهو والفواحش، أمَّا نوره ففي جعلها أداة الاستماع إلى القرآن والأخبار الصادقة النافعة، والعلوم والحِكم، والمواعظ والنصيحة وقول الحق. وظلمة البصر: في النظر إلى المحرَّمات، ونوره في النظر في القرآن والعلوم وآثار رحمة الله. وظلمة الفؤاد: في إضمار الحقد والحسد والعداوة، وحبِّ الدنيا والغفلة عن الله عزَّ وجل، والتعلُّق بما سواه سبحانه، ونوره في ذِكر الله تبارك وتعالى والإنابة إليه وتصفية القلب من هذه الأوصاف، وتحليته بنقيضها من مكارم الأخلاق والعقائد السليمة.

أخرج الحاكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أيُّما رجل أشاع على رجل مسلم بكلمة وهو منها بريء، كان حقاً على الله أن يذيبه يوم القيامة في النار، حتى يأتي بنفاذ ما قال». وأخرج أبو داود عن النبي صلى الله عليه وسلم : «من حمى مؤمناً من منافق، بعث الله ملكاً يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم، ومن قفا مؤمناً بشيء يريد شينه، حبسه الله على جسر جهنم حتى يخرج ممَّا قال».

د. عوض
25-10-2003, 11:07 AM
الأخ "إنسان" حفظك الله و رعاك

إن مقصودي من الوقفة السابقة هو الإنتباه إلى خطورة إنزال المفاهيم و النظريات الفلسفية و العقلية و النفسية على أمور العقيدة الإسلامية. و كذلك، أردت توضيح أن أصل الإيمان هو في القلب و ليس الفكر. و التفكير في آلاء الله و مخلوقاته و آياته و ملكوته و في هذا الكون الفسيح هي من أهم أساب الهداية و زيادة الإيمان في قلب الإنسان، و لا تعارض بين العقل الصريح و النقل الصحيح، و ينبغي أن يعلو العلم على الفكر. فالعلم بكتاب الله و سنة رسوله هو من أهم الأمور التي تضبط الفكر الذي هو نتاج العقل.

يقول الشيخ الدكتور سفر الحوالي في "وسطية أهل السنة والجماعة": (أن المناهج هي في الأصل ثلاثة:
المنهج الأول: هو ذلك المنهج الذي ينحى المنحى العقلي، الذي يدعي بزعمه العقل، وتحكيم العقل والمنطقية والنظريات العقلية.
والمنهج المضاد: هو ذلك المنهج الذي يستقي ويستمد، من الكشف أو من الذوق أو من الوجد وما شابه ذلك، أي المعايير غير العقلية معيار العاطفة، أو معيار الظن. وبإيجاز نقول أن الأول هو منحى أهل الكلام عموما من معتزلة الأشعرية ومن جرى مجراهم، هذا المنحنى يجعل الدين والإيمان والعقيدة فكرة عقلية، فالإيمان عندهم فكرة عقلية. والمنهج المضاد، هو منهج أهل التصوف والتفهم بغير المشروع، وهؤلاء يجعلون الإيمان والعقيدة تجربة روحية. ولهذا يصعب حصر الطريقتين، لان العقول تختلف وتتباين، و التجارب الروحية الذاتية أكثر اختلافا وأكثر تباينا.

وميز الله تبارك وتعالى أهل السنة والجماعة بالرجوع إلى الكتاب والسنة، فعرفوا للعقل قيمته ومنزلته، وعرفوا للحقائق والأذواق الإيمانية الحقة, قيمتها ومنزلتها). و يقول الشيخ نفسه في موضع آخر: (إجماع السلف على أن الإيمان قول وعمل. ويعنون بالعمل أساساً عمل القلب كالصدق والإخلاص والخوف والرجاء واليقين، وليس مجرد عمل الجوارح كالصلاة والصيام، بل كلا العملين معاً؛ لأن الإيمان عندهم ظاهر وباطن والتلازم بين هذين حتمٌ وهذه الأعمال الظاهرة لا تقبل بدون عمل القلب فتارك جنس العمل الظاهر ـ سواء كان مقراً بوجوبه أو جاحداً له ـ هو تارك قطعاً لجنس العمل الباطن أيضاً وهذا لا يكون مؤمناً أبداً. فمنشأ الاشتباه هنا هو الظن بأن الإيمان الباطن هو مجرد التصديق والإقرار بالوجوب، وهذا باطل بأدنى تأمل لمن طلب الحق وتجرد من الهوى). ا.هـ

و الله يرعاكم

إنسان
25-10-2003, 05:35 PM
اخي الفاضل د/ عوض حفظك الله

مقصدك نبيل وغايتك سامية، مع هذا الا تتفق معي باننا نحتاج إلى فلترة العديد من النظريات والتطبيقات العقلية والنفسية بما يتوافق مع عقيدة الإنسان المسلم وبما يتناغم مع فطرة السليمة؟

ثم الم يكن قبل فترة من الزمن هناك إشكال في تطبيقات علم النفس وفي تقبل العديد من النظريات والمفاهيم والتي كان فيها الكثير من الخلل وتتصادم مع اصول العقيدة والتوحيد ؟
وعندما بداء تاصيل هذه العلوم لتتوافق مع عقيدة المسلم اصبحت النتائج إيجابية وأكثر فعالية.

اخي الفاضل اتفق معك فيما تقول وادعوا ايضا إلى التثبت من الحقائق.

إنسان
25-10-2003, 06:03 PM
قال الله تعالى: {فأَقِمْ وَجهَكَ للدِّينِ حَنيفاً فِطْرَةَ الله الَّتي فَطَرَ النَّاسَ عليها لا تبديلَ لخَلْقِ الله ذلك الدِّينُ القَيِّمُ ولكنَّ أكثرَ النَّاسِ لا يعلمون}


لو تُرك الحسُّ الدِّيني عند الطفل ينمو بشكل حيادي دون مؤثِّرات خارجية سلبية لتوافقت طبائعه مع التربية الدِّينية، لأن كلَّ مولود يولد على الفطرة، وهذه سنَّة الله في خلقه، وليس لسنَّة الله تبديلاً.

إن جهل الناس بقِيَم الدِّين الحقِّ وأهدافه السامية في إقامة المجتمع الفاضل، واتِّباعهم نهج المجتمع المنحرف الَّذي يعيشون فيه، يُبعدهم عن دين الله، فإن لم تُتَح لهم فُرص التعرُّف عليه، فسوف يخبطون في الحياة خبط عشواء، ولا ينعمون بأمن أو طمأنينة أو سلام.


في الآية دعوة عامَّة لكلِّ إنسان على هذه الأرض ليبرمج حياته كلَّها وفق تعاليم الدِّين الحنيف، ويتوجَّه إليه قلباً وقالباً. فهذا الدِّين هو العاصم من الأهواء الَّتي لا تستند إلى حقٍّ، ولا تستمدُّ من علم، إنما تتبع الشهوات والنزوات بغير ضابط ولا دليل، فهي طرق متفرقة متشعِّبة لا يجوز للعاقل أن يسير فيها لئلا يضل، وإنما ينبغي أن يبقى مستقيماً مبتعداً عن كلِّ سلوك يضلُّه ويؤدِّي به إلى الخسران.

ولو أننا أمعنَّا النظر في جوهر الدِّين، لرأينا فيه سعادة الإنسان المفطور أصلاً على التلاؤم معه وعلى عشق هذه السعادة الصافية النقية، الَّتي تشعُّ منه لتشمل الإنسان ومن يلوذ به من قريب أو بعيد، ثمَّ تأتيه الظروف، والعوامل الخارجية الَّتي تجرفه عن نقاء هذه الفطرة، يقول صلى الله عليه وسلم : «مامن مولودٍ إلا يولد على الفطرة فأبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه» (رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ). وبذلك يربط القرآن الكريم بين فطـرة النفـس البشـرية وتعاليم الدِّين، فكلاهما من صنع الله الَّذي أحسن كلَّ شيء خَلَقه، وكلاهما موافق لناموس الوجود، وكلاهما متناسق مع الآخر في طبيعته واتجاهه. والله الَّذي خلق الإنسان هو الَّذي أنزل إليه هذا الدِّين ليهديه ويرشده، ويحميه من الأمراض ويقوِّمه من الانحراف، وهو أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير.

فالفطرة ثابتة والدِّين ثابت، فإذا ما انحرفت النفوس عن الفطرة لم يردَّها إلا الدِّين المتناسق معها، لذلك تتبعثر جهود جميع المدارس الفكريَّة الَّتي تلهث وراء سعادة الإنسان بعيداً عمَّا فُطر عليه وتضيع سدىً. لكنَّ انغماس الإنسان في حمأة المادَّة، وأدران الرذيلة، وبُعده عن تعاليم الله يحجب عنه نور الإيمان، ويجعل قلبه في معزل عن معرفة الحقِّ، وهذا الَّذي وصفته الآية الكريمة: {ولكنَّ أكثرَ النَّاسِ لا يعلَمون} فيتبع الهوى بغير علم، ويضلُّ عن الطريق الموصل إلى النجاة على الرغم من استقامة هذه الطريق ووضوحها، ويختار الطرق الملتوية الَّتي تؤدِّي إلى سوء العاقبة والندامة، فهو في حاجة إلى صحوة سريعة تنجيه ممَّا هو فيه، وتضع قدميه على طريق السعادة والنجاح.