عرض الإصدار الكامل : أُلـــفــة الودود أم أُلـــفــة "NLP"؟!؟


د. عوض
10-10-2003, 08:50 PM
عفواً: أُلـــفــة الـودود أم استدراج الـ"NLP"؟!؟

أساليب الألفة (الوئام أو التناغم أو الإنسجام و التجانس) كما يُسميها أهل البرمجة اللغوية العصبية (Rapport) تُعتبر من أهم تقنياتهم، والتي هي في الحقيقة أساليب استدراجية و فنون لخداع العقل و التمويه عليه ذهنياً. و هذا الأسلوب التأثيري يحاول من خلاله المبرمجون مجاراة و مشابهة و موافقة و مطابقة و محاكاة و تقليد الشخص المقابل في كلامه و صوته و نبراته و حركاته و وقوفه و وضعه و سكناته و شهيقه و زفيره، و لحن القول و الخطاب، و عكس نظامه التمثيلي و قناعاته و اعتقاداته و قيمه مؤقتاً (بعد دراسة الآثار والعواقب)؛ و من ثم قيادته و التأثير عليه، و تغيير قناعاته وفق ما يُراد له من غير علم و شعور المُمارس عليه. و يؤكد روّاد البرمجة أن عمل مفتاح ما يثسمى بالألفة يتطلب تتبع الشخص، و مجاراته بسرعة فائقة؛ للبقاء في خارج وعيه الواعي، و التأثير عليه، و قيادته بتنفيذ رغبات ممارس هذه التقنية.

و من يتأمل في هذا الأُسلوب المُسمى بـ"الألفة" في البرمجة (و الحقيقة هو الاستدراج التأثيري) فسيجده مخالفاً لمقاصد الشريعة من توقير و صيانة و حماية العقل و النفس. فأسلوب الألفة في البرمجة يفتقد الوضوح و سلامة القصد و الصدق و الأمانة، و ذلك من خلال استدراج المُؤثر عليه بكلمات و مجاراة و من ثم قيادته من حيث لا يشعر. و هذا مناف لمقاصد الشريعة، و فيه ذريعة لشر عظيم، و فساد كبير في الإغراء و الإغواء، و استدراج الآخرين في الضلال و الإنحراف.

و فيه أيضاً صد و إعراض عن أساليب الألفة الإسلامية التي أمرنا الله بها و رسوله صلى الله عليه وسلم للتآلف بين المسلمين. و هذه بحد ذاتها شر عظيم في إسقاط سنة من سنن الرسول صلى الله عليه وسلم التي علّمنا إياها من لا ينطق عن الهوى.

يقول الله عز وجل في محكم التنزيل مؤكداً على أن التأليف من عنده، و هو وحده مقلب لقلوب: (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (الأنفال: 63). و قوله: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (آل عمران: 103).

فالألفة و الوئام و المحبة و المودة تأتي باتباع شرع الله و هدي نبيه صلى الله عليه و سلم. يقول الله تعالى مؤكداً على معان جليلة و أساليب لطيفة؛ لتحقيق الألفة الحقيقية المشروعة: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) (آل عمران: 159). فلين الجانب و القلب و رحابة الصدر و سلامته مدعاة لتآلف القلوب و توادها و قبولها لبعضها. يقول صلى الله عليه وسلم مؤكداً على هذا المعنى القويم: (حرمت النار على الهين اللين، السهل القريب) (صحيح الترغيب: 1747). و يقول ايضاً: (إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه) (المسند الصحيح: 2594). و يؤكد على جانب التواضع والتسامح الذي هما مقتضى المحبة و سر من أسرار الألفة، فيقول: (إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، و لا يـبغي أحد على أحد) (السلسلة الصحيحة: 570).

و كذلك فإن الألفة الحقيقية تتحقق بتحقيق إخوة الإيمان و العقيدة و التحاب في الله، فتلك هي الألفة التي يرتضيها الله و رسوله. قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) (الحجرات: 10). و يؤكد صلى الله عليه وسلم هذا المعنى الذي يرتبط بالدين و الإيمان بقوله: (المؤمن مألفة، و لا خير فيمن لا يألف و لا يؤلف) (السلسلة الصحيحة: 425). و قوله: (إن المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضا. وشبك أصابعه) (الجامع الصحيح: 481).

و يضرب النبي صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في جانب الأخلاق و المؤازرة و التعاطف التي تزيد من الألفة بين المسلمين بمثال الجسد الواحد، فيقول: (ترى المؤمنين: في تراحمهم، وتوادهم، وتعاطفهم، كمثل الجسد، إذا اشتكى عضوا، تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى) (الجامع الصحيح: 6011).

و يطالب الدين المسلمين بدعم بعضهم لبعض و مراعاة حقوقهم البينية. يقول صلى الله عليه وسلم: (المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة). الجامع الصحيح: 2442).

و يؤكد صلى الله عليه وسلم على أساس التعامل الطاهر النقي بين المسلمين مع بعضهم البعض، والذي من شانه رفع مستوى الالفة بينهم، فيقول: (لا تحاسدوا. ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض. وكونوا، عباد الله! إخوانا. المسلم أخو المسلم. لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره. التقوى ههنا" ويشير إلى صدره ثلاث مرات "بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كل المسلم على المسلم حرام. دمه وماله وعرضه) (المسند الصحيح: 2564). و مما يزيد الألفة بين المسلمين هو جانب إحسان الظن بالبعض و عدم التجسس و لا التحاسد. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إياكم والظن،فإن الظن أكذب الحديث،ولا تحسسوا،ولا تجسسوا،ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا كما أمركم . المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، والتقوى ههنا، التقوى ههنا، التقوى ههنا – ويشير إلى صدره – (ثلاث مرات) بحسب امريء من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله . (صحيح الترغيب: 2885).

و يُعلّمنا الدين أساليباً تزيد من الألفة و المحبة، و تبعث على الصفاء و سلامة الصدور و المودة و الرحمة بين المسلمين مع بعضهم البعض، فيذكر مثلاً في:

(1) الإفصاح والإخبار بمحبة أخيك المسلم: (إذا أحب أحدكم أخاه في الله فليبين له، فإنه خير في الألفة، و أبقى في المودة) (السلسلة الصحيحة: 1199).
(2) السلام و المصافحة: (إن المسلم إذا صافح أخاه تحاتت خطاياهما كما يتحات ورق الشجر (صحيح الترغيب: 2721). و قوله: (تطعم الطعام، وتقرأ السلام، على من عرفت، وعلى من لم تعرف) (الجامع الصحيح: 6236).
(3) الدعاء في ظهر الغيب: (دعوة المسلم لأخيه، بظهر الغيب، مستجابة. عند رأسه ملك موكل. كلما دعا لأخيه بخير، قال الملك الموكل به: آمين. ولك بمثل) (المسند الصحيح: 2733).
(4) طلاقة الوجه و التبسم: (تبسمك في وجه أخيك لك صدقة) (صحيح الترغيب: 2685). و قوله: (كل معروف صدقة، و إن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق، و أن تفرغ من دلوك في إناء أخيك) (صحيح الأدب: 233).
(5) التهادي: (تهادوا تحابوا) (إرواء الغليل: 1601).

و ما ذُكر سابقاً هو فقط شيء يسير و غيض من فيض من كنوز هذا الدين الإسلامي العظيم. و هذه هي المعاني و القيم التي ينبغي أن ينبري لها المسلمون، و يُحرصوا على ترسيخها و تطبيقها عملياً على وجه هذه البسيطة بين المسلمين. فلماذا نستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير؟!؟ فتعاليم ربنا و رسولنا و اضحة كالشمس في رابعة النهار. فلماذا نغرس في أبناء الإسلام أساليباً و مؤثرات لا تنفعهم في دينهم مع أن الشرع أتى بالكمال في كل شيء؟!

فالمطلوب إذن هو الألفة و المحبة في الله عز وجل، لا استدراج الآخرين ولو كان لأهداف إيجابية، و الغاية لا تبرر الوسيلة. و الإسلام يشترط ألا تكون فقط النية سليمة صالحة، و لكن ينبغي أن يتبعها و يرتبط بها عمل شرعي صالح صائب. فالإسلام لا يقبل الوصول إلى الغايات الطيبة بوسائل غير شرعية فاسدة. فكما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ان الله طيب لا يقبل إلا طيبا، فقد أجمع اهل العلم و السلف الصالح على أن العمل المقبول شرعاً يجب فيه اجتماع الإخلاص والصواب. فإخلاص العمل يتأتى بكونه لله عز وجل خالصاً لوجه الكريم، و الصواب بكونه على هدي النبي صلى الله عليه وسلم و اتباعه.

و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين..

لمياء الجلاهمة
11-10-2003, 03:19 PM
السلام عليكم ورحمة الله

د. عوض .. اذا زبدة القول نلخصها انما الاعمال بالنيات وهنا يكون الفرق بين القصد ..

شكرا لك