عرض الإصدار الكامل : في رحاب الفراسة ( 2)


محمد الدريهم
21-09-2003, 11:22 PM
..... :!:

الفِرَاسَةُ ( Physiognomy ) : شكل من أشكال الرؤية الداخلية التي تحصل بقرائن ظاهرة ، وبخاصة منها التَّفَرُّس بوجوه الناس وإدراك دخائلهم ، ولهذا يعرِّف الطبُّ النفسيُّ الفراسةَ بأنها ( فنُّ الحكم على الشَّخصية أو القدرات العقلية والمواقف من بناءِ الوَجْهِ وتعبيراتِهِ وغير ذلك من أعضاء البدن )(1) والفراسة قريبة من البصيرة ، إلا أن البصيرة نوع من الرؤية الداخلية ، تحصل دون قرائن خارجية ، بينما الفراسة تقوم على القرائن ( انظر : بصيرة ) ويعرِّف الفقهاء الفراسة بأنها : الاستدلال بالأمور الظاهرة على الأمور الخَفِيَّة .



أحكام الفراسة :

1ـ طبيعة الفراسة : يميَّز الفقهاء بين نوعين من الفراسة(2) : فراسة يتَعَلَّمها المرءُ بالدَّلائلِ والتَّجاربِ وملاحظة أحوال الناس ، وفراسة تحصل دون سبب ظاهر ، وهو ما يُوقعه الله تعالى في قلوب أوليائه فيعلمون به أحوالَ النَّاس بنوعٍ من الكَرامـةِ ، وإصابةِ الظَّنِّ والحَدْس ( Intuition ) ويكتسب المؤمن هذا النوع من الفراسة بأن يَغُضِّ بصره عن المحارم فيطلق الله عزَّ وجلَّ نورَ بصيرته ، ويمنحه حَدْساً صائباً يميِّز به أحوال الناس ، ولهذا قال عنها النبيُّ e : ( اتَّقوا فِراسةَ المؤمنِ فإنَّهُ ينظرُ بنورِ اللهِ عزَّ وجلَّ )(3) ، وما قلناه عن المكاشفة عند المتصوفة يصحُّ هنا أيضاً ( انظر : بصيرة ) فالفراسة بهذا المعنى هي شيء آخر غير المكاشفة ، فالفراسة لا تقوم على الاتصال بالملأ الأعلى ، وليس فيها خرق للعادات ولا قلب لطبائـع الأشياء ، وإنما هي نوع من الحَدْس الصائب الذي يحصل للمؤمن بتوفيق الله عزَّ وجلَّ .

2ـ قيمة الفراسة في الأحكام : اتفق الفقهاءُ على أن للمتفرِّس أن يأخذ بفراسته في خاصَّة نفسه ما لم يؤدِّ ذلك إلى محظور شرعيٍّ ، أما إذا تعلقت الفراسة بحقٍّ من حقوق العباد فقد اختلفوا فيه ، فذهب بعضهم إلى عدم جواز الحكم بالفراسة لأنها حُكْمٌ بالظنِّ وهو يخطئ ويصيب ، ولأنَّ مَداركَ الأحكام معلومةٌ شرعاً وليست الفراسة منها ، وذهب آخرون ومنهم ( الإمام ابن القيم ) رحمه الله تعالى إلى الأخذ بالفراسة والحكم بها(4) ، وربما كان الجمع بين الرأيين هو الأقرب لشرع الله عزَّ وجلَّ ، فإذا كانت الدلائل والقرائن ظاهرة والشهادات ثابتة ومتَّفِقة وَجَبَ الأخذُ بها وعدم الركون إلى الفراسة بإصدار الحكم ، أما إن كانت القرائن غير كافية ، والشهادات متعارضة بحيث لا يطمئن إليها ، فعندئذ لا بأس من الاعتماد على الفراسة في الحكم ، والله تعالى أعلم .

3ـ الفراسة في الطب : ولا تخرج الممارسة الطبية عن هذه الضوابط التي ذكرناها للفراسة ، فلا يصحُّ للطبيب أن يعتمد على الفراسة وحدها في تشخيص المرض ووصف العلاج ، بل لابد له أن يتبع القواعد الطبية المتفق عليها عند أهل الطب ، فإذا لم تكفِ هذه الوسائل لمعرفة التشخيص ـ وهذا أمر غير نادر في الطب نظراً لكثرة الأمراض الغامضة ، أو الأمراض مجهولة السبب ( Idiopathic Diseases ) ولتشابه الأعراض في كثير من الأمراض ـ فعندئذٍ يجوز للطبيب إعمال فراسته ، مع الاستفادة من خبراته الشخصية وتجاربه وأسلوب التشخيص التفريقي ( Differential Diagnosis )(5) من أجل تشخيص المرض ووصف العلاج ، علماً بأن الله عزَّ وجلَّ قد وهب بعض الخلق فراسة ثاقبة تكاد في بعض الحالات تتفوق على الوسائل الأخرى ، وأذكر على سبيل المثال زميلنا في كلية الطب ( ث . ق ) الذي كان يتمتع بفراسة أذهلت حتى أساتذتنا الكبار فقد كان يكفي هذا الزميل أن ينظر إلى المريض نظرة متفحصة ليقول بعد ذلك بثقة تامة : إن مرضه هو كيت وكيت ! ثم تأتي التحاليل المخبرية والصور الشعاعية وغيرها من وسائل التشخيص المعقدة لتؤكد ما ذهب إليه هذا الزميل الذي نادراً ما كانت فراسته تخطئ !! وهذا كما قلنا عطاء رباني يختصُّ الله عزَّ وجلَّ به من يشاء من عباده ، وهو استثناءٌ نادر جداً بين الناس ، علماً بأن زميلنا هذا لم يكن من المتواكلين الذين يعتمدون على تلك المواهب الخارقة وحدها ، بل كان في مقدمة المتفوقين في دراسته ، بل كان من أكثرنا حرصاً على الدَّرس وتحصيل العلم(6) .

لمياء الجلاهمة
22-09-2003, 12:54 AM
اخ محمد .. مرة ثانية شكرا لك
اختك لمياء