عرض الإصدار الكامل : عدالة الألم


السحاب
03-09-2003, 10:42 PM
يشتكي البعض من تفاقم المشاكل والهموم والاحباطات، وزيادة معدل الجهد المبذول في تحصيل لقمة العيش.. حتى بات البعض يتساءل، لماذا نعيش في حياة ملؤها الشقاء والتعب؟ لماذا نعيش في ضنك العيش بينما يرتع غيرنا في الثراء والجاه والسلطة؟ أين العدالة في تقسم الأرزاق وراحة البال في والحياة؟

الإجابة العامة لهذه الأسئلة وغيرها.. هو الابتلاء والاختبار، فالله عز وجل يبتلى الإنسان بالفقر ويبتلي الآخر بالغنى، يبتلى شخص بالمرض ويبتلى آخر بالصحة، ليرى كيف يصنع هذا، وكيف يتصرف ذاك.. وما أشبه

إلا أن هناك وجهاً آخر لهذه المعادلة.. فحقيقة العدالة تكمن في بعدها الروحاني وليس في بعدها المادي.. فهو البعد الأوثق والأهم في حياة الإنسان وبه يختلف عن غيره من المخلوقات.. والعدالة الروحانية تعني مساواة الناس في تلقي النور القادم من السماء، فلا فرق بين البشر في تحصيل هذا النور.. أما قابلية الناس لقبول هذا النور فيختلف نتيجة مؤثرات شخصية وذاتية يوجدها الإنسان في نفسه، قد تقربه من هذا النور وقد تبعده عنه.. وهنا تكمن العدالة

فهناك ألم الجسد وما يحتمل من مشقة وعناء وتعب وضنك.. وهناك ألم الروح وهو أشد إيلاماً من ألم الجسد.. وإذا كان الأول تتداخل فيه عوامل شخصية، وأسباب منطقية.. فإن الثاني هو بيد الإنسان، متى شاء فتحه وتنعم بوجوده ونهل من بركاته، وتنور بأنواره..

وإذا كان الناس يختلفون في تحصيل ما يتعلق بالجسد (فالبعض يعيش حياة ملؤها الشقاء، بخلاف آخرين يعيشون في رغد من العيش) فإن تحصيل ما يتعلق بالروح يتساوى عن جميع البشر..

بمعنى أن أي إنسان باستطاعته أن يتحكم بروحانيته ونفسيته، ولا سلطة للآخرين أو الظروف الخارجية أو العوامل المعيشية عليه، بغض النظر عن عمله ومكانته وما يتحمل من مشقة في الحياة..
إن ما يقع على الجسد ليس بذات أهمية إذا كانت الروح تعيش حياتها الحقيقية، متعلقة بأنوار الوجود.. متشربه من لمعان الخير والبركة..

فالعدالة الروحانية تتجسد في تساوي العطاء الروحاني، وفي قابلية الرقي الروحي، والعروج النفساني.. وبالتالي يشترك جميع الناس بلا استثناء في قدرتهم على تحقيق ما يريدون تحقيقه.. ولا عذر لمن أغلق هذا الباب على نفسه، وعاش في أراذل الضنك، وأسافل العيش، يحسب أن الله لم يرزقه النعيم، ولم يوفقه للهناء..

وبالتالي فإن ألم الجسد (فقر، تعب، إرهاق، مشقة، دمار..الخ) ليس مقياساً حكيماً نقيس به أنفسنا بالآخرين.. المقياس الحقيقي هو ما جنته الروح من معارف، وتقربت بهذه المعارف تجاه الخالق..

لقد رأيت أناساً حفاة لا يملكون إلا قوت يومهم، في قمة السعادة والفرح، والاكتفاء الذاتي، ولا يطلبون الناس إلحافاً.. كانت أرواحهم عامرة، ومقاييسهم للحياة الدنيا باهرة، وقناعتهم بما لديهم تجارة رابحة..

وبالتالي.. أما آن لنا أن نكتفي من التذمر والتأفف من الحياة، ونلتف إلى حقيقة أرواحنا ونمدها بما تعشق.. كي لا نخون أمانة وجودها بين جنبينا..