عرض الإصدار الكامل : الابداع والابتكار


أ.د. امل
28-08-2003, 01:10 PM
ماهو الابداع ؟
من هو المبدع ؟
كيف تتعرف على المبدعين ؟
هل يعتمد الابداع على الذكاء ؟
هل يمنح الابداع السعادة للمبدع ؟
هل يسعد الابداع الناس ؟

أ.د. امل
28-08-2003, 01:13 PM
اتحفنا الاستاذ الدكتور انور طاهر رضا بمقالات شيقة هي ما يأتي :

من يحتاج إلى الابتكار؟
ولماذا ؟
مقالة للأستاذ الدكتور أنور طاهر رضا
جامعة ايجة – كلية التربية – رئيس قسم تكنولوجيا التعليم والحاسوب الآلي نشرت في (2002) في مجلة الفيصل السعودية , المجلد 26 العدد (305) , الصفحات 51-65 .


المقدمة :
كانت الثورة الصناعية نقطة تحول كبيرة في حياة المجتمعات والأمم . فاستفادت المجتمعات والأمم من هذه الثورة بنسب مختلفة ومتباينة . لقد سبقت بعض المجتمعات والأمم غيرها في مقدار ما استفادت من هذه الثورة ، فأضحت متقدمة ومتطورة ، غنية وقوية فاعلة . وتأخرت غيرها عن ركب هذا التقدم ، فأمست متخلفة وفقيرة ، تعاني كثيرا من المشكلات والويلات في الداخل والخارج . تعيش الدول التي تسمى بالدول الصناعية المتقدمة والدول التي تسمى بالدول المتخلفة النامية قي صراع عنيف ، تبغي الأولى بيع منتجاتها الصناعية والنيل من خيرات الأخيرة المتمثلة بالمواد الخام بشتى الطرائق والوسائل .
لقد سببت الثورة الصناعية تغيرات كبيرة انسحبت على مجالات الحياة المختلفة جميعا . وأضحت الحياة الحديثة في جوهرها شائكة ومعقدة ، وأصعب من سابقتها ، ذلك لأن تحقيق النجاح إنما يحتاج إلى الكثير من التقدم في مجال العلم والتقانة ( التكنولوجيا ) والوصول إلى مصاف الدول المتقدمة ، وإلى استخدام الكثير من الذكاء والحيل والابتكار لتحقيق الأهداف التي باتت تتوسع يوما بعد آخر .
اتخذت الدول المتقدمة العلم والتقانة شعارا لها تستخدمها للنيل من خيرات الدول النامية ، وتستخدم من الوسائل ما هي جديدة ومبتكرة ليس للطرف المقابل عهد سابق بها . فيبهر الطرف المقابل في كل مرة ، ويغلب على أمره . أضف إلى ذلك فإن المجتمعات اليوم تعيش على عدد من المستويات الكثير من المنافسة والتناحر والتصادم نتيجة لاختلاف مصالح الأفراد والشعوب ما لم تعشه من ذي قبل ، وتستخدم من أجل الوصول إلى الأهداف في مثل هذه المجالات الكثير من الجهود الغزيرة والأوقات الوفيرة والأموال الطائلة .
إن التغيرات التي حصلت في داخل المجتمعات الحديثة بفضل المدنية الحديثة شملت مستويات كثيرة تتناول جوانب الحياة كلها . ومن أجل مجابهة الدول النامية هذه الأوضاع الشائكة المعقدة وإيجاد حلول لمشكلاتها العويصة تحتاج إلى أن تحلّ مشكلاتها في الداخل أولا . ذلك لأن حلّ المشكلات الداخلية يسهّل حلّ المشكلات الخارجية .
يثار في الذهن هنا عدد من الأسئلة التي تحتاج إلى إجابة وافية : ترى ما السرّ الذي يكمن حلّ هذه المشكلات المعقدة ؟ هل الابتكار ضرورة من ضرورات الحياة المعاصرة ؟ من يحتاج إلى الابتكار ؟ ولماذا يحتاج إلى هذا الابتكار ؟ ما المستويات المختلفة التي نحتاج فيها إلى الابتكار ؟

مستويات الابتكار :
الابتكار ضرورة من ضرورات الحياة في كل المستويات . على أننا رغبة في تسهيل الأمر ، نتناول منها الفرد نفسه والنظام التربوي والقطاع الصناعي ووسائل الإعلام المختلفة والمجتمع بشكل عام . يكون الابتكار إذن ضروريا على هذه المستويات جميعا :

1. مستوى الفرد :
تبرز أهمية الفرد في المجتمع في أنه يمثل نواة الجماعات الإنسانية التي تشكل المجتمعات . ويملك الفرد طاقات وقابليات وقدرات متعددة كامنة . إن استثمار هذه الطاقات والقابليات والقدرات يعود بالنفع على الفرد والمجتمع معا . ومن أجل استثمار هذه الطاقات والقابليات والقدرات فلابد من إخضاع الفرد إلى تربية عامة وإلى تربية خاصة بالابتكار ووسائل تحقيقه . يكون ترك الفرد من دون استثمار هذه الطاقات والقابليات والقدرات هدرا للفرد بشكل خاص والمجتمع بشكل عام . ومثل هذا الفرد كمثل فقير يملك خزائن ثمينة مطمورة تحت مسكنه لا يدري عنها شيئا ، فلا يصرف الجهود اللازمة من أجل إخراج هذا الكنز إلى حيّز الوجود . يعيش هذا الفرد حياته فقيرا ويموت فقيرا . يكون الابتكار بذلك ضروريا لكل فرد ، وتبرز أهمية الابتكار بشكل خاص بعد التأكيد الذي برز من أن كل فرد يمكن أن يكون مبتكرا ومبدعا فيما إذا حصل على التربية والتدريب في هذا الخصوص .
يعيش الفرد الذي يفتقر إلى الابتكار حياة رتيبة تتكرر فيها أمور معينة بشكل مستمر . تكون الحياة مملّة ولا طعم لها على الإطلاق . يكون الفرد قد تقبل ما هو عليه ، ولا يبذل الجهود اللازمة من أجل التغيير نحو الأحسن . وتكون الحياة بذلك من أجل الموت . ويكون أمر انتظار الموت رهيبا لا مهرب منه أبدا .
الابتكار ضروري على مستوى الفرد نفسه ، ذلك لأن الابتكار إنما يحقق للفرد منافع مادية ومعنوية على السواء . على مستوى المنافع المادية يمكن القول بأن الفرد الذي يعيش في يومنا هذا مختلف عن فرد آخر سبقه بقرن أو بقرنين أو حتى بعقد أو عقدين من الزمان . ذلك لأن المنافسة بينه وبين الأفراد الآخرين قائمة على قدم وساق في كل مجال من مجالات الحياة المختلفة . يحتاج الفرد اليوم إلى الحصول على قدر معقول من التربية ، وصرف سنوات طويلة من حياته في هذا المجال . وهو في هذا يبغي الحصول على مهنة تدرّ له ما يمكنه من مواصلة حياته في مجتمع ازدادت فيه الحاجات كثيرا . وهذه الحاجات في ازدياد مستمر ، وتغير دائب ومتواصل . لقد أضحى الزواج وتكوين الأسرة مثلا ليس بالأمر السهل الميسور في هذه الأيام .
لقد ارتفعت نسبة البطالة في المجتمعات ارتفاعا واضحا . وأضحى الفرد بحاجة إلى شهادة عالية من أجل الحصول على العمل . ومن المؤسف أن يقال أن البطالة إنما انسحبت على أصحاب الشهادات العالية أيضا . وعلى الرغم من أن الحصول على الشهادة العالية يرفع من احتمال حصول الفرد على وظيفة معينة ، إلا أن الشهادة لا تكفي وحدها . فأصحاب الأعمال إنما يبحثون عن المهارات التي يملكها الفرد في أداء الأعمال ، وعن تلك الخصائص الفريدة الموجودة في الشخص والتي لا يملكها غيرهم من الناس . وكلما كان الإنسان مبتكرا في أداء عمله كلما كان احتمال حصوله على العمل أكثر ، وكلما كان ما يتقاضاه في سوق العمالة الحرة أعلى من غيره . إن المبتكر يكسب الأموال الوافرة تقديرا لابتكاراته عاجلا أو آجلا أكثر من غير المبتكرين . فالمبتكرون بشكل عام يحصلون على أجور عالية موازنة بينهم وبين من هم دون ذلك .
ومن ناحية أخرى فقد أضحت العمالة في هذه الأيام غالية ومكلفة . يحتاج الإنسان إلى مبالغ طائلة لتشغيل بعض العمال من أجل أداء بعض الأعمال المنزلية البسيطة ، هذا في الوقت الذي لا يجد فيه من يريد ، وبالشكل الذي يريد ، وفي الوقت المناسب ، وبالكلفة المناسبة . ويتجمع لديه بمرور الأيام الكثير من الآلات والأدوات والأجهزة والأشياء العاطلة أو المستعملة التي يمكن الاستفادة منها بشكل أو بآخر في مرفق آخر من مرافق الحياة . كما أضحت الآلات والأدوات من أمثال السكين والمطرقة والفرشاة والمثقب والمنشار التي يمكن استخدامها في التعمير والترميم والتصليح والكشف والإبداع والابتكار بفعل التطور التقاني رخيصة يمكن اقتناؤها من قبل أي فرد . لقد نشرت كتب كثيرة تساعد الفرد على كيفية أداء أعماله المختلفة بنفسه . لذلك أضحى في إمكان الإنسان أن يقوم بكثير من واجباته بنفسه مستخدما مهاراته وابتكاراته ، ومتذوقا طعم الأعمال التي يقوم بها ، ومقتصدا الكثير من الأموال التي تفيده في جوانب أخرى من حياته .
وعلى مستوى المنافع المعنوية يمكن القول بأن قيام الإنسان بالأعمال المنزلية ، وأداءه كثيرا من مهامه واحتياجاته اليومية يزودانه بالثقة بالنفس ، ويوفران له الاستمتاع بالعمل ، ويجعلان حياته سعيدة . إن أداء الفرد لأعماله بشكل مبتكر يجعله بارزا بين الآخرين ، ومقدَّرا دائما تقديرا عاليا ، ومعروفا بين الناس ، ويشار إليه بالبنان . وهذا أمر مهم بالنسبة إلى كل فرد ، وهو ما يحتاج إليه نفسيا ، ويريحه أيما ارتياح ، ويبعث فيه الطمأنينة النفسية . ليس هناك من أمر يسعد الفرد مثلما يسعده عندما ينتج شيئا مبتكرا ، أو عندما يبتكر شيئا جديدا . يعد الإنتاج مصدر اعتزاز ومبعث مفخرة للفرد ، وخاصة إذا كان هذا الإنتاج شيئا خاصا فريدا به . فالمؤلفون يسعدون كثيرا جدا بإنجاز أعمالهم ، ويرون كتبهم كالأولاد ، ويعتزون بها أيما اعتزاز . وهناك من يضم مؤلفاته على صدره ، معبّرا عن حبه الشديد الجارف . ويرعى المزارعون نباتاتهم كما يرعون أولادهم ، يراقبونها في كل آن وحين . تنشأ علاقات المودة والمحبة بين المزارع والنبات أو الحيوان . ويقال أن النباتات والحيوانات إنما تنمو بالحب والمودة . وكثير منا من يتحدث مع الحيوان والنبات كما يتحدث مع الإنسان .
إن أداء عمل ما بشكل مبتكر إنما يعتبر تحقيقا للذات التي وضعها ماسلو على أنها حاجة في قمّة هرمه للحاجات الإنسانية . وهو عندما يفعل ذلك إنما يحصل على الشهرة . ومن منا لا يريد أن يكون مشهورا بين الأقران والأحباب بشكل خاص والمجتمع بشكل عام ؟ يوفر الحصول على الشهرة اطمئنانا للنفس لا يضاهيه أي شيء آخر ، وليس هناك من مجال للوصول إلى الشهرة كذلك الذي يصل إليه المبدعون والمبتكرون .
يذكر هول وويكر ( Hall and Wecker: 1996: 164 ) أن توفير بضاعة أصيلة جديدة ومختلفة يغير أنماط شراء المستهلكين . إن الأفكار الجديدة إنما توفر منافع لم يختبرها أحد من ذي قبل . إن المبتكرين إنما يعرضون دورات جديدة ويكتشفون أرضية جديدة . إن الأوائل في ميادينهم هم ممن يقضون على سلبيات شئ ما . إن الأفكار الأصيلة إنما تثير التعجب وتلقى الاهتمام وتلفت النظر وتشد الانتباه . فكل منا يتذكر أن أول إنسان نزل على سطح القمر هو نيل ارمسترونغ . ولكن المرء يشك في أن أيّا منا يستطيع أن يتذكر اسم شخصين آخرين ممن نزلا على سطح القمر أيضا . إن الانفراد بشيء ما يضع الفرد في موقع مميّز ، ويجعله مركزا لتناقل الأخبار . إنه يوقف الناس على هذا الشيء لكي يسجلوا ملاحظاتهم عنه . إن الأوائل إنما يقطفون ثمار الشهرة ، ويحتلون مركز انتباه الناس ، ويكسبون الأرباح كثيرا . يشير هول وويكر إلى دراسة تمخضت عن أن الأوائل إنما يحصلون على حصة من السوق تعادل 7ر2 مرة مما يحصل عليه المقلِّدون . ولا يقتصر دور المبتكرين على زيادة الثروة الشخصية فحسب ، بل يساهمون في زيادة الثروة الوطنية والثروة العالمية على السواء . يؤيد تورانس ( torrance; 1994; 13 ) الرأي الأخير ويذهب إلى أن المخترعين إنما يزيدون العالم ثراء على ثراء .

2. مستوى النظام التربوي :
التربية هي كشف طاقات الفرد وقابلياته وقدراته المختلفة ، والعمل من أجل تطويرها وتنميتها إلى أقصى حد ممكن ، لتحقيق منافع مشتركة للفرد والمجتمع معا . فالفرد يملك طاقات وقابليات وقدرات ورثها عن آبائه وأجداده . وإذا ما ترك الفرد من دون تربية فإن هذه الطاقات والقابليات والقدرات تذهب هباء منثورا ، لا يستفيد منها الفرد أو المجتمع . تكون التربية من هذا المنطلق استثمارا طويل المدى لمصلحة الفرد والمجتمع . والتربية عندما تحقق وظيفتها فإنها إنما تحقق ذلك التوازن الفريد بين منافع الفرد الشخصية ومنافع المجتمع العامة . فلا تضحي هذا من أجل ذاك ، ولا تضحي ذاك من أجل هذا . وفي كل بلد نظام تربوي خاص يعمل من أجل تحقيق هذا التوازن الفريد .
ينبغي أن يكون النظام التربوي دائما وأبدا سبّاقا في كل ميدان من ميادين الحياة من أجل توجيه المجتمع نحو الأفضل والأحسن بشكل دائب ومتواصل . يتطلب هذا الأمر من النظام التربوي أن يؤدي دور الريادة في توجيه المجتمع نحو تحقيق مصالح تعود على المجتمع بما فيه الخير والبركة . وليس هناك من آفة تبتلي بها المجتمعات مثلما تبتلي في تأخر نظامها التربوي عن القطاعات الأخرى الموجودة فيها . يعتمد تطور المجتمعات وتنميتها وتقدمها على عقولها المفكرة وطبقتها العاملة التي تنفذ عصارات هذه العقول . تشكل التربية والتدريب في ميدان الابتكار ذلك الجزء المهمل من التربية العامة لأسباب تعود إلى صعوبات الميدان وعدم تدرّب المعلمين في هذا المجال . وما لم تحصل هذه العقول على التربية والتدريب اللازمين في ميدان الابتكار فلن يكون في الإمكان تطوير المجتمع وتنميته والعمل من أجل تقدمه ، ورفع شأنه إلى المستويات العالية ، ومواجهة تلك الصراعات التي تتسم بها الحياة العصرية .
يقع عبء إعداد الطاقات (الكوادر) التي تتولى أمر تمشية أمور المجتمع على النظام التربوي ، فالنظام التربوي الذي يعتمد على الاكتفاء بنقل المعلومات الجاهزة وتقليد الآخرين لا يستطيع تغيير الكثير في الحياة العصرية ، ولا يستطيع مجابهة المتطلبات الجديدة التي تفرض نفسها على واقع الحياة . وأمام هذه التحديات أضحى النظام التربوي الذي يوصل العلم إلى الطلبة غير كفء أبدا . ولابد من تشكيل نظام تربوي يعتمد على الابتكار ، ويشجعه ، ويعمل من أجل تحقيقه . ويكون من الضروري جدا إعداد أفراد مبدعين يتولون تطوير المجتمع بشكل مستمر نحو الأفضل والأحسن ، ويتسمون بالابتكار في كل أعمالهم لمجابهة متطلبات هذا العالم المتصارع في داخل البلد وخارجه .
إننا نعيش في عصر معلومات مكثّفة يعرف بعصر انفجار المعلومات . لقد أضحى أي علم يضاعف نفسه في كل بضع سنين . وتنخفض هذه السنون بتقدم الأيام . وليس هناك من سبيل لتعلم هذا التراكم العلمي إلا بوسائل تعتمد على الابتكار ، وتعمل من أجل تحقيقه .
إننا نعيش في عصر ثورة تكنولوجية . لقد أضحت التكنولوجيا المتقدمة هي التي تشكّل أساس التنمية والتقدم . واحتلّت تكنولوجيا المعلومات البارزة في تكنولوجيا الآلة المبرمجة ( الحاسب الآلي ) مقدمة القطاعات التي تدرّ الأموال الطائلة لأصحاب الاستثمارات . إن التكنولوجيا أثر من آثار العمل المبتكر الخلاق ، وميدان خصب جدا للابتكار لا ينضب ماؤه أبدا .
ونتيجة لما حصل من تطور علمي وتكنولوجي هائل في النصف الثاني من القرن العشرين بشكل عام ، وفي العقدين الأخيرين بشكل خاص فإن النظام التربوي بحاجة إلى إعادة النظر في كل جانب من جوانبه المختلفة . فهو بحاجة إلى إعادة النظر في أهدافه وطرائقه التربوية ووسائله التعليمية وفي تقييمه وقياسه .
إن ترك أمر تحديد الأهداف التربوية يخلق نوعا من العشوائية في النظام التربوي . فالأهداف التربوية الخاصة حسب تصنيف بلوم تنقسم إلى أهداف تربوية ذهنية وعاطفية وعملية . لا يحقق التركيز في الأهداف التربوية الذهنية وحدها الابتكار أبدا . ولا يمكن تحقيق الابتكار بصياغة أهداف من نوع واحد أو من المستويات الدنيا من تلك الأهداف التربوية . لقد أضحى الاهتمام بالمستويات المنخفضة للأهداف التربوية غير كفء لمجابهة هذه الثورة العلمية والتكنولوجية . فقد بات الابتكار مطلبا ملحّا جدا في كل جانب من جوانب هذه الثورة العلمية والتكنولوجية . لذلك ينبغي تحديد الأهداف التربوية العامة للنظام التربوي أولا ، وترجمة هذه الأهداف التربوية العامة إلى أهداف تربوية خاصة واضحة وجليّة لكل من المعلمين والمتعلمين أولا وكل من يهمهم أمر التربية والتعليم في المدارس ثانيا . لقد أضحت صياغة الأهداف التربوية التي تحقق الابتكار مطلبا من المطالب العاجلة التي لابد لكل نظام تربوي وضعه في أولوياته . يحقق الابتكار متى ما تمت صياغة أهداف تربوية خاصة من الأنواع الثلاثة المختلفة . وبصدد هذا الموضوع يؤكد تورانس ( Torrance: 1994: 125 ) في دراسة قام بها عام 1964 و 1965 م أهمية التطبيقات العملية في الابتكار لدى الطلبة . إن الابتكار موجود في المستويات العليا من هذه الأهداف . وجد هذا الباحث أن الطلبة الذين يمرون بتجربة استخدام المختبر العلمي سنة واحدة يتميّزون من غيرهم من الذين لم يمروا بمثل هذه التجربة في النمو الابتكاري والكتابة المبتكرة والأصالة والتخيّل والميل المهني نحو العلوم وفي الاختراع وحبّ المدرسة والدوام المدرسي مع توازي الآخرين في التحصيل الدراسي .
تشكل طرائق التدريس تلك الوسائل التي يمكن بها توصيل الثورة العلمية والتكنولوجية إلى الأفراد والجماعات ، والتي يساهم فيها الأفراد بإضافة شئ جديد إلى هذه الثورة . تنقسم طرائق التدريس بشكل عام إلى طرائق تركز في المعلمين ، وطرائق أخرى تركز في المتعلمين . إن الطرائق التي تركز في المعلمين تعتمد على إيصال المعلومات الجاهزة بوصفها لقمة سائغة من دون بذل الجهود اللازمة من قبل المتعلمين . تكون هذه الطرائق غير قادرة على تحقيق أهداف من شأنها إجراء التغييرات اللازمة في بنية هذه الثورة العلمية والتكنولوجية ، ذلك لأن الوقت المخصص للتعليم في المدارس محدود إلى درجة ، ولا يكفي لتحقيق مثل هذا الهدف . وليس في الإمكان إيصال المعلومات كل المعلومات بواسطة الطرائق التي تركز في المعلمين . لا يمكن أن يكون الطلبة مبتكرين في تربية لا يساهمون فيها بشكل إيجابي وفعّال .
يتطلب الابتكار من المتعلمين أن يكونوا مشاركين إيجابيين في التربية والتعليم . ولما كانت التربية تعني بمستقبل المتعلمين فإن المتعلمين ينبغي أن يكونوا فعالين في تربية تخصّ مستقبلهم . لذلك فإن الطرائق التي تركز في المتعلمين تستطيع أن تحقق مثل هذا الهدف ، وتبرز ابتكارات هؤلاء المتعلمين . تؤكد هذه الطرائق الخصائص الفردية للأفراد بتوفير بدائل مختلفة يختار منها المتعلمون ما يشاءون حسب احتياجاتهم وقدراتهم وتحصيلهم وشخصياتهم واتجاهاتهم وميولهم الخاصة .
إن البيئة الفقيرة التي لا تتضمن وسائل تعليمية كافية لا تستطيع أن تحقق الابتكار . لقد ذكر تورانس عن البيئات الفقيرة أنها لا تستطيع إجراء التطبيقات العلمية الضرورية من أجل تحقيق الابتكار . إن الافتقار إلى التكنولوجيا بشكل عام ، والمتقدمة منها بشكل خاص ، يخلق نوعا من التأخر عن الآخرين الذين يملكون مثل هذه التكنولوجيا . كما لا يمكن المساهمة وإضافة شئ جديد إلى هذه التكنولوجيا ، وحلّ ألغازها ، وكشف أسرارها المختلفة . تحتاج طرائق التدريس المتركّزة في المتعلمين من ناحية أخرى إلى الوسائل التعليمية بالكثرة التي تعطى لكل متعلم القدرة على الوصول إلى هذه الوسائل واستخدامها متى يحتاجون إليها ومتى يشاءون .
تستخدم الوسائل التعليمية من قبل المعلمين والمتعلمين . تركّز الوسائل التعليمية في الجوانب التطبيقية من العملية التعليمية . يبرز جانب التعلم بالعمل في التربية والتعليم . يحقق العمل مع الوسائل التعليمية المختلفة ابتكارات المتعلمين من عدة وجوه . يبرز الابتكار في إعداد مواد الوسائل التعليمية وخاصة الحقائب التعليمية . يكون المتعلمون بذلك مشاركين في الإنتاج . تؤكد دراسة تورانس التي قام بها عام 1964 و 1965 من ناحية أخرى أهمية استخدام الوسائل التعليمية في زيادة الابتكار لدى الطلبة . وجد هذا الباحث أن طلبة المجموعة التجريبية الذين اختبروا تجربة استخدام المختبر العلمي لمدة سنة واحدة وازوا طلبة المجموعة الضابطة في التحصيل الدراسي وتميّزوا منهم في النمو الابتكاري والكتابة المبتكرة والأصالة والتخيّل والميل المهني نحو العلوم وفي الاختراع وحبّ المدرسة والدوام المدرسي .
إن الوسط التربوي المبني على التوترات والضغوط والإجبار والإكراه على فعل أشياء معيّنة دون أخذ رغبات المتعلمين لا يخلق الدافعية في التعلم ولا يحقق الابتكار أصلا . ذلك لأن مثل هذا الوسط يخلق ردود الفعل العكسية لدى المتعلمين . إن الجديّة الزائدة في التربية والتعليم يخلق نوعا من التقولب في السلوك ، والذي يعرقل بدوره الابتكار . يكون الوسط التربوي الذي يحدّ مبادرات المتعلمين ومغامراتهم الشخصية غير واف بالابتكار .
يكون الوسط التربوي الذي يحققّ الابتكار مبنيّا على الديمقراطية ، ومريحا جدا ، وبعيدا عن أي توترات وضغوط من كل الجوانب . يستطيع المتعلم في مثل هذا الوسط أن يعبّر عن آرائه ويعمل بالحرية الكاملة دون أي قيد أو شرط ودون أي نوع من أنواع التهديد والوعيد المختلفة التي تعرقل ابتكاراتهم . يكون المزاح طاغيا في مثل هذا الوسط ، ذلك لأن المزاح يؤدي دورا أساسيا في إبراز ابتكارات المتعلمين ، وتكون المبادرات الشخصية والمبادآت والمغامرات عاملا أساسيا في تحقيق ابتكارات المتعلمين .
إن التقييم والقياس المبنيين على التهديد والوعيد لا يحققان الابتكار أبدا . ذلك لأن المتعلمين إنما يحاولون أن يسجّلوا تلك الإجابات التي يريدها المعلمون ، وبالشكل الذي يريدونه ، ولا يخرجون عنها أبدا . إنهم يسجّلون في الأوراق الامتحانية ما سمعوه وما قرؤوه بالشكل الذي سمعوه وقرؤوه .
تزول التهديدات من التقييم والقياس اللذين يجريان في وسط التربية المتركزة في المتعلمين . يربط التقييم والقياس بالأهداف التربوية الخاصة التي روعي فيها أصلا أن تكون من المستويات العالية في تصنيف بلوم . يكون التقييم والقياس بذلك من النوع المفتوح الذي يتطلب التنوع والتعدد والأصالة وإعطاء البدائل الكثيرة في الإجابات ، والتي تكشف جميعا عن الإبداع والابتكار لدى المتعلمين . تكون مساهمات المتعلمين في إعداد مواد التقييم والقياس من النوع الذي يجريه المتعلم بنفسه بدلا من أن يكون مفروضا عليه من قبل الآخرين .
يؤدي النظام التربوي دورا كبيرا في تحقيق أهداف المجتمع . إن البرامج التي تؤكد الابتكار إنما تنمي الابتكار لدى الأفراد . يذكر تورانس ( Torrance; 1994: 137 ) أن المجتمع الياباني إنما يشجع على الابتكار ابتداء من سنوات رياض الأطفال . إن البرامج جميعها مبنيّة على الابتكار في الفنون الجميلة مع تأكيد العادات التاريخية والعمل في جماعات صغيرة من أجل الحصول على الإجماع .

3. مستوى القطاع الصناعي :
لا يمكن لأي بلد من البلدان النامية أن تظلّ إلى أبد الآبدين سوقا رائجة للبلدان المتقدمة ، تصدر موادها الخام بأسعار رخيصة ، وتستورد بالمقابل بضائع مصنّعة بأسعار غالية . أضف إلى ذلك فإن الاعتماد على الآخرين يتضمن محاذير سياسية واقتصادية . ونعيش في يومنا هذا في حصار اقتصادي مرير فرضته الدول المتقدمة على الكثير من البلدان النامية التي لا تسايرها في سياساتها الخارجية أو الداخلية . ومن هنا يكون من الضروري إنشاء صناعات محلية والعمل على نوع من الاكتفاء الذاتي التي تفيد أيام الأزمات والكوارث بل وحتى في الأيام العادية .
ومع أن الاكتفاء الذاتي الكامل صعب جدا ، إلا أن هناك من المرافق التي لابد فيها من الاعتماد على النفس والإنتاج المحلي من أجل الحدّ من الضغوط التي تستخدمها البلدان الأخرى . تأتي الحاجة إلى إنتاج الأسلحة والغذاء والملبس في مقدمة هذه المرافق . فالسلاح ضروري من أجل تحقيق الأمن الداخلي والخارجي . والغذاء والملبس ضروريان لإدامة الحياة ، ولا يمكن للمرء أن يستغني عنهما أبدا .
ومن ناحية أخرى فإن القطاع الصناعي يستخدم المواد الخام المحلية ، ويصنّعها ليبيعها بسعر أغلى لمصلحة أبناء البلد . وهو في ذلك يدفع المنتجين إلى الزيادة في الإنتاج مادام أنهم يجدون لمنتجاتهم سوقا جاهزة وبأسعار مناسبة . ويصحّ ذلك أيضا على المنتجات الزراعية التي يمكن تصنيعها بطرائق مختلفة .
يوفر القطاع الصناعي من ناحية ثالثة العمل لكثير من الأيدي العاملة المحلية . لقد أضحى توفير العمل للبطالة الناجمة في المجتمع هو الآخر مطلبا من مطالب الحياة الملحّة . فالحكومات بحاجة إلى أن تفكر دائما في إيجاد مجالات جديدة للعمل ، وتوسيع رقعة هذه المجالات . ويشكّل المجال الصناعي أحد أنسب هذه المجالات المهمّة .
يواجه القطاع الصناعي المحلي في أي بلد من بلدان العالم خيارات ثلاثة لا رابع لها : وهي التقليد والتطوير والكشف أو الاختراع .
يعني التقليد الاعتماد على البلدان المتقدمة في شراء المعامل التي تنتج بعض المصنوعات المحلية . وهو أمر يتطلب إجراء عقود خاصة مع شركات أجنبية من أجل استيراد الآلات المنتجة ، ويكون مثل هذه العقود مشروطة دائما لمصلحة الشركات الأجنبية . يلزم شراء بعض المواد التي تساهم في الإنتاج من هذه الشركات ، واستخدام علاماتها الفارقة المسجلة الخاصة بها . وهو أمر يضمن رخص الإنتاج موازنة بصرف مبالغ باهظة في البحث والتقصي الذي لا يمكن ضمان نتائجها في كل مرة . على أنه يلزم الاعتماد على الآخرين بشكل مستمر .
ومهما يكن من أمر فإن هناك محاذير خاصة في التقليد مع أنه أمر لابد منه في البداية . ولا بخلو التقليد من الابتكار ، لأنه يتضمن القليل منه . تستطيع البلدان النامية أن تستفيد من رخص العمالة في هذه البلدان ، وتحقق بعض الامتيازات في الإنتاج . على أن التقليد يجب ألا يستمر طويلا . فالتطوير والتحوير لابد أن يتبعاه .
التطوير هو الاستفادة من خبرات الآخرين وإضافة الخبرات الخاصّة عليها . وهو تعديل الشيء بناء على الاحتياجات الخاصة . يتضمن التطوير أخذ بعض الشيء من الآخرين وإكمال بعضه الآخر ، الاعتماد على الآخرين في بعض الجوانب ، والاستقلال عنهم في جوانب أخرى . فالتطوير نوع من الاكتفاء النسبي ، ويضمن التطوير الاعتماد على النفس من ناحية ، ويقللّ من الاعتماد على الآخرين نسبيا . التطوير والتعديل والتغيير مطلب ملحّ من مطالب القطاع الصناعي . يتضمن التطوير كفتين متوازيين من التقليد والابتكار في آن واحد .
يوازن دي بونو ( De Bono: 1993: 40 ) بين الصناعة الغربية والصناعة اليابانية ويشير إلى أن الصناعة الغربية تنتظر تحقيق قفزات كبيرة تتضمن إجراء تغييرات جذرية أو إيجاد مفاهيم جديدة . وهذا ما يدفعها إلى نبذ الابتكار العملي . بينما تحقق الصناعة اليابانية مع مرور الأيام تراكما جيّدا بتلك التطويرات والتعديلات الصغيرة والتحسينات المتواصلة وتوصيل الأشياء المبنية على تقليد خبرات الآخرين بعضها ببعض . وفي هذا الخصوص يشير تورانس ( Torrance: 1994: 146-147 ) إلى أن الصناعيين اليابانيين إنما يجوبون العالم من أجل جمع المعلومات بحيث وصلت طوكيو إلى مرحلة تؤهلها لأن تكون عاصمة عالمية للمعلومات . وبعد توفير هذه المعلومات يدأب هؤلاء الصناعيون إلى اختبار هذه المعلومات وتطويرها بحيث يضمن لهم وضع أشياء جديدة خاصة بهم .
الاختراع هو المرحلة الأخيرة من الإنتاج ، وهو إنتاج مصادر الإنتاج وامتلاكه ، أي إنتاج الأجهزة والآلات والأدوات الخاصة بالإنتاج . الاختراع هو إنتاج شيء جديد ، والحصول على براءة الاختراع ، ويحتاج الأمر إلى فرق عمل محلية أو أجنبية تضم مهندسين مختصين في الجوانب المختلفة من القطاع الصناعي . ويتضمن الاختراع الشيء القليل من الاعتماد على الآخرين ، ويتطلب الكثير من الابتكار ، مع الاستفادة من خبرات الآخرين .
تكسب المبادآت والمبادرات في الاستثمارات الجديدة في التصنيع أصحابها أرباحا طائلة . إن الأوائل في الميدان يحصلون دائما على حصة من السوق هي أعلى من غيرهم . إن الصناعة المبتكرة تربح أكثر من الصناعة التي تعتمد على التقليد . يشير هول وويكر ( Hall and Wecker, 1996 ) إلى علاقة الأصالة والفردية بالنجاح المربح . إن نسبة حصول المنتجات الجديدة والمختلفة عن غيرها على الربح هي 69% ، بينما تكون نسبة حصول المنتجات المماثلة أو التي تختلف عن غيرها قليلا على الربح هي 31% . وهذا يعني أن الصناعة الفريدة الجديدة المبتكرة تربح أكثر من ضعف الصناعة المقلِّدة . وفي هذا المجال يشير هول وويكر ( Hall and Wecker, 1996 ) إلى دراسة تمخّضت عن أن المبتكرين الأوائل إنما يحصلون على حصة أعلى من السوق بما يعادل 7ر2 مرة مما يحصل عليه المقلِّدون . ولا يقتصر دور المبتكرين على زيادة ثروتهم الشخصية فحسب ، بل يساهمون أيضا في زيادة الثروة الوطنية والثروة العالمية . يؤيد تورانس ( Torrance; 1994: 134 ) هذا الرأي الخير ، ويذهب إلى أن المخترعين إنما يساهمون أيضا مساهمة فعالة في إثراء العالم . ولا شك أن القطاع الصناعي بشكل خاص هو الذي يساهم في وضع مبتكرات هؤلاء الأفراد المبتكرين قيد التنفيذ كمنتجات في السوق المحلية أو العالمية . وهكذا تكون الاستثمارات المبنية على ابتكارات الأفراد المبدعين والمبتكرين والفرق العاملة ضرورة ملحّة للقطاع الصناعي لتجديد نفسه بشكل مستمر والوقوف صامدا في وجه المنافسات الداخلية والخارجية والحصول على الأرباح العالية .

4. مستوى وسائل الإعلام :
يعد التخلص من الجاذبية الأرضية والإفلات إلى الفضاء الخارجي أحد التطورات المهمة التي حدثت في النصف الثاني من القرن العشرين . لقد استطاع السوفيت إرسال المركبة الفضائية سبوتنك إلى الفضاء الخارجي في نهاية الخمسينات من القرن الماضي . لقد خلق هذا الحادث نوعا من سباق إرسال المراكب الفضائية إلى الفضاء الخارجي من قبل السوفييت والأمريكان . تمخّض مثل هذا التقدم العلمي الهائل إرسال مراكب فضائية أخرى من قبل دول أخرى إلى خارج الجاذبية الأرضية وتثبيتها على مدارات تدور فيها لتقوم بمهام كثيرة من مهمات نقل وعكس الموجات الصوتية والضوئية المختلفة من وإلى الأرض . ونتيجة لذلك فقد أضحى الفضاء الخارجي مزدحمة بهذه المراكب الفضائية . ولقد حصل تقدم كبير في جميع ميادين وسائل الاتصال المختلفة من تلفون فاكس وراديو وتلفزيون وآلة مبرمجة (كومبيوتر) وشبكات الانترنت . لقد انعكس مثل هذا التقدم على وسائل الإعلام المختلفة في تسهيل أمور طبع الكتب والمجلات والجرائد ونشرها وتلقي موجات الراديو والتلفزيون وتوصيل شبكات الكومبيوتر إلى القريب الداني والبعيد القاصي . لقد أضحت المنافسة بين هذه الوسائل المحلية منها والدولية في هذا الجو المشحون التي تتضارب فيه مصالح الأفراد والجماعات والمجتمعات أمرا لا مفر منه .
لقد وفرت التكنولوجيا الحديثة التي تطورت أكثر من ذي قبل وتواصل تطورها في كل آن وحين إمكانات هائلة بفضل الأقمار الاصطناعية ومحطات الإذاعة والقنوات التلفازية الفضائية وشبكات الكومبيوتر . لقد سهّل كل ذلك الوصول إلى المواطنين وهم في عقر دورهم . تكمن خطورة وسائل الإعلام هذه من أنها تعبر الحدود الدولية من دون جوازات سفر ، وتدخل البيوت من دون طلب أي إذن بالدخول . ومن هنا فإنها تربي مواطنينا في عقر دورهم بالشكل الذي قد لا نرغب فيه ، وما هو على عكس تربيتنا الوطنية القومية .
ولما كانت وسائل الإعلام تؤدي خدمات دورية تجدّد نفسها بشكل منتظم فإنها تحتاج إلى الابتكار أكثر من غيرها من وسائل الاتصال الأخرى . ويبدو أنه كلما كانت هذه الدورة قصيرة كانت الحاجة إلى الابتكار أشد . فالمجلات تحتاج إلى ابتكار أكثر من الكتب ، وتحتاج الجرائد إلى ابتكار أكثر من المجلات . وتحتاج برامج الراديو إلى ابتكار أكثر من كل ذلك . أما الأفلام السينمائية وبرامج التلفزيون والكومبيوتر فهي بحاجة أكثر إلحاحا إلى الابتكار لجمعها بين الاستماع والرؤية . وتحتاج حاجة البرامج إلى الابتكار بطول الفترة التي تشغل فيها الشاشة . وكلّما كانت الفترة أقصر كانت الحاجة إلى الابتكار أشدّ . فالبث الدعائي لقصر فترته أكثر المجالات التي تحتاج إلى الابتكار ، ويظهر فيه هذا الابتكار فعلا . تعدّ الدعايات التي تلجأ هذه الميادين من نشرها لسد بعض من تكاليفها ميدانا خصبا جدا للابتكار .
تؤدي الوسائل الإعلامية وظيفتها في جانبين مهمين لا يقلان أهمية بعضهما عن بعض . فهي تخاطب المواطنين وتحاول بذلك بثّ روح المواطنة من ناحية ، وتخاطب الأجانب لتصدر إليهم ثقافة بلد معين من ناحية أخرى . لقد أضحى أمر نشر الجرائد والكتب والمجلات في هذا الجو المشحون بالمنافسة يحتاج إلى الكثير من التجديد والابتكار . تتطلب البرامج التي تعد من أجل النشر في الراديو والتلفزيون والكومبيوتر أن تكون جديدة ومبتكرة بشكل مستمر . وإلا فلن تجلب أسماع أو أنظار المستمعين أو المشاهدين ، أو أنها لن تؤدي مهمتها بالشكل المطلوب . ويتحول المستمعون أو المشاهدون المواطنون أو الأجانب نتيجة لذلك إلى غيرها من محطات الراديو أو قنوات التلفزيون أو برامج الكومبيوتر . ومن هنا يعتمد أداء هذه الوسائل مهماتها بالشكل الفعّال الجاذب على مقدار ما يستطيع العاملون فيها من تجديد وتطوير لبرامجهم ، وما يظهرونه من إبداع وابتكار مستمرين في كل إنتاج وبرنامج .

5. مستوى المجتمع :
يذكر تورانس ( Torrance: 1994: 138 ) أن المجتمع الأمريكي ومنذ البداية قد قدّر المغامرات والرغبة في تجربة عدة وظائف والاستقلال في التفكير والحكم والشجاعة في الإيمان والتصنيع والمستوى العالي من الطاقة والعزيمة والثبات والثقة بالنفس وروح المزاح والتنوع والرغبة في تحمل المسؤوليات وحب الاستطلاع . وهذه الخصائص جميعا موجودة في روح الأوائل وتتطلب المستويات العالية من الابتكار . على أنه ـ وبناء على أبحاثه ـ تأكد له أن المجتمع الأمريكي قد تخلى عن بعض هذه الخصائص مثل المغامرات والرغبة في ركوب الصعاب والاستقلال في الحكم والشجاعة في الإيمان ، والثبات والثقة بالنفس والرغبة في تحمل المسؤوليات والتنوع . ومن أجل تحسين جو الابتكار والاختراع القومي لابد من إعادة تأكيد هذه الخصائص وإعطائها الأهمية الكبيرة .
الفرد نواة الجماعات التي تكوّن المجتمع ، والمجتمع إنما يتكوّن من الأفراد والجماعات . وتنمية الابتكار لدى الأفراد تعني تنمية الابتكار لدى المجتمع . على أن للمجتمع تشكيلا خاصا من العلاقات والتنظيمات والمؤسسات التي تؤثر بدورها هي الأخرى في الأفراد . كما أن الأفراد يحتاجون إلى الابتكار في علاقاتهم المختلفة فإن المجتمع هو الآخر يحتاج إلى الابتكار في تنظيم علاقاته الداخلية والخارجية بتنظيماته ومؤسساته المختلفة . إن العادات والتقاليد والقيم الاجتماعية في مجتمع ما قد تشوّق أو تعرقل الابتكار عن طريق وسائل مختلفة من الاستحسان والاستهجان . فالمجتمعات التي تحدد الخيال ، وتنبذ الفنون الجميلة والآداب إنما تحدّ الابتكار . أما المجتمعات التي تشوّق الابتكار ، وتشجّع الفنون الجميلة والآداب إنما تنمي الابتكار .
ولعل إصدار تلك القوانين التي تحمي حقوق المبتكرين والمخترعين يعود بالنفع على الفرد والمجتمع معا . إن تنظيم براءات الاختراع ودعمها إحدى الوسائل المهمة التي ترفع من أعداد المبتكرين والمخترعين في بلد معين . يذكر تورانس ( Torrance: 1994: 133 ) أن السياسات القومية والقوانين المحلية إنما تؤثر في الاختراعات ، ويورد مثلا على ذلك اليابان التي أصدرت في عام 1960 م القوانين اللازمة لحماية المخترعين . وكانت أعداد براءات الاختراع الممنوحة في تلك الفترة في هذا البلد أقلّ بكثير من الولايات المتحدة الأمريكية . على أن هذه الأعداد بدأت تتزايد نتيجة سنّ هذه القوانين ، فوصلت اليابان مستوى الولايات المتحدة في عام 1967 م . انخفضت براءات الاختراع في الولايات المتحدة نتيجة الإهمال ، بينما ارتفعت في اليابان نتيجة ذلك التشجيع حتى فاقت اليابان الولايات المتحدة في أعداد براءات الاختراع في عام 1978م . وبصدد هذا يقول تورانس ( Torrance: 1994: 134 ) : إنه عندما يخترع الأفراد والشعوب فإنهم إنما يزدادون قوّة على قوّة ، ويستمرون في العيش ، أما عندما يوقفون الاختراعات فإنهم إنما يضعفون ويموتون . وكان هذا الأمر صحيحا منذ بداية التأريخ حتى يومنا هذا .
إن أمر تشجيع تنظيمات ومؤسسات المجتمع للابتكار مهم جدا في تطور الابتكار لدى أفراد ذلك المجتمع ، ذلك لأن ما يشجعه المجتمع يجده أمامه ، وما يزرعه سيحصده في مستقبل الأيام . وفي هذا الخصوص يورد تورانس ( Torrance : 1994: 132 ) التجربة الأمريكية التي شجّعت فيها الاختراعات في الستينات من القرن العشرين بعد التفوّق الذي أحرزه السوفييت في إرسال القمر الاصطناعي سبوتنك إلى الفضاء الخارجي . لقد زادت براءات الاختراعات التي منحت في هذا البلد نتيجة ذلك التشجيع من 76565 في عام 1958 م إلى 84864 في عام 1962 م . كما زادت براءات الاختراع التي دعمت في تلك الفترة من 43407 إلى 51065 . وعدّت هذه الفترة بحقّ العصر الذهبي للاختراع في الولايات المتحدة الأمريكية . وبعد عقد من الزمان قلّ التشجيع وقلّت معه براءات الاختراع التي منحت لهذا الغرض . انخفضت النسبة في عام 1978 م بمقدار 15% . ونتيجة لذلك بدأت الولايات المتحدة تشتري التكنولوجيا المتقدمة من بلدان أخرى كاليابان وألمانيا ودول أخرى بدلا من أن تطور صناعاتها المحلية . يبدو من ذلك أن سياسة المجتمع في دعم الاختراعات مهمة جدا في رفع أعداد الاختراعات في ذلك البلد . يبدو أن المجتمع الذي يشجع على الابتكار والاختراع ينمّي في أفراده هذه الطاقات تنمية حسنة تعود بالخير على الأفراد والمجتمع في آن واحد . وفي هذا الخصوص أجرى تورانس ( Torrance: 1994: 124 ) دراسة سأل فيها أطفالا من 12 بلدا في عامي 1992 و 1993 م أن يكتبوا قصصا عن مستقبل حياتهم . وحلّل هذه القصص باحثا عن هؤلاء الأطفال الذين يتخيّلون لأنفسهم أن يكونوا مخترعين . لقد اعتلى أطفال اليابان في هذه الدراسة المرتبة الأولى ب 35% . احتلّ أطفال الولايات المتحدة وجنوب أفريقيا المرتبتين الثانية والثالثة على التوالي 26% و 24% . وكانت هذه النسب متوازية مع أعداد براءات الاختراع التي منحت في هذه البلدان .

التوصيات :
في أدناه التوصيات المفيدة التالية :
• ينبغي الاهتمام بالفرد باعتباره نواة المجتمع في كشف قابلياته وقدراته وطاقاته الكامنة المختلفة وتنمية كل ذلك وتوجيهها من أجل تفجير هذه الطاقات باعتبار التربية استثمارا يعود بالنفع أضعافا مضاعفة لكل من الفرد والمجتمع والإنسانية .
• ينبغي توجيه التربية نحو كل ما من شأنه تحقيق تفتيق طاقات الأفرد إلى أعلى حد ممكن . وهذا لا يتم بالتربية التقليدية ذات الأهداف المحدودة مطلقا . ينبغي وضع تلك الأهداف التي تحقق الابتكار وتوفير الأجواء اللازمة والتركيز على طرائق التدريس المركزة حول الطالب واستخدام مصادر التعلم المتعددة أينما كانت وتوفير التكنولوجيا الحديثة واستعمال وسائل التقييم والقياس المفتوحة .
• ينبغي رفع شأن القطاع الصناعي بما يضمن نوعا من الاكتفاء الذاتي وخاصة في تلك المجالات التي تمس ضمان استقلال البلد عن تلك القيود الأجنبية .
• ينبغي رفع مستوى وسائل الاعلام بالشكل الذي تستطيع فيها أداء واجباتها في زرع بذور المواطنة الصالحة في نفوس أبناء البلد وتعريف الثقافة القومية إلى العالم أجمع .
• ينبغي توجيه مؤسسات المجتمع المختلفة بالشكل الذي تجعل محور أعمالها تشجيع ودعم وتنمية الابتكار في مواطني البلد وتوفير الامكانات اللازمة من أجل تحقيق ذلك .

الخاتمة :
الابتكار ضروري في جميع مجالات الحياة وعلى مستويات مختلفة . يأتي الفرد والنظام التربوي والقطاع الصناعي ووسائل الإعلام ومؤسسات المجتمع في طليعة هذه المستويات . تكون الحياة بفضل الابتكار تجديدا مستمرا وتطويرا متواصلا وقوة عظيمة . وتكون من دونه رتيبة ومملّة وضعيفة واهنة . إن أمر تقدم المجتمعات مرهون بمقدار دعم الأعمال المبتكرة والمبتكرين على المستويين المادي والمعنوي .
تبرز أهمية الفرد في المجتمع في أنه يمثل نواة الجماعات الإنسانية التي تشكل المجتمعات . ويملك الفرد طاقات وقابليات وقدرات متعددة كامنة . إن استثمار هذه الطاقات والقابليات والقدرات يعود بالنفع على الفرد والمجتمع معا . ومن أجل استثمار هذه الطاقات والقابليات والقدرات فلابد من إخضاع الفرد إلى تربية عامة وإلى تربية خاصة بالابتكار ووسائل تحقيقه . يكون ترك الفرد من دون استثمار هذه الطاقات والقابليات والقدرات هدرا للفرد بشكل خاص والمجتمع بشكل عام . ومثل هذا الفرد كمثل فقير يملك خزائن ثمينة مطمورة تحت مسكنه لا يدري عنها شيئا ، فلا يصرف الجهود اللازمة من أجل إخراج هذا الكنز إلى حيّز الوجود . يعيش هذا الفرد حياته فقيرا ويموت فقيرا . يكون الابتكار بذلك ضروريا لكل فرد ، وتبرز أهمية الابتكار بشكل خاص بعد التأكيد الذي برز من أن كل فرد يمكن أن يكون مبتكرا ومبدعا فيما إذا حصل على التربية والتدريب في هذا الخصوص .
إننا نعيش في عصر ثورة تكنولوجية . لقد أضحت التكنولوجيا المتقدمة هي التي تشكّل أساس التنمية والتقدم . واحتلّت تكنولوجيا المعلومات البارزة في تكنولوجيا الآلة المبرمجة ( الحاسب الآلي ) مقدمة القطاعات التي تدرّ الأموال الطائلة لأصحاب الاستثمارات . إن التكنولوجيا أثر من آثار العمل المبتكر الخلاق ، وميدان خصب جدا للابتكار لا ينضب ماؤه أبدا .
يواجه القطاع الصناعي المحلي في أي بلد من بلدان العالم خيارات ثلاثة لا رابع لها : وهي التقليد والتطوير والكشف أو الاختراع . الاختراع هو المرحلة الأخيرة من الإنتاج ، وهو إنتاج مصادر الإنتاج وامتلاكه ، أي إنتاج الأجهزة والآلات والأدوات الخاصة بالإنتاج . الاختراع هو إنتاج شيء جديد ، والحصول على براءة الاختراع . يحتاج الأمر إلى فرق عمل محلية أو أجنبية تضم مهندسين مختصين في الجوانب المختلفة من القطاع الصناعي . ويتضمن الاختراع الشيء القليل من الاعتماد على الآخرين ، ويتطلب الكثير من الابتكار ، مع الاستفادة من خبرات الآخرين . تكسب المبادآت والمبادرات في الاستثمارات الجديدة في التصنيع أصحابها أرباحا طائلة . إن الأوائل في الميدان يحصلون دائما على حصة من السوق هي أعلى من غيرهم . إن الصناعة المبتكرة تربح أكثر من الصناعة التي تعتمد على التقليد .
لقد وفرت التكنولوجيا الحديثة التي تطورت أكثر من ذي قبل وتواصل تطورها في كل آن وحين إمكانات هائلة بفضل الأقمار الاصطناعية ومحطات الإذاعة والقنوات التلفازية الفضائية وشبكات الكومبيوتر . لقد سهّل كل ذلك الوصول إلى المواطنين وهم في عقر دورهم . تكمن خطورة وسائل الإعلام هذه من أنها تعبر الحدود الدولية من دون جوازات سفر ، وتدخل البيوت من دون طلب أي إذن بالدخول . ومن هنا فإنها تربي مواطنينا في عقر دورهم بالشكل الذي قد لا نرغب فيه ، وما هو على عكس تربيتنا الوطنية القومية .
الفرد نواة الجماعات التي تكوّن المجتمع ، والمجتمع إنما يتكوّن من الأفراد والجماعات . وتنمية الابتكار لدى الأفراد تعني تنمية الابتكار لدى المجتمع . على أن للمجتمع تشكيلا خاصا من العلاقات والتنظيمات والمؤسسات التي تؤثر بدورها هي الأخرى في الأفراد . كما أن الأفراد يحتاجون إلى الابتكار في علاقاتهم المختلفة فإن المجتمع هو الآخر يحتاج إلى الابتكار في تنظيم علاقاته الداخلية والخارجية بتنظيماته ومؤسساته المختلفة . إن أمر تشجيع تنظيمات ومؤسسات المجتمع للابتكار مهم جدا في تطوير الابتكار لدى أفراد ذلك المجتمع ، ذلك لأن ما يشجعه المجتمع يجده أمامه ، وما يزرعه سيحصده في مستقبل الأيام .

أ.د. امل
28-08-2003, 01:26 PM
تقنية إثارة الابتكار في القراءة
مقالة للأستاذ الدكتور أنور طاهر رضا
جامعة ايجة – كلية التربية – رئيس قسم تكنولوجيا التعليم والحاسوب الآلي نشرت في (2001) في مجلة المنهل السعودية , المجلد 63 العدد (573 و 574) , الصفحات 98-103 و 106-115.

المقدمة :
القراءة والكتابة وسائل اتصال اكتشفهما الإنسان منذ آلاف السنين . ولا زالت هذه الوسائل تحافظ على مكانتها رغم التقدّم التكنولوجي وإيجاد وسائل أخرى جديدة للاتصال قد تبدو في الظاهر بديلة لها . ينهل الإنسان العلوم الغنيّة الموجودة في طيّات المنشورات والمخطوطات بواسطة القراءة . يسجّل ما يودّ أن يعبّر عمّا يجول في خواطره بواسطة الكتابة . تحافظ الكتابة على الأفكار المختلفة قدر ما تكون هذه الكتابة محفوظة حفظا سليما . وتفهم مقاصد الإنسان المختلفة ، ضمن ما تفهم ، بقراءة ما كتبه ودوّنه . وهذا يعني أن الكتابة إنما تتطلب القراءة . ذلك لأن الإنسان لا يكتب لنفسه ، بل يستهدف أصلا نقل أفكاره إلى الآخرين . وما كتب شيء إلا ليقرأ سواء كان من قبل صاحبه أو من قبل الغير . وبدون القراءة تبقى الكتابة رموزا غير مفكوكة ، لم تصل إلى أغراضها بعد ، ولم تؤد وظيفتها الأساسيّة .
ورغم أن القراءة والكتابة مستقلّتان عن بعضهما البعض إلى درجة ما ، إلا أنّهما تكادان تشكّلان وجهي عملة واحدة يكمل أحدهما الآخر . على أنّه ليس بالضرورة أن يتعلّم شخص ما تعلّم القراءة الكتابة أيضا . وهناك في المجتمع أفراد يقرؤون ولا يكتبون . ولا يستطيع هؤلاء تسجيل ما يدور في خواطرهم من أفكار ، وقد يلجأون من أجل ذلك إلى الاتصال اللفظي . على أن الذي يتعلم القراءة يتعلّم معها الكتابة أيضا في معظم الأحيان .
يسمّى الفرد الذي لا يعرف القراءة والكتابة أمّيا ، والأمّي جاهل يعيش في دهاليز الظلام التي لم تصلها أنوار العلم والمعرفة . يقاس تقدم المجتمعات في هذه الأيّام بنسبة قضائها على الأمّية . أي بمقدار ما يستطيع أفرادها إتقان القراءة والكتابة . والأمّية آفة من آفات هذا العصر ، وأينما انتشرت انتشر معها الفقر والمرض . ويكون الجهل والفقر والمرض ثالوثا يعرقل تقدم المجتمعات . صرفت المجتمعات المهتمّة بالتعليم ، ولا تزال تصرف مبالغ هائلة من أجل القضاء على الأمّية . لقد سبقت البلدان المتقدّمة البلدان النامية في هذا المجال ، وانخفضت فيها الأمّية انخفاضا كبيرا ، ووصلت ما وصلت إليه من تقدّم ورقيّ . ولا تزال أمم نامية كثيرة تتخبّط في هذا المجال الذي يشكّل عائقا مهمّا أمام تقدّمه وتنميته .

لماذا نتعلم القراءة ؟
تحتلّ القراءة مكانة مهمة جدا في حياة الإنسان . ذلك لأنها تخلّصه من الظلمات ، وتوصله إلى النور . تنقذه من العمى ، فيمسي بصيرا ينظر إلى الأمور بعين العقل والعلم . ولا تستوي الظلمات والنور ، ولا يستوي الأعمى والبصير . تساعد القراءة الإنسان على الخروج من غيابات الجهل ، وتنقله إلى فضاء المعرفة الفسيحة . تصقل القراءة شخصية الفرد بمقدار ما ينهل وما يتعلم . وهو عندما ينهل بها ثقافة مجتمعه ، إنما يتكيّف بالشكل الذي يريده المجتمع . ويضمن له ذلك سهولة التفاهم وحسن المعاشرة ، ويسر التكيّف مع أفراد المجتمع الآخرين . يرتاد الإنسان بالقراءة الثقافات العالمية الزاخرة ، فيتعلّم ما يفكر به الغير ، وكيف يفكّرون .
ومن الجدير بالذكر أن يكون أول أمر ربّاني للرسول محمد (ص) والإنسانية جمعاء هو القراءة ، وأن يقرن أمر القراءة هذا بصفة الخلق الربّانية . يتوالى الأمر الربّاني بالتذكير بأنّه هو الذي علّم الإنسان بالقلم ما لم يعلم ، والقلم أداة الكتابة لدى الإنسان . ويظلّ جبريل يكرّر هذا الأمر الربّاني على الرسول محمد ( ص ) عددا من المرات ، مما يعكس على ما فيه من أهميّة بالغة . وكلّما استجاب الرسول محمد ( ص ) بأنّه إنما لا يعرف القراءة كلّما أصرّ جبريل على تكرار أمر ربّه . ولقد أدرك الرسول محمد (ص) أهمية هذا الأمر منذ الأيّام الأولى من نبوّته ، فبدأ ينشر رسالته بين أفراد عائلته وأبناء قومه . وقد أرسيت دعائم هذه الرسالة بشكل أساسي على قراءة القرآن وتطبيق تعاليمه . وإيمانا من الرسول محمد (ص) بأهمية القراءة في حياة المجتمع ، ورغم أن الدعوة كانت لا زالت في أيّامها الأولى ، فانّه سلك سلوكا خاصّا لم يضاهه أحد قطّ في مثل هذه الظروف . لقد اشترط على كلّ أسير بعد معركة بدر تعليم عشرة من أطفال المسلمين القراءة والكتابة مقابل إطلاق سراحه . وقد حثّ الإسلام على القراءة والكتابة ، واعتبر قراءة القرآن والعلوم الأخرى مطلبا أساسيّا من مطالب هذا الدين الحنيف .
لقد كانت القراءة أول أمر ربّاني لأهميتها البالغة في حياة الأفراد والمجتمعات على السواء . ولم تنته الأوامر الدينيّة عند هذا الحد ، بل توالت تحثّ على التعلم والتعقل والتدبّر والتفكير الحازم في مخلوقات الله والكون والسماء ، وطلب العلم من المهد إلى اللحد حتى ولو كان في الصين . وجميع هذه الأمور متعلقة بالقراءة عن كثب . لقد فرض العلم على كلّ مسلم ومسلمة . ولن يتمّ تعلم أي علم بدون قراءته . خصّص الإسلام لمن يؤدي فرض القراءة أجرا عظيما ، وواعد من يتركه جزاء وبيلا . لقد حمّل القرآن على الفرد مسئولية كبيرة في هذا الخصوص ، وواعد المخالف لذلك عقوبة خاصّة يوم الآخرة . لقد واعد الله تارك قراءة القرآن بحشره أعمى يوم القيامة . وهي عقوبة خاصّة تحمّل العين على ما تحمّلها من بين الوظائف المختلفة وظيفة القراءة بشكل صريح وبيّن ، ويحسب الذي لا يقرأ كالأعمى ، وشتان بين الأعمى والبصير . يتعلم المسلم بالقراءة دينه ودنياه على السواء . وقد أقام الإسلام توازنا دقيقا بين الدين والدنيا ، حتى أضحى ما يتعلمه الإنسان لدنياه في مصاف العبادات .
القراءة ضرورة من ضرورات الحياة ، يحتاج إليها كل إنسان مهما كانت مرتبته وجنسه وجنسيته ولونه ودينه . كما أن الإنسان يحتاج إلى مأكل ومشرب وملبس لسدّ احتياجاته الجسدية فانّه إنّما يحتاج إلى قراءة لسدّ احتياجاته الذهنية . ولهذا فقد قيل بأن القراءة غذاء الفكر والذهن والروح . ويتمخضّ عن ذلك أن تكون القراءة إضافة إلى ذلك متعة فريدة شيّقة ولذيذة من متع الحياة الدنيا ، لا تعادلها متعة أخرى قطّ . كما أن الإنسان يسدّ احتياجاته الجسدية بالأكل والشرب ويستمتع بهما إنّه إنما يسدّ بالقراءة احتياجاته الفكرية والذهنية والروحية ويستمتع بها أيضا . يتعلّم الإنسان القراءة منذ الصغر . لقد أكّدت ثقافتنا على هذا الأمر ، وجعلت العلم في الصغر كالنقش على الحجر . والصغير عندما يقرأ يستمتع بالقراءة ، ثم يجعلها فيما بعد جزء لا يتجزأ من حياته اليوميّة . ومن دون ذلك يكون الإنسان قد حرّم من هذه المتعة ، التي لا يمكن أن تعوّض بغيرها أبدا .
لقد استخدم القرآن الكريم الجهل في سورة يوسف بمعنى الطيش ، لما يتصف به الجاهل من اندفاع للأمور من دون تروّي ، مما يؤدي به إلى الوقوع في أخطاء فاضحة . يتعلّم الإنسان بالقراءة ما لا يعلم ، فتغذّى الفكر وتصقله وتهذّبه وترفعه مراتب سامية وراقية . لقد قيل في مأثور الكلام أن خير صديق للإنسان هو الكتاب . والهدف من ذلك هو التشجيع على مصاحبته وقراءته والاستئناس به . وقد سمّي القرآن بهذا الاسم للتأكيد على قراءته ، وقد أمر بقراءته على مكث (سورة الإسراء : الآية 106 ) أي على مهل وتؤدة للتفكير والتدبّر فيه . وطلب ممن يتواجد عند قراءتها الاستماع والإنصات .
يتحوّل الإنسان بالقراءة من أمّي إلى متعلّم ، ومن جاهل إلى مثقّف ، ومن متقوقع على نفسه إلى اجتماعي ، يرغب في نشر ما قرأه إلى غيره من الناس . توسّع القراءة أفاق المرء ، وتقضي على القوالب الذهنية التي تتحكّم في حياته ، وتحلّ محلها المرونة والانفتاح . ويستفيد الإنسان بذلك من خبرات الآخرين في كل مجال من مجالات الحياة ، وينظر إلى الأمور من زوايا مختلفة ، ويحسب لها حسابات شتّى .
تنتشر المدنية الحديثة وتنتقل من جيل إلى آخر بالمواد المكتوبة . ورغم أن المواد المسموعة والمرئيّة والمصوّرة التي تذاع بالراديو ، وتبثّ بالتلفزيون ، وتنقل بالآلة المبرمجة (الحاسوب الآلي) تحتلّ مكانة مرموقة في هذه المدنيّة ، وتتوسّع مجالاتها يوما بعد يوم ، إلا أن هناك تراثا ضخما مكتوبا بين طيّات الكتب والمجلات والجرائد والمنشورات الأخرى من اطروحات ورسائل ودوائر معارف وقواميس . وإذا كان ولابد من الإطلاع على هذا التراث الثريّ القومي منه والعالمي على السواء ، فلابد من القراءة التي تعوّض الحرمان الذهني بالثراء والغنى .
إن المدنيّة الحديثة أمانة أودعها الجيل السابق في كاهل الجيل الجديد . لا تتطلب هذه الأمانة الاحتفاظ بما يستلم من الجيل السابق فحسب ، بل ينبغي تطويرها نحو الأحسن ، لكي تؤدي وظيفتها بالشكل الصحيح . ولن يتمّ ذلك إلا إذا تعلّمنا وعلّمنا الجيل اللاحق القراءة والكتابة خير تعليم ، وأبدعنا في مثل هذا التعلم والتعليم .

ما هو الابتكار ؟
يعيش العالم اليوم في صراعات مستميتة من أجل ضمان منافع خاصّة في مستوى الأفراد والجماعات والمجتمعات على السواء . وأينما تجد صراعا تجد غالبا ومغلوبا أو مستغِلا ومستغَلا . وما من سبيل لكسب هذه الصراعات إلا بقدر ما يظهر الأفراد والجماعات والمجتمعات من الابتكار ، الذي يضمن غلبتهم على غيرهم . ولكي لا يكون الإنسان مغلوبا على أمره أو مستغَلا من قبل الآخرين ، فلابد له أن يكون مبدعا ومبتكرا . فالابتكار ضرورة من ضرورات الحياة المعاصرة ، التي يحتاج إليها الإنسان في كل آن وحين من أجل ضمان مصالحه ، وتحقيق مآربه ، والعيش عيشة سعيدة . يستطيع كل فرد أو جماعة أو مجتمع أن يكون مبتكرا ، فيما إذا استثمر وقته في هذا المجال ، وتعلّم وسائل تحقيقه . تنمّي التربية الابتكار أضعافا مضاعفة . وحيث أن الابتكار مطلب يومي يحتاج إليه كل فرد ومجتمع من أجل إدارة شؤونه على أحسن وجه ، فإنه يخلق الحيويّة والنشاط المستمرّين ، اللذين يكسبان الحياة المعنى وتذوق طعمها .
الابتكار في أوسع معانيه تحطيم القوالب الموجودة ، والانفتاح على خبرات الآخرين ، والخروج عن المألوف ، والمباشرة بالخطوة الأولى نحو ما هو غير معروف ، وكسر قيود الفكر المفروضة على الفرد ، ووضع خط جديد للفكر ، وطرح بدائل مختلفة لمشكلة معروضة ، وارتياد طريق آخر غير الطريق الرئيسي الذي يسلكه الآخرون ، وإيجاد شيء جديد يؤدي إلى إيجاد أشياء أخرى ، والتوصّل إلى إيجاد علاقات جديدة بين الأفكار المطروحة ، وطرح فكرة جديدة ، وإيجاد وسيلة أو طريقة غير معروفة سابقا ، وارتياد مكان جديد ، أو كشف شيء غير معروف ، واختراع آلة أو جهاز جديد يفيد الإنسان . وما من شكّ في أنّ كل هذه الأمور إنما يحتاج إلى قراءة مستمرّة ومبتكرة في آن واحد . ومثلما ربط القرآن بين القراءة وصفة الخلق الربّانية ، يمكن ربط القراءة بالابتكار الإنساني . على أن الخلق الربّاني ينفرد بكونه من لاشيء ، بينما يكون الابتكار الإنساني من أشياء موجودة فعلا ، تساهم في تشكيل المواد الخام للشيء الجديد المبتكر .

ماذا نقرأ ؟
نقرأ في كل يوم أشياء شتى متباينة . تصنّف هذه الأشياء تصنيفات مختلفة ، تتضمن موادا مطبوعة أو مخطوطة على الأوراق وموادا سمعية أو ضوئية تكنولوجية . تتضمن الكتابات المطبوعة والمخطوطة الصحف والمجلات والكتب ودوائر المعارف والقواميس والاطروحات والرسائل والمخطوطات ، بينما تتضمن المواد السمعية والضوئية التكنولوجية الكتابات المسجلّة على أجهزة التسجيل والضوئية التي تنار بالإعلانات أو التي تنقل من شاشات التلفزيون والآلة المبرمجة ( الحاسوب الآلي ) .
تنبع قراءة المواد المتباينة من أسباب عديدة تختلف من شخص إلى آخر . وقد يدفع سبب واحد شخصا معيّنا إلى القراءة ، بينما تتجمّع كلّ هذه الأسباب لدى شخص آخر . على أن المواد المقروءة يمكن تصنيفها من ناحية أخرى تصنيفا متباينا كما يأتي :

• قراءة القصص :
يجنى الإنسان فوائد شتى ومتباينة من قراءة القصص . وليس من الغريب أن يتضمن القرآن قصصا لطيفة وسلسة جدا ، تحمل بين ثناياها حكما وعبر غنيّة . لقد كانت هذه القصص خير القصص وأفضلها وأحسنها على الإطلاق . ( نحن نقصّ عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين ) ( سورة يوسف : الآية 3 ) . يشمل أمر قراءة القرآن ككلّ متكامل هذه القصص أيضا . وهذا يعني أن قراءة هذه القصص إنما فرضت على كلّ مسلم ومسلمة (… فاقصص القصص لعلهم يتفكّرون ) (سورة الأعراف: الآية 176 ) . ولا يخلو هذا الأمر من حكم ربّانية سامية . لقد أشار رضا ( Riza, 1999; 187-190 ) إلى فوائد مهمّة جدا لقراءة القصص بحيث تنفع الإنسان في جوانب كثيرة من حياته . إملاء وقت فراغ الفرد بما يفيد وينفع مهمّ جدا من جوانب عديدة . ذلك لأن العادات الحميدة التي تكون جزء لا يتجزأ من حياة الإنسان إنما تتشكّل بمرور الأيام . تعتبر الهوايات من هذه العادات ، والقراءة إحدى الهوايات المهمّة التي لابدّ من تشكيلها لدى كل فرد . تلعب قراءة القصص الشيّقة دورا مهما في تكوين هذه العادات . تكون الأحداث التي تدور في هذه القصص وسيلة لجذب الإنسان إلى القراءة وضمان الاستمرار فيها . تتحوّل هذه العادات بالتدريج إلى هوايات يستمتع بها الإنسان ، ويقضي معها فترات سعيدة من حياته . أضف إلى ذلك فان عدم إملاء وقت الفراغ بما ينفع ويفيد قد يسبب في تعرّض الإنسان إلى مفاسد وشرور هو في غنى عنها . ولهذا السبب فقد قيل أن الفراغ مفسدة . ولاشك أن أمر تجنب المفاسد والشرور مهم جدا في كل من المستويين الشخصي والاجتماعي .
تكسب القصص الفرد ثروة لغويّة غنيّة تفيده في التعبير اللفظي أو الكتابي عما يجول في ذهنه . ولما تملكه القصص من جاذبية ، فهي إنما تعوّد الفرد على القراءة بدون ضجر أو كلل أو ملل . تطوّر القصص لدى الفرد مهارات البحث والدراسة . تغني القصص من ناحية أخرى خياله وتوسع آفاق تفكيره . ترفع القراءة تحصيل الفرد وتطوّر اتجاهاته وتنمّي الابتكار لديه . تقوّي قراءة القصص شخصيّة الفرد ، لما لأبطال القصة من تأثير واضح عليه كأسوة حسنة ، وتساعده في علاج مشاكله النفسيّة . لقد وجد أن قراءة القصص إنما تؤدي إلى استخدام فصي المخ في آن واحد . يتطلب التفكير في التعبير اللغوي استخدام الفص الأيمن ، بينما يتطلب تجسيد أحداث القصة استخدام الفص الأيسر منه . وفي استخدام فصي المخ في آن واحد إثارة للابتكار والإبداع . ولما كانت هذه الفوائد ذات قيمة كبيرة لا يمكن الاستغناء عنها في أي حال من الأحوال ، فان قراءة القصص تصبح أمرا من الأهمية بمكان لكلّ فرد من أفراد المجتمع .

• قراءة في الثقافة العامة :
تتضمن القراءات في الثقافة العامة جانبين مهمّين في آن واحد ، لا يقلان أهمية عن بعضهما البعض . يتضمن الجانب الأول قراءات في علوم أخرى من غير الاختصاص ، ويتضمن الجانب الثاني قراءات في ثقافات المجتمعات الأخرى .
يحتاج الإنسان إلى مقدار من الثقافة العامة في علوم أخرى من غير الاختصاص ، لكي ينظر إلى الأمور التي تجري في الحياة بمنظار علمي آخر . يكون الإنسان بدون هذه الثقافة العامّة معرّضا للشعوذة والدجل والسحر والمغالطات والأوهام والخرافات . يعمل التزوّد بمناهل العلوم المختلفة وظيفة وقاية الإنسان من هذه الشرور المنتشرة في جوانب الحياة المختلفة . تشمل هذه الثقافة العامّة جوانب العلوم الإنسانية وغير الإنسانية المختلفة من دين وتربية وعلم نفس وفلسفة وعلم اجتماع وأدب وعلوم طبيعية ورياضيات وفنون جميلة . تكون هذه الثقافة العامّة وسيلة لتمشية أمور الإنسان العائلية والمهنية والاجتماعية اليومية بما ينفعه ويفيده . تكون هذه الثقافة أيضا عاملا مشتركا مهمّا للتفاهم مع من يعملون في ميادين أخرى للاستئناس بآراء بعضهم البعض . تلعب هذه الآراء من زاوية الابتكار والإبداع دورا بالغا كمثيرات تولّد أفكارا جديدة .
يعكس تراكم المعلومات في الميادين الأخرى من غير الاختصاص ثقافة الفرد العامة . هذا ومن الجدير بالذكر أن القراءات في الميادين الأخرى مهمّة بقدر أهمية القراءات في الاختصاص نفسه . يعتبر تنويع الثقافة العامّة أمرا مهمّا جدا من زاوية الكشف المبتكر . يكون المبتكرون في معظم الأحيان ممّن يملكون ثقافة عامّة غنيّة . توفّر هذه الثقافة العامة فرصة لكشف علاقات جديدة ومجالات مشتركة بين ميدان الاختصاص وميادين الثقافة العامة الأخرى . وهو أمر تؤكد عليه تعاريف الابتكار والإبداع .
والقراءات في علوم أخرى من غير الاختصاص مهمّة لأنها تثير الابتكار والإبداع والكشف لدى الفرد . ذلك لأن الفرد يستطيع أن يستعير شيئا ما كان قد استخدم بنجاح في علم معين ويطبّقه في ميدان اختصاصه . وتأريخ الكشوف مليء بمثل هذه الأمثلة . ولما كان علم الفيزياء أسبق العلوم تقدّما وأرسخها استقرارا ، فقد استعار العلماء منه طرائق بحثه المختلفة ، واستخدموها في علوم أخرى أجدد منه نشأة وأقلّ منه استقرارا .
يتساءل بابانك ( Papanek, 1978: 131- 132 ) في ميدان اختصاصه التصميم ، الذي يحتاج إلى الكثير من الابتكار والإبداع ، عن كيفية تطوير تصميم معين ، مشيرا بذلك إلى نوع من الإجماع الموجود في المدارس ومحلات العمل ، سواء كان ذلك في مجتمعه أو المجتمعات الأخرى . يتضمن هذا الإجماع فكرة مفادها أنه لابد للمصممّين والطلاب من أن يطّلعوا على علوم أخرى من غير الاختصاص . وبذلك يمكنهم من نقل مفاهيم العلوم الاجتماعية وعلوم الحياة وعلم الإنسان والسياسة والعلوم المشابهة إلى ميدان التصميم . وإذا كان هذا الأمر صحيحا فيما يخص التصميم فإنه يصحّ أيضا بالنسبة للعلوم الأخرى .
وفي هذا المجال يطلق أبستين ( Epstien, 1996; 78 ) على تنويع الثقافة اسم طريقة التوسيع ( broadening ) . ويرى بذلك أن مشكلة التربية التقليدية أنها تتضمن مواضيع في الثقافة العامّة إلا أنها لا تخصصّ الوقت الكافي للابتكار .
تتضمن ثقافة المجتمعات الأخرى أهمية بالغة في استعارة أشياء ، كانت قد استخدمت بنجاح في مجتمع معين ، لكي تستخدم في مجتمع آخر . تتضمن هذه الاستعارات جانبين مهمّين لا يقلان أهمية عن بعضهما البعض . الجانب الأول مادّي ، والجانب الثاني معنويّ . تعتبر استعارة الجوانب الماديّة أسهل من استعارة الجوانب المعنويّة . تلقى الاستعارات المعنويّة ردود فعل اجتماعيّة ، وخاصّة إذا كانت تمسّ المعتقدات والعادات والتقاليد والأعراف والقيم الاجتماعية الراسخة .
تلعب وسائل الاتصالات التكنولوجية الحديثة اليوم من راديو وتلفزيون وآلة مبرمجة ( حاسوب آلي ) إضافة إلى القراءات دورا مهما في إغناء ثقافة الفرد العامة من كلا الجانبين المادّي والمعنويّ . تحققّ الأفلام الوثائقية التي تبثّ من قنوات التلفزيون هذا الهدف خير تحقيق . تغني المناقشات والمؤتمرات والندوات العلميّة التي تقام في الجامعات ، وتنوّع الثقافة العامة للمشتركين من غير أهل الاختصاص .


• قراءة في الاختصاص :
كانت الفلسفة في سابق العصور أمّ العلوم قاطبة ، وتضمّ بين أجنحتها العلوم كل العلوم . وكان الفيلسوف بذلك عرّافا يفتي في كل شيء . ومع نشأة المدنيّة الحديثة فقد تكوّنت علوم جديدة ، وانسلخت هذه العلوم شيئا فشيئا عن أمّها الفلسفة ، واستقلّت بنفسها ، وأضحى علماء مختصون فيها يتولّون أمر نشرها والإفتاء فيها .
المدنية الحديثة عبارة عن تراكمات علميّة بالغة تمخضّت عن أعمال شاقّة ساهمت فيها نخبة كبيرة من العلماء ، من كل لون وعرق وجنس ، منذ بدء التأريخ وحتى هذا اليوم . ولهذا السبب لا يمكن أن تنسب هذه المدنيّة إلى شعب أو مجتمع أو عرق دون غيره . فهي ملك الكلّ وللكلّ . لقد توسّع العلم نتيجة هذه الجهود المبذولة توسّعا هائلا منقطع النظير . وقد لعب التطور التكنولوجي ووسائل الاتصالات دورا كبيرا فيما يسمّى بالانفجار المعرفي الذي يعيشه الإنسان في هذه الأيّام . وحسب هذا الانفجار المعرفي فإن العلم ، وأي علم ، إنما يضاعف نفسه في كل بضعة من السنين . وتتقلّص أعداد هذه السنين كلّما تركنا الماضي وتوغّلنا في المستقبل . لقد ظهرت نتيجة هذه الجهود الجبّارة مجالات جديدة ، وتشعّبت اختصاصات دقيقة جدّا لم تكن معروفة من ذي قبل .
القراءة في مجال الاختصاص للتعمقّ ضرورة مهمّة من أجل التقدّم في هذا المجال المعين . يحتاج هذا الأمر إلى قراءة الإنسان في مجال الاختصاص لما فيه الكفاية ، بحيث يمكن أن يكون مختصّا في هذا الميدان . يساعد التعمّق في هذه القراءات المختصّ على أن يساهم هو الآخر شخصيّا في تطوير المواد التي يقرأها . تستهدف هذه القراءة الاستفادة مما توصّل إليه العلم بجهود العلماء الآخرين في بقاع مختلفة من العالم . ولذلك يستغنى من أمر تكرار ما قاله أو فعله الآخرون ، وبالتالي يتخلّص الإنسان من تكاليف كشف أمريكا مرة أخرى . تؤدي القراءة من أجل التعمّق في العلم بالتالي إلى تطوير الأفكار التي جاء بها الآخرون ، والمساهمة الفعّالة في إضافة أشياء جديدة إلى هذا العلم ، ودفع عجلة المدنيّة الإنسانية بالتالي خطوة أخرى إلى الأمام .

أنواع القراءات :
توجد هناك أنواع عديدة ومختلفة من القراءات التي ندرجها في أدناه كما يأتي :
• القراءة الاعتيادية والقراءة السريعة : القراءة الاعتيادية هي تلك القراءة التي تتم بالسرعة الاعتيادية المعروفة للجميع . على أن العصر الذي نعيش فيه هو عصر السرعة وانفجار المعرفة ، ولا يملك الإنسان العصري من الوقت ما يكفيه لنهل العلوم الغزيرة . ولهذا السبب فقد كانت هناك حاجة ماسّة إلى القراءة السريعة التي يتمّ فيها التركيز على الأفكار أكثر مما يتمّ فيه الوقوف على الكلمات المكتوبة . يركّز في قراءة العلوم الأجنبية على أواسط الصفحة . غير أن تراكيب اللغات الأجنبية تختلف عن تراكيب اللغة العربيّة . تركّز تراكيب الجمل في اللغة العربية على الأفعال التي توضع في بدايات الجمل على الأكثر . لهذا ينصح القارئ بالتركيز على هذه الأفعال ، والمرور على باقي الجمل بسرعة خاطفة .
• القراءة الصامتة والقراءة الصائتة : القراءة الصامتة هي تلك القراءة التي تتمّ بالنظر إلى الكلمات ، وتحريك الشفاه أو دون تحريكها ، دون إفساح المجال للآخرين لسماع ما يقرأه الإنسان . أما القراءة الصائتة فهي تلك القراءة التي يتمّ فيها إخراج ألفاظ المواد المقروءة بحيث يمكن سماعها من قبل الآخرين أو الشخص نفسه . تتميز القراءة الصامتة بكونها مريحة لمن يحيط بالشخص ، وغير متعبة بالنسبة للفرد نفسه . أما القراءة الصائتة فإنها تتميز بسماع ما يقرأ ، إضافة إلى رؤية الألفاظ المكتوبة . تكون المواد التي تقرأ بهذه الطريقة من هذا المنطلق أكثر ترسيخا في الذهن لاشتراك حاستي السمع والبصر في التعلم .
• القراءة الهادفة والقراءة العابرة : القراءة الهادفة هي تلك القراءة التي يبحث فيها القارئ عن شيء يهمّه وينفعه . أما القراءة العابرة فهي تلك القراءة التي تكون عامّة ، يمرّ عليها المرء مرّ الكرام بقصد الإطلاع ، ولا يستهدف منها شيئا معيّنا بالذات . وكلا من هاتين القراءتين ذات أهمية كبيرة من وجهة نظر الابتكار والإبداع والكشف والاختراع .
• القراءة الإستجمامية والقراءة الدقيقة : القراءة الاستجمامية هي تلك القراءة التي تكون للاستمتاع وقضاء وقت الفراغ ومن اجل الحصول على الثقافة العامة . أما القراءة الدقيقة فهي تلك القراءة التأملية التي يستهدف منها الإفادة من المواد المقروءة توّا أو لاحقا . لذلك يقوم القارئ بتسجيل الملاحظات اللازمة والاحتفاظ بها لهذا الغرض للاستفادة منها في المستقبل . تعتبر هذه الطريقة الأخيرة مهمة جدا من زاوية الابتكار والإبداع . ولا تخلو القراءة الاستجمامية من أهميّة لهذا الغرض لأنها تزوّد الفرد بمثيرات جديدة .
• قراءة المرة الواحدة والقراءة المتكرّرة : قراءة المرة الواحدة هي تلك القراءة التي تؤدى لمرّة واحدة دون تكرار . ولا يهتمّ الإنسان كثيرا بما يحتفظ منها وما ينساها . ويتمّ في العادة نسيان نسبة منها ، قد تكون كبيرة ، بعد القراءة مباشرة . تزداد هذه النسبة في العادة بمرور الزمن . أما القراءة المتكرّرة فهي تلك القراءة التي يتمّ فيها تكرار المواد المقروءة أكثر من مرّة واحدة . وكلّما زاد عدد مرات التكرار كلّما زاد تذكّر نسبة أكبر منها . لا تخلو القراءتان من أهمية من وجهة نظر الابتكار ، رغم ما تبدو أن القراءة المتكررة أثقل كفّة من صاحبتها .
• القراءة للحفظ والقراءة للفهم : القراءة للحفظ هي تلك القراءة التي يقصد منها حفظ المواد المقروءة ، وقد يهتم القارئ بالألفاظ أكثر مما يهتم بالمعنى . قد يكون الحفظ آليا ، وقد يكون مبنيّا على الاستيعاب والفهم . القراءة للفهم هي تلك القراءة التي يركّز فيها على المعنى أو المحتوى ، وقد تستخدم في إعادة المواد المقروءة ألفاظ غير تلك الألفاظ التي استخدمت في النصوص الأساسية . وهو أمر له علاقة ماسّة بالابتكار . قراءة الفهم أهم من قراءة الحفظ من زاوية الابتكار ، على أنه لا يمكن الاستغناء عن الأولى للحاجة الماسّة إلى إيراد النصوص أحيانا .
• قراءة المكتوبات وقراءة المصوّرات : قراءة المكتوبات هي قراءة الكلمات والألفاظ والجمل والعبارات . أما قراءة المصوّرات فهي قراءة الصور والرسوم واستخراج المعاني الكامنة فيها . أي تحويل الصور والرسوم إلى كلمات وجمل وإفادات منطوقة أو مكتوبة . تحويل الكلمات المكتوبة إلى صور ورسوم ، وتحويل الصور والرسوم إلى كلمات مكتوبة تدريب ذو أهمية كبيرة يطوّر الابتكار والإبداع لدى الأفراد .
• قراءة ما يحبّه الإنسان ويهواه وقراءة ما لا يحبه ويهواه : تنبع قراءة ما يحبّه المرء من اختيار مواد القراءة بمحض من إرادته وطلب في نفسه . ويتمّ اختيار ما يحبّه وما يهواه من عادة يكتسبها الإنسان بمرور الأيام تلعب دورا مهما في تشكيل ميوله واتجاهاته ومن ثم قيمه . حتى إذا ما تمّ تشكيل هذه الميول والاتجاهات والقيم فإن الساعات التي يقضيها الإنسان في القراءة تتحوّل إلى ساعات من الراحة والمتعة والسعادة والشعور بالرضا والتلذّذ وانشراح الأسارير وبشيء من الاطمئنان النفسي . وهكذا يكون الإنسان مرافقا ومصاحبا خير صديق يتسامر معه ، ويقضي من عمره ساعات من الهناء وإرضاء النفس دون الشعور بالوحدة والانفراد والعزلة . قراءة ما لا يحبه المرء وما لا يهواه قراءة مفروضة عليه من قبل الغير أو حتى من قبل النفس دون الشعور بالرضا أو دون أن يكون هناك ميل صادر من هوى النفس . قد يفرض هذا النوع من القراءة على الفرد من قبل الوالدين أو القائمين بالتعليم أو حتى السلطات القائمة . قد يبدو للفرد من أوّل وهلة أن مثل هذه القراءة غير نافعة ، طالما أنها مفروضة عليه من قبل الغير . على أن الحقيقة ليست بمثل هذه البساطة . ذلك لأن هذه القراءة قد تكون مسبقة للقراءة الأولى قبل أن يشعر الإنسان بمتعة القراءة . وقد تكون هذه القراءة بهدف تزويد الفرد بالضروريات المشتركة من الثقافة العامة . على أن الإنسان يستطيع أن يفرض على نفسه قراءة شيء لا يحبّه ولا يهواه ، بهدف البحث عن علاقات يمكن أن تقام بين اختصاصه من ناحية وبين ما يقرأه بدون رغبة من ناحية أخرى . وفي هذا الصدد يقترح أبستين ( Epstien: 1996; 78 ) على كلّ فرد أن يشترك مرة واحدة كل سنّة على الأقل في دورة لتعلم موضوع يكرهه من أجل تطوير الابتكار لديه .
• القراءة المستمرّة والقراءة المتقطّعة : القراءة المستمرّة هي تلك القراءة التي يتمّ فيها العمل لساعات طوال بدون توقف . أما القراءة المتقطعة فهي تلك القراءة التي يتمّ فيها إعطاء فترات من الراحة التي تختلف من شخص إلى آخر . يبدو أن ربع ساعة من الوقت في كل ساعة من الزمن هو المعيار الأمثل للراحة . تساعد هذه الطريقة الذهن على الراحة والتركيز وجمع شتاته مرة أخرى . ولقد أكّد نبينا محمّد ( ص) على ذلك بقوله : روّحوا عن القلوب ساعة بعد ساعة ، فإن القلوب إذا كلّت عميت . تتضمن القراءة المتقطعة أيضا دراسة مواد مختلفة بالتناوب . وفي كلتا الحالتين ترجّح القراءة المتقطّعة على القراءة المستمرّة ، إلا إذا كان الأمر عفويا تلقائيا ، لا يروم الإنسان قطع ما هو فيه من استمرارّية في التركيز . قد يدأب العلماء على القراءة الغزيرة والمستمرّة ، وينسون أنفسهم وهم يبحثون ويقرؤون في جوّ خاص قد وفّروه لأنفسهم .
وإذا ما أستهدف التعمقّ في مجال من المجالات العلمية فلا بد من قراءة ما كتب في هذا المجال . تضمن القراءة المستمرّة الغزارة في تراكم المعلومات في ميدان من ميادين العلم . وما لم يتم ذلك فإنه يصعب التعويض عن أشياء كثيرة كان قد سبق إليها الغير . وهذا مما يفقدها أهميتها ، ويعني إسرافا في الوقت والجهد والمال .
تضمن لنا القراءة الغنيّة إضافة إلى تراكم المعلومات خلق فرصة تطوير المواد المقروءة . تُوفر القراءة للشخص من ناحية أخرى فوائد الإطلاع على الموجود الذي يساعده في النظر إلى الأمور من زوايا مختلفة ، وقد يخطو المرء خطوة أخرى إلى ما بعدها . قد يفتح الطريق لأفكار جديدة .
على أن القراءة الغزيرة قد تعيق اكتشاف ما هو جديد إذا ما تمّت بطريقة غير سليمة . ذلك لأن القارئ قد يبقى تحت تأثير المواد المقروءة ، فلا يستطيع أن يتجاوزها ، ويصاب بشيء من القنوط واليأس . وقد يفكّر بأن كل شيء قد اكتشف في هذا المجال ، وليس هناك من شئ جديد يمكن أن يضاف إلى ما هو موجود . على أن الأمر معكوس تماما . ذلك لأن المعرفة إنما تتضاعف بطريقة تشبه الانفجار تماما . وهذا يعني أنه كلّما تضاعفت المعرفة كلّما كانت هناك مجالات اكبر واحتمالات أكثر للتطوير والتوسيع .
يرى دي بونو De Bono: 1993: 43-45) ( أن هناك مصدرين للابتكار ، هما : خبرات الآخرين وبراءة الأطفال . يطلق على خبرات الآخرين بطريقة الابتكار الكلاسيكية . يحاول الفرد بهذه الطريقة امتلاك شيء كان قد امتلكه أفراد آخرون . على أن هذا الامتلاك يطغى عليه التقليد ، ويتضمن التقليد الشيء القليل من الابتكار . تفيد القراءة الغزيرة إذن الابتكار من ناحية ، وتعيقه من ناحية أخرى .
تعكس طريقة البراءة ( innocence ) الشيء الكثير من الابتكار . تقع هذه الطريقة في الجهة المعاكسة لطريقة خبرات الآخرين . تعتمد طريقة البراءة على ما لدى الأطفال من قابلية للابتكار الذي ينبع من براءتهم بسبب من النقص في غزارة المعلومات . ذلك لأن غزارة المعلومات قد ترسم حدودا يصعب اختراقها من قبل البعض .
ومن أجل حلّ هذا التناقض الموجود بين الطريقتين ، والاستفادة الكاملة من امتيازاتهما معا ، يُلجأ إلى طريقة القراءة المتقطّعة بدلا من القراءة لأيّام أو حتى لساعات طويلة . وهذا يعني أن الفرد يوقّف القراءة ، ويبدأ بالتفكير فيما قرأه ، ثم يقرأ من جديد ، ويفكّر مرة أخرى . وهكذا يستمرّ على هذا المنوال . ساعة من القراءة تليها ساعة من التفكير فيما قُرِأ خير من القراءة لساعتين متتاليتين . ويكون الفرد بذلك قد طبق بالقراءة طريقة خبرات الآخرين ، وطبّق بالتفكير طريقة براءة الأطفال . وتضاف بذلك أفكار جديدة للمواد المقروءة بتطبيق هاتين الطريقتين بالتناوب .
يؤكد دي بونو ( De Bono, 1993; 44 ) أنه ينبغي استخدام طريقتي خبرات الآخرين الكلاسيكية وبراءة الأطفال معا من أجل الحصول على المتراكم في المعلومات والإتيان بأشياء جديدة . تستخدم طريقة خبرات الآخرين عندما يراد الدخول إلى مجال علمي جديد لتعلم ما هو موجود في ذلك العلم . على أن طريقة براءة الأطفال لا تحتاج إلى مثل هذا الإجراء . يبقى المرء بخبرات الآخرين تحت تأثير ما هو موجود في علم معين إذا ما اكتفى بالقراءة ، ولم يستخدم طريقة براءة الأطفال . أما إذا ما استخدم طريقة خبرات الآخرين فقط فإن أفكاره إنما تفتقر إلى الأصالة . وإذا لم تطبق هذه الطريقة بالمرّة فيكون هناك إسرافا في الوقت والجهد . تكون فرصة الفرد الوحيدة هي التحدّي والتوجّه نحو الاتجاه المعاكس لا غير . وهكذا يقرأ كل شيء من أجل كسب المهارات . أما إذا أريد الابتكار والأصالة فلا حاجة إلى قراءة كلّ شيء . ومن أجل حلّ هذا الإشكال فإنه ينبغي على المرء أن يقرأ أوّلا ما فيه الكفاية من أجل فهم كنه الميدان الجديد . يتوقّف المرء بعد ذلك عن القراءة ويفكّر تفكيرا عميقا فيما قرأه . وعندما يصل الأمر بالفرد إلى تطوير بعض الأفكار التي سبق وأن قرأها يعيد القراءة من جديد . وهكذا تتناوب عمليات القراءة والتفكير واحدة تلو الأخرى .

القراءة وتصنيف بلوم والابتكار :
لقد كانت المحاولات التي بذلها بلوم لتصنيف الأهداف التربوية حركة مهمة بدأت في الخمسينات من القرن الماضي ، وتركت آثارا مهمة لازالت تحافظ على أهميتها . صنّف بلوم الأهداف التربوية إلى ذهنيّة وعاطفيّة . قسّم الأهداف الذهنية إلى ستّة مستويات ، تضمنت المعرفة والاستيعاب والتطبيق والتحليل والتركيب والتقييم . رتّب بلوم الأهداف التربوية ترتيبا تصاعديا من السهل إلى الصعب بين المستويات من ناحية وفي داخل المستوى الواحد من ناحية أخرى . تتضمّن جميع المستويات من التصنيف الابتكار . على أن المستويات الأدنى منه تتضمن القليل من الابتكار ، ويزداد هذا الابتكار كلّما صعدنا نحو المستويات العليا . يوجد أقلّ مستوى من الابتكار في التقليد الذي ينبني على أخذ المعرفة من الآخرين ونقله كما هي إلى الآخرين . يزداد الابتكار بتطوير المعرفة التي جاء بها الآخرون . يتمثّل هذا التطوير في الاستيعاب ، ويزداد في التطبيق والتحليل . يتمخض التركيب والتقييم اللذان يقامان على المستويات السابقة عن الكثير من الابتكار .

• القراءة والمعرفة :
يقصد بالمعرفة تذكر مواد تعلّمها المرء في فترة سابقة . والمعرفة هذه واسعة المدى تبدأ في أبسط مستواها بالتعرف على الحقائق الخاصة كالرموز اللفظية وغير اللفظية من تواريخ وحوادث وأشخاص وأماكن . يعتبر التعرف على الطرائق والوسائل التي تتعامل مع الحقائق الخاصة مستوى متوسط من هذا الصنف . تتضمن المعرفة أيضا الوسائل التي تعالج عرض الأفكار والظواهر ، ومعرفة العمليات والاتجاهات والتغيرات في الظواهر التي تتعامل مع الزمن ، ومعرفة التصنيفات والتقسيمات والرتب في أي علم من العلوم ، ومعرفة المعايير التي يتم بواسطتها الحكم على الحقائق والمبادئ والآراء ، ومعرفة الطرائق التي تتم فيها الدراسة في حقل معين . تعتبر معرفة العموميّات والمجردّات أعلى مستوى من التعقيد في هذا الصنف . يتضمن هذا الصنف معرفة المبادئ والتعميمات التي تفيد في التفسير والوصف والتنبؤ وتحديد أنسب النشاطات الملائمة التي يجب تبنّيها . تتضمن أيضا معرفة النظريات والبُنات التي تشمل هيكل المبادئ والتعميمات مع علاقاتها المترابطة ، التي تعرض وجهة نظر منظمّة في ظاهرة أو مشكلة أو حقل معقد .
ومن أجل التوصل إلى اكتشاف جديد في ميدان معين فلابد من تملك ثروة علمية كافية في هذا الميدان . لا يُتوقع من جاهل أن يكتشف شيئا جديدا مهمّا في يوم من الأيّام . ذلك لأنه لا يملك التراكم العلمي الكافي الذي يؤهله لمثل هذا الكشف . ومن دون تملك تراكم علمي كاف يكاد يكون من المستحيل ابتكار شيء جديد . ولهذا السبب لم تخترع الطائرة قبل خمسمائة سنة . ذلك لأن التراكمات العلمية إلى حد ذلك اليوم لم تكن كافية بالمرّة لمثل هذا الكشف . على أن بعض المفكّرين والعلماء المبتكرين جدا قد يأتون بأفكار سابقة لأوانها . وقد تكون هذه الأفكار نتيجة لذلك سببا في خلق مشاكل كثيرة لهم . والتأريخ مليء بأمثلة كثيرة من هذا النوع . على أن ديمقراطية هذا العصر وانتشار التكنولوجيا قد قلّلا من مثل هذه الأزمات . هذا ومن ناحية أخرى فان هناك نوعا من التطوّر الذي يحصل في ميدان الاكتشافات . إن إيجاد المكنة التي تسيّر الجهاز على الأرض على سبيل المثال خطوة ممهّدة لطيرانه في السماء . يسجل تأريخ المدنيّة الحديثة اكتشاف العجلة بأنه أهم اكتشاف في التأريخ . ذلك لأن هذا الاكتشاف إنما فتح الطريق لمكتشفات كثيرة بحيث لا يمكن عدّها أو حصرها تماما .
لا تؤدي قراءة المعرفة الإنسانية وحدها إلى الابتكار . على أنها تشكل القاعدة الأساسيّة التي ينبني عليها الابتكار . فلا يمكن إقامة البناء ، ولا يمكن أن يتوقع الابتكار بدون وضع هذه القاعدة . فأهميّة القراءة للابتكار هنا كأهمية تحضير التربة للنبتة الجديدة . تشكّل المواد المقروءة من ناحية أخرى مثيرات لأفكار جديدة ، ولولاها لما ولدت هذه الأفكار الجديدة ، وما كانت في حيّز الوجود .
تسجّل الملاحظات التي تؤخذ نتيجة القراءة في أوقات متباينة بشكل منتظم في سجل أو بآلة . الأقوال تزول وتتلاشى وتذهب هباء إذا لم يتمّ تسجيلها بطريقة ما . والذين يعتمدون على ذاكراتهم يصيبون بخيبة أمل في كثير من الأحيان . والأفكار تنير الذهن بسرعة البرق ثم تزول وتتلاشى وتدخل في تعداد النسيان ، وقد لا تخطر بالبال مرّة أخرى . لا يمكن الاعتماد على الذاكرة في هذه المجالات ، ذلك لأنها لا تسعف الإنسان بالمطلوب في حينه أو حتى بعده . وقد قيل أن الذاكرة خوّانة . وهذا الأمر صحيح حتى بالنسبة لكبار العلماء منهم ، فتسببّ عند ذاك في إصابة صاحبها بخيبة أمل كبيرة ، وبندم لا ينفع شيئا . أما الباقي فهو المدوّن على شيء والمسجّل بطريقة أو بأخرى . كما أنه يمكن تسجيل الأفكار والأقوال على الورق يمكن تسجيلها أيضا على آلة التسجيل الصوتي أو الآلة المبرمجة ( الحاسوب الآلي ) . وإذا ما احتفظ بكل هذه المواد فإنها تشكل بمرور الأيام المواد الخام للابتكار والإبداع والكشف والاختراع .
هذا ومن ناحية أخرى فإن الأفكار المتباينة التي ترد في الخواطر أثناء القراءة ينبغي أن تسجّل لكي لا تغيب عن البال غيابا تاما . يطلق أبستين ( Epstien: 1993; 75 ) على هذه الطريقة اسم القبض على ( capturing) . تقفز فكرة جديدة من اللاشعور إلى الشعور ، كما تنير ومضة معيّنة الذهن بسرعة خاطفة كالبرق . إن الحركة السريعة لهذه الومضات إنما تولّد صعوبة في الاحتفاظ بها . ولهذا السبب فإن الأفكار المبتكرة كهذه والتي لا تسجّل إنما تغيب عن البال سريعا ، ولا يمكن إنقاذها من طيّ النسيان مرة أخرى . ولكل شخص طريقة خاصّة في أخذ الملاحظات . على أن هذه الطرائق يمكن أن تطوّر نحو الأحسن . ومهما تكن هذه الطرائق فإن المهمّ أنها تحافظ على الأفكار وتخلّصها من النسيان . يذكر في تأريخ الاكتشافات أن أوتو لوي ( Otto Loewi ) العالم البايولوجي الذي كان يجري تجارب مضنية مستمرّة على الخليّة الحيوانية لسنوات طويلة لا يستطيع فيها حلّ المشكلة التي كانت تشغل ذهنه منذ بضعة سنين . واستطاع أخيرا أن يحلّ هذه المشكلة في حلمه . فأفاق من نومه ، وسجّل ملاحظاته في الظلام ثم نام مرة أخرى . على أنه لم يستطع أن يقرأ خط يده بعد أن نهض من نومه في الصباح . وهكذا فقد نسي الحلّ الذي انتظره بصبر لسنوات طويلة . على أن هذا العالم كان محظوظا جدّا . فقد رأى الحلم نفسه في الليلة التالية . وما أن أفاق من نومه في هذه المرّة حتى أشعل المصابيح ، وعجّل بالذهاب إلى مختبره ، وسجّل حلمه كاملا دون أن يدع أي مجال للنسيان . لقد حصل هذا العالم نتيجة أعماله هذه جائزة نوبل العالمية الشهيرة .

• القراءة والاستيعاب :
يعرّف الاستيعاب بأنه القدرة على إدراك معنى المادة . يتضمن الاستيعاب ثلاثة مستويات . يحقق المستوى الأول بتحويل مادة من شكل إلى آخر أو بترجمة مضمون من لغة إلى لغة أخرى . يتضمن المستوى الثاني التفسير والتلخيص اللذان يشملان نوعا من إعادة التنظيم . يتضمن المستوى الأخير توسيع المواد بتحديد تطبيقاتها ونتائجها وملحقاتها وآثارها التي تتفق الشروط التي حدّدت في الأصل .
تلخيص المواد المقروءة وتسجيلها طريقة جيدة من الطرائق التي تؤدي إلى الابتكار . تسجّل معلومات كافية عن المصادر بتفاصيلها التي تغني من العودة إليها مرة أخرى . يتضمن تلخيص المواد المقروءة قدرا اكبر من الابتكار الموجود في المعرفة . ويتضمن التلخيص تمييز الأفكار الأساسيّة وغير الأساسيّة من بعضهما البعض ، وتثبيت الأفكار الأساسيّة ، وترك غير الأساسيّة منها . ولا يقف الأمر عند هذا الحدّ ، بل تصاغ المواد المقروءة صياغة يؤكد فيها على المعنى أكثر مما يؤكد فيها على ألفاظ الكاتب ، إلا إذا كانت هناك مصطلحات خاصّة يراد تثبيتها . تكتب المواد المقروءة بتعبير القارئ الخاص مع الاحتفاظ بالمعنى الموجود في المضمون . تفسّر أفكار معيّنة تتطلب التفسير أو توضّح بناء على خبرات القارئ الخاصّة . تعاد صياغة المادة من جديد .

• القراءة والتطبيق :
يتضمن التطبيق القدرة على استخدام المجرّدات التي تعلّمها المرء سابقا في مواقف جديدة ماديّة وخاصّة . قد تتضمن المجردات أفكارا عامّة وتعليمات الطرائق أو طرائق معمّمة ، وقد تكون مبادئ تقنيّة وأفكارا ونظريات لابد من تذكّرها وتطبيقها .
إن التطبيق العملي للقراءة هو تنظيم ملفات خاصة لما يقرأه الفرد . تحققّ هذه الملفات فوائد كبيرة للشخص . ومع تقادم الزمن تتجمع خزينة معلومات كثيرة في هذه الملفّات ، لها قيمة كبيرة لا تقاس بمال . يوضع في هذه الملفات مما يقرأ من كل شيء غريب وعجيب جلب انتباه القارئ . تتضمن محتويات هذه الملفات آراء الشخص نفسه وآراء الآخرين أيضا. تجمع أيضا في هذه الملفات أفكار ومقالات وبحوث وصور ورسوم وإعلانات وصور هزلية ( كاريكاتورات ) وأشياء حقيقية . تكون هذه المعلومات مهمة في إثارة الابتكار لدى الفرد . يلقى الفرد بين فترة وأخرى النظر إلى محتويات هذه الملفات . ويحاول بذلك فيما بعد أن يوجِد علاقة بين هذه المواد من ناحية والقضايا التي تشغل فكره ، وتتطلب حلا لها من ناحية أخرى . وهكذا تلعب محتويات هذه الملفّات دورا كبيرا كمثيرات لأفكار جديدة . يتضمن التطبيق فيما يخص قصص الأطفال تحويل الأفكار التي تراود خيالات الفرد إلى كتابات وتسجيلها على ورقة مهما كانت هذه الأفكار حتى وإن كانت تبدو غير مهمّة منذ أول وهلة .

• القراءة والتحليل :
التحليل هو القدرة على تجزئة كلّ واحد مترابط إلى عناصره الأولية بهدف توضيح هذه العناصر وفهمها . يتضمن التحليل أيضا توضيح الترابط والتفاعل والعلاقة الموجودة بين هذه العناصر والبنية التنظيمية التي تكوّن الكلّ . فتحليل الكلّ إلى عناصره يمثل المستوى الأول ، وتحليل العلاقات يمثل المستوى الثاني منه ، بينما يمثل تحليل المبادئ التنظيمية المستوى الثالث منه .
يعتبر تحليل المواد المقروءة إلى عناصرها الأولية مهمّا جدا من زاوية الابتكار . تستخدم هنا طريقة الابتكار التي يطلق عليها بطريقة التعويض . يحاول الفرد حسب هذه الطريقة أن يغيّر بعض هذه العناصر ويعوّضها بعناصر أخرى من صنع تفكيره وخياله . ويظلّ يفعل ذلك إلى أن ترجّح كفّة عناصره التي هي من صلب أفكاره على كفّة الأفكار المتبقيّة في الكلّ الذي تتكوّن منه المادة المقروءة حتى وإن كانت قصّة . وكلّما زادت أعداد العناصر التي يغيّرها المرء في المواد المقروءة كلما أضحت المادة الجديدة شيئا خاصا به . لقد كانت الانطلاقة الأساسية الأولى من أفكار الآخرين ، بينما أمست النهاية فكرة جديدة مبتكرة بالشخص .

• القراءة والتركيب :
التركيب هو عكس التحليل ، إلا أنه أصعب منه . ويتضمن القدرة على وضع مجموعة من العناصر والأجزاء في كلّ جديد مترابط لم يكن موجودا سابقا . على أن الأمر ليس فقط جمعا بسيطا للعناصر ، وإنما هو عبارة عن تفاعل تامّ بين هذه العناصر لتكوين كلّ جديد . فالعلاقات موجودة في التحليل ، أوجدها صاحب الفكرة . وما يطلب من القارئ تحديد العناصر والعلاقات . تتمخض صعوبة التركيب من حيث أن القارئ هو الذي يوجد هذه العلاقات . يتضمن التركيب في المستوى الواطئ إنتاج علاقات فريدة من الأفكار والمشاعر والخبرات . يتضمن في المستوى المتوسط منه إنتاج خطّة من مجموعة من العمليّات المقترحة . يتضمن في المستوى العالي منه اشتقاق مجموعة من العلاقات المجردّة . يتطلب التركيب تأكيدا على السلوك المبتكر الخلاق ، وذلك بتكوين أنماط أو بنيات جديدة .
تتجمع لدى الفرد بمرور الأيام عناصر كثيرة من قراءاته المختلفة ، سواء منها التي احتفظت في الذاكرة أو الملخصات التي كتبت أو تلك التي دوّنت على شكل ملاحظات مكتوبة حول المواد المقروءة أو القصص أو الأفكار التي راودت الفرد خلال القراءة أو مواد أخرى جمعت من هنا وهناك . إلقاء النظرة على هذه المواد بين فترة وأخرى مهم جدا من حيث أنه يفيد في تبصر علاقات وروابط جديدة بين أفكار وأحداث متباينة وتشكيل كلّ جديد لم يكن موجودا سابقا .
قد يكون الكلّ الجديد ، الذي أبتكر نتيجة التركيب ، قصّة أو شعرا ، رسما أو نحتا ، قطعة موسيقية أو لحنا ، مقالة أو بحثا ، كتابا أو مخترعا جديدا . وأصالة الشيء الجديد ترفع من قيمته . وتكامل جوانبه المختلفة يضيف هو الآخر أهمية أخرى للفكرة الجديدة . تعتبر الفكرة متكاملة إذا تضمّنت تفاصيل دقيقة تشمل جوانبها المختلفة . أي أن الكلّ يكون عاما وشاملا للموضوع الذي هو بصدده . تكون جوانب الموضوع مترابطة ترابطا عضويا ، فيشكل كل عنصر عضوا أساسيّا مهمّا ، يضيف إلى الكلّ شيئا ما ويدعمه بشكل أو بآخر . وإذا ما حذف أي عنصر من الكلّ فانه يسبّب تخلخلا في هذا الكلّ . يسهل تحديد انتماء كل عنصر إلى الكلّ . تكون هناك علاقة بين أي عنصر وعنصر آخر ، وبين أي عنصر منه والكلّ بشكل عام .

• القراءة والتقييم :
يقصد بالتقييم القدرة على الحكم في قيمة مادّة معيّنة ، قد تكون قرارا أو شعرا أو قصّة أو رواية أو مقالة أو بحثا أو كتابا أو مخترعا . يكون الحكم كمّيا أو كيفيّا ، إيجابيّا وسلبيّا ، حول ما إذا كانت المادّة تخضع لمعيار معين من صنع الفرد ، أو يزوّد به عندما يطلب منه الحكم . تكون الأحكام على نوعين . يتضمن النوع الأول إصدار أحكام بناء على الأدلّة الداخلية كالدقّة والترابط والاتساق . يتضمن النوع الثاني إصدار أحكام بناء على الأدلّة الخارجيّة التي يتم بمقتضاها مقارنة المادة بمثيلاتها ، ويحدّد بناء على ذلك موقعها من تلك المواد .
ينبغي أن يكون القارئ وأي قارئ حتى وإن كان طفلا صغيرا مقتنعا بأن كل فكرة أو نظرية أو رأي أو قول أو كتاب أو قصة أو رواية أو بحث أو مكتشف أو ما إلى ذلك ، مهما كان صاحبه ، قد صيغ في ظروف خاصّة به وبكاتبه ، وفي زمان ومكان معينين . إن هذه المسمّيات ليست نهائية أبدا ، ولن تكون كذلك في يوم من الأيّام . وهي إنما تمثل وجهة نظر هذا الكاتب الشخصيّة . والكاتب قبل كل شيء إنسان ، والإنسان معرض للخطأ . وكما أن الإنسان يصيب أحيانا فهو إنما يخطأ أحيانا أخرى . إن كلّ شخص ، من ضمنهم العلماء والقصّاصين والرواة ، إنما هم أناس يخطئون كما يخطأ غيرهم . بل تكون هذه الأخطاء أحيانا أفضح عندما ننظر إلى أفكارهم بمنظار دقيق ، بما وفّره لنا العلم والتكنولوجيا من جديد في حاضر الأيّام . ينظر كل إنسان إلى الأمور بمنظار خاص ومن زاوية متباينة . كما أن هناك جوانب مشتركة بين الأفراد ، فإن هناك فروقا فرديّة شاسعة جدا فيما بينهم . والنظرة الخاصّة بشخص ما ، من ضمنه القارئ ، مهمة جدا ، لأنها تمثّل وجهة نظره الشخصية . تزداد أهمية هذه النظرة عندما تكون فريدة بهذا الشخص المعين . أي عندما يستطيع هذا الشخص أن يرى ما لا يراه الآخرون . وهذا هو الابتكار بعينه .
هذه القناعة إذا ما رسخت في القارئ فإنه يتشجع لتقييم أعمال الآخرين ، من تلك التي يقرأها هنا وهناك . واستخدام معيار من صنع الفرد في التقييم أفضل من استخدام معيار من صنع الآخرين . ذلك لأن وضع المعايير فيه هو الآخر ابتكارا جديدا . يقع بعض الأفراد أسيرا لخبراتهم السابقة ، فيصدرون أحكاما مسبقة متحيّزة لشخص أو لفكرة . تعتبر العودة إلى آراء من لهم صلة بالموضوع والأطفال الصغار طريقة للتخلص من تأثير هذه الأحكام المسبقة .

التوصيات :
وانطلاقا مما سبق عرضه يمكن درج التوصيات التالية :
• يستطيع كل إنسان أن يكون مبتكرا ، إذا خصص وقتا كافيا لهذا الغرض . إن الوقت المصروف في هذا المجال هو رأسمال المبتكر . ورغم أن استثمار رأسمال معين في التجارة لا يضمن ربحا أكيدا ، فإن استثمار رأسمال الوقت المصروف من أجل الابتكار لا يضمن بالضرورة الحصول على الأفكار المبتكرة . كما أنه لا يمكن الحصول على الربح بدون استثمار المال ، فلا يمكن الحصول على أفكار مبتكرة بدون استخدام رأسمال الوقت . يكون الوقت بذلك قد استثمر في هذه المرّة خير استثمار .
• التدريب على تقنيات طرائق الابتكار مهم جدا . وطرائق الابتكار كثيرة ، تتضمن ما تتضمن القراءة المبتكرة والتوقف المبتكر . ينبغي أن يكون كل شيء موجّها ومنظّما ، وألا يترك المجال للصدف أبدا . ويستطيع الشخص الذي يتعلم تقنيات طرائق الابتكار ويطبقها أن يضاعف ابتكاراته أضعافا مضاعفة .
• ينبغي التسرع في الوصول إلي مصادر المعلومات أينما كانت والاختيار الصحيح المناسب من هذه المعلومات . على أن المدرسة وحدها لا تستطيع أن تفعل كل شيء ، ولهذا ينبغي الاستفادة من مصادر المعلومات الموجودة في المجتمع . ومن بين هذه المصادر الكتب والمجلات والجرائد والأشخاص والراديو والتلفزيون والمعارض والسفرات والمتاحف والمكتبات ومراكز التقنيات التربوية .
• لابد من تعليم الطلاب طرائق التعلم بدلا من تقديم العلم إيّاهم كلقمة جاهزة . لقد وفّرت التقنيات التربوية الحديثة ما كان يستحيل على الإنسان الوصول إليه قبل عقد أو عقدين من الزمان . لقد سهّلت هذه التقنيات الوصول إلى مصادر المعلومات تسهيلا منقطع النظير . تحقق الآلة المبرمجة ( الحاسوب الآلي ) الوصول إلى أغزر مصادر المعلومات عن طريق الشبكات الضوئية . وبناء على ذلك يجب أن يدرّب الطلاب على كيفية الاستفادة من هذه الأجهزة والآلات . وينبغي أن يتضمن مثل هذا التدريب كيفية استخدام الأنترنت .
• يكون من المفيد جدا تدريب التلاميذ على استخدام الآلة المبرمجة ( الحاسوب الآلي) منذ الصغر لأنها تفيد كثيرا في كتابة القصص أو أية مواد أخرى وتنقيحها وتعديلها وتنظيمها بشكل مستمر مما يرفع من قيمتها .
• ينبغي أن يواجه المعلمون وأولياء الأمور الأسئلة والأفكار والحلول التي تطرح من قبل التلاميذ ، والتي قد تبدو غريبة منذ الوهلة الأولى ، بكثير من التفهّم والاحترام . ينبغي مكافأة أفكار التلاميذ المبتكرة . يجب أن يؤكد دائما على أن أفكار التلاميذ الشخصية مهمّة جدا بقدر أهميّة ما يقرؤونه في الكتب والقصص والروايات والمراجع الأخرى . ينبغي على المعلمين إفساح المجال للتلاميذ لتعلم ما فيه الكفاية والتفكير والكشف من دون تهديدهم بالتقييم والقياس .
• ينبغي على كلّ فرد أن يحمل قلما وأوراقا معه في كل وقت وحين لتسجيل الأفكار التي تراوده بسرعة بحيث لا يعطى فيها أي مجال للنسيان . لقد ذكر الأجانب أن الأفكار المبتكرة إنما تراود المرء كثيرا في ثلاثة أماكن خاصة هي الحمام والسرير والحافلة . لذا ينبغي توفير مستلزمات التسجيل في هذه الأماكن أيضا .
• يمكن تعليم مهارة تسجيل الملاحظات لتلاميذ المدارس الابتدائية والمتوسطة والبالغين والعاملين في مؤسسة معينة . يستطيع الأباء وأولياء الأمور والإداريون أن يرفعوا من ابتكارات من يعملون معهم بتدريبهم على تمارين بسيطة في تسجيل الملاحظات واستخدام المواد المناسبة .
• يجب تشجيع الأطفال على القراءة الغزيرة منذ نعومة أظفارهم . وعندما يشجع الأطفال إلى القراءة الكثيرة فلابد لهم أن يدرّبوا إضافة إلى المواد التي يقرؤونها كيف يجب عليهم أن يقرؤوا . ينبغي على الأطفال تجنّب القراءة السلبيّة بأي حال من الأحوال . القراءة السلبيّة هي تلك القراءة التي تتمّ بدون تركيز تام على المادة المقروءة ، ويكون الفكر خلالها مشتّتا نسبيّا . تختلف هذه النسبة من شخص إلى آخر ، ومن قراءة إلى أخرى . يلتزم الأفراد بدلا من ذلك بالقراءة المبتكرة . إن أمر تدريب الأفراد على القراءة المبتكرة ضروري جدّا ضرورة القراءة نفسها . الأساس في القراءة المبتكرة أنها لن تكون من أجل قضاء وقت الفراغ ، بل تكون من أجل تطوير الأفكار المعروضة في المادّة المقروءة . فيحتاج الأمر إلى تركيز تامّ وتفكير وتأمّل وتمحيص وتخيّل . ينبغي التوقف على المادة المقروءة توقفا مبتكرا . ويتم بناء على ذلك تحديد الجوانب المختلفة لهذه المادة لما تتضمنها من أفكار ، وتحليل هذه الأفكار ، وتطويرها ، وتوسعيها للتوصل إلى أفكار بنّاءة جديدة نتيجة لذلك . ينبغي تحليل الصور المرافقة لهذه المواد إضافة إلى تحليل المواد المكتوبة . ينبغي على المدارس العمل على كسب التلاميذ بالعادات الدراسية الجيدة ، وأن يدرّبوا بشكل خاص على تقنية القراءة السريعة . تعليم التلاميذ على كيفية استخدام المكتبة منشط مهم آخر من المناشط الضرورية . وحسب هذا المنشط فان التلاميذ يتعلمون طرائق تصنيف الكتب ومحلّ وجود الكتب والقصص والروايات والمجلات والجرائد والقواميس ودوائر المعارف والاطروحات والرسائل وكيفية الوصول إلى هذه المراجع المختلفة .
• ينبغي على المعلمين قراءة الكثير من القصص . ذلك لأن توصية شيء إنما تتطلب خبرة في ذلك الشيء . وقبل أن يوصوا طلابهم على قراءة قصص معيّنة فلابد أن يكونوا بأنفسهم قد قرؤوا هذه القصص . إن قراءة المعلمين لقصص كثيرة توفّر لهم الفوائد التي تحققها هذه القصص بالنسبة للطلاب . وهكذا تكمل النواقص الموجودة لدى المعلمين . ويكونون في الوقت ذاته على إطلاع تام بهذه القصص . ويستطيعون بالتالي إجابة أسئلة الطلاب المختلفة بدون تردّد واضح .
• يجب على المعلمين أن يشجعوا طلابهم على قراءة القصص لا في أوقات فراغهم فحسب ، بل حتى في الساعات المخصصة لدروس اللغة العربية . فأبطال القصة والحوادث التي تجري في القصص إنما تجذب انتباه التلاميذ . تنمّي كثرة قراءة القصص الثروة اللغوية لدى الأطفال . تضمن ذلك التعبير عن أفكارهم بطريقة منظّمة وبشكل سليم . وهذا ما يساعدهم على نقل أفكارهم إلى الغير بطريقة صحيحة وفعّالة . تشكّل قراءة القصص من ناحية أخرى الأساس الذي تنبني عليه كتابة القصص . ينبغي أن يطلب المعلمون من طلابهم تلخيص القصص التي يقرؤونها بألفاظهم الخاصة ، وأن يلقوا هذه الملخصات أمام زملائهم في الصف . ويستفيد بذلك جميع الطلاب ، ويشجعون على قراءة هذه القصص . تحفظ هذه الملخّصات في ملفات خاصة وتقرأ بين فترة وأخرى . وهكذا توضع اللبنة الأساسية لكتابة الطلاب مثل هذه القصص بأنفسهم .
• تستطيع الجامعات والكليات أن تكون مراكز لتنويع الثقافة العامة . تنظّم دورات تدريبية للطلاب وأفراد المجتمع الآخرين في مواضيع متباينة وفي أوقات مختلفة من السنة . تعطي هذه الدورات مردودات جيدة من زاوية الابتكار والإبداع . توسّع هذه الدورات على الأقل آفاق تفكير المشتركين فيها . ولما كانت المناقشات والمؤتمرات والندوات التي تقام في الجامعات تغني وتنوع الثقافة العامة للمشتركين ممن هم من أهل الاختصاص أو من غيرهم لذا ينبغي زيادة مثل هذه الفعاليّات وفتحها لجميع أفراد المجتمع ونقلها من قبل وسائل الاتصالات المختلفة .
• ينبغي رفع نظام الكتاب المدرسي الواحد المقرر من التطبيق ، ذلك لأن خطورة هذا النظام تكمن من حيث أنه يربي كتلة إنسانية تفكّر في اتجاه واحد فقط . ينبغي تنويع المقررّات الدراسية وترك أمر اختيار المناسب منها إلى الطلاب وأولياء أمورهم . إن تنويع الأفكار يولد الغنى والثراء ويزيد بين الناس التسامح والصفح الجميل . ولهذا السبب فقد أشار النبي محمد (ص) إلى أن في اختلاف أمته رحمة . وهو أيضا من الخطوات الضرورية لتنشئة جيل يؤمن بالديمقراطية ويحترم آراء الآخرين . لا يمكن تطوير الابتكار والإبداع إلا في جوّ يسوده مثل هذا الجوّ الديمقراطي .

الخاتمة :
استهدف هذا الفصل أساسا إيجاد علاقة بين القراءة أية قراءة ومن ضمنها قراءة القصص من ناحية والابتكار والإبداع من ناحية ثانية . فالقراءة ضرورة من ضرورات الحياة العصرية ، التي يحتاج إليها كلّ إنسان كما يحتاج إلى المأكل والمشرب والملبس . ومن الجدير بالذكر أن يكون أول أمر رباني للرسول محمد (ص) هو القراءة والتذكير بالقلم الذي يعتبر أداة الكتابة لدى الإنسان . تخرج القراءة الإنسان من الظلمات إلى النور . تصقل شخصيته وتضمن تكيفه للمجتمع . يتعلم الفرد بها ثقافة المجتمعات الأخرى . وهي متعة فريدة شيّقة من متع الحياة الدنيا . يتعلم الإنسان بها ما لا يعلم ، فتغذّى الفكر وتحوله من أمّي جاهل إلى متعلم مثقّف . توسع القراءة آفاق المرء ، وتكسبه المرونة في التفكير .
عرّف الابتكار على أنه الانفتاح على خبرات الآخرين ، ووضع خط جديد للفكر ، وطرح بدائل مختلفة لمشكلة معروضة ، والتوصل إلى إيجاد علاقات جديدة بين الأفكار المطروحة ، وإيجاد وسيلة أو طريقة غير معروفة سابقا ، واختراع آلة أو جهاز جديد يفيد الإنسان . وما من شك في أن كل هذه الأمور إنما يحتاج إلى قراءة مستمرة ومبتكرة في آن واحد .
قسمت المواد المقروءة إلى قراءات في القصص وفي الثقافة العامة وفي مجال الاختصاص نفسه . أشير إلى الفوائد المتباينة لكل منها .
صنفت القراءات إلى القراءة الاعتيادية والقراءة السريعة ، القراءة الصامتة والقراءة الصائتة ، القراءة الهادفة والقراءة العابرة ، القراءة الإستجمامية وقراءة أخذ الملاحظات ، القراءة لمرّة واحدة والقراءة المتكرّرة ، القراءة للحفظ والقراءة للفهم ، قراءة المكتوبات وقراءة المصوّرات ، قراءة ما يحبّه الفرد وما يهواه وقراءة ما لا يحبه ويهواه ، القراءة المستمرّة والقراءة المتقطّعة . وحدّدت الأنواع التي لها مساس مباشر بالابتكار .
حاول الجزء التالي من الفصل إيجاد علاقات بين القراءة والمستويات المختلفة لتصنيف بلوم للأهداف التربوية الذهنية . فتملك ثروة علمية كافية في هذا الميدان ضروري من أجل التوصل إلى اكتشاف جديد في ميدان معين . تشكل القراءة القاعدة الأساسية للابتكار ومثيرات لأفكار جديدة ، ولولاها لما ولدت هذه الأفكار الجديدة .
يعرف الاستيعاب بأنه القدرة على إدراك معنى المادة . تلخيص المواد المقروءة وتسجيلها طريقة جيّدة من الطرائق التي تؤدي إلى الابتكار . تفسر أفكار معينة أو توضح بناء على خبرات القارئ الخاصة . تعاد صياغة المادة من جديد .
يتضمن التطبيق القدرة على استخدام المجردات التي تعلّمها المرء سابقا في مواقف جديدة مادية وخاصة . تنظيم ملفات خاصة لما يقرأه الفرد مفيد ، إذ تتجمع مع مرور الأيام خزينة معلومات ذات قيمة كبيرة في هذا الملف . تسجيل ما يجول في بال الطفل من خواطر بداية لكتابة القصص .
التحليل هو القدرة على تجزئة كل واحد مترابط إلى عناصره الأولية . يحاول الفرد بطريقة التعويض أن يغيّر بعض العناصر ويعوّضها بعناصر أخرى من صنع تفكيره وخياله .
يتضمن التركيب القدرة على وضع مجموعة من العناصر في كلّ جديد مترابط . إلقاء الفرد النظرة على المواد التي جمعها من قراءاته المختلفة بين فترة وأخرى مهم جدا من حيث أنه يفيد في تبصر علاقات جديدة وتشكيل كلّ جديد لم يكن موجودا سابقا .
التقييم هو القدرة على الحكم في قيمة مادة معينة . قناعة القارئ بأن كل إنتاج مهما كان صاحبه ليس نهائيا إنما يشجعه لتقييم أعمال الآخرين من تلك التي يقرأها هنا وهناك . واستخدام معيار من صنع الفرد في التقييم أفضل من غيره ، لأن وضع المعايير فيه هو الآخر ابتكارا جديدا .

أ.د. امل
28-08-2003, 01:28 PM
كيف يثار الابتكار لدى الصغار والكبار
مقالة للأستاذ الدكتور أنور طاهر رضا
جامعة ايجة – كلية التربية – رئيس قسم تكنولوجيا التعليم والحاسوب الآلي نشرت في (2001) في مجلة الفيصل السعودية , المجلد 25 العدد (293) , الصفحات 88-96 .


المقدمة :
بدأت البحوث والدراسات الكثيفة في ميدان علم النفس قبل أكثر من قرن من الزمان . وكان ميدان الاختبارات أكثر الميادين التي لقيت اهتماما بالغا من علماء النفس . وأخذت الميادين الأخرى نصيبها من هذه البحوث والدراسات بمرور الأيام . وكان موضوع الابتكار ينظر إليه بكثير من التخوف والتجنب . وقد يعود سبب ذلك إلى تلك الشائكة التي تتمخض في صعوبة إجراء البحوث والدراسات في هذا الميدان العويص بالذات . وبقيت البحوث والدراسات نتيجة لذلك شحيحة في هذا المجال . وظلّت الحال على هذا المنوال إلى العقود الأخيرة من القرن العشرين . فظهر حين ذاك الاهتمام المتزايد بشكل جدّي وملحوظ .
نبع الاهتمام الجديد إلى مجال الابتكار من أهمية هذا الموضوع في عقود انفجرت فيها المعلومات انفجارا عظيما ، وانتشرت فيها وسائل التكنولوجيا انتشارا منقطع النظير . وأضحى إنتاج الشيء الجديد المبتكر هو الضمان الأساسي للترجيح والمفاضلة . وقد زادت أهمية الابتكار للمنافسة الشديدة بين الشعوب والمجتمعات في مجال العلم والتكنولوجيا من حيث أن الابتكار يضمن تقدم هذه الشعوب والمجتمعات وبقائها حيّة نشطة قويّة صلبة .
ونتيجة لهذه البحوث والدراسات فقد وجد أن الابتكار في طبيعته يختلف عن الذكاء الذي سبق وأن أولي بكثير من البحث والدراسة . فالذكاء لا يتأثر كثيرا بالتربية . بينما يتضاعف الابتكار أضعافا مضاعفة بواسطة التربية . لا يستطيع أن يكون كل فرد ذكيا ، فالذكاء يعود إلى الوراثة ، ومساهمة التربية فيه هي في إظهار تلك الوراثة حيّز الوجود . تختلف المسألة بالنسبة للابتكار ، إذ يستطيع كل فرد أن يكون مبتكرا إذا ما درّب على وسائل تحقيق الابتكار ، وأدرك العوامل التي تؤثر فيه . وطالما أن التربية تؤتي أكلها كل حين فيكون الابتكار جديرا بالاهتمام والدراسة .
وانطلاقا من هذا العرض يمكن أن تخطر في البال أسئلة عديدة في هذا المجال : ترى ما هو الابتكار؟ ما هي العوامل التي تؤثر في الابتكار ؟ ما هو موقع المثير من هذه العوامل ؟ ما هو المثير ؟ كيف يمكن توجيه الانتباه إلى المثيرات ؟ هل ينبغي تجمع المثيرات في اتجاه واحد ؟ كيف ينشغل الفكر بموضوع الابتكار كلّيا ؟ هل تختلف المثيرات في الحضر عنه في الريف ، في الصيف عنه في الشتاء ؟ كيف تتطور المثيرات في حياة الإنسان ؟ ما هي علاقة المثيرات بالابتكار ؟ هل يولِّد كل مثير استجابة ابتكار واحدة ؟ كيف يستقبل المبتكرون المثيرات ؟ ما الذي يهتم به في الابتكار ؟ كيف يمكن التدريب على تحقيق الابتكار ؟ كيف يحققّ الابتكار ؟



ما هو الابتكار ؟
تستخدم في هذا المجال إضافة إلى الابتكار مصطلحات عديدة أخرى ، تختلف بعض الشيء عن الابتكار . على أن هذه المصطلحات جميعا تندرج في الميدان نفسه ، وتحتاج إلى الابتكار . يندرج الإبداع والكشف والاختراع ضمن هذه المصطلحات . فالإبداع هو الإجادة في عمل شيء ما إجادة بالغة بإتقانه اتقانا تاما . فالجودة أو الكيفية تظهر نتيجة لاكتساب مهارات معينة ، وإتقان أعمال خاصة ، وأدائها بشكل يختلف عن أداء الآخرين ، وابتكار شيء ما فيها بشكل ملحوظ يجلب نظر الآخرين . الكشف هو التوصل إلى شيء جديد لم يسبق إليه أحد من ذي قبل . يتطلب الكشف المبادرة والجرأة والتضحية والابتكار . أما الاختراع فهو إيجاد آلة أو جهاز جديد ، أو تطوير وظيفة من وظائف آلة أو جهاز موجود . وجدير بالذكر أن كلا من الإبداع والكشف والاختراع إنما يحتاج إلى الابتكار حاجة ماسّة ، ولا يمكن بدونه تحقيق شيء من ذلك . وهكذا تكون هذه المصطلحات التي قد تبدو مختلفة لأول وهلة متداخلة ببعضها البعض .
الابتكار في أوسع معانيه : تحطيم القوالب الموجودة ، أو الخروج عن المألوف ، أو كسر قيود الفكر المفروضة على الفرد ، أو ارتياد طريق آخر غير الطريق الرئيسي الذي يسلكه الآخرون ، أو الانفتاح على خبرات الآخرين ، أو المباشرة بأول خطوة نحو المجهول ، أو وضع خط فكر جديد ، أو طرح بدائل مختلفة لمشكلة معروضة ، أو إيجاد شيء جديد يؤدي إلى إيجاد أشياء أخرى ، أو التوصل إلى إيجاد علاقات جديدة بين الأفكار المطروحة ، أو طرح فكرة جديدة ، أو إيجاد وسيلة أو طريقة غير معروفة سابقا ، أو ارتياد مكان جديد ، أو كشف شيء لم يسبق إليه أحد ، أو اختراع آلة أو جهاز جديد يفيد الإنسان .

ما هو المثير ؟
المثير أو المنبه أو الحافز هو كل شيء نراه أو نسمعه أو نلمسه أو نتذوقه أو نشمه . أي نتلقاه عن طريق حواسنا الخمسة ، التي تعتبر القنوات التي توصل العقل بما هو كائن في بيئة الإنسان المحيطة به . فوجود المثير بالنسبة لشخص معين رهن باستقباله عن طريق حاسة واحدة أو أكثر من حواس ذلك الإنسان . وبواسطة هذه الحواس ينتبه الفرد إلى وجود هذه المثيرات . فالانتباه ضرورة من ضرورات تلقّي المثيرات . يعني انتباه المرء لمثير معين تلقّيه هذا المثير واستجابته إليه . ويضاف بذلك هذا المثير كخبرة معينة في ذاكرة الشخص . وعدم انتباه الشخص إلى مثير معين يعني عدم وجود هذا المثير بالنسبة لذلك الشخص .
المثيرات كثيرة في الكون بحيث لا تعد ولا تحصى . ذلك لأن المثير هو أي شيء موجود على البسيطة وفي أعماق الذاكرة الإنسانية التي تبدو من وهلتها الأولى أنها في السطح كالبركان الذي هدأ وسكن منذ فترة طويلة . فقد يكون المثير إنسانا أو حيوانا أو نباتا أو جمادا أو أي شيء آخر . وقد يكون مقالة أو فصلا من كتاب أو كلاما مأثورا أو برنامجا من محطة راديو أو قناة تلفزيون أو كلاما مع شخص قد يكون بائع فواكه أو موزع بريد أو … الخ . قد يكون المثير منظرا طبيعيا مرسوما على لوحة أو تلاطم أمواج بحر أو كتابة ما على الصحف والمجلات أو يما يتلقاه الفرد أثناء البحث في رفوف مكتبة ما أو أثناء التجارب التي يجريها في المختبر أو العمل في الورشة أو خطأ ارتكب بدون قصد واضح أو مجرد مشي في سوق أو محل عمل أو تجارة . وقد يكون هذا المثير نابعا من وجود الإنسان في بيئة معينة لعدة ساعات والتفكير في أمر ما يشغل باله كثيرا .

المثير والانتباه :
يحيط الفرد الاعتيادي في حياته اليومية بالآلاف من المثيرات المختلفة . ويكون من المستحيل أن يستجيب إلى كل هذه المثيرات لما يمكن أن تسبّبه له من تعب وإرهاق . ومن هنا يكون اختيار المثيرات أمرا طبيعيا . فيستجيب إلى البعض منها استجابة عميقة ويتفاعل معها ، ويمرّ ببعضها الآخر مرّ الكرام ، أو يستجيب لها استجابة سطحية ، بينما لا ينتبه إلى البعض الآخر ، التي قد يشكّل الغالبية العظمى من هذه المثيرات . لا تعتبر الفئة الأخيرة مثيرات بالنسبة لهذا الفرد ، ولن يكون لها وجود في خبراته . ترى ما الذي يجعل فردا ما متلقّيا مثيرا دون غيره ؟ يلعب الانتباه عاملا أساسيا في هذا المجال . فالانتباه هو تركيز الذهن على عدد محدود من المثيرات في فترة زمنية معينة . وقد يكون هذا التركيز مقصودا من قبل الفرد أو مفروضا عليه من الخارج . يشير أنجل وسنيلكروف Engle and. Snellgrove; 1977, 224-225 ) ) إلى مجموعتين مهمتين من العوامل ، تلعبان دورا في جلب انتباه المرء إلى مثيرات معينة دون غيرها . الأولى متعلقة بالفرد نفسه ، والثانية مرتبطة بالمثيرات بحد ذاتها .
• العوامل المتعلقة بالفرد : تتضمن العوامل المتعلقة بالفرد حالة الفرد النفسية حال حدوث ذلك المثير . تتضمن هذه المجموعة الحاجات والاتجاهات والتوقعات والدوافع والخبرات السابقة . فالشخص الجائع على سبيل المثال ينتبه إلى المطاعم أكثر من الشخص الشبعان .
• العوامل المتعلقة بالمثير : تتضمن العوامل المتعلقة بالمثير تلك الخصائص الأساسية للمثير ، منها الشدة والحجم واللون والتباين والحركة والتغيير والجدّة والتكرار . ومع تجمع خصائص كثيرة في مثير معين يزيد من احتمال انتباه الأفراد لهذا المثير. تجلب حركة الدعاية الضوئية وألوانها الزاهية انتباه الفرد كثيرا .

تجمع المثيرات في اتجاه واحد :
يولِّد وجود المثيرات أو تجمعها في اتجاه واحد الإنارة والتبصر في العقل الإنساني بإيجاد علاقات معينة بين هذه المثيرات . فقرد كوهلر لم يتبصر إلى وجود العلاقة بين الحصول على الموز والصناديق عندما كان موليا ظهره بعض هذه الصناديق الموجودة في الغرفة . على أنه تبصّر لوجود هذه العلاقة عندما كانت الصناديق جميعا والموز في اتجاه واحد وأمام بصره . فوضع الحيوان هذه الصناديق فوق بعضها البعض وانحلت المشكلة بحصوله على الموز . وكانت الحالة نفسها بالنسبة للعصي ، إذ لم يتبصر تركيب بعضها بالبعض الآخر إلا عندما كانت جميعا أمام مرآه .

انشغال الفكر الكلّي بالمشكلة :
على أن الإنسان يختلف عن الحيوان من حيث الذاكرة . إذ يتميز الإنسان في الاحتفاظ بخبراته في ذاكرته فترة طويلة من الزمن . فيستخدم خبراته السابقة ، ويتأمل في الأمر ، ويكوّن العلاقة بينها وبين المثيرات الجديدة التي يتلقاها عن طريق حاسّة من حواسه . وإذا ما كان أمر ما يشغل باله كثيرا ، ويبحث عن حلّ له ، فانه قد يربط بينه وبين أي شيء آخر يراه أو يسمعه أو يتحسسه أو يشمه أو يتذوقه هنا وهناك . ومن أجل أن يشغل أمر ما بال الإنسان فلابد أن يعيشه بكل ما أوتي به من إمكانات . أي أن هذا الأمر يحتلّ جزء من حياته أينما حلّ وارتحل . فلا يفكّر إلا به ، في كل آن وحين ، في كل زمان ومكان . فيشغل هذا الأمر حيّزا كبيرا من ذهنه . وهذا ما يجعل الإنسان في تحفز لتلقي الإلهام ، وتكوين الارتباطات الجديدة . وإذا كانت المشكلة التي هو بصددها تدخل أحلامه فإن ذلك يعني أنه منشغل بها انشغالا تامّا ، وأن هذا الانشغال إنما وصل الدرجة القصوى التي يمكن أن يصل إليه . وما بعد هذا الانشغال الكثيف المركز إلا إنارة في الذهن كإنارة البرق السريعة ، تمر بالبال مرّا خاطفا سريعا جدا . وما عليه إلا أن يخطفها خطفا سريعا . فيكون تسجيل الأفكار إذن ضروريا جدا . فما على المرء إلا أن يسجل أفكاره بطريقة ما دون أي نقص . وإلا فإن الخطفة السريعة هذه معرضة للنسيان لا محال . وقد لا تخطر هذه الأفكار بالبال مرة أخرى . ولا ينفع الندم عند ذاك شيئا .
وتظلّ هذه الذاكرة فعّالة أثناء اليقظة عندما يختلي الشخص بنفسه في الفراش قبل النوم أو بعده . أو عندما يدخل الحمام أو يحتل مقعدا في الحافلة أو يتواجد في أي مكان آخر . ومهما تظهر المشكلة على أنها منسيّة في الظاهر ، ومهما ينشغل المبتكر عنها بقضايا أخرى غيرها ، إلا أنها تمر بمرحلة من الاختمار ، وتكون محفوظة في لاشعور الفرد . وقد تقفز إلى الشعور في وقت يقابل فيه الإنسان مثيرا جديدا كفيلا بإثارته والتبصر في إيجاد علاقة جديدة .
وتبيت هذه الذاكرة فعالة حتى أثناء النوم . وقد يظهر التبصر على شكل رؤيا . ومن العلماء من توصلوا إلى إيجاد العلاقات بين المثيرات التي تشغل بالهم في النهار على شكل أحلام أثناء النوم . يعرف الباحثون في ميدان علوم الحياة قصة أوتو لوي ( Otto Loewi ) جيدا . يذكر تأريخ الاكتشافات أن هذا العالم كان يجري تجارب مضنية مستمرة على الخلية الحيوانية لسنوات طويلة ن لم يستطع خلالها حلّ المشكلة التي كانت تشغل ذهنه بأي حال من الأحوال . وأخيرا استطاع أن يحلّ هذه المشكلة في رؤياه . فأفاق من نومه ، وسجل ملاحظاته في الظلام ، ثم نام مرة أخرى . على أنه لم يستطع أن يقرأ خط يده بعد أن نهض من نومه في الصباح . وهكذا فقد نسي الحلّ الذي انتظره بصبر فارغ لسنوات طويلة . على أن هذا العالم كان محظوظا جدا . فقد رأى الرؤيا نفسها في الليلة التالية . وما أن أفاق من نومه في هذه المرة حتى أضاء المصابيح ، وعجّل بالذهاب إلى مختبره ، وسجّل رؤياه بالكامل دون أن يدع أي مجال للنسيان . لقد حصل هذا العالم نتيجة أعماله هذه جائزة نوبل العالمية الشهيرة .
تشبه قصة اختراع ماكينة الخياطة القصة السابقة . يذكر اونيل ( O`neil, 1995, 25l) قصّة الياس هوي ( Elias Howe ) مع غيرها من قصص الاختراعات في الأحلام . إذ كان مخترع ماكينة الخياطة هوي قلقا جدا لأن جهوده في تركيب الخيط بالإبرة كانت تبوء بالفشل رغم المحاولات المضنية التي كان يبذلها . لقد آوى المخترع إلى الفراش في ليلة بعد عمل متعب ، ورأى في منامه أنه قبض عليه من قبل رجال قبيلة وحشية ، وأخذ إلى رئيس القبيلة ، الذي أمره إما أن يصنع ماكينة خياطة متكاملة أو أنه سوف يفتك به . فباءت محاولات هوي في النوم بالفشل أيضا . ازداد رئيس القبيلة غضبا ، وأمر بقتله . وتقدم رجال القبيلة نحوه ، وهم يحملون رماحا مثقوبة . أفاق المخترع من هول ما رأى . أستنتج من حلمه أن الإبرة كالرماح يجب أن تثقب من منتصفها ، ويركب فيها الخيط من هذا الثقب كما يحصل الآن في ماكينة الخياطة .
وهناك أمثلة أخرى من غير لوي وهوي ممن توصلوا إلى اختراعاتهم في الأحلام . يذكر عن توماس أديسون ( Thomas Edison ) مخترع المصباح الكهربائي بأنه قال أن أفضل أفكاره كانت تأتيه أثناء النوم . وذكر الفيزياوي المشهور انشتاين ( Albert Enstein ) كلاما شبيها بذلك . لقد كتبت القصاصة الشهيرة شارلوت برونتي ( Charlotte Bronte ) قصتها المشهورة جين آير ( Jane Eyre ) بناء على ما شاهدته من أحلام خلال النوم . ذكر الملحن ايكور سترافنسكي ( Igor Stravinsky ) مرة بأن أحسن طريقة لحل مشكلات الألحان الموسيقية هو النوم عليها .
ومن أجل أن يشاهد الإنسان شيئا ما لابد أن يكون هذا الشيء قد أشغل ذهنه كثيرا . إن الانشغال الزائد بمشكلة ما يدفع الإنسان إلى التوصل إلى أفكاره المبتكرة سواء كان خلال اليقظة أو أثناء النوم . يحافظ الانشغال الزائد العقل فعالا . وتلهم فعالية مخ الإنسان المستمرة بالأفكار الجيدة . ومن أجل المحافظة على فعالية المخ الدائمة لابد من التفكير العميق .

المثيرات في الحضر والريف :
تختلف المثيرات في الحضر عنها في الريف من حيث العدد والنوع . ويختلف بذلك الحضري عن الريفي في تلقيه للمثيرات المختلفة . فالمثيرات قليلة في الريف ومعظمها طبيعية . ويستجيب الريفي بناء على ذلك استجابة عميقة لهذه المثيرات . أما المثيرات في المدينة فتكون كثيرة جدا ، ولا يمكن للساكن في المدينة أن يستجيب استجابة عميقة لكل هذه المثيرات . ذلك لأن الاستجابة إنما تتطلب صرف طاقة كبيرة ، وتتعب الجهاز العصبي لدى الإنسان . ولهذا السبب تكون استجابة المدني للمثيرات بشكل عام استجابة سطحية .



المثيرات في الصيف والشتاء :
تختلف المثيرات من فصل إلى آخر خلال السنة الواحدة . يكون النهار في الصيف طويلا ، بينما يكون في الشتاء قصيرا ، ويتساوى مع الليل في الربيع والخريف . ولما كان الإنسان يعمل في النهار ويأوي إلى بيته في الليل فإن المثيرات التي يتعرض لها في نهار الصيف الطويل أكثر مما يتعرض له في نهار الشتاء القصير . ويتعب الإنسان في أيام الصيف أكثر مما يتعب في أيام الشتاء . لقد حدت هذه الوضعية بعالم الاجتماع دوركهايم إلى أن يعزو ارتفاع نسبة الانتحار في أشهر الصيف عنها في أشهر الشتاء إلى كثرة المثيرات التي يتلقّاها المنتحر في أشهر الصيف .

فترة الطفولة والمثيرات :
يعيش الجنين الإنساني في بيئة آمنة مطمئنّة في رحم الأم . تكون المثيرات في هذه البيئة محدودة جدا بالنسبة للجنين . إلا أن الأدلة تشير بأن المؤثرات الموسيقية تزيد من حركات الجنين في رحم الأم كاستجابة لهذه المؤثرات . ينتقل الوليد الإنساني مع الولادة إلى بيئة غنيّة بالمثيرات . تكون هذه المثيرات بمجموعها جديدة بالنسبة له . فيتعلم عنها ما يصل إليه عن طريق حواسه الخمسة . يميز الطفل منذ البداية بين نوعين من هذه المثيرات : تلك التي تعطيه اللذة فيقبل عليها ، وتلك التي تولِّد لديه الألم فيتجنب منها . يكون سلوك الوليد في معظمه في بداية الأمر سلوكا انعكاسيا لا إراديا بسيطا جدا .
تبدأ بيئة الطفل الأولى من البيت الذي يتضمن عددا محدودا من المثيرات مقارنة بالبيئات الأخرى الموجودة خارج هذا البيت . ومع نمو الطفل المطّرد وبسرعة كبيرة وخاصة في جهازه العصبي مع نهاية السنة الثانية من العمر ، وتعلمه المشي وشروعه بالجري وصعود السلالم وانتقاله من مكان إلى آخر تزداد المثيرات التي يستقبلها في البيئة المجاورة بمنطقة السكن أولا . يحاول الطفل أن يكتشف كل ما يحيط به من أشياء لما هو مزود به من حب للاستطلاع . وتنمو الحواس وتتميز وضوحا ، وتظهر الانفعالات وتتمايز ، ويتسع عالم الطفل الاجتماعي من المنزل والأسرة إلى الجيرة والمحلة . ومع تعلمه اللغة يبدأ بالتعبير عما يصل إليه عن طريق حواسه أو ما يفكر به بالألفاظ .
ومع إكمال السنوات الخمسة الأولى من العمر يكتسب الطفل مهارات حركية جديدة كالجري والقفز والحجل والتسلق وركوب الدرّاجة . تساعد هذه الفعاليات التعرض إلى مثيرات جديدة . ويتساءل الطفل كثيرا في هذه المرحلة عن كنه الإنسان والحيوان والنبات والأشياء والكون . وتكون أسئلته في كثير من الأحيان مربكة للكبار الذين يحيطون به . يظهر على الطفل سلوك الاستطلاع والاستكشاف . ويطرد نمو الذكاء ، وتزداد فترة الانتباه لديه . يمرّ الطفل بفترة من تقليد الكبار فيما يقومون به من أعمال وما يتحدثون به من أقوال . يتميز الطفل في هذه المرحلة باللعب الخيالي وأحلام اليقظة ، ويدور تفكيره حول نفسه . يلعب الراديو والتلفزيون كتنبيه في النمو اللغوي . تؤثر القصص والحكايات على نموه اللغوي . يتعلم المعايير الاجتماعية ، ويصادق الأطفال الذين يماثلونه في العمر .
يتميز الطفل المعاصر بأنه أوفر حظا من طفل الأمس بما يستقبله من مثيرات كثيرة من محطات الراديو وقنوات التلفزيون التي تنقل إليه كل شيء موجود في العالم الخارجي إلى داخل البيت . ينتبه الطفل إلى هذا الجهاز منذ الأشهر الأولى من حياته ، ويتابع ما يعرض فيه من برامج متنوعة . يتضمن التلفزيون مثيرات غنيّة لا تعد ولا تحصى . تتميز مثيرات التلفزيون بأنها تتغير بسرعة كبيرة . تجلب الأفلام ولا سيما الكارتونية منها أنظار الأطفال لما فيها من خيال وفير وحركة سريعة وألوان زاهية تسرّ الناظرين .
ومع عمر رياض الأطفال تتوسّع بيئة الطفل ، وتزداد المثيرات التي يستقبلها . ويزداد الخيال لديه في هذه الفترة الزمنية ، ويصل إلى أقصى مستواه في عمر الخامسة . والخيال والتفكير مثيران داخليان يتم فيهما تصفية وترشيح وتطوير المثيرات الخارجية ، وتنظيمها بطريقة بحيث تكون صالحة للخزن في الذاكرة الإنسانية ، ومقبولة في كثير من الأحيان للطفل ومن يحيط به .
تتوسّع بيئة الطفل لما يكسبه من سهولة في الانتقال مع تقدم العمر . وتزداد المثيرات كثيرا في عمر المدرسة الابتدائية بما يتعلمه من القراءة والكتابة والحساب والرسم والمهارات الجسمية ، فتزداد المثيرات بذلك وخاصة تلك التي تأتي من بطون الكتب المختلفة ، وما يصل إليه من مجلات وجرائد . تتوسّع البيئة الاجتماعية مع الذهاب إلى المدرسة ومشاركة المجتمع في بعض من فعالياته والانضمام للجماعات الجديدة . تحتل القصص والحكايات لدى الأطفال مرتبة خاصة بين المنشورات لما فيها من خيال خصب . ينمو التفكير المجرد ، ويميل الطفل تدريجيا نحو الواقع ، ويزداد لديه الإبداع والتفكير . ينمو لديه حب الاستطلاع . يزداد احتكاك الطفل بجماعات الكبار واكتسابه المعايير الاجتماعية والاتجاهات والقيم الاجتماعية . ويثور على الروتين . يتفاعل اجتماعيا مع الأقران . يكتسب التعصب خلال عملية التنشئة الاجتماعية . يتجوّل الطفل في البيئة المحلية بحرية لوحده أو مع أصدقائه ويقرأ الجرائد ويستمع إلى الراديو ويشاهد التلفزيون ويستخدم الكومبيوتر . وفي كل ذلك يتعرض إلى مثيرات أكثر عددا وأوسع تنوعا .
وفي فترة المراهقة تتوسع بيئة الطفل كثيرا ، وتبدأ الاهتمامات الجديدة لدى المراهقين . تتكون الهوايات وتتطور شيئا فشيئا . تتطور الصداقات لدى المراهقين . يتعلم المراهق أشياء كثيرة من زملائه .

علاقة المثيرات بالابتكار :
يولد الإنسان وهو مزود بنظام عصبي فريد في نوعه بين الحيوانات من حيث أنه بلغ الذروة في سلّم التطور . يتصل هذا النظام بقنوات الاتصال الخمسة بالعالم الخارجي لفهم وإدراك كنه ما يجري فيما يحيط به . وهو بنظامه هذا يتفاعل مع البيئة المحيطة به فور ولادته . والأشياء التي تنقلها هذه الحواس إلى النظام العصبي عبارة عن مثيرات . وتكمن غرابة الإنسان في أنه يخزن هذه المثيرات في نظامه العصبي . وليس هذا فحسب ، بل يرشحها من الدماغ بشكل قد يختلف عن أصله كمّا ونوعا ، ثم يخزنها في ذاكرته . وكلّما تلّقى الإنسان مثيرات أكثر كلّما كان مخزونه أوفر وكلما كان جهازه العصبي أكثر تطورا . ويعود إلى مخزونه لكي يقيم علاقات بين هذه المثيرات من ناحية وتلك المثيرات الجديدة التي يتلقاها في كل آن وحين . قد تكون هذه العلاقات بسيطة أو معقّدة . وكلّما زاد تعقّد هذه العلاقات كلّما كان الابتكار أوفر حظا . لا يولد الإنسان مبتكرا أو مبدعا أو مكتشفا أو مخترعا . وكلّما كثرت المثيرات التي يتلقاها الإنسان من البيئة كلّما نما هذا الجهاز العصبي ، وكلّما كان أقدر على تكوين علاقات جديدة ، وكلّما كان أكثر حظا في الابتكار .
ترتبط المثيرات إذن بالابتكار ارتباطا وثيقا ، وزيادة عددها تفيد الابتكار كثيرا . أما ابتكار المحرومين من المثيرات فيكون محدودا جدا ، وتنويع المثيرات مهم كأهمية أعداد المثيرات . وقد حاول البعض توضيح هذه العلاقة على شكل معادلة تتضمن عدة عناصر . لقد ابتكر هول وويكر Hall and Wecker: 1996: 6 ) ) المعادلة التالية للاختراع من أجل توضيح هذه العلاقة :

الاختراع = ( المثير + نظام عمل الدماغ )الهزل

تبين هذه المعادلة أهمية المثيرات والهزل في الاختراع . تبرز المعادلة أهمية الهزل أكثر من المثيرات . على أن المعادلة كل واحد ، وعدم وجود عنصر منها يؤدي إلى الخلل فيها . إذا قبلنا الاختراع نتيجة من نتائج الابتكار فإن المعادلة تبرز على أن المثير إنما يشكل نقطة البداية للابتكار . وبدون هذا المثير لن يحصل الابتكار .



هل يولّد كل مثير استجابة ابتكار واحدة فقط ؟
ومثلما يُولِّد مثير استجابة لفرد فقد لا يُولِّد هذا المثير استجابة لفرد آخر . ووجود المثير بالنسبة لشخص معين رهن بإثارة هذا المثير استجابة ما . فكل مثير يتلقاه الفرد يولد استجابة معينة طالما أن الإنسان قد تلقاه . المثير الجيد هو ذاك المثير الذي يولّد سلسلة من الاستجابات . والمثير الأحسن هو ما يثير سلسلة من الاستجابات التي تؤدي إلى سلسلة أخرى غيرها . وتختلف نوعية الاستجابات أيضا من شخص إلى آخر . وجودة الاستجابة في كثرة ما تثير من استجابات لدى الفرد نفسه أو الأفراد الآخرين . فتكون بذلك كالحجارة التي ترمى في بحيرة ماء راكدة . فتثير أمواجا ، وتتلاطم هذه الأمواج ببعضها البعض ، فتثير أمواجا أخرى غيرها .
تبنى الاستجابات على إيجاد علاقات أو ارتباطات جديدة بين الاستجابة الجديدة والاستجابات الأخرى الموجودة في الذاكرة . وكلّما كانت الارتباطات كثيرة في الكمّ ، كلما كان احتمال النوعيّة عالية في الاستجابة . إذ أن هناك علاقة إيجابية عالية بين الكمّ والكيف . فكثرة كمّ الأفكار تحسّن الجودة . فالكمّ يولّد الكيف عاجلا أم آجلا .
عندما ينتبه المرء إلى مثير جديد موجود في الطبيعة فإن سلسلة من الأفكار تتفتّق في ذهنه ، وتدوم فترة من الزمن . ومن هنا يكون استقبال المثيرات مهمّا جدا . فكلما كانت هذه المثيرات أكثر عددا ، كلما كان احتمال تشكيل علاقات وارتباطات جديدة أكثر . ففكرة واحدة قد تولّد أفكارا كثيرة ، شأنها شأن حبة تولّد سبع سنابل ، في كل سنبلة مائة حبّة . ويلهم الله من عباده من يشاء أفكارا أخرى غيرها .

كيف يستقبل المبتكرون المثيرات ؟
لاشك أن المثيرات التي تولّد أفكارا مبتكرة تختلف من شخص إلى آخر . ويرجع السبب إلى أن لكل شخص تراكم متشابك من الخبرات الفريدة في نوعها ، وتختلف عما هي موجودة لدى شخص آخر . فما يكون مثيرا لشخص ، ويولّد استجابات معينة يولّد استجابات أخرى غيرها لشخص آخر . وهذا الانفراد في الاستجابات هو الخروج على المعتاد المألوف الذي يكمن فيه سرّ الابتكار .
يتميّز المبتكر عن غيره بأنه يكون ملاحظا جيدا ، ومدقّقا في الأمر أكثر من غيره ، ومتأملا ومتفحّصا دقيقا . فما يراه هذا المبتكر لا يراه غيره . وينتبه إلى ما لا ينتبه إليه أحد . وما لا يثير غيره يثيره هو . تكون عيون قلوبهم مفتوحة ، ويتبصرون بها ما لا يراه الآخرون . يظهرون حسّاسية أكثر من غيرهم . فالمبتكر هو ذلك الملاحظ الجيد لما يتلقاه من البيئة من مثيرات ، والمتفحص والمدقق لما يلاحظه من مثيرات ، والمستجيب لما يتفحّص ويدقّق من مثيرات مهما كانت قيمتها الظاهرية تبدو للغير بسيطة وقليلة .


التوصيات :
انطلاقا مما سبق يمكن تقديم التوصيات التالية :
• توفير المثيرات الكثيرة في البيئة التي يعيش فيها الطفل . فقلة المثيرات تؤدي إلى حرمان الأطفال من كثير من الخبرات التي قد تكون سببا لإثارة الابتكار لديهم . أما الغنى في المثيرات فإنها رهينة بإثارة الابتكار لديهم .
• تعليق الصور والمناظر الطبيعية في غرفة الطفل وخاصة من تلك الأنواع التي يمكن تغييرها في كل يوم عن طريق القلب لتعريضه على مثيرات مختلفة .
• تنويع المثيرات التي يتعرض لها الأطفال في بيئتهم التي يعيشون فيها . فالتنويع يشمل الكتب والمجلات والصحف والأفلام والشرائح والمسجلات .
• التوجه نحو استخدام التكنولوجيا الحديثة وخاصة جهاز الكومبيوتر وشبكات الانترنت لما فيها من مثيرات غنيّة جدا لا تعدّ ولا تحصى ومتنوّعة تنوّعا هائلا جدا تشمل كافة ما يمكن أن يرغب الإنسان أن يطّلع عليه .
• تدريب الصغار منذ نعومة أظفارهم على تلخيص الأفكار باستخدام تعبيرهم الخاص . تعطى فقرات من كتابات معينة للأطفال ، ويطلب منهم تلخيصها بشكل معين بطريقة فردية أو جماعية . تقارن الملخصات ببعضها البعض ويكافأ الجيد منها .
• تعويد التلاميذ منذ السنوات الأولى من المدرسة الابتدائية على الوقفة المبتكرة على كل شيء موجود في هذه الطبيعة . تكون الوقفة المبتكرة على شكل تأمل وتفحص وتدقيق وتركيز دقيق وتفكير عميق على موضوع معين لفترة قد تستغرق عدة دقائق .
• تعويد الصغار منذ نعومة أظفارهم على أخذ الملاحظات التامة وتسجيلها في دفتر عن كل ما يجدونه في الحياة أو يقرؤون . يكون الاحتفاظ بهذه الدفاتر ضروريا طول الحياة . كما أن إلقاء النظر في محتويات هذه الدفاتر بين فترة وأخرى يكون مفيدا من زاوية الابتكار من حيث أنها تشكل مثيرات ، وتساعد في إيجاد علاقات جديدة بين المثيرات المختلفة .
• الأفكار التي تراود الإنسان لا تأتي مرة واحدة وبالكامل . ولو كان الأمر كذلك لما كانت هناك مشكلات على وجه الأرض . إن الأفكار إنما تقفز على البال بين فترة وأخرى وبشكل خاطف ثم تختفي مباشرة . يكون تسجيل الأفكار ضروريا أين ومتى ما أتت دون أي ضياع في الوقت .
• تعويد التلاميذ على إنهاء واجباتهم المنزلية قبل فترة مناسبة من الموعد المطلوب . يصرف الوقت المتبقي للتفكير من أجل التطوير . وبعبارة أخرى تحتاج الأفكار إلى أن تمرّ من مرحلة ما تسمّى بالاختمار . وفي اختمار الأفكار إبداع وابتكار .
• دعوة الطفل إلى أن يكون ملاحظا ومراقبا جيّدا لكل ما يحيط به . وتوجيه أسئلة لكشف دقة انتباهه بعد زيارة لبيت صديق للعائلة أو سوق أو أي مكان كائنا من كان .
• اللعب بالدمى والألعاب التي تحتاج إلى بناء وهدم يثير لديهم الخيال ويظهر ابتكاراتهم .
• عدم ترك أسئلة الأطفال بدون إجابات مهما كانت ، والإجابة عليها بالشكل الذي يفهمه . إثارة أسئلة مستمرة وتوجيهها للأطفال وخاصة تلك الأسئلة التي تكون من النوع المفتوح لكي يتوجه للبحث والاستقصاء والدراسة المنظمة .
• توجيه الأطفال إلى الاحتكاك المباشر بالطبيعة وما فيها من السهول والهضاب والوديان والجبال والكهوف والصحاري والبحار والأنهار .
• مصاحبة الأطفال في زيارة الأسواق والمحلات التجارية وتفحّص المعروضات المختلفة وما فيها من أشياء جديدة ودراسة مزاياها وخصائصها .
• توجيه انتباه الطفل نحو السماء وما فيها من نجوم وشمس وقمر .
• توجيه انتباه الطفل نحو الحيوانات والنباتات وأهميتها الطبيعية في حياة الإنسان .
• توجيه انتباه الطفل نحو المظاهر الطبيعية التي تشمل على البرق والرعد والغيوم والأمطار والثلوج والرياح والعواصف والزلازل والبراكين .

الخاتمة :
المثير أو المنبه أو الحافز هو كل شيء نتلقّاه عن طريق حواسنا الخمسة بما هو كائن في بيئة الإنسان المحيطة به . وبواسطة هذه الحواس ينتبه الفرد إلى وجود هذه المثيرات . فالانتباه ضرورة من ضرورات تلقّّي المثيرات . المثيرات كثيرة في الكون بحيث لا تعد ولا تحصى . يولِّد وجود المثيرات أو تجمعها في اتجاه واحد الإنارة والتبصر في العقل الإنساني بإيجاد علاقات معينة بين هذه المثيرات . وإذا كان هناك أمر ما يشغل باله كثيرا ، ويبحث عن حلّ له ، فانه قد يربط بينه وبين أي شيء آخر يراه أو يسمعه أو يتحسّسه أو يشمّه أو يتذوقّه هنا وهناك . ومن أجل أن يشغل أمر ما بال الإنسان فلابد أن يحتلّ جزء من حياته أينما حلّ وارتحل . فلا يفكّر إلا به ، في كل آن وحين ، في كل زمان ومكان . وهذا ما يجعل الإنسان في تحفز لتلقّي الإلهام ، وتكوين الارتباطات الجديدة .
يعيش الجنين الإنساني في بيئة تكون المثيرات فيها محدودة جدا . إلا أن الأدلّة تشير بأن المؤثرات الموسيقية تزيد من حركات الجنين في رحم الأم كاستجابة لهذه المؤثرات . ينتقل الوليد الإنساني مع الولادة إلى بيئة غنيّة بالمثيرات . يميّز الطفل منذ البداية بين نوعين من هذه المثيرات : تلك التي تعطيه اللذة فيقبل عليها ، وتلك التي تولِّد لديه الألم فيتجنب منها . يكون سلوك الوليد في معظمه في بداية الأمر سلوكا انعكاسيا لا إراديا وبسيطا جدا .
ومع نمو الطفل المطّرد وبسرعة كبيرة وخاصة في جهازه العصبي مع نهاية السنة الثانية من العمر ، وتعلمه المشي وشروعه بالجري وصعود السلالم وانتقاله من مكان إلى آخر تزداد المثيرات التي يستقبلها في البيئة المجاورة بمنطقة السكن أولا . ومع إكمال السنوات الخمسة الأولى من العمر يكتسب الطفل مهارات حركية جديدة كالجري والقفز والحجل والتسلق وركوب الدرّاجة . تساعد هذه الفعاليات التعرض إلى مثيرات جديدة أخرى . ويتساءل الطفل كثيرا في هذه المرحلة عن كنه الإنسان والحيوان والنبات والأشياء والكون . يظهر على الطفل سلوك الاستطلاع والاستكشاف . يتميز الطفل في هذه المرحلة باللعب الخيالي وأحلام اليقظة ، ويدور تفكيره حول نفسه . يلعب الراديو والتلفزيون كتنبيه في النمو اللغوي . تؤثر القصص والحكايات على نموه اللغوي . يتعلم المعايير الاجتماعية ، ويصادق الأطفال الذين يماثلونه في العمر .
ومع عمر رياض الأطفال تتوسّع بيئة الطفل ، وتزداد المثيرات التي يستقبلها . ويزداد الخيال لديه في هذه الفترة الزمنية ، ويصل إلى أقصى مستواه في عمر الخامسة . والخيال والتفكير مثيران داخليان يتم فيهما تصفية وترشيح وتطوير المثيرات الخارجية ، وتنظيمها بطريقة بحيث تكون صالحة للخزن في الذاكرة الإنسانية ، ومقبولة في كثير من الأحيان للطفل ومن يحيط به . وتزداد المثيرات كثيرا في عمر المدرسة الابتدائية بما يتعلمه من القراءة والكتابة والحساب والرسم والمهارات الجسمية ، فتزداد المثيرات بذلك وخاصة تلك التي تأتي من الكتب المختلفة ، وما يصل إليه من مجلات وجرائد . ينمو التفكير المجرد ، ويميل الطفل تدريجيا نحو الواقع ، . ينمو لديه حب الاستطلاع ، ويزداد لديه الإبداع والتفكير. يزداد احتكاك الطفل بجماعات الكبار واكتسابه المعايير الاجتماعية والاتجاهات والقيم الاجتماعية . يتفاعل اجتماعيا مع الأقران . يكتسب التعصب خلال عملية التنشئة الاجتماعية . يتجوّل الطفل في البيئة المحلية بحرية لوحده أو مع أصدقائه ويقرأ الجرائد ويستمع إلى الراديو ويشاهد التلفزيون ويستخدم الكومبيوتر . وفي كل ذلك يتعرض إلى مثيرات أكثر عددا وأوسع تنوعا .
وفي فترة المراهقة تتوسع بيئة الطفل كثيرا ، وتتكون الهوايات وتتطور شيئا فشيئا . تتطور الصداقات لدى المراهقين . يتعلم المراهق أشياء كثيرة من زملائه . وكلّما تلّقى الإنسان مثيرات أكثر كلّما كان مخزونه أوفر وكلما كان جهازه العصبي أكثر تطورا . ويعود إلى مخزونه لكي يقيم علاقات بين هذه المثيرات من ناحية وتلك المثيرات الجديدة التي يتلقاها في كل آن وحين .

أ.د. امل
28-08-2003, 01:38 PM
الابتكار بين التقليد والتجديد
مقالة للأستاذ الدكتور أنور طاهر رضا
جامعة ايجة – كلية التربية – رئيس قسم تكنولوجيا التعليم والحاسوب الآلي نشرت في (2001) في مجلة بيادر السعودية , العدد (35)


المقدمة :
من الصعوبة بمكان الحفاظ على المصالح الخاصة في هذه الأيام في مثل هذا العالم المتصارع . تصحّ هذه الحقيقة على مستوى الأفراد والجماعات والمجتمعات على حد سواء . يستطيع الأفراد والجماعات والمجتمعات ضمان مصالحهم الخاصة فقط إذا كانوا أقوياء بشكل مستمر في شتى المجالات . وتأتي قوة العقل والرأي في مقدمة هذه المجالات المختلفة . وبعكس ذلك فإنهم يكونون آلة بيد الغير ، ويستغلّون بشكل مستمر أو حتى يمكن محوهم عن الوجود بكل سهولة ويسر . ولكي لا يقع أي فرد في ظروف كهذه ينبغي أن يكون مبتكرا في كل جانب من جوانب الحياة . ويكمن سر الاحتفاظ بالحياة والعيش المتواصل والنجاح والتقدم في الابتكار .
ومن أجل تحقيق الابتكار فلابد من التدريب على وسائل الابتكار . تكون التربية المخصصّة للابتكار مهمة من هذا الجانب ، ذلك لأن هذه التربية إنما تعلَّم وتدرِّب على كيفية الانتقال من التقليد إلى التطوير والاختراع بالابتكار وحده . يمكن تطوير الابتكار بمقدار ما يحصل الفرد على التربية في هذا المجال . وما لم تقدم هذه التربية تبقى ابتكارات الأفراد كخزائن مطمورة في الأرض لا يعرف أحد عنها شيئا .
لقد تحققت مخترعات ومكتشفات كثيرة مع سير التأريخ . وقد أكملت هذه السلسلة من المخترعات والمكتشفات بعضها البعض الآخر . اختراع الطباعة سنة 1436 من قبل جوهان جوتنبرك ، وتحسين الماكينة البخارية سنة 1765 من قبل جيمس واط ، اختراع التلفون سنة 1876 من قبل كراهام بل ، واكتشاف الكهرباء سنة 1893 من قبل توماس أديسون ، وإيجاد الجرس سنة 1894 من قبل ماركوني ، واختراع آلة التسجيل سنة 1898 من قبل فلادمير بولسن ، والتمكن من الطيران سنة 1903 من قبل الأخوين رايت ، والبث التلفزيوني سنة 1928 و 1935 من قبل جون لوجيك بيرد ، وإيجاد الترانسستور سنة 1948 من قبل جون باردين وولتر براتان ووليم شوكلي ، وإرسال الروس سنة 1957 مركبتهم سبوتنيك إلى الفضاء الخارجي ما هي إلا أمثلة من المخترعات والمكتشفات التي خدمت الإنسانية خدمة جليلة كبيرة . وليست المخترعات والمكتشفات محصورة بهذه الأمثلة . وفي حقيقة الأمر فإن المدنية الحالية مدينة إلى الآلاف من المخترعات والمكتشفات المبتكرة التي توصل إليها المبتكرون في كل مجال من مجالات الحياة المختلفة . إن المخترعات والمكتشفات المبتكرة مستمرة في هذا اليوم أيضا . فلم تقف هذه المخترعات والمكتشفات المبتكرة ولن تقف في يوم من الأيام . على أن الفرق الوحيد أنها إنما تتحقق بسرعة أكبر من ذي قبل . فالشيء الوحيد الذي يحدّد الابتكار هو خيال الإنسان . وليس هناك من حدود تقيّد هذا الخيال مطلقا . فالإنسانية اليوم حامل لمخترعات ومكتشفات أهم وأخطر من ذي قبل . هذا ومن ناحية أخرى فإن الاختراع والاكتشاف والإبداع والابتكار ليس محصورا بمجتمع معين بعينه ، ذلك لأن المخترعات والمكتشفات إنما تتحقق بمساهمات أفراد ومؤسسات في مجتمعات متباينة . ولهذا السبب فإن المدنية الحالية إنما تحققت بمساهمات أفراد من كل المجتمعات . فهذه المدنية من الجميع وملك للجميع .
عندما سئل توماس أديسون سؤالا عن كيفية توصله إلى اكتشاف من هذا النوع فإنه أجاب أنه لم يكن مبتكرا بالولادة . وأنه ومع فريقه قد استطاعوا عن طريق استخدام العصف العقلي وطرائق الابتكار الأخرى أن يطوروا أفكارهم بشكل مستمر . يؤكد هذا المثال على أهمية التربية والتدريب في تطوير الابتكار والاختراع .
وبعد هذه المقدمة فقد تخطر على بال الكثيرين أسئلة عديدة مفادها : ترى ما هو الاختراع ؟ كيف يمكن التوصل إلى الاختراع ؟ كيف يقلّد شيء ما ؟ كيف يمكن التخلّص من التقليد ؟ كيف يمكن تحويل التقليد إلى اختراع ؟ ما معنى التطوير ؟ كيف يمكن تطوير أمر ما ؟ كيف يمكن تحويل التطوير إلى اختراع ؟

ما هو الاختراع ؟
يمكن تعريف الاختراع كما يأتي :
"الاختراع هو إيجاد شيء جديد أو التوصل إلى إنتاج شيء غير موجود نابع من حاجة لدى الإنسان ويسد هذه الحاجة أو ابتكار آلة أو جهاز يفيد الإنسان في بعض من شئونه ."

يتحقق الاختراع عندما يبتكر الإنسان شيئا أو إنتاجا جديدا وأصيلا ويضعه حيّز الوجود بحيث ينتفع منه الآخرون في شأن من شئونهم . لا يعني الاختراع إيجاد شيء من لاشيء . ذلك لأنه لا يمكن للإنسان أن يخلق شيئا من لاشيء . فهذا أمر هو من شأن الخالق سبحانه وتعالى ، أنه إذا أراد شيئا فإنه يقول له كن فيكون . وبدلا من ذلك فإن الإنسان يستخدم في الاختراع ما هو موجود من ذي قبل لإنتاج شيء جديد . قد يكون ما هو موجود موادا خاما أو حتى مواد مصنّعة . فالمخترع ينتبه أفضل من غيره إلى ما هو موجود وكائن . وهو يتميز عن غيره بملاحظة ما لا يلاحظه الآخرون في بيئتهم . فالاختراع يتضمن عمليات من شأنها أن تؤدي إلى تصنيف أو تنظيم جديد أو تغيير عناصر أو إضافة وظيفة جديدة أو تسجيل علاقات جديدة لما هو موجود سابقا .

كيف يمكن التوصل إلى اختراع ؟
ليست الاختراعات محصورة على العلوم فحسب ، بل يمكن تحقيق ذلك في أي مجال من المجالات التي تقع خارج العلوم . على أن مجال العلوم أكثر ملاءمة للاختراعات . ومن ناحية أخرى يمكن تحقيق الاختراع بالكشف عن فكرة أو طريقة أو علاقة جديدة . ولما كانت التكنولوجيا هي في الأساس نتاج اختراعات متواصلة فإنها تكون بذلك مرشّحة للتطوير بشكل مستمر في كل زمان ومكان .
يمكن تحقيق هذا الهدف في ميدان التقنيات التربوية بإنتاج الوسائل والمواد التي تستخدم في عملية التربية والتعليم والتعلم . يمكن أن يكون المعلمون مشاركين في الإنتاج أو موجهين له . يحقق المعلمون الموجّهون في الإنتاج مشاركة طلبتهم في الإنتاج أكثر من مشاركاتهم الشخصية . وفي مثل هذا النوع من التطبيق يستغلّون أوقاتهم استغلالا مناسبا ، ويخلقون فرصا جيدة لوضع ابتكارات طلبتهم حيّز الوجود . يعتبر إنتاج حقائب التعلم ذروة الإنتاج في ميدان الوسائل التعليمية . يعتبر هذا المجال ميدانا خصبا للابتكار . يمكن تحقيق إنتاج حقائب التعلم بالتسجيل الصوتي والتسجيل الصوتي _ شفافيات والتسجيل الصوتي _ شرائح والتسجيل المرئي والأفلام والكومبيوتر .
يمكن تحقيق الاختراع في مراحل عديدة . قد تتّبع هذه المراحل بشكل منظّم أو يمكن تجاوز مرحلة أو أكثر . يشير براون (Brown: 1977: 80-81 ) إلى أن إنتاج الوسائل التعليمية يتمّ في عدّة خطوات . ندرج هذه الخطوات كما يأتي :

1. التقليد :
التقليد هو محاكاة الآخرين ، وإتيان ما أتوه ، وفعل ما فعلوه ، وعمل ما عملوه . وهو موجود لدى الإنسان والحيوان معا . فالطفل الإنساني يقلّد أبويه في طريقة كلامه ولبس ما يلبسوه وحركاته وسكناته وكثير من مظاهر شخصيته . يكون المقلِّد في كل الحالات ضعيفا في جانب أو أكثر من جوانب الشخصية ، والمقلَّد قويّا في جانب أو أكثر من جوانب شخصيته بحيث يجعله نموذجا حسنا . وكما يمكن أن يكون النماذج من الأبوين يمكن أن يكون أيضا من الأقارب أو المعلمين والمعلمات أو القادة والسياسيين أو الفنانين من الذين يراهم الأطفال على شاشات التلفزيون في كل يوم أو يشاهدونهم على شاشات السينما أو على المسرح أو يقرؤون عنهم في طيّات الكتب والمجلات والجرائد وغيرها من المواد المطبوعة . يبدو أن التقليد يسبقه في العادة جمع معلومات ومشاعر من الإحساس بالإعجاب . والتقليد ظاهرة طبيعية في تكوين شخصية الفرد الفريدة الطبيعية .
توجد هناك أعمال كثيرة ابتكرت من قبل الغير ، وجربت صلاحيّة نجاحها بالتطبيق ، وأخذت شهرة محلية أو عالمية . وهناك مظاهر وخصائص وامتيازات كثيرة تدل على نجاح هذه الأعمال ، وتفوقها على غيرها من الأعمال في جوانبها المختلفة . ومن أجل العمل على تكرار وإدامة مثل هذه الأعمال فإن هناك تعليمات خاصة يجب إتباعها بدقة وعناية . ويطلق على إنتاج من هذا النوع بالإنتاج التقليدي . وإتباع التعليمات الشفهية أو المكتوبة من أجل استنساخ صورة معينة أو خارطة من الخرائط أو إعداد مواد نشرة من النشرات أو متطلبات اللعب بالدمى أو تجربة معينة في المختبر ، أو كتابة مقال أو إجراء بحث ، أو إنتاج آلة أو جهاز أمثلة على تكرار أعمال أنتجت من قبل الآخرين من ذي قبل . وتتضمن هذه الأعمال وأمثالها ابتكارا ولو كان ذلك قليلا .
يطلق دي بونو ( De Bono: 1993: 45 ) على الوسائل المستخدمة في مثل هذا النوع من الإنتاج اسم الإنتاج بالتجربة أو الخبرة . يعرف مسبقا في مثل هذه الوسيلة ما الذي يمكن أن ينجح من أعمال وكيفية تحقيق نجاحها . ونجاح عمل ما في مجال معين يؤدي إلى تكرار إنتاجه . وهذه الوسيلة بحد ذاتها إنما هي عبارة عن استنساخ أو تكرار أو استعارة أو تملك نسخة من شيء معين . ولما كان النجاح مضمونا والمجازفة قليلة في عمل جُرِّب من قبل الآخرين ، مقابل عدم وجود ضمان في النجاح ومجازفة كبيرة في عمل جديد فإن الإنسان يرجّح الاختيار الأول منه ، ذلك لأن المجازفات قد تولِّد مخاطر مادية ومعنوية في آن واحد . وعندما تُستخدم وسيلة التقليد في الإنتاج فإن العمل الجديد ينبغي أن يكون على الأقل في مستوى العمل السابق . يشير دي بونو ( De Bono: 1993: 45 ) إلى أن هذه الوسيلة إنما تُستخدم بشكل واسع في مجال الإنتاج الصناعي في قارة أمريكا الشمالية .
يبدو أن التقليد في الإنتاج ضروري في بداية الأمر . وليس تقليد أفكار الغير أو أعمالهم شيئا منبوذا مطلقا . كما ينبغي عدم الانزعاج من تقليد الصغار لأعمال الكبار . وليس هناك من داع إلى التخوّف منه أو ردع من يُقلِّد ، بل ينبغي تشجيع من يقوم بذلك ، ذلك لأن التقليد يمثّل المرحلة الأولى من الاختراع . يتعلم الفرد بالتقليد خبرات غيره ويعيش هذه الخبرات . على أنه ينبغي أن يكون النموذج الذي يُقلَّد من الذين لههم باع طويل في ميدان البحث ذي الصلة . يكون اختيار النماذج بذلك من الذين يمكن أن يكونوا أسوة حسنة من العلماء والأدباء والفلاسفة الكبار والفنانين الذين نبغوا في ميادينهم نبوغا ملفتا للنظر . كما أن المُقلِّد يجب أن يكون على بيِّنة من أمر تقليده ومن يقلِّده وما يقلِّده . تتحوَّل الخبرات الخارجية بالتقليد إلى خبرات داخلية . فالتقليد عبارة عن مرحلة إعداد لإنتاج فكرة أصيلة . ويعني التقليد هنا فعل ما فعله المشاهير من المخترعين والمكتشفين والمنتجين والمؤلفين وإتباعهم فيما قاموا به من فعل وما أدوه من عمل على خير وجه . وبعد تقليد كاف فإن الفرد سينتقل لا محالة إلى التطوير وإبداء الرأي الشخصي وتطبيق أفكاره الخاصة . وهكذا يظلّ الإنسان يقلّد ويقلّد إلى أن يجد طريقه الخاص به أو أن يكتشف أسلوبه المنفرد عن الآخرين . ومن أجل أن يكون التقليد نافعا فمن المرجّح أن تستمر العملية على شكل تقليد وتفكير ، فتقليد وتفكير ، ثم تقليد وتفكير . تفسح هذا التناوب مجالا لولادة أفكار وأعمال جديدة أصيلة ومبتكرة .
هذا ومن الجدير الإشارة إلى أن التقليد إنما يتضمن في جوهره القليل من الابتكار . ولهذا السبب ينبغي عدم الاكتفاء بالتقليد ، ذلك لأن الاكتفاء بالتقليد وعدم خطو خطوة أخرى إلى ما بعده إنما يمثل مشكلة حقيقية . كما أن الاكتفاء بالتقليد يعني القناعة بالقليل من الابتكار كمن يكتفي بالقليل ويترك الكثير . ومن أجل تخطي التقليد إلى مرحلة لاحقة وتحقيق ابتكار أكبر فلابد من إتباع الوسائل والأساليب التالية بدقة وعناية :

أ. الحصول على المعلومات الكافية :
كل ميدان يعمل فيه الفرد يمرّ اليوم بما يسمى بانفجار المعرفة . وهذا يعني أن المعرفة في أي مجال من المجالات إنما تتوسع بشكل هائل إلى درجة أنها تضاعف نفسها في كل بضعة من السنين . وهكذا فقد تراكمت معلومات كثيرة نتيجة الخبرة الإنسانية وتكوَّنت المدنية الحديثة .
الحصول على تراكم كاف من المعلومات في ميدان من الميادين ضروري من أجل تحقيق الاختراع في هذا الميدان . وهكذا لا يمكن التوقع من شخص جاهل أن يخترع شيئا جديدا . ذلك لأن الجاهل لا يملك المعلومات الكافية التي تؤهله إلى الاختراع في أي ميدان من الميادين . وبدون الحصول على المعلومات الكافية يكاد يكون من المستحيل اختراع شيء جديد ذي قيمة بيِّنة .
كما أن الاختراعات تأتي متوالية وبشكل متدرج وبمرور الزمن . وهكذا يكون التراكم في المعلومات والتقدم العلمي الذي يحصل نتيجة لذلك هو الآخر ضروري من أجل الاختراع . ومن هذا المنطلق يمكن تعليل عدم اختراع الطائرة قبل خمسمائة سنة إلى عدم توفر المعلومات الكافية في هذا الميدان في ذلك الوقت . كما أن هناك نوع من التدرّج في الاختراع والكشف ، فالآلة يجب أن تسير على الأرض أولا قبل أن يطير . ويعتبر اختراع العجلة أهم الاختراعات في تأريخ المدنية الحديثة ، ذلك لأن العجلة قد فتحت الطريق أمام عدد لا يعدّ ولا يحصى من الاختراعات .
وليس بالضرورة أن يحصل الفرد على هذا التراكم في المعلومات عن طريق الدراسة المنظّمة في المدارس والجامعات . فقد يحصل الفرد على هذه المعلومات عن طريق جهوده الشخصية . فالمعرفة مفتوحة للجميع ، وهناك وسائل كثيرة للحصول عليها . ومن المخترعين المشهورين من أمثال أنشتاين وجيمس واط وتوماس أديسون وغيرهم هم ممن لم يحققوا النجاح في صفوف التعليم المنظم .
يعتبر دي بونو ( De Bono: 1993 : 45-46 ) تراكم الخبرات وسيلة تقليدية من وسائل تطوير الابتكار . يمكن التعرف على ما يمكن أن يحقق النجاح عن طريق خبرات الآخرين . وهكذا لا تصرف الجهود والوقت والمال عبثا . كما أنه ليس هناك من داع لاكتشاف أمريكا مرة أخرى . وهذه الوسيلة مهمة من حيث أنه يمكن تغيير مقادير عناصر الحقائب الجاهزة التي تتكون من خليط المنتجات والأفكار والطرائق من مرة إلى أخرى .
إننا نعيش في عصر معلومات غزيرة ، ولا يوجد لدينا وقت كاف لتزويد الطلبة بكل شيء في أي ميدان من ميادين العلوم المختلفة . وما تزوّده المدارس للطلبة في أي ميدان من ميادين العلم لا يمثل إلا جزء يسيرا من تراكم المعلومات في ذلك العلم . وأمام هذا التطور الهائل في المعلومات ينبغي الوصول إلى مصادر المعلومات الأساسية بسرعة كبيرة . ولهذا السبب ينبغي الاستفادة من جميع مصادر المعلومات الموجودة في المجتمع . وتتضمن هذه المصادر الكتب والمجلات والصحف والأشخاص والراديو والتلفزيون والزيارات الميدانية والمعارض والمتاحف والمكتبات ومراكز التقنيات التربوية . ويركّز في ميدان التقنيات التربوية على أن الطلبة وبدلا من أن يزوّدوا بالعلم كلقمة جاهزة ينبغي أن يعلّموا طريقة الوصول إلى المعلومات . لقد سهّلت التكنولوجيا في القرن العشرين الوصول إلى المعلومات تسهيلا كبيرا مقارنة بالقرون السابقة . يمكن الوصول عن طريق الكومبيوتر والانترنت إلى مصادر المعلومات الغنيّة بسرعة هائلة . لذلك ينبغي تدريب الطلبة على كيفية الاستفادة من الكومبيوتر والانترنت .

ب. تنظيم تسجيل الملاحظات :
تختفي الأقوال والأفكار إذا لم تسجّل بطريقة ما ، بينما يمكن الاحتفاظ بالمواد التي تسجّل بمقدار ما تكون طريقة التسجيل سليمة . تؤكد مقولة "تتبخّر الأقوال وتركد المسجّلات" هذه الحقيقة بالذات . تكون الباقيات إذن ما سجّلت بطريقة الكتابة أو أية طريقة أخرى مناسبة . كما يمكن التسجيل على ورق ، يمكن التسجيل بجهاز التسجيل الصوتي أو المرئي أو الفلم أو الكومبيوتر . ومن أجل الاستفادة اللاحقة من القراءات المختلفة فلابد من أخذ الملاحظات وتسجيلها بطريقة ما في ملف ينظم لهذا الغرض . هذا ومن ناحية أخرى فإن الأفكار التي تراود الفرد في أوقات مختلفة تزول وتختفي إذا لم تسجل بطريقة ما . أما إذا ما احتفظت بها فإنها إنما تشكل بمرور الأيام المادة الخام للاختراعات والاكتشافات في المستقبل .
يبدو أن المحاضرين على إدراك تام بأنهم إنما يلقون محاضرات مربكة في أيام يكون فيها مزاجهم مكدرا ، بينما تكون هذه المحاضرات بديعة في تلك الأيام التي يكون فيها مزاجهم منشرحا . وأنهم لا يستطيعون إعادة هذه المحاضرات فيما بعد بالكم والكامل . وللاحتفاظ بهذه المحاضرات أيضا يمكن تسجيلها بآلة التسجيل الصوتي أو المرئي . فأجهزة التسجيل الصوتي أو المرئي إنما تسجِّل وتحافظ على هذه المواد كما هي . على أنه ليس من العملي أن نصطحب معنا في كل آن وحين جهازا للتسجيل الصوتي أو المرئي . وليس من المعروف بالذات متى وأين تأتي الأفكار المبتكرة . بينما يكون اصطحاب قلم وورق في كل زمان ومكان سهلا وميسَّرا . وهكذا يمكن تسجيل الأفكار التي تراود الفرد كالبرق قبل أن تتلاشى وتختفي ، ويكون في طيّ النسيان .
يطلق أبستين ( Epstien, 1996: 75 ) على هذه الوسيلة بوسيلة مسك أو خطف الأفكار (ideas capturing ) . ويشبه الفكرة الجديدة بأرنب قافز أو ومضة برق تقفز من اللاشعور إلى الشعور بسرعة فائقة . تمنع حركة الأفكار السريعة من الاحتفاظ بها . لذلك يكون من الضروري جدا تسجيل الأفكار الجديدة حال مراودتها بال المرء بدون أي تأخير . تختلف الأفكار الجديدة في مراودتها للبال من شخص إلى آخر . كما أن لكل فرد طريقة خاصة في التسجيل ، ويمكن تطوير هذه الطرائق . ومهما تكن الطريقة التي تتبع في التسجيل فالمهم هو الاحتفاظ بالأفكار التي تراود الفرد وعدم ضياعها . إن المبتكرين إنما ينشغلون بالموضوع ذي الصلة بالبحث انشغالا تاما . إذ تطغى هذه المشكلة على كل خليّة من خلاياهم . ولقد وجد أن الأفكار الجديدة التي تراود الإنسان إنما تتكرر عندما يركز الفرد يأمر ما ويشغل ذهنه به كثيرا . وأن هذه الأفكار إنما تتكرر في الحمّام والسرير والحافلة كثيرا . يكون من الضروري إذن توفير وسائل التسجيل في هذه الأماكن أيضا . لم يستطع عالم الأحياء أوتو لوي الذي كان يعمل على الخليّة من حلّ مشكلة جابهته من سنوات عديدة . وقد استطاع أن يحلّ هذه المشكلة وهو في منامه . وعندما استفاق من النوم سجّل أحلامه في الظلام ، ثم نام مرة أخرى . لم يستطع في الصباح أن يقرأ شيئا مما كتبه ، وكان كل شئ نسيا منسيا . على أن هذا العالم كان محظوظا لأنه رأى الحلم نفسه في الليلة التالية . وفي هذه المرة سجّل كل شيء بتفاصيله قبل أن ينساه . وكان هذا العالم قد حصل على جائزة نوبل نتيجة أعماله هذه .
ينبغي تدريب التلاميذ في المدارس الابتدائية والمتوسطة والبالغين والعاملين في المؤسسات المختلفة على كيفية تسجيل الملاحظات بطريقة سليمة . يستطيع المعلمون وأولياء الأمور والإداريون تدريب أعضاء الجماعات المختلفة الذين يعملون معهم بتمارين بسيطة وباختيار مواد مناسبة لهذا الغرض .

ج. التخلص من الرتابة :
الرتابة هي أداء أعمال من ضمنها الأعمال الذهنية بأشكال وطرائق معينة اقتصادا في الوقت والجهد والمال . ولما كانت الرتابة إنما تضمن السهولة في الأداء فإنها تتحول بمرور الأيام إلى عادة . وتزداد الرتابة لدى الإنسان كثيرا بتقدم العمر ، ذلك لأن المجتمعات إنما تفرض على أفرادها عن طريق التنشئة الاجتماعية والتربية الكثير من القوانين والدساتير والقواعد والتعليمات والأوامر والنواهي والممنوعات والمحددات والممارسات المختلفة التي من شأنها أن تفتح الطريق أمام الرتابة . ومن هذه الزاوية يكون الصغار أكثر مرونة من الكبار ، ويكون الكبار أكثر رتابة من الصغار . تتمثل مظاهر الرتابة في قراءة صحف ومجلات وكتب معينة ،