عرض الإصدار الكامل : مستودع الكتب


طالب في شارع الفلسفة
22-08-2003, 07:49 PM
[size=18:aabf9a31e8]لكتاب الأول ..



المغني ـ ابن قدامة ـ كتاب الحج بتحقيق معالي الأستاذ الدكتور عبدالله التركي والدكتور محمد الحلو
الجزء الخامس

1. الكافر غير مخاطب بفروع الدين خطابا يلزمه أداء ، ولا يوجب قضاءً . 6
2. لا يلزم المحرم الحج ببذل غيره له ، ولا يصير مستطيعا بذلك ، سواء كان الباذل قريبا أو أجنبيا ، وسواء بذل له الركوب والزاد ، أو بذل له مالا . 9
3. من تكلف الحج ممن لا يلزمه ، فإن أمكنه ذلك من غير ضرر يلحق بغيره ، مثل أن يمشي ويكتسب بصناعة، ولا يسأل الناس ، استحب له الحج ؛لقول الله تعالى :" يَأْتُوك رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ "فقدم ذكر الرجال . ولأن في ذلك مبالغة في طاعة الله عز وجل ، وإن كان يسأل الناس ، كره له الحج . 10
4. يختص اشتراط الراحلة بالبعيد الذي بينه وبين البيت مسافة القصر ، فأما القريب الذي يمكنه المشي ، فلا يعتبر وجود الراحلة في حقه ؛لأنها مسافة قريبة ، يمكنه المشي إليها ، فلزمه ، وإن كان ممن لا يمكنه المشي ، اعتبر وجود الحمولة في حقه ؛لأنه عاجز عن المشي ، فهو كالبعيد . وأما الزاد فلا بد منه ، فإن لم يجد زادا ، ولا قدر على كسبه ، لم يلزمه الحج . 10
5. الزاد الذي تشترط القدرة عليه ، هو ما يحتاج إليه في ذهابه ورجوعه ؛من مأكول ومشروب وكسوة ، فإن كان يملكه ، أو وجده يباع بثمن المثل في الغلاء والرخص ، أو بزيادة يسيرة لا تجحف بماله ، لزمه شراؤه ، وإن كانت تجحف بماله ، لم يلزمه . 11
6. يشترط أن يجد من أراد الحج راحلة تصلح لمثله ، إما شراء أو كراء ، لذهابه ورجوعه . 11
7. يعتبر أن يكون الزاد والراحلة فاضلا عما يحتاج إليه لنفقة عياله الذين تلزمه مئونتهم ، في مضيه ورجوعه ؛لأن النفقة متعلقة بحقوق الآدميين ، وهم أحوج ، وحقهم آكد . 11
8. تجب العمرة على من يجب عليه الحج قال تعالى : " أَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ " ومقتضى الأمر الوجوب ، ثم عطفها على الحج ، والأصل التساوي بين المعطوف والمعطوف عليه . 13
9. ليس على أهل مكة عمرة . نص عليه أحمد ـ يرحمه الله ـ . وقال : ( كان ابن عباس ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ يرى العمرة واجبة ، ويقول : يا أهل مكة : ليس عليكم عمرة ، إنما عمرتكم طوافكم بالبيت ) . 14
10. تجزئ عمرة المتمتع ، وعمرة القارن ، والعمرة من أدنى الحل عن العمرة الواجبة ، ولا نعلم في إجزاء عمرة التمتع خلافا . كذلك قال ابن عمر ، وعطاء ، وطاوس . 15
11. لا بأس أن يعتمر في السنة مرارا . روي ذلك عن علي ، وابن عمر ، وابن عباس ، وأنس ، وعائشة ، فأما الإكثار من الاعتمار ، والموالاة بينهما ، فلا يستحب في ظاهر قول السلف . وقال بعض أصحابنا : يستحب الإكثار من الاعتمار . وأقوال السلف وأحوالهم تدل على ما قلناه ، ولأن النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ ـ وأصحابه ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَ ـ لم ينقل عنهم الموالاة بينهما ، وإنما نقل عنهم إنكار ذلك ، والحق في اتباعهم . وقد اعتمر النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ و آله وَسَلَّمَ ـ أربع عمر في أربع سفرات ، لم يزد في كل سفرة على عمرة واحدة ، ولا أحد ممن معه ، ولم يبلغنا أن أحدا منهم جمع بين عمرتين في سفر واحد معه ، إلا عائشة حين حاضت فأعمرها من التنعيم ؛لأنها اعتقدت أن عمرة قرانها بطلت ولو كان فيه فضل لما أتفقوا على تركه . 16
12. فإن لم يجد المريض مالا يستنيب به ، فلا حج عليه بغير خلاف ، لأن الصحيح لو لم يجد ما يحج به ، لم يجب عليه ، فالمريض أولى . 21
13. متى أحج المريض عن نفسه ، ثم عوفي ، لم يجب عليه حج آخر لأنه أتي بما أمر به فخرج من العهدة . 21
14. فإن عوفي قبل فراغ النائب من الحج فينبغي أن لا يجزئه الحج( ) لأنه قدر على الأصل قبل تمام البدل فلزمه كالمتيمم إذا رأى الماء في صلاته . 21
15. وإن برأ قبل إحرام النائب لم يجزئه بحال . 21
16. من يرجى زوال مرضه ، والمحبوس ونحوه ، ليس له أن يستنيب . فإن فعل ، لم يجزئه ، وإن لم يبرأ لأنه يرجو القدرة على الحج بنفسه فلم يكن له الاستنابة ولا تجزئه إن فعل . 22
17. لا يجوز أن يستنيب من يقدر على الحج بنفسه في الحج الواجب إجماعاً . 22
18. إن كان عاجزا عن حج النفل عجزاً مرجو الزوال ، كالمريض مرضا يرجى برؤه ، والمحبوس ، جاز له أن يستنيب فيه . 23
19. إذا سلك النائب طريقا يمكنه سلوك أقرب منه ، ففاضل النفقة في ماله . وإن تعجل عجلة يمكنه تركها ، فكذلك . وإن . أقام بمكة أكثر من مدة القصر ، بعد إمكان السفر للرجوع ، أنفق من مال نفسه ؛لأنه غير مأذون له فيه . فأما من لا يمكنه الخروج قبل ذلك ، فله النفقة ؛لأنه مأذون له فيه ، وله نفقة الرجوع . 26
20. إن أقام النائب بمكة سنين فله نفقة الرجعة ما لم يتخذها دارا ، فإن اتخذها دارا ، ولو ساعة ، لم يكن له نفقة رجوعه ؛لأنه صار بنية الإقامة مكيا ، فسقطت نفقته ، فلم تعد . 26
21. إن مرض النائب في الطريق ، فعاد ، فله نفقة رجوعه ؛لأنه لا بد له منه ، حصل بغير تفريطه ، فأشبه ما لو قطع عليه الطريق أو أحصر . وإن قال : خفت أن أمرض فرجعت . فعليه الضمان ؛لأنه متوهم . 26
22. إن شرط أحدهما ـ أي النائب أو المستنيب ـ أن الدماء الواجبة عليه على غيره ، لم يصح الشرط ؛لأن ذلك من موجبات فعله ، أو الحج الواجب عليه ، فلم يجز شرطه على غيره ، كما لو شرطه على أجنبي . 26
23. جوز أن ينوب الرجل عن الرجل والمرأة ، والمرأة عن الرجل والمرأة ، في الحج ، في قول عامة أهل العلم . لا نعلم فيه مخالفا ، إلا الحسن بن صالح . 27
24. لا يجوز الحج والعمرة عن حي إلا بإذنه ، فرضا كان أو تطوعا ، فأما الميت فتجوز عنه بغير إذن ، واجبا كان أو تطوعا ؛لأن النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ و آله وَسَلَّمَ ـ أمر بالحج عن الميت ، وقد علم أنه لا إذن له ، وما جاز فرضه جاز نفله ، كالصدقة . 27
25. إذا أمره المستنيب بحج فتمتع أو اعتمر لنفسه من الميقات ، ثم حج ؛نظرتَ ؛فإن خرج إلى الميقات فأحرم منه بالحج ، جاز ، ولا شيء عليه . وإن أحرم بالحج من مكة ، فعليه دم ؛لترك ميقاته ، ويرد من النفقة بقدر ما ترك من إحرام الحج فيما بين الميقات ومكة . 27
26. إن أمره بالتمتع فقرن ، وقع عن الآمر ، لأنه أمر بهما ، وإنما خالف في أنه أمره بالإحرام بالحج من مكة ، فأحرم به من الميقات . وإن أفرد وقع عن المستنيب أيضا ، ويرد نصف النفقة ؛لأنه أخل بالإحرام بالعمرة من الميقات ، وقد أمره به ، وإحرامه بالحج من الميقات زيادة لا يستحق به شيئا . وإن أمره بالقران فأفرد أو تمتع ، صح ، ووقع النسكان عن الآمر ، ويرد من النفقة بقدر ما ترك من إحرام النسك الذي تركه من الميقات . وفي جميع ذلك ، إذا أمره بالنسكين ، ففعل أحدهما دون الآخر ، رد من النفقة بقدر ما ترك ، ووقع المفعول عن الآمر ، وللنائب من النفقة بقدره . 28
27. إذا استنابه رجل في الحج ؛ وآخر في العمرة ، وأذنا له في القران ، ففعل ، جاز ؛لأنه نسك مشروع . وإن قرن من غير إذنهما ، صح ووقع عنهما ، ويرد من نفقة كل واحد منهما نصفها ؛لأنه جعل السفر عنهما بغير إذنهما . وإن أذن أحدهما دون الآخر ، رد على غير الآمر نصف نفقته وحده . 29
28. إن أُمِر ـ أي النائب ـ بالحج ، فحج ، ثم اعتمر لنفسه ، أو أمره بعمرة ، فاعتمر ، ثم حج عن نفسه . صح ، ولم يرد شيئا من النفقة لأنه أتى بما أمر به على وجهه . 29
29. إن أمرالمستنيب النائب بالإحرام من ميقات ، فأحرم من غيره ، جاز ؛لأنهما سواء في الإجزاء . وإن أمره بالإحرام من بلده ، فأحرم من الميقات ، جاز ؛لأنه الأفضل . وإن أمره بالإحرام من الميقات ، فأحرم من بلده ، جاز لأنه زيادة لا تضر . وإن أمره بالحج في سنة ، أو بالاعتمار في شهر ، ففعله في غيره ، جاز ؛لأنه مأذون فيه في الجملة . 29
30. إن استنابه اثنان في نسك ، فأحرم به عنهما ، وقع عن نفسه دونهما ؛لأنه لا يمكن وقوعه عنهما ، وليس أحدهما بأولى من صاحبه . 29
31. إن أحرم عن نفسه وغيره ، وقع عن نفسه ؛لأنه إذا وقع عن نفسه ولم ينوها ، فمع نيته أولى . 30
32. إن أحرم عن أحدهما غير معين ، احتمل أن يقع عن نفسه أيضا ؛لأن أحدهما ليس أولى من الآخر ، فأشبه ما لو أحرم عنهما . واحتمل أن يصح ؛لأن الإحرام يصح بالمجهول ، فصح عن المجهول ، وله صرفه إلى من شاء منهما . فإن لم يفعل حتى طاف شوطا ، وقع عن نفسه ، ولم يكن له صرفه إلى أحدهما ؛لأن الطواف لا يقع عن غير مُعَيَّنٍ . 30
33. الظاهر أن الحج لا يجب على المرأة التي لا محرم لها . 31
34. نفقة المحرم في الحج علي المرأة . نص عليه أحمد ـ يرحمه الله ـ ؛لأنه من سبيلها ، فكان عليها نفقته ، كالراحلة . 34
35. الصحيح أنه لا يلزم المحرم الحج مع امرأته الباذلة للنفقة ؛لأن في الحج مشقة شديدة ، وكلفة عظيمة ، فلا تلزم أحدا لأجل غيره ، كما لم يلزمه أن يحج عنها إذا كانت مريضة . 34
36. إذا مات محرم المرأة في الطريق ، فقال أحمد ـ يرحمه الله ـ : إذا تباعدت مضت . لكن إن كان حجها تطوعا ، وأمكنها الإقامة في بلد ، فهو أولى من سفرها بغير محرم . 34
37. ليس للرجل منع امرأته من حجة الإسلام ، ويستحب أن تستأذنه في ذلك . فإن أذن وإلا خرجت بغير إذنه . فأما حج التطوع ، فله منعها منه . وليس له منعها من الحج المنذور ؛لأنه واجب عليها ، أشبه حجة الإسلام . 35
38. لا تخرج المرأة إلى الحج في عدة الوفاة . ولها أن تخرج إليه في عدة الطلاق المبتوت . وأما عدة الرجعية ، فالمرأة فيه بمنـزلتها في صُلْبِ النكاح ، لأنها زوجة . 35
39. متى توفي من وجب عليه الحج ولم يحج ، وجب أن يخرج عنه من جميع ماله ما يحج به عنه ويعتمر ، سواء فاته بتفريط أو بغير تفريط . 38
40. فإن خرج للحج ، فمات في الطريق ، حج عنه من حيث مات ؛لأنه أسقط بعض ما وجب عليه ، فلم يجب ثانيا . 39
41. لو أحرم بالحج ، ثم مات ، صحت النيابة عنه فيما بقي من النسك ، سواء كان إحرامه لنفسه أو لغيره . 39
42. يستحب أن يحج الإنسان عن أبويه ، إذا كانا ميتين أو عاجزين ؛لأن النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ـ أمر أبا رزين ، فقال : "حُجَّ عَنْ أَبِيك ، وَاعْتَمِرْ ".ويستحب البداية بالحج عن الأم ، إن كان تطوعا أو واجبا عليهما . وإن كان الحج واجبا على الأب دونها ، بدأ به ؛لأنه واجب ، فكان أولى من التطوع . 41
43. إن أحرم بتطوع أو نذر من لم يحج حجة الإسلام ، وقع عن حجة الإسلام . 43
44. إن أحرم بتطوع ، وعليه منذورة ، وقعت عن المنذورة ؛لأنها واجبة ، فهي كحجة الإسلام . 43
45. العمرة كالحج فيما ذكرنا ؛ لأنها أحد النسكين ، فأشبهت الآخر ـ أي في المسألة السابقة والتي قبلها ـ . 43
46. إذا أحرم بالمنذورة من عليه حجة الإسلام ، فوقعت عن حجة الإسلام ، فالمنصوص عن أحمد ـ يرحمه الله ـ أن المنذورة لا تسقط عنه . لأنها حجة واحدة ، فلا تجزئ عن حجتين . ويحتمل أن يجزئ ؛لأنه قد أتى بالحجة ناويا بها نذره ، فأجزأته ، وهذا مثل ما لو نذر صوم يوم يقدم فلان فقدم في يوم من رمضان ، فنواه عن فرضه ونذره .44
47. إن بلغ الصبي ، أو عتق العبد بعرفة ، أو قبلها ، غير محرمين ، فأحرما ووقفا بعرفة ، وأتما المناسك ، أجزأهما عن حجة الإسلام . لا نعلم فيه خلافا ؛لأنه لم يفتهما شيء من أركان الحج ، ولا فعلا شيئا منها قبل وجوبه . 45
48. إذا بلغ الصبي أو عتق العبد قبل الوقوف ، أو في وقته ، وأمكنهما الإتيان بالحج ، لزمهما ذلك ؛لأن الحج واجب على الفور ، فلا يجوز تأخيره مع إمكانه ، كالبالغ الحر . وإن فاتهما الحج ، لزمتهما العمرة ؛لأنها واجبة أمكن فعلها ، فأشبهت الحج ، ومتى أمكنهما ذلك فلم يفعلا ، استقر الوجوب عليهما ، سواء كانا موسرين أو معسرين ؛لأن ذلك وجب عليهما بإمكانه في موضعه ، فلم يسقط بفوات القدرة بعده . 46
49. الحكم في الكافر يسلم ، والمجنون يفيق ، حكم الصبي يبلغ في جميع ما فصلناه ، إلا أن هذين لا يصح منهما إحرام ، ولو أحرما لم ينعقد إحرامهما ؛لأنهما من غير أهل العبادات ، ويكون حكمهما حكم من لم يحرم . 47
50. ليس للعبد أن يحرم بغير إذن سيده ؛لأنه يفوت به حقوق سيده الواجبة عليه ، بالتزام ما ليس بواجب ، فإن فعل ، انعقد إحرامه صحيحا ، لأنها عبادة بدنية فصح من العبد الدخول فيها بغير إذن سيده ، كالصلاة والصوم . 47
51. إذا نذر العبد الحج ، صح نذره ؛لأنه مكلف ، فانعقد نذره كالحر ولسيده منعه من المضي فيه ؛لأن فيه تفويت حق سيده الواجب ، فإن أعتق ، لزمه الوفاء به بعد حجة الإسلام . فإن أحرم به أولا انصرف إلى حجة الإسلام ، كالحر إذا نذر حجا . 48
52. ما جنى العبد على إحرامه لزمه حكمه . وحكمه فيما يلزمه حكم الحر المعسر فرضه الصيام . وإن تحلل بحصر عدو ، أو حلله سيده ، فعليه الصيام . 49
53. إن أذن له سيده في تمتع أو قران ، فعليه الصيام بدلا عن الهدي الواجب بهما . وقيل على سيده الهدي ، وإن تمتع أو قارن بغير إذن سيده ، فالصيام عليه بغير خلاف . وإن أفسد حجه ، فعليه أن يصوم لذلك ؛لأنه لا مال له ، فهو كالمعسر من الأحرار .49
54. إذا وطئ العبد في إحرامه قبل التحلل الأول ، فسد ، ويلزمه المضي في فاسده ، كالحر . وعليه القضاء ، سواء كان الإحرام مأذونا فيه ، أو غير مأذون ، ويصح القضاء في حال رقه ؛لأنه وجب فيه ، فصح منه ، كالصلاة والصيام . ثم إن كان الإحرام الذي أفسده مأذونا فيه ، فليس لسيده منعه من قضائه ؛لأن إذنه في الحج الأول إذن في موجبه ومقتضاه ، ومن موجبه القضاء لما أفسده . 49
55. إن أعتق العبد قبل القضاء ، فليس له فعل القضاء قبل حجة الإسلام ؛لأنها آكد . فإن أحرم بالقضاء ، انصرف إلى حجة الإسلام ، وبقي القضاء في ذمته . 49
56. إن عتق في أثناء الحجة الفاسدة ، وأدرك من الوقوف ما يجزئه ، أجزأه القضاء عن حجة الإسلام ؛لأن المقضي لو كان صحيحا أجزأه ، فكذلك قضاؤه . 49
57. يصح حج الصبي ، فإن كان مميزا أحرم بإذن وليه ، وإن كان غير مميز أحرم عنه وليه ؛فيصير محرما بذلك ، وإن أحرم بدون إذنه ، لم يصح ؛لأن هذا عقد يؤدي إلى لزوم مال ، فلم ينعقد من الصبي بنفسه ، كالبيع. 50
58. إن كان الصبي غير مميز ، فأحرم عنه من له ولاية على ماله، صح . ومعنى إحرامه عنه أنه يعقد له الإحرام ، فيصح للصبي دون الولي . 51
59. لا يضاف الأجر للولي إلا لكون الصبي تبعا له في الإحرام . 51
60. أما الأجانب عن الصبي فلا يصح إحرامهم عنه ، وجها واحدا . 52
61. كل ما أمكن الصبي فعله بنفسه ، لزمه فعله ، ولا ينوب غيره عنه فيه ، كالوقوف والمبيت بمزدلفة ، ونحوهما ، وما عجز عنه عمله الولي عنه .52
62. يجب تجريد الصبي المحرم من الثياب كما يجرد الكبير وقد روي عن عائشة ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ـ أنها كانت تجرد الصبيان إذا دنو من الحرم . 53
63. محظورات الإحرام بالنسبة للصبي : وهي قسمان ؛ أحدهما ما يختلف عمده وسهوه ، كاللباس والطيب ، الثاني : ما لا يختلف ، كالصيد ، وحلق الشعر ، وتقليم الأظفار . فالأول ، لا فدية على الصبي فيه ؛لأن عمده خطأ . والثاني ، عليه فيه الفدية . ولو وطئ أفسد حجه كالكبير وفي القضاء وجهان . 53
64. حكم جنيات الصبي : الأولى أن ما زاد على نفقة الَحَضِر في مال الولي ؛لأنه كلفه ذلك ، ولا حاجة به إليه . 54
65. إذا أغمي على بالغ ، لم يصح أن يحرم عنه رفيقه . لأنه بالغ ، فلم يصر محرما بإحرام غيره ، كالنائم ، ولو أنه أذن في ذلك وأجازه ، لم يصح ، فمع عدم هذا أولى أن لا يصح . 54
66. من طيف به محمولاً فهو إما طيف به أم لعذر ، فلا يخلو ؛إما أن يقصدا جميعا عن المحمول ، فيصح عنه دون الحامل ، بغير خلاف نعلمه ، أو يقصدا جميعا عن الحامل فيقع عنه أيضا ، ولا شيء للمحمول ، أو يقصد كل واحد منهما الطواف عن نفسه ، فإنه يقع للمحمول دون الحامل . وهو الأولى . وإن عدمت النية منهما ، أو نوى كل واحد منهما الآخر ، لم يصح لواحد منهما . 55
67. إذا كان الميقات قرية فانتقلت إلى مكان آخر ، فموضع الإحرام من الأولى ، وإن انتقل الاسم إلى الثانية ؛لأن الحكم تعلق بذلك الموضع ، فلا يزول بخرابه . 58
68. الصحيح أن المكي من أي الحرم أحرم بالحج جاز ؛لأن المقصود من الإحرام به الجمع في النسك بين الحل والحرم ، وهذا يحصل بالإحرام من أي موضع كان . 61
69. إن أحرم من الحل ؛ نظرت ، فإن أحرم من الحل الذي يلي الموقف فعليه دم ؛لأنه أحرم من دون الميقات . وإن أحرم من الجانب الآخر ، ثم سلك الحرم ، فلا شيء عليه . 62
70. لو أحرم المكي من الحل ، ولم يسلك الحرم ، فعليه دم ؛لأنه لم يجمع بين الحل والحرم .62
71. حكم من سلك طريقا بين ميقاتين ، أنه يجتهد حتى يكون إحرامه بحذو الميقات ، الذي هو إلى طريقه أقرب ، وهذا مما يعرف بالاجتهاد والتقدير ، فإذا اشتبه دخله الاجتهاد ، كالقبلة . 63
72. إن لم يعرف حذو الميقات المقارب لطريقه ، احتاط بحيث يتيقن أنه لم يجاوز الميقات إلا محرما ؛لأن الإحرام قبل الميقات جائز ، وتأخيره عنه لا يجوز ، فالاحتياط فعل ما لا شك فيه . 63
73. من سلك طريقا فيها ميقات فهو ميقاته ، فإذا حج الشامي من المدينة فمر بذي الحليفة فهي ميقاته ، وهكذا كل من مر على ميقات غير ميقات بلده صار ميقاتا له . 64
74. لا خلاف في أن من أحرم قبل الميقات يصير محرما ، تثبت في حقه أحكام الإحرام . ولكن الأفضل الإحرام من الميقات ، ويكره قبله .لأن النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ ـ وأصحابه ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَ ـ أحرموا من الميقات ، ولا يفعلون إلا الأفضل . 65
75. من جاوز الميقات مريدا للنسك غير محرم ، فعليه أن يرجع إليه ليحرم منه ، إن أمكنه ، سواء تجاوزه عالماً به أو جاهلاً ، علم تحريم ذلك أو جهله . فإن رجع إليه ، فأحرم منه ، فلا شيء عليه . لا نعلم في ذلك خلافاً . وإن أحرم من دون الميقات ، فعليه دم ، سواء رجع إلى الميقات أو لم يرجع .69
76. لو أفسد المحرم من دون الميقات حجه ، لم يسقط عنه الدم . لأنه واجب عليه بموجب هذا الإحرام ، فلم يسقط بوجوب القضاء . 70
77. أما المجاوز للميقات ، ممن لا يريد النسك ، على قسمين :
• أحدهما : لا يريد دخول الحرم ، بل يريد حاجة فيما سواه ، فهذا لا يلزمه الإحرام بغير خلاف ، ولا شيء عليه في ترك الإحرام .
• القسم الثاني : من يريد دخول الحرم ، إما إلى مكة أو غيرها ، فهم على ثلاثة أضرب ؛ أحدها : من يدخلها لقتال مباح ، أو من خوف ، أو لحاجة متكررة ، كالحشاش ، والحطاب ، فهؤلاء لا إحرام عليهم . النوع الثاني : من لا يكلف الحج كالعبد ، والصبي ، والكافر إذا أسلم بعد مجاوزة الميقات ، فإنهم يحرمون من موضعهم ، ولا دم عليهم . النوع الثالث : المكلف الذي يدخل لغير قتال ولا حاجة متكررة ، فلا يجوز له تجاوز الميقات غير محرم . 72
78. من دخل الحرم بغير إحرام ، ممن يجب عليه الإحرام ، فلا قضاء عليه . لأنه مشروع لتحية البقعة ، فإذا لم يأت به سقط ، كتحية المسجد . فأما إن تجاوز الميقات ورجع ولم يدخل الحرم ، فلا قضاء عليه ، بغير خلاف نعلمه ، سواء أراد النسك أو لم يرده .72
79. لا خلاف في أن من خشي فوات الحج برجوعه إلى الميقات ، أنه يحرم من موضعه فيما نعلمه وعليه دم . 73
80. لا ينبغي أن يحرم الحاج بالحج قبل أشهره ، وهذا هو الأولى ، فإن الإحرام بالحج قبل أشهره مكروه ؛لكونه إحراما به قبل وقته ، فأشبه الإحرام به قبل ميقاته ، فإن أحرم به قبل أشهره صح ، وإذا بقي على إحرامه إلى وقت الحج ، جاز . 74
81. يستحب لمن أراد الإحرام أن يتطيب في بدنه خاصة ، ولا فرق بين ما يبقى عينه كالمسك والغالية( ) ، أو أثره كالعود والبخور وماء الورد . 77
82. إن طيب ثوبه ، فله استدامة لبسه ، ما لم ينـزعه ، فإن نزعه لم يكن له أن يلبسه ، فإن لبسه افتدى ، وكذلك إن نقل الطيب من موضع من بدنه إلى موضع آخر افتدى وكذا إن تعمد مسه بيده ، أو نحاه من موضعه ، ثم رده إليه ، فأما إن عرق الطيب ، أو ذاب بالشمس ، فسال من موضعه إلى موضع آخر ، فلا شيء عليه . 80
83. المستحب أن يحرم عقيب الصلاة ، فإن حضرت صلاة مكتوبة ، أحرم عقيبها ، وإلا صلى ركعتين تطوعا وأحرم عقيبهما . 80
84. أجمع أهل العلم على جواز الإحرام بأي الأنساك الثلاثة شاء ، واختلفوا في أفضلها ، فاختار إمامنا التمتع ، ثم الإفراد ، ثم القران . 82
85. فمن أراد الإحرام بعمرة ، فالمستحب أن يقول : اللهم إني أريد العمرة فيسرها لي ، وتقبلها مني ، ومحلي حيث تحبسني . فإنه يستحب للإنسان النطق بما أحرم به ، ليزول الالتباس ، فإن لم ينطق بشيء ، واقتصر على مجرد النية ، كفاه ، في قول إمامنا . 91
86. فإن لبى ، أو ساق الهدي ، من غير نية ، لم ينعقد إحرامه ؛لأن ما اعتبرت له النية لم ينعقد بدونها . 92
87. يستحب لمن أحرم بنسك ، أن يشترط عند إحرامه ، فيقول : إن حبسني حابس ، فمحلي حيث حبستني . 92
88. إن أطلق الإحرام ، فنوى الإحرام بنسك ، ولم يعين حجا ولا عمرة ، صح ، وصار محرما ؛لأن الإحرام يصح مع الإبهام فصح مع الأطلاق . فإذا أحرم مطلقا ، فله صرفه إلى أي الأنساك شاء ، والأولى صرفه إلى العمرة . 96
89. إذا أحرم بنسك ، ثم نسيه قبل الطواف ، فله صرفه إلى أي الأنساك شاء ، فأما إن شك بعد الطواف ، لم يجز صرفه إلا إلى العمرة ؛لأن إدخال الحج على العمرة بعد الطواف غير جائز . 98
90. لا تستحب الزيادة على تلبية رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ و آله وَسَلَّمَ ـ ، ولا تكره . 103
91. يستحب ذكر ما أحرم به في تلبيته ؛ وإن لم يذكر ذلك في تلبيته ، فلا بأس ؛فإن النية محلها القلب ، والله أعلم بها . 104
92. إن حج عن غيره ، كفاه مجرد النية عنه . وإن ذكره في التلبية ، فحسن . 105
93. يستحب استدامة التلبية ، والإكثار منها على كل حال .105
94. لا يستحب رفع الصوت بالتلبية في الأمصار ، ولا في مساجدها ، إلا في مكة والمسجد الحرام ومساجد الحرم كمسجد منى وعرفات . 106
95. الاغتسال مشروع للنساء عند الإحرام ، كما يشرع للرجال ؛لأنه نسك . وإن رجت الحائض الطهر قبل الخروج من الميقات ، أو النفساء ، استحب لها تأخير الاغتسال حتى تطهر ؛ليكون أكمل لها ، فإن خشيت الرحيل قبله ، اغتسلت ، وأحرمت . 108
96. من أحرم وعليه قميص خلعه ، ولم يشقه ، وهذا قول أكثر أهل العلم . وإذا نزع في الحال ، فلا فدية عليه ؛لأن النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ و آله وَسَلَّمَ ـ لم يأمر الرجل بفدية .في الحديث المروي عن يَعْلَى بْنَ أُمَيَّةَ ، أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ و آله وَسَلَّمَ ـ فَقَالَ : ( يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فِي جُبَّةٍ ، بَعْدَمَا تَضَمَّخَ بِطِيبٍ ؟ فَنَظَرَ إلَيْهِ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ ـ سَاعَةً ، ثُمَّ سَكَتَ ، فَجَاءَهُ الْوَحْيُ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ ـ : " أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِك فَاغْسِلْهُ ، وَأَمَّا الْجُبَّةُ فَانْزِعْهَا ، ثُمَّ اصْنَعْ فِي عُمْرَتِك مَا تَصْنَعُ فِي حَجِّك " ) متفق عليه . 109
97. اختلفت الرواية عن أحمد ـ يرحمه الله ـ في إباحة قتل القمل ؛فعنه إباحته ؛لأنه من أكثر الهوام أذى ، فأبيح قتله ، كالبراغيث وسائر ما يؤذي . والصئبان كالقمل في ذلك ، ولا فرق بين قتل القمل ، أو إزالته بإلقائه على الأرض ، أو قتله بالزئبق ، فإن قتله لم يحرم لحرمته ، لكن لما فيه من الترفه ، فعم المنع إزالته كيفما كانت . ولا يتفلى ، فإن التفلي عبارة عن إزالة القمل ، وهو ممنوع منه . 115
98. يجوز للمحرم حك رأسه ، ويرفق في الحك ، كي لا يقطع شعرا ، أو يقتل قملة ، فإن حك فرأى في يده شعرا ، أحببنا أن يفديه احتياطا ، ولا يجب عليه حتى يستيقن أنه قلعه . 116
99. إن خالف وتفلى ، أو قتل قملا ، فلا فدية فيه ؛فإن كعب بن عجرة حين حلق رأسه ، قد أذهب قملا كثيرا ، ولم يجب عليه لذلك شيء ، وإنما وجبت الفدية بحلق الشعر ، ولأن القمل لا قيمة له ، فأشبه البعوض والبراغيث ، ولأنه ليس بصيد ، ولا هو مأكول . 116
100. لا بأس أن يغسل المحرم رأسه وبدنه برفق وفعل ذلك عمر ؛ وابنه ، وأجمع أهل العلم على أن المحرم يغتسل من الجنابة . 117
101. الصحيح أنه لا بأس في الغطس داخل الماء ، وليس ذلك بستر ، وقد فعله عمر وابن عباس ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَ ـ وهم محرومون . 118
102. يكره له غسل رأسه بالسدر والخطمي ونحوهما ؛لما فيه من إزالة الشعث ، والتعرض لقلع الشعر . فإن فعل فلا فدية عليه . 118
103. لا نعلم خلافا بين أهل العلم ، في أن للمحرم أن يلبس السراويل ، إذا لم يجد الإزار ، والخفين إذا لم يجد نعلين ولا فدية عليه في لبسهما عند ذلك . 120
104. إذا لبس الخفين ، لعدم النعلين ، لم يلزمه قطعهما ، في المشهور عن أحمد ، ويروى ذلك عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه . وبه قال عطاء . 120
105. لبس الخف المقطوع محرم مع القدرة على النعلين كلبس الصحيح وفيه إتلاف ماله ، وقد نهى النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ـ عن إضاعته . 121
106. إذا لبس الخفين ، لعدم النعلين ، لم يلزمه قطعهما في المشهور عن أحمد ؛ والأولى قطعهما ، عملا بحديث ابن عمر ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ الصحيح " فَمَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ ، فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ ، وَلْيَقْطَعْهُمَا ، حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ "ـ ، وخروجا من الخلاف ، وأخذا بالاحتياط . 120
107. إن لبس الخف المقطوع ، مع وجود النعل ، فعليه الفدية ، وليس له لبسه لأن النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ ـ شرط في إباحة لبسهما عدم النعلين ، فدل على أنه لا يجوز مع وجودهما ، ولأنه مخيط لعضو على قدره ، فوجبت على المحرم الفدية بلبسه ، كالقفازين . 122
108. أما النعل ، فيباح لبسها كيفما كانت ، ولا يجب قطع شيء منها ؛لأن إباحتها وردت مطلقا . وهذا هو الصحيح ؛فإنه إذا لم يجب قطع الخفين الساترين للقدمين والساقين فقطع سير النعل أولى أن لا يجب . ولأن ذلك معتاد في النعل ، فلم تجب إزالته ، كسائر سيورها ، ولأن قطع القيد والعقب ربما تعذر معه المشي في النعلين ؛لسقوطهما بزوال ذلك ، فلم يجب . 123
109. ليس للمحرم أن يعقد عليه الرداء ، ولا غيره ، إلا الإزار والهميان . وليس له أن يجعل لذلك زرا وعروة ، ولا يخلله بشوكة ولا إبرة ولا خيط ؛لأنه في حكم المخيط .124
110. أما الحجامة إذا لم يقطع شعرا فمباحة من غير فدية لما رواه ابن عباس أن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ـ أحتجم وهو محرم ولم يذكر فدية ، فإن احتاج في الحجامة إلى قطع شعر ، فله قطعه ؛ وعليه الفدية . 126
111. لا تحل للمحرم الإعانة على الصيد بشيء . 132
112. إذا دل المحرم حلالا على الصيد فأتلفه ، فالجزاء كله على المحرم . 133
113. إن دل محرم محرماً على الصيد ، فقتله فالجزاء بينهما . ولو دل محرم محرما على صيد ، ثم دل الآخر آخر ، ثم كذلك إلى عشرة ، فقتله العاشر ، كان الجزاء على جميعهم . وإن وجد من المحرم حدث عند رؤية الصيد ، من ضحك ، أو استشراف إلى الصيد ، ففطن له غيره فصاده ، فلا شيء على المحرم .133
114. إن أعار المحرم قاتل الصيد سلاًحا ، فقتله به ، فهو كما لو دله عليه ، سواء كان المستعار مما لا يتم قتله إلا به ، أو أعاره شيئا هو مستغن عنه ، مثل أن يعيره رمحا ومعه رمح ، وكذلك إن أعاره سكينا ، فذبحه بها . 134
115. إن أعار المحرم غيره آلة ليستعملها في غير الصيد ، فاستعملها في الصيد ، لم يضمن ؛لأن ذلك غير محرم عليه . 134
116. إن دل الحلال محرما على الصيد ، فقتله ، فلا شيء على الحلال ؛لأنه لا يضمن الصيد بالإتلاف ، فبالدلالة أولى ، إلا أن يكون ذلك في الحرم ، فيشاركه في الجزاء ؛لأن صيد الحرم حرام على الحلال والحرام . 134
117. إن صاد المحرم صيدا لم يملكه ، فإن تلف في يده ، فعليه جزاؤه ، وإن أمسكه حتى حل ، لزمه إرساله ، وليس له ذبحه . 135
118. ما حرم على المحرم ، لكونه صيد من أجله ، أو دل عليه ، أو أعان عليه ، لم يحرم على الحلال أكله . 138
119. إذا ذبح المحرم الصيد صار ميتة ، يحرم أكله على جميع الناس . لأنه حيوان حرم عليه ذبحه لحق الله تعالى ، فلم يحل بذبحه كالمجوسي ، وكذلك الحكم في صيد الحرم إذا ذبحه الحلال . 139
120. إذا اضطر المحرم ، فوجد صيدا وميتة ، أكل الميتة . وبهذا قال مالك وغيره . وقال الشافعي ، وغيره : يأكل الصيد . وهذه المسألة مبنية على أنه إذا ذبح الصيد كان ميتة ، فيساوي الميتة في التحريم ، ويمتاز بإيجاب الجزاء ، وما يتعلق به من هتك حرمة الإحرام ، فلذلك كان أكل الميتة أولى ، إلا أن لا تطيب نفسه بأكلها ، فيأكل الصيد ، كما لو لم يجد غيره . 140
121. النبات الذي تستطاب رائحته 0على ثلاثة أضرب :
• أحدها : ما لا ينبت للطيب ، ولا يتخذ منه ، كنبات الصحراء ، من الشيح والقيصوم والخزامى ، والفواكه كلها من الأترج والتفاح والسفرجل وغيره ، وما ينبته الآدميون لغير قصد الطيب ، كالحناء والعصفر ، فمباح شمه ، ولا فدية فيه ولا نعلم فيه خلافاً .
• الثاني : ما ينبته الآدميون للطيب ، ولا يتخذ منه طيب ، كالريحان الفارسي ، والمرزجوش( ) والنرجس ، والبرم( ) ، ففيه وجهان .
• الثالث : ما ينبت للطيب ، ويتخذ منه طيب ، كالورد والبنفسج والياسمين والخيري ، فهذا إذا استعمله وشمه ، ففيه الفدية ؛لأن الفدية تجب فيما يتخذ منه ، فكذلك في أصله .141
122. إن مس من الطيب ما يعلق بيده ، كالغالية ، وماء الورد ، والمسك المسحوق الذي يعلق بأصابعه ، فعليه الفدية ; لأنه مستعمل للطيب . وإن مس ما لا يعلق بيده ، كالمسك غير المسحوق ، وقطع الكافور ، والعنبر ، فلا فدية ; لأنه غير مستعمل للطيب . فإن شمه ، فعليه الفدية ; لأنه يستعمل هكذا . وإن شم العود ، فلا فدية عليه ; لأنه لا يتطيب به هكذا . 142
123. كل ما صبغ بزعفران أو ورس ، أو غمس في ماء ورد ، أو بخر بعود ، فليس للمحرم لبسه ، ولا الجلوس عليه ، ولا النوم عليه وذلك لأنه استعمال له فأشبه لبسه . 143
124. إن انقطعت رائحة الثوب ، لطول الزمن عليه ، أو لكونه صبغ بغيره ، فغلب عليه ، بحيث لا يفوح له رائحة إذا رش فيه الماء ، فلا بأس باستعماله ، لزوال الطيب منه . 143
125. أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من قلم أظفاره ، إلا من عذر ، فإن انكسر ، فله إزالته من غير فدية تلزمه . 146
126. لا ينظر المحرم للمرآة لإزالة شعث أو شيء من زينة ، ولا فدية عليه بالنظر في المرآة على كل حال ، وإنما ذلك أدب لا شيء على تاركه . لا نعلم أحدا أوجب في ذلك شيئا . وقد روي عن ابن عمر ، وعمر بن عبد العزيز ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَ ـ ، أنهما كانا ينظران في المرآة ، وهما محرمان . 147
127. الزعفران وغيره من الأطيب ، إذا جعل في مأكول أو مشروب ، فلم تذهب رائحته ، لم يبح للمحرم تناوله ، نيئا كان أو قد مسته النار . 147
128. أما المطيب من الأدهان ، كدهن الورد والبنفسج والزنبق والخيري واللينوفر( ) ، فليس في تحريم الادهان به خلاف في المذهب . لأنه يتخذ للطيب ، وتقصد رائحته ، فكان طيبا ، كماء الورد . فأما ما لا طيب فيه ، كالزيت والشيرج( ) والسمن والشحم ودهن البان الساذج ، فلا يحرم . 149
129. لا يقصد المحرم شم الطيب من غيره بفعل منه ، نحو أن يجلس عند العطارين لذلك ، أو يدخل الكعبة حال تجميرها ، ليشم طيبها ، فأما شمه من غير قصد ، كالجالس عند العطار لحاجته ، وداخل السوق ، أو داخل الكعبة للتبرك بها( ) ، ومن يشتري طيبا لنفسه وللتجارة ولا يمسه ، فغير ممنوع منه ؛لأنه لا يمكن التحرز من هذا ، فعفي عنه . 150
130. فإن حمل على رأسه مكتلا أو طبقا أو نحوه ؛ فلا فدية عليه . 152
131. يباح للمحرم تغطية وجهه ، وروي ذلك عن عثمان بن عفان ، وعبد الرحمن بن عوف ، وزيد بن ثابت ، وابن الزبير ، وسعد بن أبي وقاص ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَ ـ ، ولم نعرف لهم مخالفا في عصرهم ، فيكون إجماعاً . 153
132. المرأة يحرم عليها تغطية وجهها في إحرامها ، كما يحرم على الرجل تغطية . رأسه لا نعلم في هذا خلافا ـ إلا ما روي عن أسماء ، أنها كانت تغطي وجهها وهي محرمة( ) ـ ويحتمل أنها كانت تغطيه بالسدل عند الحاجة ، فلا يكون اختلافا . وذُكِرَ أنه لابد أن يكون متجافيا ؛ والظاهر خلافه ، فإن الثوب المسدول لا يكاد يسلم من إصابة البشرة ، فلو كان هذا شرطا لبين . 154
133. لا بأس أن تطوف المرأة منتقبة ، إذا كانت غير محرمة ، وطافت عائشة وهي منتقبة . 155
134. الكحل بالإثمد في الإحرام مكروه للمرأة والرجل ، ولا فدية فيه . ولا أعلم فيه خلافا . 156
135. يحرم على المرأة لبس القفازين ، وفيه الفدية ؛ لأنها لبست ما نهيت عن لبسه في الإحرام ، فلزمتها الفدية . 158
136. ظاهر كلام الخرقي أنه لا يجوز لبس الخلخال ، وما أشبهه من الحلي ، مثل السوار والدملوج( ). وظاهر مذهب أحمد الرخصة فيه . وهو قول ابن عمر وعائشة وأصحاب الرأي . قال أحمد ، في رواية حنبل : تلبس المحرمة الحلي والمعصفر . 159
137. يستحب للمرأة أن تختضب بالحناء عند الإحرام ؛لما روي عن ابن عمر ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ ، أنه قال : من السنة أن تدلك المرأة يديها في حناء . وما روى عكرمة ، أنه قال : كانت عائشة ، وأزواج النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ ـ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَ ـ يختضبن بالحناء ، وهن حرم . ولأن الأصل الإباحة ، وليس هاهنا دليل يمنع من نص ولا إجماع ، ولا هي في معنى المنصوص .160
138. إذا أحرم الخنثى المشكل ، لم يلزمه اجتناب المخيط ؛لأننا لا نتيقن الذكورية الموجبة لذلك . وإن غطى وجهه وحده ، لم يلزمه فدية لذلك . وإن جمع بين تغطية وجهه بنقاب أو برقع ، وبين تغطية رأسه أو لبس المخيط على بدنه لزمته الفدية ؛لأنه لا يخلو أن يكون رجلا أو امرأة . 161
139. يستحب للمرأة الطواف ليلا ؛لأنه أستر لها ، وأقل للزحام ، فيمكنها أن تدنو من البيت ، وتستلم الحجر . 161
140. متى تزوج المحرم ، أو زوج ، أو زُوِّجَتْ محرمة ، فالنكاح باطل ، سواء كان الكل محرمين أو بعضهم ؛لأنه منهي عنه ، فلم يصح ، كنكاح المرأة على عمتها أو خالتها .164
141. تكره الخطبة للمحرم ، وخطبة المحرمة ، ويكره للمحرم أن يخطب للمحلين لأنه قد جاء في بعض ألفاظ حديث عثمان : " لا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ ، وَلا يُنْكِحُ ، وَلا يَخْطُبُ " . رواه مسلم . ولأنه تسبب إلى الحرام ، فأشبه الإشارة إلى الصيد . 165
142. الإحرام الفاسد كالصحيح في منع النكاح ، وسائر المحظورات ; لأن حكمه باق في وجوب ما يجب في الإحرام ، فكذلك ما يحرم به . 165
143. يكره أن يشهد في النكاح ؛لأنه معاونة على النكاح فأشبه الخطبة . وإن شهد أو خطب ، لم يفسد النكاح . 165
144. الصحيح ـ إن شاء الله ـ أن من وطىء دون الفرج أنزل أو لم ينـزل عليه دم ولا يفسد حجه ؛لأنه استمتاع لا يجب بنوعه الحد ، فلم يفسد الحج . كما لو لم ينـزل ، ولأنه لا نص فيه ولا إجماع ولا هو في معنى المنصوص عليه . 169
145. أما مجرد النظر من غير مني ولا مذي ، فلا شيء فيه ، فقد كان النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ و آله وَسَلَّمَ ـ ينظر إلى نسائه وهو محرم ، وكذلك أصحابه .172
146. إن فكر فأنزل ، فلا شيء عليه ؛فإن الفكر يعرض للإنسان من غير إرادة ولا اختيار ، فلم يتعلق به حكم . 173
147. العمد والنسيان في الوطء سواء . 173
148. للمحرم أن يتجر ، ويصنع الصنائع ، ـ ولا نعلم في إباحتهما اختلافاً ـ ويرتجع زوجته المطلقة . 174
149. شراء الإماء مباح ، سواء قصد به التسرى أو لم يقصد . لا نعلم فيه خلافا . 175
150. للمحرم أن يقتل الحدأة ، والغراب ، والفأرة ، والعقرب ، والكلب العقور ، وكل ما عدا عليه ، أو آذاه ، ولا فداء عليه ، والغراب يجوز قتله سواءً كان أبقع أم لا ، لأن الحديث الذي لم يذكر الأبقع أصح من الحديث الذي ذكر الأبقع ( ) ، والسبع ما كان طبعه الأذى والعدوان ، وإن لم يوجد منه أذى في الحال سواءً كان من سبع البهائم أو الجوارح . 175
151. ما لا يؤذي بطبعه ، ولا يؤكل كالرخم ، والديدان ، فلا أثر للحرم ولا للإحرام فيه ، ولا جزاء فيه إن قتله . 177
152. لا تأثير للإحرام ولا للحرم في تحريم شيء من الحيوان الأهلي ، كبهيمة الأنعام ونحوها ؛لأنه ليس بصيد ؛ وليس في هذا خلاف . 178
153. يحل للمحرم صيد البحر ؛ وصيد البحر : الحيوان الذي يعيش في الماء ، ويبيض فيه ، ويفرخ فيه ، كالسمك والسلحفاة والسرطان ، ونحو ذلك . أما طير الماء ، كالبط ونحوه ، فهو من صيد البر ، في قول عامة أهل العلم . وفيه الجزاء . 178
154. في صيد الحرم الجزاء على من يقتله ، ويجزى بمثل ما يجزى به الصيد في الإحرام . 179
155. ما يحرم ويضمن في الإحرام يحرم ويضمن في الحرم ، وما لا فلا ، إلا شيئين ؛أحدهما : القمل . مختلف في قتله في الإحرام ، وهو مباح في الحرم بلا اختلاف . الثاني : صيد البحر . مباح في الإحرام بغير خلاف ، ولا يحل صيده من آبار الحرم وعيونه . 180
156. يضمن صيد الحرم في حق المسلم والكافر ، والكبير والصغير ، والحر والعبد ؛لأن الحرمة تعلقت بمحله بالنسبة إلى الجميع ، فوجب ضمانه كالآدمي . 181
157. من ملك صيدا في الحل ، فأدخله الحرم ، لزمه رفع يده عنه وإرساله ، فإن تلف في يده ، أو أتلفه ، فعليه ضمانه ، كصيد الحل في حق المحرم . 181
158. يضمن صيد الحرم بالدلالة والإشارة ، كصيد الإحرام ، والواجب عليهما جزاء واحد . نص عليه أحمد . وظاهر كلامه أنه لا فرق بين كون الدال في الحل أو الحرم . 181
159. إذا رمى الحلال من الحل صيدا في الحرم ، فقتله ، أو أرسل كلبه عليه ، فقتله ، أو قتل صيدا على فرع في الحرم أصله في الحل ، ضمنه . 181
160. إن أمسك طائرا في الحل ، فهلك فراخه في الحرم ، ضمن الفراخ ، ولا يضمن الأم ؛لأنها من صيد الحل ، وهو حلال . 182
161. إن رمى من الحرم صيدا في الحل ، أو أرسل كلبه عليه ، أو قتل صيدا على غصن في الحل أصله في الحرم ، أو أمسك حمامة في الحرم ، فهلك فراخها في الحل ، فلا ضمان عليه .182
162. لا بأس بقطع اليابس من الشجر والحشيش ؛ لأنه بمنـزلة الميت . ولا بأس بقطع ما انكسر ولم يَبِنْ ؛ لأنه قد تلف وهو بمنـزلة الظفر المنكسر . 186
163. لا بأس بالانتفاع بما انكسر من الأغصان ، وانقلع من الشجر بغير فعل آدمي . ولا ما سقط من الورق . نص عليه أحمد ولا نعلم فيه خلافا ; لأن الخبر إنما ورد في القطع ، وهذا لم يقطع . 187
164. يباح أخذ الكمأة( ) من الحرم ، وكذلك الفقع ؛لأنه لا أصل له ، فأشبه الثمرة . 188
165. يجب في إتلاف الشجر والحشيش الضمان . 188
166. من قلع شجرة من الحرم ، فغرسها في مكان آخر ، فيبست ، ضمنها ؛لأنه أتلفها . وإن غرسها في مكان من الحرم ، فنبتت ، لم يضمنها ؛لأنه لم يتلفها ، ولم يزل حرمتها . وإن غرسها في الحل ، فنبتت ، فعليه ردها إليه ؛لأنه أزال حرمتها . فإن تعذر ردها ، أو ردها فيبست ، ضمنها . 189
167. يباح لمن وجد آخذ الصيد أو قاتله في حرم المدينة ، أو قاطع الشجر سَلْبُهُ ، وهو : أخذ ثيابه حتى سراويله . فإن كان على دابة لم يملك أخذها ؛لأن الدابة ليست من السلب ، وإنما أخذها قاتل الكافر في الجهاد لأنه يستعان بها على الحرب بخلاف مسألتنا . وإن لم يسلبه أحد ، فلا شيء عليه ، سوى الاستغفار والتوبة . 192
168. يفارق حرم المدينة حرم مكة في شيئين : أحدهما : أنه يجوز أن يؤخذ من شجر حرم المدينة ما تدعو الحاجة إليه ، للمساند والوسائد والرحل ، ومن حشيشها ما تدعو الحاجة إليه للعلف ، الثاني : أن من صاد صيدا خارج المدينة ، ثم أدخله إليها ، لم يلزمه إرساله . 193
169. صيد وج وشجره مباح ـ وهو واد بالطائف ـ لأن الأصل الإباحة ، والحديث الوارد فيه ضعيف ، ضعفه أحمد ـ يرحمه الله ـ . 194
170. لا فرق بين الحصر العامِّ في حق الحَاجِّ كله ، وبين الخاص في حق شخص واحد ، مثل أن يحبس بغير حق ، أو أخذته اللصوص وحده ؛لعموم النص ، ووجود المعنى في الكل .195
171. كان على المحصر دين مؤجل ، يحل قبل قدوم الحاج ، فمنعه صاحبه من الحج ، فله التحلل من الحج ; لأنه معذور . 195
172. لو أحرم العبد بغير إذن سيده أو المرأة للتطوع بغير إذن زوجها ، فلهما منعها ، وحكمهما حكم المحصر . 195
173. إذا قدر المحصر على الهدي ، فليس له الحل قبل ذبحه . فإن كان معه هدي قد ساقه أجزأه ، وإن لم يكن معه لزمه شراؤه إن أمكنه ، وقيل لا يحل إلا في الحرم وهذا ـ والله أعلم ـ في من كان حصره خاصا ، وأما الحصر العام فلا ينبغي أن يقوله أحد ؛لأن ذلك يفضي إلى تعذر الحل ، لتعذر وصول الهدي إلى محله ، ولأن النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ و آله وَسَلَّمَ ـ وأصحابه نحروا هداياهم في الحديبية ، وهي من الحل . 196
174. من يتمكن من البيت ويصد عن عرفة ، فله أن يفسخ نية الحج ، ويجعله عمرة ، ولا هدي عليه ؛لأننا أبحنا له ذلك من غير حصر ، فمع الحصر أولى . فإن كان قد طاف وسعى للقدوم ، ثم أحصر ، أو مرض حتى فاته الحج ، تحلل بطواف وسعي آخر ؛لأن الأول لم يقصد به طواف العمرة ، ولا سعيها ، وليس عليه أن يجدد إحراما . 199
175. إذا تحلل المحصر من الحج ، فزال الحصر ، وأمكنه الحج لزمه ذلك إن كانت حجة الإسلام ، أو كانت الحجة واجبة في الجملة ؛لأن الحج يجب على الفور . 200
176. إن أحصر في حج فاسد ، فله التحلل ؛لأنه إذا أبيح له التحلل في الحج الصحيح ، فالفاسد أولى . فإن حل ، ثم زال الحصر وفي الوقت سعة ، فله أن يقضي في ذلك العام . وليس يتصور القضاء في العام الذي أفسد الحج فيه في غير هذه المسألة . 200
177. المحصر ، إذا عجز عن الهدي ، انتقل إلى صوم عشرة أيام ، ثم حل . 201
178. إن نوى المحصر التحلل قبل الهدي أو الصيام ، لم يتحلل ، وكان على إحرامه حتى ينحر الهدي أو يصوم ؛لأنهما أقيما مقام أفعال الحج ، فلم يحل قبلهما ، وليس عليه في نية الحل فدية لأنها لم تؤثر في العبادة ، فإن فعل شيئا من محظورات الإحرام قبل ذلك ، فعليه فديته ، كما لو فعل القادر ذلك قبل أفعال الحج . 201
179. إن أحصر الحجاج بعدو وأذن لهم في العبور ، فلم يثقوا بهم ، فلهم الانصراف ؛لأنهم خائفون على أنفسهم ، فكأنهم لم يأمنوهم ، وإن وثقوا بأمانهم ، وكانوا معروفين بالوفاء ، لزمهم المضي على إحرامهم ؛لأنه قد زال حصرهم . 202
180. وإن طلب العدو خفارة على تخلية الطريق ، وكان ممن لا يوثق بأمانه ، لم يلزمهم بذله ؛لأن الخوف باق مع البذل ، وإن كان موثوقا بأمانه والخفارة كثيرة ، لم يجب بذله ، بل يكره إن كان العدو كافرا ؛لأن فيه صغارا وتقوية للكفار ، وإن كانت يسيرة ، فقياس المذهب وجوب بذله . 202
181. المشهور في المذهب أن من يَتَعَذَّر عليه الوصول إلى البيت لغير حصر العدو ، من مرض ، أو عرج ، أو ذهاب نفقة ، ونحوه ، أنه لا يجوز له التحلل بذلك . 203
182. إن شرط في ابتداء إحرامه أن يحل متى مرض ، أو ضاعت نفقته ، أو نفدت ، أو نحوه ، أو قال : إن حبسني حابس فمحلي حيث حبسني . فله الحل متى وجد ذلك ، ولا شيء عليه ، لا هدي ، ولا قضاء ، ولا غيره . 204
183. الحج لا يفسد إلا بالجماع ، فإذا فسد فعليه إتمامه ، وليس له الخروج منه . لقوله تعالى : "وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ " ، وروي ذلك عن عمر ، وعلي ، وأبي هريرة ، وابن عباس ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَ ـ ولم نعرف لهم مخالفا . 205
184. حرم بالقضاء من أبعد الموضعين : الميقات ، أو موضع إحرامه الأول ; لأنه إن كان الميقات أبعد ، فلا يجوز له تجاوز الميقات بغير إحرام ، وإن كان موضع إحرامه أبعد ، فعليه الإحرام بالقضاء منه . نص عليه أحمد . 207
185. ذا قضيا ، تفرقا من موضع الجماع حتى يقضيا حجهما . روي هذا عن عمر ، وابن عباس ـ رضي الله عنهم ـ لأن التفريق بينهما خوفا من معاودة المحظور ، وإنما اختص التفريق بموضع الجماع ، لأنه ربما يذكره برؤية مكانه ، فيدعوه ذلك إلى فعله . ومعنى التفرق أن لا يركب معها في محمل ، ولا ينـزل معها في فسطاط ونحوه . 207
186. التفريق مستحب ولا يجب وهذا هو الأولى . 207
187. العمرة كالحج ـ وهذا في عامة أحكام الحج ـ ، فإن كان المعتمر مكيا ، أحرم بها من الحل ، أحرم للقضاء من الحل ، وإن كان أحرم بها من الحرم ، أحرم للقضاء من الحل ، ولا فرق بين المكي ومن حصل بها من المجاورين . 208
188. إن أفسد المتمتع عمرته ، ومضى في فاسدها ، فأتمها ، فقال أحمد : يخرج إلى الميقات ، فيحرم منه للحج ، فإن خشي الفوات أحرم من مكة ، وعليه دم ، فإذا فرغ من حجه خرج إلى الميقات فأحرم منه بعمرة مكان التي أفسدها ، وعليه هدي يذبحه إذا قدم مكة ، لما أفسد من عمرته . 208
189. ولو أفسد الحاج حجته ، وأتمها ، فله الإحرام بالعمرة من أدنى الحل ، كالمكيين . 208
190. إذا أفسد القضاء ، لم يجب عليه قضاؤه ، وإنما يقضي عن الحج الأول ، كما لو أفسد قضاء الصلاة والصيام ، وجب القضاء للأصل ، دون القضاء ، كذا هاهنا ; وذلك لأن الواجب لا يزداد بفواته ، وإنما يبقى ما كان واجبا في الذمة على ما كان عليه ، فيؤديه القضاء . 208
191. إذا دخل المحرم المسجد الحرام ، فذكر فريضة أو فائتة ، أو أقيمت الصلاة المكتوبة ، قدمهما على الطواف لأن ذلك فرض والطواف تحية . 212
192. إن خاف فوت ركعتي الفجر ، أو الوتر ، أو أحضرت جنازة ، قدمها على الطواف ؛لأنها سنة يخاف فوتها ، والطواف لا يفوت . 212
193. يستحب للمحرم استلام الحجر ويحاذيه بجميع بدنه ، والمرأة كالرجل ، ولا يستحب لها مزاحمة الرجال . 215
194. الرمل لا يسن في غير الأشواط الثلاثة الأول من طواف القدوم ، أو طواف العمرة ، فإن ترك الرمل فيها لم يقضه في الأربعة الباقية ؛لأنها هيئة فات موضعها ، فسقطت . 220
195. الطهارة من الحدث والنجاسة والستارة ـ يريد ستر العورة ـ شرائط لصحة الطواف . 222
196. إذا شك في الطهارة ، وهو في الطواف ، لم يصح طوافه ذلك ؛ لأنه شك في شرط العبادة قبل الفراغ منها .224
197. إن شك في الطهارة بعد الفراغ من الطواف ، لم يلزمه شيء ؛لأن الشك في شرط العبادة بعد فراغها لا يؤثر فيها . 224
198. إن شك في عدد الطواف ، بنى على اليقين إن أخبره ثقة عن عدد طوافه ، رجع إليه إذا كان عدلاً .224
199. إن شك في ذلك بعد فراغه من الطواف ، لم يلتفت إليه ، كما لو شك في عدد الركعات بعد فراغ الصلاة . 224
200. إذا فرغ المتمتع ، ثم علم أنه كان على غير طهارة في أحد الطوافين ، لا بعينه ، بنى الأمر على الأشد ، وهو أنه كان محدثا في طواف العمرة ، فلم يصح ، ولم يحل منها ، فيلزمه دم للحلق ، ويكون قد أدخل الحج على العمرة ، فيصير قارنا ، ويجزئه الطواف للحج عن النسكين ، ولو قدرناه من الحج لزمه إعادة الطواف ، ويلزمه إعادة السعي على التقديرين ؛لأنه وجد بعد طواف غير معتد به . وإن كان وطئ بعد حله من العمرة ، حكمنا بأنه أدخل حجا على عمرة ، فأفسده ، فلا تصح ، ويلغو ما فعله من أفعال الحج ، ويتحلل بالطواف الذي قصده للحج من عمرته الفاسدة ، وعليه دم للحلق ، ودم للوطء في عمرته ، ولا يحصل له حج ولا عمرة . ولو قدرناه من الحج ، لم يلزمه أكثر من إعادة الطواف والسعي ، ويحصل له الحج والعمرة . 225
201. الصحيح أن المحرم لا يقبل الركن اليماني بل يستلمه فقط ، ويستلم الحجر ويقبله . وهو قول أكثر أهل العلم .225
202. يستلم الركنين الأسود واليماني في كل طوافه .وإن لم يتمكن من تقبيل الحجر ، استلمه ، وقبل يده . وإن كان في يده شيء يمكن أن يستلم الحجر به ، استلمه وقبله ؛فإن لم يمكنه استلامه ، أشار إليه وكبر . 227
203. يكبر كلما أتى الحجر ، أو حاذاه ؛ويقول بين الركنين : " رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ " .228
204. و طاف على جدار الحجر ، وشاذروان الكعبة ، وهو ما فضل من حائطها ، لم يجز ; لأن ذلك من البيت ، فإذا لم يطف به ، فلم يطف بكل البيت ; ولأن النبي صلى الله عليه وسلم طاف من وراء ذلك . 231
205. لو نكس الطواف ، فجعل البيت على يمينه ، لم يجزئه . 231
206. يسن للطائف أن يصلي بعد فراغه من الطواف ركعتين ، ويستحب أن يركعهما خلف المقام ؛وهي سنة مؤكدة غير واجبة . ولا بأس أن يصليهما إلى غير سترة ، ويمر بين يديه الطائفون من الرجال والنساء ، فإن النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ ـ صلاهما والطواف بين يديه ، ليس بينهما شيء . وكان ابن الزبيـر ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ يصلي والطواف بين يديه ، فتمر المرأة بين يديه ، فينتظرها حتى ترفع رجلها ، ثم يسجد . وكذلك سائر الصلوات في مكة ، لا يعتبر لها سترة . 231
207. إذا صلى المكتوبة بعد طوافه ، أجزأته عن ركعتي الطواف . 233
208. لا بأس أن يجمع بين الأسابيع( ) ، فإذا فرغ منها ركع لكل أسبوع ركعتين ، فعل ذلك عائشة ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ـ ، والمسور بن مخرمة ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ ، وإن ركع لكل أسبوع عقيبه كان أولى . 233
209. الموالاة غير معتبرة بين الطواف والركعتين ، بدليل أن عمر ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ صلاهما بذي طوى ، وأخرت أم سلمة ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُا ـ ركعتي طوافها حين طافت راكبة بأمر رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ ـ ، وأخر عمر بن عبد العزيز ـ يرحمه الله ـ ركوع الطواف حتى طلعت الشمس وإن ركع لكل أسبوع عقبه كان أولى وفيه اقتداء بالنبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ـ وخروجا من الخلاف . 233
210. إذا فرغ من الركوع ، وأراد الخروج إلى الصفا ، استحب أن يعود فيستلم الحجر . لأن النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ ـ فعل ذلك ، وكان ابن عمر ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ يفعله .234
211. إن لم يرق المحرم على الصفا ، فلا شيء عليه . لكن يجب عليه أن يستوعب ما بين الصفا والمروة .235
212. إن ترك المحرم مما بين الصفا والمروة شيئا ، ولو ذراعا ، لم يجزئه حتى يأتي به . 236
213. المرأة لا يسن لها أن ترقى الصفا ، لئلا تزاحم الرجال ، وترك ذلك أستر لها ، ولا ترمل في طواف ولا سعي ، والحكم في وجوب استيعابها ما بينهما بالمشي كحكم الرجل . 236
214. الأولى أن السعي واجب وليس بركن وعلى من تركه دم . 238
215. السعي تبع للطواف ، لا يصح إلا أن يتقدمه طواف ، فإن سعى قبله ، لم يصح . فعلى هذا إن سعى بعد طوافه ثم علم نه طاف بغير طهارة لم يعتد بسعيه ذلك . 240
216. لا تجب الموالاة بين الطواف والسعي . 240
217. من كان معه هدي ، فليس له أن يتحلل ـ أي بعد السعي ـ ، لكن يقيم على إحرامه ، ويدخل الحج على العمرة ، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا .241
218. المستحب في حق المتمتع عند حله من عمرته التقصير ؛ليكون الحلق للحج ، ولم يأمر النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ـ أصحابه إلا بالتقصير . 243
219. قال ابن المنذر : أجمع أهل العلم على أنه لا رمل على النساء حول البيت ولا بين الصفا والمروة ، وذلك لأن الأصل فيها اظهار الجَلَدَ ولا يقصد ذلك في حق النساء ، ولأن النساء يقصد فيهن الستر وفي الرمل تعرض للتكشف . 246
220. إذا تلبس بالطواف أو بالسعي ، ثم أقيمت المكتوبة ، فإنه يصلي مع الجماعة ، وإذا صلى بنى على طوافه وسعيه . قال احمد : ويكون ابتدأوه من الحجر . ـ يعني أنه يبتدئ الشوط الذي قطعه من الحجر حن يشرع في البناء ـ . 247
221. فإن ترك الموالاة لغير الصلاة وطال الفصل ابتدأ الطواف ، ولا فرق بين ترك الموالاة عمدا ، أو سهوا ، وإن لم يطل الفتصل بنى . 248
222. من حيث أحرم من مكة جاز . 261
223. يجوز الجمع لكل من بعرفة ، من مكي وغيره ، أما قصر الصلاة ، فلا يجوز لأهل مكة . 264
224. يجب على المحرم الوقوف إلى غروب الشمس ؛ليجمع بين الليل والنهار في الوقوف بعرفة ، فإن دفع قبل الغروب فحجه صحيح . وعلى من دفع قبل الغروب دم . 273
225. فإن دفع قبل الغروب ، ثم عاد نهارا فوقف حتى غربت الشمس ، فلا دم عليه .273
226. وقت الوقوف من طلوع الفجر يوم عرفة إلى طلوع الفجر من يوم النحر . فمن أدرك عرفة في شيء من هذا الوقت وهو عاقل ، فقد تم حجه ، وإن وقف وهو مغمي عليه أو مجنون ولم يفق حتى خرج منها لم يجزئه .274
227. كيفما حصل بعرفة ، وهو عاقل ، أجزأه ، قائما أو جالسا أو راكبا أو نائما . وإن مر بها مجتازا ، فلم يعلم أنها عرفة ، أجزأه أيضا لأنه حصل بعرفة في زمن الوقوف وهو عاقل ، فأجزأه كما لو علم ، وإن وقف وهو مغمى عليه أو مجنون ، ولم يفق حتى خرج منها ، لم يجزئه . 275
228. ا يشترط للوقوف طهارة ، ولا ستارة ، ولا استقبال ، ولا نية . ولا نعلم في ذلك خلافا ، ويستحب أن يكون طاهرا . قال أحمد : يستحب له أن يشهد المناسك كلها على وضوء . 275
229. لمزدلفة ثلاثة أسماء : مزدلفة ، وجمع ، والمشعر الحرام . وحدها من مأزمي عرفة إلى قرن محسر ، ففي أي موضع وقف منها أجزأه ، وليس وادي محسر من مزدلفة . 283
230. المبيت بمزدلفة واجب ، من تركه فعليه دم . 284
231. من بات بمزدلفة ، لم يجز له الدفع قبل نصف الليل ، فإن دفع بعده ، فلا شيء عليه ، فمن دفع من جمع قبل نصف الليل ولو يعد في الليل فعليه دم . 284
232. من لم يوافق مزدلفة إلا في النصف الأخير من الليل ، فلا شيء عليه ; لأنه لم يدرك جزءا من النصف الأول ، فلم يتعلق به حكمه ، كمن أدرك الليل بعرفات دون النهار . 286
233. يجزئ الرامي بكل ما يسمى حصى ، وهي الحجارة الصغار ، سواء كان أسود أو أبيض أو أحمر ، من المرمر ، أو البرام ، أو المرو وهو الصوان ، أو الرخام ، أو الكذان ـ وهو الحجارة التي ليست بصلبة ـ ، أو حجر المسن . والنَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ ـ رمى بالحصى ، وأمر بالرمي بمثل حصى الخذف فلا يتناول غير الحصى ، ويتناول جميع أنواعه ، فلا يجوز تخصيصه بغير دليل ، ولا إلحاق غيره به ؛لأنه موضع لا يدخل القياس فيه .289
234. إن رمى بحجر أخذ من المرمي لم يجزه .290
235. إن رمى بخاتم فضة حجرا ، لم يجزه ، في أحد الوجهين ؛لأنه تبع ، والرمي بالمتبوع لا بالتابع . 290
236. الصحيح أنه لا يستحب غسل الحصى ، فإن النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ و آله وَسَلَّمَ ـ لما لقطت له الحصيات ، وهو راكب على بعيره ، يقبضهن في يده ، لم يغسلهن ، ولا أمر بغسلهن ، فإن رمى بحجر نجس أجزأه . 291
237. حد منى ما بين جمرة العقبة ووادي مُحَسِّر وليس محسر والعقبة من منى . 291
238. يرمي المحرم جمرة العقبة راكباً أو راجلاً كيفما شاء . 293
239. لرمي جمرة العقبة وقتان : وقت فضيلة ، ووقت إجزاء ، فأما وقت الفضيلة فبعد طلوع الشمس . وأما وقت الجواز ، فأوله نصف الليل من ليلة النحر . وإن أخر الرمي إلى آخر النهار ، جاز . فإن أخرها إلى الليل ، لم يرمها حتى تزول الشمس من الغد .294
240. لا يجزئ الرمي إلا أن يقع الحصى في المرمى ، فإن وقع دونه ، لم يجزئ ، ولا نعلم فيه خلافا . 296
241. لا يجزئه الرمي إلا أن يقع الحصى في المرمى ، فإن وقع دونه ، لم يجزئه . في قولهم جميعا ; لأنه مأمور بالرمي ولم يرم . وإن طرحها طرحا ; أجزأه ; لأنه يسمى رميا . 296
242. إن رمى حصاة ، فوقعت في غير المرمى ، فأطارت حصاة أخرى ، فوقعت في المرمى ، لم يجزه ؛لأن التي رماها لم تقع في المرمى . 296
243. إن رمى حصاة ، فالتقمها طائر قبل وصولها ، لم يجزه ؛لأنها لم تقع في المرمى .
244. إن وقعت الحصاة على موضع صلب في غير المرمى ، ثم تدحرجت على المرمى ، أو على ثوب إنسان ، ثم طارت فوقعت في المرمى ، أجزأته ، لأن حصوله بفعله . 296
245. إن رمى حصاة ، فشك : هل وقعت في المرمى أو لا ؟ لم يجزئه ؛لأن الأصل بقاء الرمي في ذمته ، فلا يزول بالشك ، وإن كان الظاهر أن الحصاة وقعت فيه ، أجزأته ؛لأن الظاهر دليل . 296
246. إن رمى الحصيات دفعة واحدة ، لم يجزه إلا عن واحدة . 296
247. يستحب توجيه الذبيحة إلى القبلة ، ويقول : بسم الله والله أكبر . وإن اقتصر على التسمية ، ووجه الذبيحة إلى غير القبلة ، ترك الأفضل ، وأجزأه . والصحيح أن ذلك غير واجب ، ولم يقم على وجوبه دليل .299
248. وقت نحر الأضحية والهدي ثلاثة أيام : يوم النحر ، ويومان بعده . 300
249. إذا نحر الهدي ، فرقه على المساكين من أهل الحرم ، وهو من كان في الحرم . فإن أطلقها لهم جاز ، وإن قسمها فهو أحسن وأفضل ، لأنه بقسمها يكون على يقين من إيصالها إلى مستحقها ، ويكفي المساكين مؤنة النهب والزحام عليها .301
250. لا يجوز بيع شيء من الهدي ، ولا يعطي الجازر بأجرته شيئا منها، وإن كان الجازر فقيرا ، فأعطاه لفقره سوى ما يعطيه أجره ، جاز . 302
251. السنة النحر بمنى ؛لأن النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ و آله وَسَلَّمَ ـ نحر بها ، وحيث نحر من الحرم أجزأه . 302
252. ليس من شرط الهدي أن يجمع فيه بين الحل والحرم ، ولا أن يقفه بعرفة ، لكن يستحب ذلك .302
253. الحلق والتقصير نسك في الحج والعمرة . 304
254. يجوز تأخير الحلق والتقصير إلى آخر أيام النحر ؛لأنه إذا جاز تأخير النحر المقدم عليه ، فتأخيره أولى . 306
255. الأصلع الذي لا شعر على رأسه ، يستحب أن يمر الموسى على رأسه . 306
256. يستحب لمن حلق أو قصر تقليم أظافره ، والأخذ من شاربه لأن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ـ فعله . 307
257. يستحب إذا حلق ، أن يبلغ العظم الذي عند منقطع الصدغ من الوجه . 307
258. المحرم ، إذا رمى جمرة العقبة ، ثم حلق ، حل له كل ما كان محظورا بالإحرام ، إلا النساء . 307
259. المشروع للمرأة التقصير دون الحلق . لا خلاف في ذلك .وتقصر قدر الأنملة ، والأنملة هي رأس الأصبع من المفصل الأعلى . 310
260. ذا رمى ونحر وحلق ، أفاض إلى مكة ، فطاف طواف الزيارة ، وهو ركن للحج ، لا يتم إلا به . لا نعلم فيه خلافا . 311
261. لطواف الإفاضة وقتان ، وقت فضيلة ، ووقت إجزاء ؛فأما وقت الفضيلة فيوم النحر بعد الرمي والنحر والحلق . وأما وقت الجواز ، فأوله من نصف الليل من ليلة النحر . والصحيح أن آخر وقته غير محدود ؛فإنه متى أتى به صح بغير خلاف . 312
262. صفة هذا الطواف كصفة طواف القدوم ، سوى أنه ينوي به طواف الزيارة ، ويعينه بالنية . ولا رمل فيه ، ولا اضطباع .312
263. يوم الحج الأكبر يوم النحر . 320
264. في يوم النحر أربعة أشياء : الرمي ، ثم النحر ، ثم الحلق ، ثم الطواف . والسنة ترتيبها هكذا . 320
265. سائر رمي الجمرات في أيام التشريق الثلاثة ، بعد زوال الشمس ، فإن رمى قبل الزوال أعاد .ويبتدئ بالجمرة الأولى ، وهي أبعد الجمرات من مكة ، ثم يتقدم عنها إلى موضع لا يصيبه الحصي ، فيقف طويلا يدعو الله تعالى ، رافعا يديه ، ثم يتقدم إلى الوسطى فيجعلها عن يمينه ، ويستقبل القبلة ، ويرميها بسبع حصيات ، ويفعل من الوقوف والدعاء كما فعل في الأولى ، ثم يرمي جمرة العقبة . ويستقبل القبلة ولا يقف عندها . 326
266. الترتيب في هذه الجمرات واجب ، على ما ذكرنا . فإن نكس فبدأ بجمرة العقبة ، ثم الثانية ، ثم الأولى ، أو بدأ بالوسطى ، ورمى الثلاث ، لم يجزه إلا الأولى ، وأعاد الوسطى والقصوى . 329
267. إن ترك الوقوف عندها والدعاء ، ترك السنة ، ولا شيء عليه .330
268. الأولى أن لا ينقص في الرمي عن سبع حصيات ؛ فإن نقص حصاة أو حصاتين ، فلا بأس ، ولا ينقص أكثر من ذلك ، ولا ينبغي أن يتعمده فإن تعمد ذلك تصدق بشيئ . 330
269. متى أخل بحصاة واجبة ( ) من الأولى ، لم يصح رمي الثانية حتى يكمل الأولى ، فإن لم يدر من أي الجمار تركها ، بنى على اليقين وإن أخل بحصاة غير واجبة ، لم يؤثر تركها . 331
270. إذا أخر رمي يوم إلى ما بعده ، أو أخر الرمي كله إلى آخر أيام التشريق ترك السنة ، ولا شيء عليه ، إلا أنه يقدم بالنية رمي اليوم الأول ثم الثاني ثم الثالث . 333
271. الحكم في رمي جمرة العقبة إذا أخرها ، كالحكم في رمي أيام التشريق .333
272. يستحب أن لا يدع الصلاة في مسجد منى ـ الخيف ـ مع الإمام . وهذا إذا كان الإمام مرضيا ، فإن لم يكن مرضيا صلى المرء برفقته في رحله . 334
273. ستحب أن يخطب الإمام ، في اليوم الثاني من أيام التشريق خطبة يعلم الناس فيها حكم التعجيل والتأخير ، وتوديعهم . 334
274. من كان منـزله في الحرم فهو كالمكي ، لا وداع عليه . ومن كان منـزله خارج الحرم ، قريبا منه لا يخرج حتى يودع . 337
275. طواف الوداع إنما يكون عند خروجه ، ليكون آخر عهده بالبيت ، فإن طاف للوداع ، ثم اشتغل بتجارة أو إقامة فعليه إعادته . 338
276. فإن خرج المحرم قبل الوداع ، رجع إن كان بالقرب ـ القريب هو الذي بينه وبين مكة دون مسافة القصر ـ ، وإن بعد بعث بدم ، وإذا رجع البعيد ، فينبغي أن لا يجوز له تجاوز الميقات ، إن كان جاوزه ، إلا محرما ؛لأنه ليس من أهل الأعذار ، فيلزمه طواف لإحرامه بالعمرة والسعي ، وطواف لوداعه ، وفي سقوط الدم عنه خلاف . 339
277. إذا نفرت الحائض بغير وداع ، فطهرت قبل مفارقة البنيان ، رجعت فاغتسلت وودعت ؛لأنها في حكم الإقامة بدليل أنه لا تستبيح الرخص . 341
278. يستحب أن يقف المودع في الملتزم ، وهو ما بين الركن والباب ، فيلتزمه ، ويلصق به صدره ووجهه ، ويدعو الله عز وجل . 342
279. طواف الزيارة ركن الحج ، لا يتم إلا به . ولا يحل من إحرامه حتى يفعله ، فإن رجع إلى بلده قبله ، لم ينفك إحرامه ، ورجع متى أمكنه محرما ، لا يجزئه غير ذلك . 345
280. فإن ترك بعض الطواف ، فهو كما لو ترك جميعه ، فيما ذكرنا . وسواء ترك شوطا أو أقل أو أكثر .346
281. إذا ترك طواف الزيارة ، بعد رمي جمرة العقبة ، فلم يبق محرما إلا عن النساء خاصة فإن وطئ لم يفسد حجه ، ولم تجب عليه بدنة ، لكن عليه دم ، ويجدد إحرامه ليطوف في إحرام صحيح .346
282. إن طاف بنية الوداع لم يجزئه عن طواف الزيارة ؛لأن تعيين النية شرط فيه . 346
283. إن قتل القارن صيدا ، فعليه جزاء واحد . وكذا لو أفسد نسكه بالوطء ، فعليه فداء واحد ، لأن الصحابة ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم ـ الذين سئلوا عمن افسد نسكه لم يأمروه إلا بفداء واحد ولم يفرقو بين الأنساك . 349
284. يجب دم التمتع على من اجتمعت فيه خمس شروط وهي :
• الأول : أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ، فإن أحرم بها في غير أشهره ، لم يكن متمتعا ، سواء وقعت أفعالها في أشهر الحج ، أو في غير أشهره .
• الثاني : أن يحج من عامه ، فإن اعتمر في أشهر الحج ، ولم يحج ذلك العام ، بل حج من العام القابل ، فليس بمتمتع .
• الثالث : أن لا يسافر بين العمرة والحج سفرا بعيدا تقصر في مثله الصلاة .
• الرابع : أن يحل من إحرام العمرة قبل إحرامه بالحج .
• الخامس : أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام . 351
285. حاضروا المسجد الحرام أهل الحرم ، ومن بينه وبين مكة دون مسافة القصر .356
286. إذا كان للمتمتع قريتان ؛قريبة ، وبعيدة ، فهو من حاضري المسجد الحرام ؛لأنه إذا كان بعض أهله قريبا فلم يوجد فيه الشرط ، وهو أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام . ولأن له أن يحرم من القريبة ، فلم يكن بالتمتع مترفها بترك أحد السفرين . 356
287. إذا دخل الآفاقي مكة ، متمتعا ناويا للإقامة بها بعد تمتعه ، فعليه دم المتعة . ولو كان الرجل منشؤه ومولده بمكة ، فخرج عنها متنقلا مقيما بغيرها ، ثم عاد إليها متمتعا ناويا للإقامة بها ، أو غير ناو لذلك ، فعليه دم المتعة أما إن خرج المكي مسافرا غير متنقل ، ثم عاد فاعتمر من الميقات ، أو قصر وحج من عامه ، فلا دم عليه ; لأنه لم يخرج بهذا السفر عن كون أهله من حاضري المسجد الحرام .357
288. متعة المكي صحيحة ؛لأن التمتع أحد الأنساك الثلاثة ، فصح من المكي ، كالنسكين الآخرين .357
289. نقل عن أحمد ـ يرحمه الله ـ : ( ليس على أهل مكة متعة ). ومعناه ليس عليهم دم متعة ؛لأن المتعة له لا عليه ، فيتعين حمله على ما ذكرناه .357
290. لكل واحد من صوم الثلاثة والسبعة وقتان ؛وقت جواز ، ووقت استحباب . فأما وقت الثلاثة ، فوقت الاختيار لها أن يصومها ما بين إحرامه بالحج ويوم عرفة ، ويكون آخر الثلاثة يوم عرفة ، وإنما أحببنا له صوم يوم عرفة هاهنا ، لموضع الحاجة . وعلى هذا القول يستحب له تقديم الإحرام بالحج قبل يوم التروية ؛ليصومها في الحج ، وإن صام منها شيئا قبل إحرامه بالحج جاز . وأما وقت جواز صومها فإذا أحرم بالعمرة .
أما السبعة ، فلها أيضا وقتان ؛وقت اختيار ، ووقت جواز . أما وقت الاختيار ، فإذا رجع إلى أهله لما روى ابن عمر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " فمن لم يجد هديا ، فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله " . متفق عليه ؛ أما وقت الجواز ، فمنذ تمضي أيام التشريق .360
291. أما تقديم صوم الثلاثة أيام على إحرام العمرة ، فغير جائز . ولا نعلم قائلا بجوازه ، إلا رواية حكاها بعض أصحابنا عن أحمد ، وليس بشيء ؛لأنه لا يقدم الصوم على سببه ووجوبه ، ويخالف قول أهل العلم . وأحمد ينـزه عن هذا . 362
292. لا يجب التتابع ، في الصيام للمتعة ، لا في الثلاثة ولا في السبعة ، ولا التفريق . نص عليه أحمد لأن الأمر ورد بها مطلقاً وذلك لا يقتضي جمعاً ولا تفريقاً.363
293. المتمتع ، إذا لم يصم الثلاثة في أيام الحج ، فإنه يصومها بعد ذلك .363
294. وقت وجوب الصوم وقت وجوب الهدي ؛لأنه بدل ، فكان وقت وجوبه وقت وجوب المبدل ، كسائر الأبدال .365
295. من لزمه صوم المتعة ، فمات قبل أن يأتي به لعذر منعه عن الصوم ، فلا شيء عليه . وإن كان لغير عذر ، أطعم عنه ، كما يطعم عن صوم أيام رمضان . ولأنه صوم وجب بأصل الشرع ، أشبه صوم رمضان .367
296. المتمتعة إذا حاضت قبل الطواف للعمرة لم يكن لها أن تطوف بالبيت لأن الطواف بالبيت صلاة ، ولأنها ممنوعة من دخول المسجد ، ولا يمكنها أن تحل من عمرتها ما لم تطف بالبيت . فإن خشيت فوات الحج أحرمت بالحج مع عمرتها ، وتصير قارنة .367
297. كل متمتع خشي فوات الحج ، فإنه يحرم بالحج ، ويصير قارنا ، وكذلك المتمتع الذي معه هدي ، فإنه لا يحل من عمرته ، بل يهل بالحج معها ، فيصير قارناً . ولو أدخل الحج على العمرة قبل الطواف من غير خوف الفوات جاز وكان قارنا ، بغير خلاف . فأما بعد الطواف فليس له ذلك ولا يصير قارناً . 371
298. أما إدخال العمرة على الحج ، فغير جائز ، فإن فعل لم يصح ، ولم يصر قارنا . 371
299. الوطء قبل جمرة العقبة يفسد الحج ، ولا فرق بين ما قبل الوقوف وبعده . و يلزم من وطء بدنة . ولا دم علي الزوجة في حال الإكراه . 373
300. من وطئ قبل التحلل من العمرة ، فسدت عمرته ، وعليه شاة مع القضاء .373
301. إذا أفسد القارن والمتمتع نسكهما ، لم يسقط الدم عنهما . 374
302. إذا أفسد القارن نسكه ، ثم قضى مفردا ، لم يلزمه في القضاء دم .374
303. الوطء بعد رمي جمرة العقبة لا يفسد الحج ، ولكنه يفسد الإحرام ، والواجب عليه بالوطء شاة . ويلزمه أن يحرم من الحل ليأتي بالطواف في إحرام صحيح .374
304. إن طاف للزيارة ، ولم يرم ، ثم وطئ ، لم يفسد حجه بحال ؛لأن الحج قد تم أركانه كلها ، ولا يلزمه إحرام من الحل ، فإن الرمي ليس بركن .376
305. القارن كالمفرد ؛ في أنه إذا وطئ بعد الرمي لم يفسد حجه ، ولا عمرته ؛لأن الحكم للحج . 377
306. يباح لأهل السقاية أن يرموا بالليل ، وأهل السقاية هم الذين يسقون من بئر زمزم للحاج ، فيشتغلون بسقايتهم نهارا ، فأبيح لهم الرمي في وقت فراغهم ، تخفيفا عليهم ، فيجوز لهم رمي كل يوم في الليلة المستقبلة ، فيرمون جمرة العقبة في ليلة اليوم الأول من أيام التشريق ، ورمي اليوم الأول في ليلة الثاني ، ورمي الثاني في ليلة الثالث ، والثالث إذا أخروه إلى الغروب سقط عنهم ، كسقوطه عن غيرهم . 378
307. يجوز للرعاة ترك المبيت بمنى ليالي منى ، ويؤخرون رمي اليوم الأول ، ويرمون يوم النفر الأول عن الرميين جميعا ؛لما عليهم من المشقة في المبيت والإقامة للرمي .378
308. الفرق بين الرعاء ، وأهل السقاية ، أن الرعاء إذا قاموا حتى غربت الشمس لزمهم البيتوتة ، وأهل السقاية بخلاف ذلك ؛لأن الرعاة إنما رعيهم بالنهار ، فإذا غربت الشمس فقد انقضى وقت الرعي ، وأهل السقاية يشتغلون ليلا ونهارا ، فافترقا ، وصار الرعاء كالمريض الذي يباح له ترك الجمعة لمرضه ، فإذا حضرها تعينت عليه ، والرعاء أبيح لهم ترك المبيت لأجل الرعي ، فإذا فات وقته وجب المبيت . 379
309. أهل الأعذار من غير الرعاء ، كالمرضى ، ومن له مال يخاف ضياعه ، ونحوهم ، كالرعاء في ترك البيتوتة ؛لأن النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ ـ رخص لهؤلاء تنبيها على غيرهم ، فوجب إلحاقه بهم . 379
310. إذا كان الرجل مريضا ، أو محبوسا ، أو له عذر ، جاز أن يستنيب من يرمي عنه . وإن أغمي على المستنيب ، لم تنقطع النيابة ، وللنائب الرمي عنه ، كما لو استنابه في الحج ثم أغمي عليه . 379
311. من ترك الرمي من غير عذر ، فعليه دم ، وفي ترك جمرة واحدة دم أيضا . نص عليه أحمد . وإن ترك أقل من جمرة ، فالظاهر عن أحمد أنه لا شيء عليه ، في حصاة ، ولا في حصاتين . وعنه ، أنه يجب الرمي بسبع . فإن ترك شيئا من ذلك ، تصدق بشيء ، أي شيء كان . 380
312. آخر وقت الرمي آخر أيام التشريق ، فمتى خرجت قبل رميه فات وقته ، واستقر عليه الفداء الواجب في ترك الرمي . 380
313. القدر الذي يجب به الدم أربع شعرات فصاعدا . 382
314. شعر الرأس وغيره سواء في وجوب الفدية ؛لأن شعر غير الرأس يحصل بحلقه الترفه والتنظف ، فأشبه الرأس . فإن حلق من شعر رأسه وبدنه ، ففي الجميع فدية واحدة ، وإن كثر . وإن حلق من رأسه شعرتين ، ومن بدنه شعرتين ، فعليه دم واحد .383
315. الفدية الواجبة بحلق الشعر هي المذكورة في حديث كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ بِقَوْلِ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ ـ : " احْلِقْ رَأْسَك ، وَصُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ ، نِصْفُ صَاعٍ ، أَوْ اُنْسُكْ شَاةً " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . ولا فرق بين العامد والمخطئ ، ومن له عذر ومن لا عذر له ، أيها شاء فعل ؛ لأنه أمر بها بلفظ التخيير .383
316. يجزئ البر والشعير والزبيب في الفدية ؛لأن كل موضع أجزأ فيه التمر أجزأ فيه ذلك ، كالفطرة ، وكفارة اليمين . 384
317. إذا حلق ثم حلق ، فالواجب فدية واحدة ، ما لم يكفر عن الأول قبل فعل الثاني ، فإن كفر عن الأول ثم حلق ثانيا ، فعليه للثاني كفارة أيضا . وكذلك الحكم فيما إذا لبس ثم لبس ، أو تطيب ثم تطيب .أما الصيد ، ففي كل واحد منها جزاؤه ، وسواء فعله مجتمعا أو متفرقا ، ولا تداخل فيه . 384
318. إذا حلق المحرم رأس حلال ، أو قلم أظفاره ، فلا فدية عليه .386
319. إن حلق محرم رأس محرم بإذنه ، فالفدية على من حلق رأسه . وكذلك إن حلقه حلال بإذنه . وإن حلقه مكرها أو نائما ، فلا فدية على المحلوق رأسه .386
320. إذا قلع جلدة عليها شعر ، فلا فدية عليه ؛لأنه زال تابعا لغيره ، والتابع لا يضمن ، كما لو قلع أشفار عيني إنسان ، فإنه لا يضمن أهدابهما . 386
321. إذا خلل شعره فسقطت شعرة ، فإن كانت ميتة فلا فدية فيها ، وإن كانت من شعره النابت ففيها الفدية ، وإن شك فيها فلا فدية فيها ؛لأن الأصل نفي الضمان إلى أن يحصل يقين . 387
322. من أبيح له حلق رأسه لأذى به ، فهو مخير في الفدية قبل الحلق وبعده .387
323. في قص بعض الظفر ما في جميعه ، وكذلك في قطع بعض الشعرة مثل ما في قطع جميعها ؛لأن الفدية تجب في الشعرة والظفر ، سواء ، طال أو قصر ، وليس بمقدر بمساحة ، فيتقدر الضمان عليه ، بل هو كالموضحة( ) يجب في الصغيرة منها مثل ما يجب في الكبيرة . 389
324. يلزم المحرم إن تطيب غسل الطيب ، وخلع اللباس ؛لأنه فعل محظورا ، فيلزمه إزالته وقطع استدامته ، كسائر المحظورات . والمستحب أن يستعين في غسل الطيب بحلال ؛لئلا يباشر المحرم الطيب بنفسه ، ويجوز أن يليه بنفسه ، ولا شيء عليه . 390
325. إذا احتاج إلى الوضوء وغسل الطيب ، ومعه ماء لا يكفي إلا أحدهما قدم غسل الطيب ، وتيمم للحدث ؛لأنه لا رخصة في إبقاء الطيب ، وفي ترك الوضوء إلى التيمم رخصة . فإن قدر على قطع رائحة الطيب بغير الماء ، فعل وتوضأ ؛لأن المقصود من إزالة الطيب قطع رائحته ، فلا يتعين الماء ، والوضوء بخلافه . 390
326. إذا لبس قميصا وعمامة وسراويل وخفين ، لم يكن عليه إلا فدية واحدة ؛لأنه محظور من جنس واحد ، فلم يجب فيه أكثر من فدية واحدة ، كالطيب في بدنه ورأسه ورجليه . 390
327. إن تعذر علي المحرم إزالة الطيب ، لإكراه أو علة ، ولم يجد من يزيله ، وما أشبه ذلك ، فلا فدية عليه ، وجرى مجرى المكره على الطيب ابتداءً . وحكم الجاهل إذا علم ، حكم الناسي إذا ذكر ، وحكم المكره حكم الناسي ، فإن ما عفي عنه بالنسيان ، عفي عنه بالإكراه . 393
328. المبيت بمزدلفة واجب يجب بتركه دم ، سواء تركه عمدا أو خطأ ، عالما أو جاهلا ؛لأنه ترك نُسكاً . 394
329. في قتل الصيد ستة فصول :
• الفصل الأول : في وجوب الجزاء على المحرم بقتل الصيد في الجملة . وقتل الصيد نوعان ، مباح ومحرم ، فالمحرم قتله ابتداء من غير سبب يبيح قتله ، ففيه الجزاء . والمباح ثلاثة أنواع ؛أحدها ، أن يضطر إلى أكله ، فيباح له ذلك ، ومتى قتله ضمنه ، سواء وجد غيره أو لم يجد . النوع الثاني ، إذا صال عليه صيد فلم يقدر على دفعه إلا بقتله ، فله قتله ، ولا ضمان عليه . النوع الثالث ، إذا خلص صيدا من سبع أو شبكة صياد ، أو أخذه ليخلص من رجله خيطا ، ونحوه فتلف بذلك ، فلا ضمان عليه .
• الفصل الثاني : أنه لا فرق بين الخطأ والعمد في قتل الصيد في وجوب الجزاء ، لأنه ضمان إتلاف فاستوى عمده وخطؤه كمال الآدمي .
• الفصل الثالث : أن الجزاء لا يجب إلا على المحرم ، ولا فرق بين إحرام الحج وإحرام العمرة ؛لعموم النص فيهما .
330. الفصل الرابع : أن الجزاء لا يجب إلا بقتل الصيد ؛لأنه الذي ورد به النص . والصيد ما جمع ثلاثة أشياء ، وهو أن يكون مباحا أكله ، لا مالك له ، ممتنعا .
• الفصل الخامس : أن الجزاء إنما يجب في صيد البر دون صيد البحر .
• الفصل السادس : أن جزاء ما كان دابة من الصيد نظيره من النعم . 395
331. الصحيح أنه لا جزاء في أم حبين ، وأم حبين دابة منتفخة البطن 398 .
332. الصحيح ، أنه لا جزاء في القمل ؛لأنه غير مأكول ، وهو من المؤذيات ، ولا مِثْلَ له ولا قيمة . 398
333. الصحيح أنه لا جزاء في السنور( ) أهليا كان أو وحشيا ، لأنه سَبُعٌ وليس بمأكول . 398
334. لو توحش الأهلي لم يجب فيه شيء ، ولو استأنس الوحشي وجب فيه الجزاء ، والأعتبار في ذلك بالأصل ؛ لا بالحال . 399
335. من صاد صيدا لم يحكم فيه الصحابة ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَ ـ فيرجع فيه إلى قول عدلين من أهل الخبرة ، ويجوز أن يكون القاتل أحد العدلين .404
336. إن جنى على ماخض ، فأتلف جنينها ، وخرج ميتا ، ففيه ما نقصت أمه ، كما لو جرحها ، وإن خرج حيا لوقت يعيش لمثله ثم مات ، ضمنه بمثله ، وإن كان لوقت لا يعيش لمثله فهو كالميت ، كجنين الآدمية . 406
337. إن أتلف جزءا من الصيد ، وجب ضمانه ؛لأن جملته مضمونة ، فكان بعضه مضمونا كالآدمي . 407
338. إن جرح صيدا ، فتحامل ، فوقع في شيء تلف به ، ضمنه ؛لأنه تلف بسببه . وكذلك إن نفره ، فتلف في حال نفوره ، ضمنه . فإن سكن في مكان ، وأمن من نفوره ، ثم تلف ، لم يضمنه . 408
339. يضمن بيض الصيد بقيمته ، أي صيد كان . فإن لم يكن له قيمة ، لكونه مذرا ، أو لأن فرخه ميت ، فلا شيء فيه . قال أصحابنا : إلا بيض النعام ، فإن لقشره قيمة . والصحيح أنه لا شيء فيه . 410
340. من كسر بيضة ، فخرج منها فرخ حي ، فعاش ، فلا شيء فيه ، وإن مات ففيه ما في صغار أولاد المتلف بيضه ، ففي فرخ الحمام صغير أولاد الغنم ، وفي فرخ النعامة حوار ، وفيما عداهما قيمته . 410
341. لا يحل لمحرم أكل بيض الصيد إذا كسره هو أو محرم سواه ، وإن كسره حلال فهو كلحم الصيد ، إن كان أخذه لأجل المحرم لم يبح له أكله ، وإلا أبيح . وإن كسر بيض صيد ، لم يحرم على الحلال ؛لأن حله لا يقف على كسره ، ولا يعتبر له أهلية ، بل لو كسره مجوسي أو وثني ، أو بغير تسمية ، لم يحرم ، فأشبه قطع اللحم وطبخه . 411
342. إن نقل بيض صيد فجعله تحت آخر ، أو ترك مع بيض الصيد بيضا آخر ، أو شيئا نفره عن بيضه حتى فسد ، فعليه ضمان ؛لأنه تلف بسببه ، وإن صحَّ وفَرَّخَ ، فلا ضمان عليه . 411
343. حكم بيض الجراد حكم الجراد . 412
344. إن احتلب لبن صيد ، ففيه القيمة ، كما لو حلب لبن حيوان مغصوب . 412
345. في جزاء الصيد أربعة فصول :
• الفصل الأول : إن قاتل الصيد مخير في الجزاء فإن شاء فداه بالنظير ، أو قوم النظير بدراهم ، ونظر كم يجيء به طعاما ، فأطعم كل مسكين مدا ، أو صام عن كل مد يوما معسرا كان أو موسراً .
• الفصل الثاني : إذا اختار المثل ، ذبحه ، وتصدق به على مساكين الحرم ؛ولا يجزئه أن يتصدق به حيا على المساكين ؛لأن الله تعالى سماه هديا ، والهدي يجب ذبحه ، وله ذبحه أي وقت شاء ، ولا يختص ذلك بأيام النحر .
• الفصل الثالث : أنه متى اختار الإطعام ، فإنه يقِّوم المثل بدراهم ، والدراهم بطعام ، ويتصدق به على المساكين .
• الفصل الرابع : في الصيام ، فعن أحمد أنه يصوم عن كل مد يوما .وعنه أنه يصوم عن كل نصف صاع يوما . 415
346. الطعام المخرج هو الذي يخرج في الفطرة وفدية الأذى ، وهو الحنطة والشعير والتمر والزبيب . ويحتمل أن يجزئ كل ما يسمى طعاما ؛لدخوله في إطلاق اللفظ .416
347. لا يجزئ إخراج الطعام إلا لمساكين الحرم ؛لأن قيمة الهدي الواجب لهم فيكون أيضا لهم ، لأنه قائم مقام الهدي الواجب لهم فيكون أيضاً لهم كقيمة المثلي من مال الآدمي . 417
348. لا يجوز أن يصوم عن بعض الجزاء ، ويطعم عن بعض ؛ ولا يصح . لأنها كفارة واحدة فلا يؤدي بعضها بالإطعام وبعضها بالصيام ، كسائر الكفارات .418
349. ما لا مثل له من الصيد ، يخُيَّرُ قاتله بين أن يشتري بقيمته طعاما ، فيطعمه للمساكين ، وبين أن يصوم . ولا يجوز إخراج القيمة لأنه جزاء صيد ولأن الله تعالى خير بين ثلاثة أشياء ليس منها القيمة ، وإذا عدم أحد الثلاثة يبقى التخيير بين الشيئين الباقيين ، فأما إيجاب شيء غير المنصوص فلا .418
350. يجوز إخراج جزاء الصيد بعد جرحه وقبل موته . لأنها كفارة قتل ، فجاز تقديمها على الموت ، ككفارة قتل الآدمي ، ولأنها كفارة ، فأشبهت كفارة الظهار واليمين . 420
351. الصحيح أنه لو اشترك جماعة في قتل صيد ، فعليهم جزاء واحد . 420
352. إن كان شريك المحرم حلالا أو سبعا ، فلا شيء على الحلال ، ويحكم على الحرام . ثم إن كان جرح أحدهما قبل صاحبه ، والسابق الحلال أو السبع ، فعلى المحرم جزاؤه مجروحا ، وإن كان السابق المحرم ، فعليه جزاء جرحه ، وإن كان جرحهما في حال واحدة ، ففيه وجهان أحدهما : على المحرم بقسطه ، كما لو كان شريكه محرما ؛لأنه إنما أتلف البعض . والثاني ، عليه جزاء جميعه ؛لأنه تعذر إيجاب الجزاء على شريكه . 421
353. إن اشترك حرام وحلال في صيد حرمي ، فالجزاء بينهما نصفين ؛لأن الإتلاف ينسب إلى كل واحد منهما نصفه ، ولا يزداد الواجب على المحرم باجتماع حرمة الإحرام والحرم ، فيكون الواجب على كل واحد منهما النصف ، وهذا الاشتراك الذي هذا حكمه هو الذي يقع به الفعل منهما معا ، فإن سبق أحدهما صاحبه ، فحكمه ما ذكرناه فيما ما مضى . 422
354. لا يملك المحرم الصيد ابتداء بالبيع ، ولا بالهبة ، ونحوهما من الأسباب .423
355. فإن أخذ المحرم الصيد بالبيع أو الهبة أو غيرها من الأسباب ؛ ثم تلف ، فعليه جزاؤه . وإن كان مبيعا ، فعليه القيمة لمالكه مع الجزاء ، لأن ملكه لم يزل عنه ، وإن أخذه رهناً فلا شيء عليه سوى الجزاء وإن لم يتلف فعليه رده إلى مالكه . فإن أرسله ، فعليه ضمانه ، كما لو أتلفه ، وليس عليه جزاء ، وعليه رد المبيع أيضا . 424
356. لا يسترد المحرم الصيد الذي باعه وهو حلال بخيار ولا عيب في ثمنه ، ولا غيرهما ؛لأنه ابتداء ملك على الصيد ، وهو ممنوع منه . وإن رده المشتري عليه بعيب أو خيار ، فله ذلك ؛لأن سبب الرد متحقق ، ثم لا يدخل في ملك المحرم ، ويلزمه إرساله .424
357. إن ورث المحرم صيدا

طالب في شارع الفلسفة
22-08-2003, 07:53 PM
[size=18:c6e4666efc]الكتاب الثاني

كتاب المراقبة والمحاسبة
وهو الكتاب الثامن من ربع المنجيات من كتاب إحياء علوم الدين
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله القائم على كل نفس بما كسبت الرقيب على كل جارحة بما اجترحت المطلع على ضمائر القلوب إذا هجست الحسيب على خواطر عباده إذا اختلجت الذى لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات والأرض تحركت أو سكنت المحاسب على النقير والقطمير والقليل والكثير من الأعمال وإن خفيت المتفضل بقبول طاعات العباد وان صغرت المتطول بالعفو عن من معاصيهم وإن كثرت وإنما يحاسبهم لتعلم كل نفس ما أحضرت وتنظر فيما قدمت وأخرت فتعلم انه لولا لزومها للمراقبة والمحاسبة في الدنيا لشفيت في صعيد القيامة وهلكت وبعد المجاهدة والمحاسبة والمراقبة لولا فضله بقبول بضاعتها المزجاة لخابت وخسرت فسبحان من عمت نعمته كافة العباد وشملت واستغرقت رحمته الخلائق في الدنيا والآخرة وغمرت فبنفحات فضله اتسعت القلوب للإيمان وانشرحت وبيمن توفيقه تقيدت الجوارح بالعبادات وتأدبت وبحسن هدايته انجلت عن القلوب ظلمات الجهل وانقشعت وبتأييده ونصرته انقطعت مكايد الشيطان واندفعت وبلطف عنايته تترجح كفة الحسنات إذا ثقلت وبتيسيره تيسرت من الطاعات ما تيسرت فمنه العطاء والجزاء والإبعاد والإدناء والإسعاد والإشقاء والصلاة والسلام علي محمد سيد الأنبياء وعلى اله سادة الأصفياء وعلى أصحابه قادة الأتقياء أما بعد فقد قال الله تعالى ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وان كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين وقال تعالى ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة الا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا وقال تعالى يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه والله على كل شىء شهيد وقال تعالى يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره وقال تعالى ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون وقال تعالى يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه وقال تعالى واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه فعرف أرباب البصائر من جملة العباد أن الله تعالى لهم بالمرصاد وأنهم سيناقشون في الحساب ويطالبون بمثاقيل الذر من الخطرات واللحظات وتحققوا أنه لا ينجيهم من هذه الأخطار إلا لزوم المحاسبة وصدق المراقبة ومطالبة النفس في الأنفاس والحركات ومحاسبتها في الخطرات واللحظات فمن حاسب نفسه قبل أن يحاسب خف في القيامة حسابه وحضر عند السؤال جوابه وحسن منقلبه ومآبه ومن لم يحاسب نفسه دامت حسراته وطالت في عرصات القيامة وقفاته وقادته إلى الخزى والمقت سيئاته فلما انكشف لهم ذلك علموا أنه لا ينجيهم منه إلا طاعة الله وقد أمرهم بالصبر والمرابطة فقال عز من قائل يا أيها الذين آمنو اصبروا وصابروا ورابطوا فرابطوا أنفسهم أولا بالمشارطة ثم بالمراقبة ثم بالمحاسبة ثم بالمعاقبة ثم بالمجاهدة ثم بالمعاتبة فكانت لهم في المرابطة ست مقامات ولا بد من شرحها وبيان حقيقتها وفضيلتها وتفصيل الأعمال فيها وأصل ذلك المحاسبة ولكن كل حساب فبعد مشارطة ومراقبة ويتبعه عند الخسران المعاتبة والمعاقبة فلنذكر شرح هذه المقامات وبالله التوفيق.
المقام الاول من المرابطة: المشارطة
اعلم أن مطالب المتعاملين في التجارات المشتركين في البضائع عند المحاسبة سلامة الربح وكما أن التاجر يستعين بشريكه فيسلم إليه المال حتى يتجر ثم يحاسبه فكذلك العقل هو التاجر في طريق الآخرة وإنما مطالبة وربحه تزكية النفس لأن بذلك فلاحها قال الله تعالى قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها وإنما فلاحها بالأعمال الصالحة والعقل يستعين بالنفس في هذه التجارة إذ يستعملها ويستسخرها فيما يزكيها كما يستعين التاجر بشريكه وغلامه الذي يتجر في ماله وكما أن الشريك يصير خصما منازعا يجاذبه في الربح فيحتاج إلى أن يشارطه أولا ويراقبه ثانيا ويحاسبه ثالثا ويعاقبه أو يعاتبه رابعا فكذلك العقل يحتاج إلى مشارطة النفس أولا فيوظف عليها الوظائف ويشرط عليها الشروط ويرشدها إلى طريق الفلاح ويحزم عليها الأمر بسلوك تلك الطرق ثم لا يغفل عن مراقبتها لحظة فإنه لو أهملها لم ير منها إلا الخيانة وتضييع رأس المال كالعبد الخائن إذا خلا له الجو وانفرد بالمال ثم بعد الفراغ ينبغي أن يحاسبها ويطالبها بالوفاء بما شرط عليها فإن هذه تجارة ربحها الفردوس الأعلى وبلوغ سدرة المنتهى مع الأنبياء والشهداء فتدقيق الحساب في هذا مع النفس أهم كثيرا من تدقيقه في أرباح الدنيا مع أنها محتقرة بالإضافة إلى نعيم العقبى ثم كيفما كانت فمصيرها إلى التصرم والانقضاء ولا خير في خير لا يدوم بل شر لا يدوم خير من خير لا يدوم لأن الشر الذي لا يدوم إذا انقطع بقى الفرح بانقطاعه دائما وقد انقضى الشر والخير الذي لا يدوم يبقى الأسف على انقطاعه دائما وقد انقضى الخير ولذلك قيل أشد الغم عندي في سرور تيقن عنه صاحبه انتقالا فختم على كل ذى حزم آمن بالله واليوم الآخر أن لا يغفل عن محاسبة نفسه والتضييق عليها في حركاتها وسكناتها وخطراتها وخطواتها فإن كل نفس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة لا عوض لها يمكن أن يشترى بها كنز من الكنوز لا يتناهى نعيمه أبد الآباد فانقباض هذه الأنفاس ضائعة أو مصروفة إلى ما يجلب الهلاك خسران عظيم هائل لا تسمح به نفس عاقل فإذا أصبح العبد وفرغ من فريضة الصبح ينبغى أن يفرغ قلبه ساعة لمشارطه النفس كما أن التاجر عند تسليم البضاعة إلى الشريك العامل يفرغ المجلس لمشارطته فيقول للنفس ما لي بضاعة إلا العمر ومهما فني فقد فنى رأس المال ووقع اليأس عن التجارة وطلب الربح وهذا اليوم الجديد قد أمهلني الله فيه وأنسأ في أجلى وأنعم على به ولو توفانى لكنت أتمنى أن يرجعنى إلى الدنيا يوما واحدا حتى أعمل فيه صالحا فاحسبي أنك قد توفيت ثم قد رددت فإياك ثم إياك أن تضيعي هذا اليوم فإن كل نفس من الأنفاس جوهرة لا قيمة لها وأعلمي يا نفس أن اليوم والليلة أربع وعشرون ساعة وقد ورد في الخبر أنه ينشر للعبد بكل يوم وليلة أربع وعشرون خزانة مصفوفة فيفتح له منها خزانة فيراها مملوءة نورا من حسناته التي عملها في تلك الساعة فيناله من الفرح والسرور والاستبشار بمشاهدة تلك الأنوار التي هي وسيلته عند الملك الجبار ما لو وزع على أهل النار لأدهشهم ذلك الفرح عن الإحساس بألم النار ويفتح له خزانة أخرى سوداء مظلمة يفوح منها نتنها ويغشاه ظلامها وهي الساعة التي عصى فيها فيناله من الهول والفزع ما لو قسم على أهل الجنة لتنغص عليهم نعيمها ويفتح له خزانة أخرى فارغة ليس فيها ما يسره ولا ما يسؤه حديث ينشر للعبد كل يوم وليلة أربع وعشرون خزانه مصفوفة فيفتح له منها خزانة فيراها مملوءة من حسناته الحديث بطوله لم أجد له أصلا وهي الساعة التي نام فيها أو غفل أو اشتغل بشيء من مباحات الدنيا فيتحسر على خلوها ويناله من غبن ذلك ما ينال القادر على الربح الكثير والملك الكبير إذا أهمله وتساهل فيه حتى فاته وناهيك به حسرة وغبنا وهكذا تعرض عليه خزائن أوقاته طول عمره فيقول لنفسه اجتهدى اليوم في أن تعمرى خزانتك ولا تدعيها فارغة عن كنوزك التي هي أسباب ملكك ولا تميلى إلى الكسل والدعه والاستراحة فيفوتك من درجات عليين ما يدركه غيرك وتبقى عندك حسرة لا تفارقك وإن دخلت الجنة فألم الغبن وحسرته لا يطاق وإن كان دون ألم النار وقد قال بعضهم هب أن المسىء قد عفى عنه أليس قد فاته ثواب المحسنين أشار به إلى الغبن والحسرة وقال الله تعالى يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن فهذه وصيته لنفسه في أوقاته ثم ليستأنف لها وصية في أعضائه السبعة وهي العين والأذن واللسان والبطن والفرج واليد والرجل وتسليمها إليها فإنها رعايا خادمة لنفسه في هذه التجارة وبها تتم أعمال هذه التجارة وإن لجهنم سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم وإنما تتعين تلك الأبواب لمن عصى الله تعالى بهذه الأعضاء فيوصيها بحفظها عن معاصيها أما العين فيحفظها عن النظر إلى وجه من ليس له بمحرم أو إلى عورة مسلم أو النظر إلى مسلم بعين الاحتقار بل عن كل فضول مستغنى عنه فإن الله تعالى يسأل عبده عن فضول النظر كما يسأله عن فضول الكلام ثم إذا صرفها عن هذا لم تقنع به حتى يشغلها بما فيه تجارتها وربحها وهو ما خلقت له من النظر إلى عجائب صنع الله بعين الاعتبار والنظر إلى أعمال الخير للاقتداء والنظر في كتاب الله وسنة رسوله ومطالعة كتب الحكمة للاتعاظ والاستفادة وهكذا ينبغى أن يفصل الأمر عليها في عضو عضو لا سيما اللسان والبطن أما اللسان فلأنه منطلق بالطبع ولا مؤنة عليه في الحركة وجنايته عظيمة بالغيبة والكذب والنميمة وتزكية النفس ومذمة الخلق والأطعمة واللعن والدعاء على الأعداء والمماراة في الكلام وغير ذلك مما ذكرناه في كتاب آفات اللسان فهو بصدد ذلك كله مع أنه خلق للذكر والتذكير وتكرار العلم والتعليم وإرشاد عباد الله إلى طريق الله وإصلاح ذات البين وسائر خيراته فليشترط على نفسه أن لا يحرك اللسان طول النهار إلا في الذكر فنطق المؤمن ذكر ونظره وعبرة وصمته فكرة و ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد وأما البطن فيكلفه ترك الشره وتقليل الأكل من الحلال واجتناب الشبهات ويمنعه من الشهوات ويقتصر على قدر الضرورة ويشرط على نفسه أنها إن خالفت شيئا من ذلك عاقبها بالمنع عن شهوات البطن ليفوتها أكثر مما نالته بشهواتها هكذا يشرط عليها في جميع الأعضاء واستقصاء ذلك يطول ولا تخفى معاصى الأعضاء وطاعاتها ثم يستأنف وصيتها في وظائف الطاعات التي تتكرر عليه في اليوم والليلة ثم النوافل التي يقدر عليها ويقدر على الاستكثار منها ويرتب لها تفصيلها وكيفيتها وكيفية الاستعداد لها بأسبابها وهذه شروط يفتقر إليها في كل يوم ولكن إذا تعود الإنسان شرط ذلك على نفسه أياما وطاوعته نفسه في الوفاء بجميعها استغنى عن المشارطة فيها وإن أطاعت في بعضها بقيت الحاجة إلى تجديد المشارطة فيما بقى ولكن لا يخلو كل يوم عن مهم جديد وواقعة حادثة لها حكم جديد ولله عليه في ذلك حق ويكثر هذا على من يشتغل بشيء من أعمال الدنيا من ولاية أو تجارة أو تدريس إذ قلما يخلو يوم عن واقعة جديدة يحتاج إلى أن يقضى حق الله فيها فعليه أن يشترط على نفسه الاستقامة فيها والانقياد للحق في مجاريها ويحذرها مغبة الإهمال ويعظها كما يوعظ العبد الآبق المتمرد فإن النفس بالطبع متمردة عن الطاعات مستعصية عن العبودية ولكن الوعظ والتأديب يؤثر فيها وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين فهذا وما يجرى مجراه هو أول مقام المرابطة مع النفس وهي محاسبة قبل العمل والمحاسبة تارة تكون بعد العمل وتارة قبله للتحذير قال الله تعالى واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه وهذا للمستقبل وكل نظر في كثرة ومقدار لمعرفة زيادة ونقصان فإنه يسمى محاسبة فالنظر فيما بين يدي العبد في نهاره ليعرف زيادته من نقصانه من المحاسبة وقد قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا وقال تعالى ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ماتوسوس به نفسه ذكر ذلك تحذيرا وتنبيها للاحتراز منه في المستقبل وروى عبادة بن الصامت أنه عليه السلام قال لرجل سأله أن يوصيه ويعظه إذا أردت أمرا فتدبر عاقبته فإن كان رشدا فامضه وإن كان غيا فانته عنه حديث عبادة بن الصامت إذا أردت أمرا فتدبر عاقبته الحديث تقدم وقال بعض الحكماء إذا أردت أن يكون العقل غالبا للهوى فلا تعمل بقضاءالشهوة حتى تنظر العاقبة فإن مكث الندامة في القلب أكثر من مكث خفة الشهوة وقال لقمان إن المؤمن إذا أبصر العاقبة أمن الندامة وروى شداد بن أوس عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله حديث الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت الحديث تقدم دان نفسه أي حاسبها ويوم الدين يوم الحساب وقوله أئنا لمدينون أي لمحاسبون وقال عمر رضى الله عنه حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا وتهيئوا للعرض الأكبر وكتب إلى أبى موسى الأشعري حاسب نفسك في الرخاء قبل حساب الشدة وقال لكعب كيف تجدها في كتاب الله قال ويل لديان الأرض من ديان السماء فعلاه بالدرة وقال إلا من حاسب نفسه فقال كعب ياأمير المؤمنين إنها إلى جنبها في التوراة ما بينهما حرف إلا من حاسب نفسه وهذا كله إشارة إلى المحاسبة للمستقبل إذ قال من دان نفسه يعمل لما بعد الموت ومعناه وزن الأمور أولا وقدرها ونظر فيها وتدبرها ثم أقدم عليها فباشرها المرابطة الثانية: المراقبة إذا أوصى الإنسان نفسه وشرط عليها ما ذكرناه فلا يبقى إلا المراقبة لها عند الخوض في الأعمال وملاحظاتها بالعين الكالئة فإنها إن تركت طغت وفسدت ولنذكر فضيلة المراقبة ثم درجاتها أما الفضيلة فقد سأل جبريل عليه السلام عن الإحسان فقال أن تعبد الله كأنك تراه حديث متفق عليه من حديث أبى هريرة ورواه مسلم من حديث عمر وقد تقدم وقال عليه السلام أعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك حديث اعبد الله كأنك تراه الحديث تقدم وقد قال تعالى أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت وقال تعالى ألم يعلم بأن الله يرى وقال الله تعالى إن الله كان عليكم رقيبا وقال تعالى والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون والذين هم بشهاداتهم قائمون وقال ابن المبارك لرجل راقب الله تعالى فسأله عن تفسيره فقال كن أبدا كأنك ترى الله عز وجل وقال عبد الواحد بن زيد إذا كان سيدي رقيبا على فلا أبالى بغيره وقال أبو عثمان المغربي أفضل ما يلزم الإنسان نفسه في هذه الطريقة المحاسبة والمراقبة وسياسة عمله بالعلم وقال ابن عطاء أفضل الطاعات مراقبة الحق على دوام الأوقات وقال الجريري أمرنا هذا مبنى على أصلين أن تلزم نفسك المراقبة لله عز وجل ويكون العلم على ظاهرك قائما وقال أبو عثمان قال لي أبو حفص إذا جلست للناس فكن واعظا لنفسك وقلبك ولا يغرنك اجتماعهم عليك فإنهم يراقبون ظاهرك والله رقيب على باطنك وحكى أنه كان لبعض المشايخ من هذه الطائفة تلميذ شاب وكان يكرمه ويقدمه فقال له بعض أصحابه كيف تكرم هذا وهو شاب ونحن شيوخ فدعا بعدة طيور وناول كل واحد منهم طائرا وسكينا وقال ليذبح كل واحد منكم طائره في موضع لا يراه أحد ودفع إلى الشاب مثل ذلك وقال له كما قال لهم فرجع كل واحد بطائره مذبوحا ورجع الشاب والطائر حي في يده فقال ما لك لم تذبح كما ذبح أصحابك فقال لم أجد موضعا لا يرانى فيه أحد إذ الله مطلع على فى كل مكان فاستحسنوا منه هذه المراقبة وقالوا حق لك أن تكرم وحكى أن زليخا لما همت بيوسف عليه السلام قامت فغطت وجه صنم كان لها فقال يوسف مالك أتستحيين من مراقبة جماد ولا أستحيى من مراقبة الملك الجبار وحكى عن بعض الأحداث أنه راود جارية عن نفسها فقالت له ألا تستحيى فقال ممن أستحيى وما يرانا إلا الكواكب قالت فأين مكوكبها وقال رجل للجنيد بم أستعين على غض البصر فقال بعلمك أن نظر الناظر إليك أسبق من نظرك إلى المنظور إليه وقال الجنيد إنما يتحقق بالمراقبة من يخاف على فوت حظه من ربه عز وجل وعن مالك بن دينار قال جنات عدن من جنات الفردوس وفيها حور خلقن من ورد الجنة قيل له ومن يسكنها قال يقول الله عز وجل وإنما يسكن جنات عدن الذين إذا هموا بالمعاصي ذكروا عظمتي فراقبوني والذين انثنت أصلابهم من خشيتي وعزتي وجلالى إنى لأهم بعذاب أهل الأرض فإذا نظرت إلى أهل الجوع والعطش من مخافتي صرفت عنهم العذاب وسئل المحاسبي عن المراقبة فقال أولها علم القلب بقرب الله تعالى وقال المرتعش المراقبة مراعاة السر بملاحظة الغيب مع كل لحظة ولفظة ويروى أن الله تعالى قال لملائكته أنتم موكلون بالظاهر وأنا الرقيب على الباطن وقال محمد بن علي الترمذي اجعل مراقبتك لمن لا تغيب عن نظره إليك وأجعل شكرك لمن لا تنقطع نعمة عنك وأجعل طاعتك لمن لا تستغنى عنه وأجعل خضوعك لمن لا تخرج عن ملكه وسلطانه وقال سهل لم يتزين القلب بشىء أفضل ولا أشرف من علم العبد بأن الله شاهدة حيث كان وسئل بعضهم عن قوله تعالى رضى الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشى ربه فقال معناه ذلك لمن راقب ربه عز وجل وحاسب نفسه وتزود لمعاده وسئل ذو النون بم ينال العبد الجنة فقال بخمس استقامة ليس فيها روغان واجتهاد ليس معه سهوومراقبة الله تعالى في السر والعلانية وانتظار الموت بالتأهب له ومحاسبة نفسك قبل أن تحاسب وقد قيل إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل خلوت ولكن قل على رقيب ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما تخفيه عنه يغيب ألم تر أن اليوم أسرع ذاهب وأن غدا إذا للناظرين قريب وقال حميد الطويل لسليمان بن علي عظنى فقال لئن كنت إذا عصيت الله خاليا ظننت أنه يراك لقد اجترأت على أمر عظيم ولئن كنت تظن أنه لا يراك فلقد كفرت وقال سفيان الثورى عليك بالمراقبة ممن لا تخفى عليه خافية وعليك بالرجاء ممن يملك الوفاء وعليك بالحذر ممن يملك العقوبة وقال فرقد السنجى إن المنافق ينظر فإذا لم ير أحدا دخل مدخل السوء وإنما يراقب الناس ولا يراقب الله تعالى وقال عبد الله بن دينار خرجت مع عمر ابن الخطاب رضى الله عنه إلى مكة فعرسنا في بعض الطريق فانحدر عليه راع من الجبل فقال له يا راعى بعنى شاة من هذه الغنم فقال إنى مملوك فقال قل لسيدك أكلها الذئب قال فأين الله قال فبكى عمر رضى الله عنه ثم غدا إلى المملوك فاشتراه من مولاه وأعتقه وقال أعتقتك في الدنيا هذه الكلمة وأرجو أن تعتقك في الآخرة.
بيان حقيقة المراقبة ودرجاتها
أعلم أن حقيقة المراقبة هي ملاحظة الرقيب والصراف الهم إليه فمن احترز من أمر من الأمور بسبب غيره يقال أنه يراقب فلانا ويراعى جانبه ويعنى بهذه المراقبة حالة للقلب يثمرها نوع من المعرفة وتثمر تلك الحالة أعمالا في الجوارح وفي القلب أما الحالة فهي مراعاة القلب للرقيب واشتغاله به والتفاته إليه وملاحظتهإياه وانصرافه إليه وأما المعرفة التي تثمر هذه الحالة فهو العلم بأن الله مطلع على الضمائر عالم بالسرائر رقيب على أعمال العباد قائم على كل نفس بما كسبت وأن سر القلب في حقه مكشوف كما أن ظاهر البشرة للخلق مكشوف بل اشد من ذلك فهذه المعرفة إذا صارت يقينا أعنى أنها خلت عن الشك ثم استولت بعد ذلك على القلب قهرته فرب علم لا شك فيه لا يغلب على القلب كالعلم بالموت فإذا استولت على القلب استجرت القلب إلى مراعاة جانب الرقيب وصرفت همه إليه والموقنون بهذه المعرفة هم المقربون وهم ينقسمون إلى الصديقين وإلى أصحاب اليمين فمراقبتهم على درجتين الدرجة الأولى مراقبة المقربين من الصديقين وهي مراقبة التعظيم والإجلال وهو أن يصير القلب مستغرقا بملاحظة ذلك الجلال ومنكسرا تحت الهيبة فلا يبقى فيه متسع للالتفات إلى الغير أصلا وهذه مراقبة لا نطول النظر في تفصيل أعمالها فإنها مقصورة على القلب أما الجوارح فإنها تتعطل عن التلفت إلى المباحات فضلا عن المحظورات وإذا تحركت بالطاعات كانت كالمستعملة بها فلا تحتاج إلى تدبير وتثبيت في حفظها على سنن السداد بل يسدد الرعية من ملك كلبة الراعى والقلب هو الراعى فإذا صار مستغرقا بالمعبود صارت الجوارح مستعملة جارية على السداد والاستقامة من غير تكلف وهذا هو الذي صار همه هما واحدا فكفاه الله سائر الهموم ومن نال هذه الدرجة فقد يغفل عن الخلق حتى لا يبصر من يحضر عنده وهو فاتح عينيه ولا يسمع ما يقال له مع أنه لا صمم به وقد يمر على ابنه مثلا فلا يكلمه حتى كان بعضهم يجري عليه ذلك فقال لمن عاتبه إذا مررت بي فحركنى ولا تستبعد هذا فإنك تجد نظير هذا في القلوب المعظمة لملوك الأرض حتى إن خدم الملك قد لا يحسون بما يجري عليهم في مجالس الملوك لشدة استغراقهم بهم بل قد يشتغل القلب بمهم حقير من مهمات الدنيا فيغوص الرجل في الفكر فيه ويمشى فربما يجاوز الموضع الذي قصده وينسى الشغل الذي نهض له وقد قيل لعبد الواحد ابن زيد هل تعرف في زمانك هذا رجلا قد اشتغل بحاله عن الخلق فقال ما أعرف إلا رجلا سيدخل عليكم الساعة فما كان إلا سريعا حتى دخل عتبه الغلام فقال له عبد الواحد بن زيد من أين جئت يا عتبه فقال من موضع كذا وكان طريقه على السوق فقال من لقيت في الطريق فقال ما رأيت أحدا ويروى عن يحيى بن زكريا عليهما السلام أنه مر بامرأة فدفعها فسقطت على وجهها فقيل له لم فعلت هذا فقال ما ظننتها إلا جدارا وحكى عن بعضهم أنه قال مررت بجماعة يترامون وواحد جالس بعيدا منهم فتقدمت إليه فأردت أن أكلمه فقال ذكر الله تعالى أشهى فقلت وحدك فقال معي ربي وملكاي فقلت من سبق من هؤلاء فقال من غفر الله له فقلت أين الطريق فأشار نحو السماء وقام ومشى وقال أكثر خلقك شاغل عنك فهذا كلام مستغرق بمشاهدة الله تعالى لا يتكلم إلا منه ولا يسمع إلا فيه فهذا لا يحتاج إلى مراقبة لسانة وجوارحه فإنها لا تتحرك إلا بما هو فيه ودخل الشبلى على أبي الحسين النووي وهو معتكف فوجده ساكنا حسن الاجتماع لا يتحرك من ظاهرة شيء فقال له من أين أخذت هذه المراقبة والسكون فقال من سنور كانت لنا فكانت إذا أرادت الصيد رابطت رأس الحجر لا تتحرك لها شعرة وقال أبو عبد الله بن خفيف خرجت من مصر أريد الرملة للقاء أبي على الروذبارى فقال لي عيسى بن يونس المصري المعروف بالزاهد وأن في صور شابا وكهلا قد اجتمعا على حال المراقبة فلو نظرت إليهما نظرة لعلك تستفيد منهما فدخلت صورا وأنا جائع عطشان وفي وسطى خرقة وليس على كتفي شيء فدخلت المسجد فإذا بشخصين قاعدين مستقبلى القبلة فسلمت عليهما فما أجابانى فسلمت ثانية وثالثة فلم أسمع الجواب فقلت نشدتكما بالله إلا رددتما على السلام فرفع الشاب رأسه من مرقعته فنظر إلى وقال يا ابن خفيف الدنيا قليل ومابقى من القليل إلا القليل فخذ من القليل الكثير يا ابن خفيف ما أقل شغلك حتى تتفرغ إلى لقائنا قال فأخذ بكليتي ثم طأطأ رأسه في المكان فبقيت عندهما حتى صلينا الظهر والعصر فذهب جوعي وعطشي وعنائي فلما كان وقت العصر قلت عظنى فرفع رأسه إلى وقال يا ابن خفيف نحن أصحاب المصائب ليس لنا لسان العظة فبقيت عندهما ثلاثة أيام لا آكل ولا أشرب ولا أنام ولا رأيتهما أكلا شيئا ولا شربا فلما كان اليوم الثالث قلت في سري أحلفهما أن يعظاني لعلى أن أنتفع اضطرها فرفع الشاب رأسه وقال لي يا ابن خفيف عليك بصحبة من يذكرك الله رؤيته وتقع هيبته على قلبك يعظك بلسان فعله ولا يعظك بلسان قوله والسلام قم عنا فهذه درجة المراقبين الذين غلب على قلوبهم الإجلال والتعظيم فلم يبق فيهم متسع لغير ذلك الدرجة الثانية مراقبة الورعين من أصحاب اليمين وهم قوم غلب يقين اطلاع الله على ظاهرهم وباطنهم وعلى قلوبهم ولكن لم تدهشهم ملاحظة الجلال بل بقيت قلوبهم على حد الاعتدال متسعة للتلفت إلى الأحوال والأعمال إنها مع ممارسة الأعمال لا تخلو عن المراقبة نعم غلب عليهم الحياء من الله فلا يقدمون ولا يحجمون إلا بعد التثبت فيه ويمتنعون عن كل ما يفتضحون به في القيامة فإنهم يرون الله في الدنيا مطلعا عليهم فلا يحتاجون إلى انتظار القيامة وتعرف اختلاف الدرجتين بالمشاهدات فإنك في خلوتك قد تتعاطى أعمالا فيحضرك صبي أو امرأة فتعلم أنه مطلع عليك فتستحيى منه فتحسن جلوسك وتراعى أحوالك لا عن إجلال وتعظيم بل عن حياء فإن مشاهدته وإن كانت لا تدهشك ولا تستغرقك فإنها تهيج الحياء منك وقد يدخل عليك ملك من الملوك أو كبير من الأكابر فيستغرقك التعظيم حتى تترك كل ما أنت فيه شغلا به لا حياء منه فهكذا تختلف مراتب العباد في مراقبة الله تعالى ومن كان في هذه الدرجة فيحتاج أن يراقب جميع حركاته وسكناته وخطراته ولحظاته وبالجملة جميع اختياراته وله فيها نظران نظر قبل العمل ونظر في العمل أما قبل العمل فلينظر أن ما ظهر له وتحرك بفعله خاطره أهو لله خاصة أو هو في هوى النفس ومتابعة الشيطان فيتوقف فيه ويتثبت حتى ينكشف له ذلك بنور الحق فإن كان لله تعالى أمضاه وإن كان لغير الله استحيا من الله وانكف عنه ثم لام نفسه على رغبته فيه وهمه به وميله إليه وعرفها سوء فعلها وسعيها في فضيحتها وأنها عدوة نفسها إن لم يتداركها الله بعصمته وهذا التوقف في بداية الأمور إلى حد البيان واجب محتوم لا محيص لأحد عنه فإن في الخبر إنه ينشر للعبد في كل حركة من حركاته وإن صغرت ثلاثة دواوين الديوان الأول لم والثاني كيف والثالث لمن حديث ينشر للعبد في كل حركة من حركاته وان صغرت ثلاثة دواوين الأول لم والثاني كيف والثالث لمن لم أقف له على أصل ومعنى لم أي لم فعلت هذا أكان عليك أن تفعله لمولاك أو ملت إليه بشهوتك وهواك فإن سلم منه بأن كان عليه أن يعمل ذلك لمولاه سئل عن الديوان الثاني فقيل له كيف فعلت هذا فإن لله في كل عمل شرطا وحكما لا يدرك قدره ووقته وصفته إلا بعلم فيقال له كيف فعلت أبعلم محقق أم بجهل وظن فإن سلم من هذا نشر الديوان الثالث وهو المطالبة بالإخلاص فيقال له لمن عملت ألوجه الله خالصا وفاء بقولك لا إله إلا الله فيكون أجرك على الله أو لمراءاة خلق مثلك فخذ أجرك منه أم عملته لتنال عاجل دنياك فقد وفيناك نصيبك من الدنيا أم عملته بسهو وغفلة فقد سقط أجرك وحبط عملك وخاب سعيك وإن عملت لغيري فقد استوجبت مقتى وعقابي إذ كنت عبدا لي تأكل رزقي وتترفه بنعمتي ثم تعمل لغيري أما سمعتني أقول إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه ويحك أما سمعتني أقول ألا لله الدين الخالص فإذا عرف العبد أنه بصدد هذه المطالبات والتوبيخات طالب نفسه قبل أن تطالب وأعد للسؤال جوابا وليكن الجواب صوابا فلا يبدئ ولا يعيد إلا بعد التثبت ولايحرك جفنا ولا أنمله إلا بعد التأمل وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ إن الرجل ليسئل عن كحل عينيه وعن فته الطين بأصبعيه وعن لمسه ثوب أخيه حديث قال لمعاذ إن الرجل ليسأل عن كحل عينيه وقال الحسن كان أحدهم إذا أراد أن يتصدق بصدقة نظر وتثبت فإن كان لله أمضاه وقال الحسن رحم الله تعالى عبدا وقف عند همه فإن كان لله مضى وإن كان لغيره تأخر وقال في حديث سعد حين أوصاه سلمان اتق الله عند همك إذا هممت حديث سعد حين أوصاه سلمان أن اتق الله عند همك إذا هممت أخرجه أحمد والحاكم وصححه وهذا القدر منه موقوف وأوله مرفوع تقدم وقال محمد بن علي إن المؤمن وقاف متأن يقف عند همه ليس كحاطب ليل فهذا هو النظر الأول في هذه المراقبة ولا يخلص من هذا إلا العلم المتين والمعرفة الحقيقة بأسرار الأعمال وأغوار النفس ومكايد الشيطان فمتى لم يعرف نفسه وربه وعدوة إبليس ولم يعرف ما يوافق هواه ولم يميز بينه وبين ما يحبه الله ويرضاه في نيته وهمته وفكرته وسكونه وحركته فلا يسلم في هذه المراقبة بل الأكثرون يرتكبون الجهل فيما يكرهه الله تعالى وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ولا تظنن أن الجاهل بما يقدر على التعلم فيه يعذر هيهات بل طلب العلم فريضة على كل مسلم ولهذا كانت ركعتان من عالم أفضل من ألف ركعة من غير عالم لأنه يعلم آفات النفوس ومكايد الشيطان ومواضع الغرور فيتقى ذلك و الجاهل لا يعرفه فكيف يحترز منه فلا يزال الجاهل في تعب والشيطان منه في فرح وشماته فنعوذ بالله من الجهل والغفلة فهو رأس كل شقاوة وأساس كل خسران فحكم الله تعالى على كل عبد أن يراقب نفسه عند همه بالفعل وسعيه بالجارحة فيتوقف عن الهم وعن السعي حتى ينكشف له بنور العلم أنه لله تعالى فيمضيه أو هو لهوى النفس فيتقيه ويزجر القلب عن الفكر فيه وعن الهم به فإن الخطوة الأولى في الباطل إذا لم تدفع أورثت الرغبة والرغبة تورث الهم والهم يورث جزم القصد والقصد يورث الفعل والفعل يورث البوار والمقت فينبغى أن تحسم مادة الشر من منبعه الأول وهو الخاطر فإن جميع ما وراءه يتبعه ومهما أشكل على العبد ذلك وأظلمت الواقعة فلم ينكشف له فيتفكر في ذلك بنور العلم ويستعيذ بالله من مكر الشيطان بواسطة الهوى فإن عجز عن الاجتهاد والفكر بنفسه فيستضىء بنور علماء الدين وليفر من العلماء المضلين المقبلين على الدنيا فراره من الشيطان بل أشد فقد أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام لاتسأل عنى عالما أسكره حب الدنيا فيقطعك عن محبتي أولئك قطاع الطريق على عبادي فالقلوب المظلمة بحب الدنيا وشدة الشرة والتكآلب عليها محجوبة عن نور الله تعالى فإن مستضاء أنوار القلوب حضرة الربوبية فكيف يستضئ بها من أستدبرها وأقبل على عدوها وعشق بغيضها ومقيتها وهي شهوات الدنيا فلتكن همه المريد أولا في أحكام العلم أو في طلب عالم معرض عن الدنيا أو ضعيف الرغبة فيها إن لم يجد من هو عديم الرغبة فيها وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله يحب البصر الناقد عند ورود الشبهات والعقل الكامل عند هجوم الشهوات أخرجه أبو نعيم في الحلية من حديث عمران بن حصين وفيه حفص بن عمر العدنى ضعفه الجمهور جمع بين الأمرين وهما متلازمان حقا فمن ليس له عقل وازع عن الشهوات فليس له بصر ناقد في الشبهات ولذلك قال عليه السلام من قارف ذنبا فارقه عقل لا يعود إليه أبدا حديث من قارف ذنبا فارقه عقل لا يعود إليه أبدا تقدم ولم أجده فما قدر العقل الضعيف الذي سعد الآدمي به حتى يعمد إلى محوه ومحقه بمقارنة الذنوب ومعرفة آفات الأعمال قد اندرست في هذه الأعصار فإن الناس كلهم قد هجروا هذه العلوم واشتغلوا بالتوسط بين الخلق في الخصومات الثائرة في اتباع الشهوات وقالوا هذا هو الفقة وأخرجوا هذا العلم الذي هو فقه الدين عن جملة العلوم وتجردوا لفقه الدنيا الذى ما قصد به الا دفع الشواغل عن القلوب ليتفرغ لفقه الدين فكان فقه الدنيا من الدين بواسطة هذا الفقه وفي الخبر أنتم اليوم في زمان خيركم فيه المسارع وسيأتى عليكم زمان خيركم فيه المتثبت حديث أنتم اليوم في زمان خيركم فيه المسارع وسيأتي عليكم زمان خيركم فيه المتثبت لم أجده ولهذا توقف طائفة من الصحابة في القتال مع أهل العراق وأهل الشام لما أشكل عليهم الأمر كسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وأسامة ومحمد بن مسلمة وغيرهم فمن لم يتوقف عند الاشتباه كان متبعا لهواه معجبا برأيه وكان ممن وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال فإذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا وإعجاب كل ذى رأى برأيه فعليك بخاصة نفسك وكل من خاض في شبهه بغير تحقيق فقد خالف قوله تعالى ولا تقف ما ليس لك به علم حديث فإذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا الحديث تقدم وقوله عليه السلام إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث حديث إياكم والظن الحديث تقدم وأراد به ظنا بغير دليل كما يستفتى بعض العوام قلبه فيما أشكل عليه ويتبع ظنه ولصعوبة هذا الأمر وعظمة كان دعاء الصديق رضى الله تعالى عنه اللهم أرني الحق حقا وارزقنى اتباعه وأرني الباطل باطلا وارزقنى اجتنابه ولا تجعله متشابها على فأتبع الهوى وقال عيسى عليه السلام الأمور ثلاثة أمر استبان رشده فاتبعه وأمر استبان غيه فاجتنبه وأمر أشكل عليك فكله إلى عالمه حديث قال عيسى الأمور ثلاثة الحديث أخرجه الطبراني من حديث ابن عباس بإسناد ضعيف وقد كان من دعاء النبى صلى الله عليه وسلم اللهم إني أعوذ بك أن أقول في الدين بغير علم حديث اللهم إني أعوذ بك أن أقول في الدين بغير علم لم أجده فأعظم نعمة الله على عباده هو العلم وكشف الحق والإيمان عبارة عن نوع كشف وعلم ولذلك قال تعالى امتنانا على عبده وكان فضل الله عليك عظيما وأراد به العلم وقال تعالى فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون وقال تعالى إن علينا للهدى وقال ثم إن علينا بيانه وقال وعلى الله قصد السبيل وقال على كرم الله وجهه الهوى شريك العمى ومن التوفيق التوقف عند الحيرة ونعم طارد الهم اليقين وعاقبة الكذب الندم وفي الصدق السلامة رب بعيد أقرب من قريب وغريب من لم يكن له حبيب والصديق من صدق غيبه ولا يعدمك من حبيب سوء ظن نعم الخلق التكرم والحياء سبب إلى كل جميل وأوثق العرا التقوى واوثق سبب أخذت به سبب بينك وبين الله تعالى إنما لك من دنياك ما أصلحت به مثواك والرزق رزقان رزق تطلبه ورزق يطلبك فان لم تأته أتاك وإن كنت جازعا على ما أصيب مما في يديك فلا تجزع على ما لم يصل إليك واستدل على ما لم يكن بما كان فإنما الأمور أشباه والمرء يسره درك ما لم يكن ليفوته ويسوءه فوت ما لم يكن ليدركه فما نالك من دنياك فلا تكثرن به فرحا وما فاتك منها فلا تتبعه نفسك أسفا وليكن سرورك بما قدمت وأسفك على ما خلفت وشغلك لآخرتك وهمك فيما بعد الموت وغرضنا من نقل هذه الكلمات قوله ومن التوفيق التوقف عند الحيرة فإذن النظر الأول للمراقب نظره في الهم والحركة أهي لله أم للهوى وقد قال صلى الله عليه وسلم ثلاث من كن فيه استكمل إيمانه لا يخاف في الله لومة لائم ولا يرائى بشىء من عمله وإذا عرض له أمران أحدهما للدنيا والآخر للآخرة آثر الآخرة على الدنيا حديث ثلاث من كن فيه استكمل إيمانه لا يخاف في الله لومة لائم الحديث أخرجه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث أبى هريرة وقد تقدم وأكثر ما ينكشف له في حركاته أن يكون مباحا ولكن لا يعنيه فيتركه لقوله صلى الله عليه وسلم من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه حديث من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه تقدم النظر الثاني للمرقبة عند الشروع في العمل وذلك بتفقد كيفية العمل ليقضى حق الله فيه ويحسن النية في إتمامه ويكمل صورته ويتعاطاه على اكمل ما يمكنه وهذا ملازم له في جميع أحواله فإنه لا يخلو في جميع أحواله عن حركة وسكون فإذا راقب الله تعالى في جميع ذلك قدر على عبادة الله تعالى فيها بالنية وحسن الفعل ومراعاة الأدب فإن كان قاعدا مثلا فينبغى أن يقعد مستقبل القبلة لقوله صلى الله عليه وسلم خير المجالس ما استقبل به القبلة حديث خير المجالس ما استقبل به القبلة أخرجه الحاكم من حديث ابن عباس وقد تقدم ولا يجلس متربعا إذ لا يجالس الملوك كذلك وملك الملوك مطلع عليه قال إبراهيم بن أدهم رحمه الله جلست مرة متربعا فسمعت هاتفا يقول هكذا تجالس الملوك فلم أجلس بعد ذلك متربعا وإن كان ينام فينام على اليد اليمنى مستقبل القبلة مع سائر الآداب التي ذكرناها في موضعها فكل ذلك داخل في المراقبة بل لو كان في قضاء الحاجة فمراعاته لآدابها وفاء بالمراقبة فإذن لا يخلو العبد أما أن يكون في طاعة أو في معصية أو في مباح فمراقبته في الطاعة بالإخلاص والإكمال ومراعاة الأدب وحراستها عن الآفات وإن كان في معصية فمراقبته بالتوبة والندم والإقلاع والحياء والاشتغال بالتفكر وإن كان في مباح فمراقبته بمراعاة الأدب ثم بشهود المنعم في النعمة وبالشكر عليها ولا يخلو العبد في جملة أحواله عن بلية لا بد له من الصبر عليها ونعمة لا بد له من الشكر عليها وكل ذلك من المراقبة بل لا ينفك العبد في كل حال من فرض لله تعالى عليه أما فعل يلزمه مباشرته أو محظور يلزمه تركه أو ندب حث عليه ليسارع به إلى مغفرة الله تعالى ويسابق به عباد الله أو مباح فيه صلاح جسمه وقلبه وفيه عون له على طاعته ولكل واحد من ذلك حدود لابد من مراعاتها بدوام المراقبة ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه فينبغي أن يتفقد العبد نفسه في جميع أوقاته في هذه الأقسام الثلاثة فإذا كان فارغا من الفرائض وقدر على الفضائل فينبغي أن يلتمس أفضل الأعمال ليشتغل بها فإن من فاته مزيد ربح وهو قادر على دركه فهو مغبون والأرباح تنال بمزايا الفضائل فبذلك يأخذ العبد من دنياه لآخرته كما قال تعالى ولا تنس نصيبك من الدنيا وكل ذلك إنما يمكن بصبر ساعة واحدة فإن الساعات ثلاث ساعة مضت لا تعب فيها على العبد كيفما انقضت في مشقة أو رفاهية وساعة مستقبلة لم تأت بعد لا يدري العبد أيعيش إليها أم لا ولا يدرى ما يقضى الله فيها وساعة راهنة ينبغي أن يجاهد فيها نفسه ويراقب فيها ربه فإن لم تأته الساعة الثانية لم يتحسر على فوات هذه الساعة وإن أتته الساعة الثانية استوفى حقه منها كما استوفى من الاولى ولا يطول أمله خمسين سنة فيطول عليه العزم على المراقبة فيها بل يكون ابن وقته كأنه في آخر أنفاسه فلعله آخر أنفاسه وهو لا يدرى وإذا أمكن أن يكون آخر أنفاسه فينبغى أن يكون على وجه لا يكره أن يدركه الموت وهو على تلك الحالة وتكون جميع أحواله مقصورة على ما رواه أبو ذر رضى الله تعالى عنه من قوله عليه السلام لا يكون المؤمن ظاعنا إلا في ثلاث تزود لمعاد أو مرمة لمعاش أو لذة في غير محرم حديث أبى ذر لا يكون المؤمن ظاعنا إلا في ثلاث تزود لمعاد الحديث أخرجه أحمد وابن حبان والحاكم وصححه صلى الله عليه وسلم أنه قال انه في صحف موسى وقد تقدم وما روى عنه أيضا في معناه وعلى العاقل أن تكون له أربعة ساعات ساعة يناجى فيها ربه وساعة يحاسب فيها نفسه وساعة يتفكر فيها في صنع الله تعالى وساعة يخلو فيها للمطعم والمشرب حديث وعلى العاقل أن يكون له ثلاث ساعات ساعة يناجى بها ربه الحديث وهي بقية حديث أبى ذر الذى قبله فإن في هذه الساعة عونا له على بقية الساعات ثم هذه الساعات التي هو فيها مشغول الجوارح بالمطعم والمشرب لا ينبغى أن يخلو عن عمل هو أفضل الأعمال وهو الذكر والفكر فإن الطعام الذى يتناوله مثلا فيه من العجائب ما لو تفكر فيه وفطن له كان ذلك أفضل من كثير من أعمال الجوارح والناس فيه أقسام قسم ينظرون إليه بعين التبصر والاعتبار فينظرون في عجائب صنعته وكيفية ارتباط قوام الحيوانات به وكيفية تقدير الله لأسبابه وخلق الشهوات الباعثة عليه وخلق الآلات المسخرة للشهوة فيه كما فصلنا بعضه في كتاب الشكر وهذا مقام ذوى الألباب وقسم ينظرون فيه بعين المقت والكراهة ويلاحظون وجه الاضطرار إليه وبودهم لو استغنوا عنه ولكن يرون أنفسهم مقهورين فيه مسخرين لشهواته وهذا مقام الزاهدين وقوم يرون في الصنعة الصانع ويترقون منها إلى صفات الخالق فتكون مشاهدة ذلك سببا لتذكر أبواب من الفكر تنفتح عليهم بسببه وهو أعلى المقامات وهو من مقامات العارفين وعلامات المحبين إذ المحب إذا رأي صنعة حبيبه وكتابه وتصنيفه نسى الصنعة واشتغل قلبه بالصانع وكل ما يتردد العبد فيه صنع الله تعالى فله في النظر منه إلى الصانع مجال رحب إن فتحت له أبواب الملكوت وذلك عزيز جدا وقسم رابع ينظرون إليه بعين الرغبة والحرص فيتأسفون على ما فاتهم منه ويفرحون بما حضرهم من جملته ويذمون منه مالا يوافق هواهم ويعيبونه ويذمون فاعله فيذمون الطبيخ والطباخ ولا يعلمون أن الفاعل للطبيخ والطباخ ولقدرته ولعلمه هو الله تعالى وأن من ذم شيئا من خلق الله بغير إذن فقد ذم الله ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر حديث لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر أخرجه مسلم من حديث أبى هريرة فهذه المرابطة الثانية بمراقبة الأعمال على الدوام والاتصال وشرح ذلك يطول وفيما ذكرناه تنبيه على المنهاج لمن أحكم الأصول المرابطة الثالثة محاسبة النفس بعد العمل ولنذكر فضيلة المحاسبة ثم حقيقتها أما الفضيلة فقد قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد وهذه إشارة إلى المحاسبة على ما مضى من الأعمال ولذلك قال عمر رضى الله تعالى عنه حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا وفي الخبر انه عليه السلام جاءه رجل فقال يا رسول الله أوصنى فقال أمستوص أنت فقال نعم قال إذا هممت بأمر فتدبر عاقبته فإن كان رشدا فامضه وإن كان غيا فانته عنه وفي الخبر وينبغى للعاقل أن يكون له أربع ساعات ساعة يحاسب فيها نفسه وقال تعالى وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون والتوبة نظر في الفعل بعد الفراغ منه بالندم عليه وقد قال صلى الله عليه وسلم إنى لاستغفر الله تعالى وأتوب إليه في اليوم مائة مرة حديث اني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مره تقدم غير مرة وقال تعالى إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون وعن عمر رضى الله عنه انه كان يضرب قدميه بالدره إذا جنه الليل ويقول لنفسه ماذا عملت اليوم وعن ميمون ابن مهران انه قال لا يكون العبد من المتقين حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة شريكه والشريكان يتحاسبان بعد العمل وروى عن عائشة رضى الله تعالى عنها أن أبا بكر رضوان الله عليه قال لها عند الموت ما أحد من الناس أحب إلي من عمر ثم قال لها كيف قلت فأعادت عليه ما قال فقال لا أحد أعز على من عمر فانظر كيف نظر بعد الفراغ من الكلمة فتدبرها وأبدلها بكلمة غيرها وحديث أبى طلحة حين شغله الطائر في صلاته فتدبر ذلك فجعل حائطه صدقة لله تعالى ندما ورجاء للعوض مما فاته حديث ابى طلحة: حين شغله الطائر عن صلاته فجعل حديقته صدقه تقدم غير مرة وفي حديث ابن سلام أنه حمل حزمة من حطب فقيل له يا أبا يوسف قد كان في بنيك وغلمانك ما يكفونك هذا فقال أردت أن أجرب نفسي هل تنكره وقال الحسن المؤمن قوام على نفسه يحاسبها لله وإنما خف الحساب على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبه ثم فسر المحاسبة فقال إن المؤمن يفجؤه الشيء يعجبه فيقول والله إنك لتعجبني وإنك من حاجتي ولكن هيهات حيل بيني وبينك وهذا حساب قبل العمل ثم قال ويفرط منه الشيء فيرجع إلى نفسه فيقول ماذا أردت بهذا والله لا أعذر بهذا والله لا أعود لهذا أبدا إن شاء الله وقال أنس بن مالك سمعت عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه يوما وقد خرج وخرجت معه حتى دخل حائطا فسمعته يقول وبيني وبينه جدار وهو في الحائط عمر ابن الخطاب أمير المؤمنين بخ بخ والله لتتقين الله أو ليعذبنك وقال الحسن في قوله تعالى ولا أقسم بالنفس اللوامة قال لا يلقى المؤمن إلا يعاتب نفسه ماذا أردت بكلمتي ماذا أردت بأكلتي ماذا أردت بشربتي والفاجر يمضى قدما لا يعاتب نفسه وقال مالك بن دينار رحمه الله تعالى رحم الله عبدا قال لنفسه ألست صاحبة كذا ألست صاحبة كذا ثم ذمها ثم خطمها ثم ألزمها كتاب الله تعالى فكان له قائدا وهذا من معاتبة النفس كما سيأتي في موضعه وقال ميمون بن مهران التقى أشد محاسبة لنفسه من سلطان غاشم ومن شريك شحيح وقال إبراهيم التيمي مثلت نفسي في الجنة آكل من ثمارها وأشرب من أنهارها وأعانق أبكارها ثم مثلت نفسي في النار آكل من زقومها وأشرب من صديدها وأعالج سلاسلها وأغلالها فقلت لنفسي يا نفس أي شيء تريدين فقالت أريد أن أرد إلى الدنيا فأعمل صالحاقلت فأنت في الأمنية فاعملي وقال مالك بن دينار سمعت الحجاج يخطب وهو يقول رحم الله امرأ حاسب نفسه قبل أن يصير الحساب إلى غيره رحم الله امرأ أخذ بعنان عمله فنظر ماذا يريد به رحم الله امرأ نظر في مكياله رحم الله امرأ نظر في ميزانه فما زال يقول حتى أبكانى وحكى صاحب للأحنف ابن قيس قال كنت أصحبه فكان عامة صلاته بالليل الدعاء وكان يجئ إلى المصباح فيضع أصبعه فيه حتى يحس بالنار ثم يقول لنفسه ياحنيف ما حملك على ما صنعت يوم كذا ما حملك على ما صنعت يوم كذا.
بيان حقيقة المحاسبة بعد العمل
أعلم أن العبد كما يكون له وقت في أول النهار يشارط فيه نفسه على سبيل التوصية بالحق فينبغى أن يكون له في آخر النهار ساعة يطالب فيها النفس ويحاسبها على جميع حركاتها وسكناتها كما يفعل التجار في الدنيا مع الشركاء في آخر كل سنة أو شهر أو يوم حرصا منهم على الدنيا وخوفا من أن يفوتهم منها ما لو فاتهم لكانت الخيرة لهم في فواته ولو حصل ذلك لهم فلا يبقى إلا أياما قلائل فكيف لا يحاسب العاقل نفسه فيما يتعلق به خطر الشقاوة والسعادة أبد الآباد ما هذه المساهلة إلا عن الغفلة والخذلان وقلة التوفيق نعوذ بالله من ذلك ومعنى المحاسبة مع الشريك أن ينظر في رأس المال وفي الربح والخسران ليتبين له الزيادة من النقصان فإن كان من فضل حاصل استوفاه وشكره وإن كان من خسران طالبه بضمانه وكلفه تداركه في المستقبل فكذلك رأس مال العبد في دينه الفرائض وربحه النوافل والفضائل وخسرانه المعاصي وموسم هذه التجارة جملة النهار ومعامله نفسه الأمارة بالسوء فيحاسبها على الفرائض أولا فإن أداها على وجهها شكر الله تعالى عليه ورغبها في مثلها وإن فوتها من أصلها طالبها بالقضاء وإن أداها ناقصة كلفها الجبران بالنوافل وإن ارتكب معصية اشتغل بعقوبتها وتعذيبها ومعاتبتها ليستوفى منها ما يتدارك به ما فرط كما يصنع التاجر بشريكه وكما أنه يفتش في حساب الدنيا عن الحبة والقيراط فيحفظ مداخل الزيادة والنقصان حتى لا يغبن في شيء منها فينبغى أن يتقى غبينة النفس ومكرها فإنها خداعة ملبسة مكارة فليطالبها أولا بتصحيح الجواب عن جميع ماتكلم به طول نهاره وليتكفل بنفسه من الحساب ما سيتولاه غيره في صعيد القيامة وهكذا عن نظره بل عن خواطره وأفكاره وقيامه وقعوده وأكله وشربه ونومه حتى عن سكوته أنه لم سكت وعن سكونه لم سكن فإذا عرف مجموع الواجب على النفس وصح عنده قدر أدى الواجب فيه كان ذلك القدر محسوبا له فيظهر له الباقي على نفسه فليثبته عليها وليكتبه على صحيفة قلبه كما يكتب الباقي الذي على شريكه على قلبه وفي جريدة حسابه ثم النفس غريم يمكن أن يستوفى منه الديون أما بعضها فبالغرامة والضمان وبعضها برد عينه وبعضها بالعقوبة لها على ذلك ولا يمكن شيء من ذلك إلى بعد تحقيق الحساب وتمييز الباقي من الحق الواجب عليه فإذا حصل ذلك اشتغل بعده بالمطالبة والاستيفاء ثم ينبغي أن يحاسب النفس على جميع العمر يوما يوما وساعة ساعة في جميع الأعضاء الظاهرة والباطنة كما نقل عن توبه ابن الصمة وكان بالرقة وكان محاسبا لنفسه فحسب يوما فإذا هو ابن ستين سنة فحسب أيامها فإذا هي أحد وعشرون ألف يوم وخمسمائة يوم فصرخ وقال يا ويلتي ألقى الملك بأحد وعشرين ألف ذنب فكيف وفي كل يوم عشرة آلاف ذنب ثم خر مغشيا عليه فإذا هو ميت فسمعوا قائلا يقول يا لك ركضة إلى الفردوس الأعلى فهكذا ينبغى أن يحاسب نفسه على الأنفاس وعلى معصيته بالقلب والجوارح في كل ساعة ولو رمى العبد بكل معصية حجرا في داره لامتلأت داره في مدة يسيرة قريبة من عمره ولكنه يتساهل في حفظ المعاصى والملكان يحفظان عليه ذلك أحصاه الله ونسوه المرابطة الرابعة في معاقبة النفس على تقصيرها مهما حاسب نفسه فلم تسلم عن مقارفه معصية وارتكاب تقصير في حق الله تعالى فلا ينبغى أن يهملها فإنه أن أهملها سهل عليه مقارفة المعاصي وأنست بها نفسه وعسر عليه فطامها وكان ذلك بسبب هلاكها بل ينبغي أن يعاقبها فإذا أكل لقمة شبهة بشهوة نفس ينبغى أن يعاقب البطن بالجوع وإذا نظر إلى غير محرم ينبغي أن يعاقب العين بمنع النظر وكذلك يعاقب كل طرف من أطراف بدنه بمنعه عن شهواته هكذا كانت عادة سالكي طريق الآخرة فقد روى عن منصور بن إبراهيم أن رجلا من العباد كلم امرأة فلم يزل حتى وضع يده على فخذها ثم ندم فوضع يده على النار حتى يبست وروى أنه كان في بني إسرائيل رجل يتعبد في صومعته فمكث كذلك زمانا طويلا فأشرف ذات يوم فإذا هو بامرأة فافتتن بها وهم بها فأخرج رجله لينزل إليها فأدركه الله بسابقه فقال ما هذا الذي أريد أن أصنع فرجعت إليه نفسه وعصمه الله تعالى فندم فلما أراد أن يعيد رجله إلى الصومعة قال هيهات هيهات رجل خرجت تريد أن تعصى الله تعود في صومعتي لا يكون والله له ذلك أبدا فتركها معلقة في الصومعة تصيبها الأمطار والرياح والثلج والشمس حتى تقطعت فسقطت فشكر الله له ذلك وأنزل في بعض كتبه ذكره ويحكى عن الجنيد قال سمعت ابن الكريبي يقول أصابتني ليلة جنابة فاحتجت أن أغتسل وكانت ليلة باردة فوجدت في نفسي تأخرا وتقصيرا فحدثتني نفسي بالتأخير حتى أصبح وأسخن الماء أو أدخل الحمام ولا أعنى على نفسي فقلت واعجبا أنا أعامل الله في طول عمري فيجب له على حق فلا أجد في المسارعة وأجد الوقوف والتأخر آليت أن لا أغتسل إلا في مرقعتي هذه وآليت أن لا أنزعها ولا أعصرها ولا أجففها في الشمس ويحكى أن غزوان وأبا موسى كانا في بعض مغازيهما فتكشفت جارية فنظر إليها غزوان فرفع يده فلطم عينه حتى بقرت وقال إنك للحاظة إلى ما يضرك ونظر بعضهم نظرة واحدة امرأة فجعل على نفسه أن لا يشرب الماء البارد طول حياته فكان يشرب الماء الحار لينغص على نفسه العيش ويحكى أن حسان بن أبي سنان مر بغرفة فقال متى بنيت هذه ثم أقبل على نفسه فقال تسألين عما لا يعنيك لأعاقبنك بصوم سنة فصامها وقال مالك بن ضيغم جاء رباح القيسي يسأل عن أبي بعد العصر فقلنا إنه نائم فقال أنوم هذه الساعة هذا وقت نوم ثم ولى منصرفا فأتبعناه رسولا وقلنا له ألا نوقظه لك فجاء الرسول وقال هو أشغل من أن يفهم عني شيئا أدركته وهو يدخل المقابر وهو يعاتب نفسه ويقول أقلت وقت نوم هذه الساعة أفكان هذا عليك ينام الرجل متى شاء وما يدريك أن هذا ليس وقت نوم تتكلمين بما لا تعلمين أما إن لله على عهدا لا أنقضه أبدا لا أوسدك الأرض لنوم حولا إلا لمرض حائل أو لعقل زائل سوأة لك أما تستحين كم توبخين وعن غيك لا تنتهين قال وجعل يبكى وهو لا يشعر بمكاني فلما رأيت ذلك انصرفت وتركته ويحكى عن تميم الداري أنه نام ليلة لم يقم فيها يتهجد فقام سنة لم ينم فيها عقوبة للذي صنع وعن طلحة رضى الله تعالى عنه قال انطلق رجل ذات يوم فنزع ثيابه وتمرغ في الرمضاء فكان يقول لنفسه ذوقى ونار جهنم أشد حرا أجيفة بالليل بطالة بالنهار فبينما هو كذلك إذ أبصر النبي صلى الله عليه وسلم في ظل شجرة فأتاه فقال غلبتني نفسي فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ألم يكن لك بد من الذي صنعت أما لقد فتحت لك أبواب السماء ولقد باهى الله بك الملائكة ثم قال لأصحابه تزودوا من أخيكم فجعل الرجل يقول له يا فلان أدع لي يا فلان ادع لى فقال النبي صلى الله عليه وسلم عمهم فقال اللهم أجعل التقوى زادهم واجمع على الهدى أمرهم فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول اللهم سدده فقال الرجل اللهم أجعل الجنة مآبهم حديث طلحة: انطلق رجل ذات يوم فنزع ثيابه وتمرغ في الرمضاء وكان يقول لنفسه: ونار جهنم أشد حراالحديث بطوله أخرجه ابن أبي الدنيا في محاسبة النفس من رواية ليث بن أبي سليم عنه وهذا منقطع أو مرسل ولا أدري من طلحة هذا وقال حذيفة بن قتاده قيل لرجل كيف تصنع بنفسك في شهواتها فقال ما على وجه الأرض نفس أبغض إلى منها فكيف أعطيها شهواتها ودخل ابن السماك على داود الطائي حين مات وهو في بيته على التراب فقال: يا داود سجنت نفسك قبل أن تسجن وعذبت نفسك قبل أن تعذب فاليوم ترى ثواب من كنت تعمل له وعن وهب بن منبه: أن رجلا تعبد زمانا ثم بدت له إلى الله تعالى حاجة فقام سبعين سبتا يأكل في كل سبت إحدى عشرة تمرة ثم سأل حاجته فلم يعطها فرجع إلى نفسه وقال منك أتيت لو كان فيك خير لأعطيت حاجتك فنزل إليه ملك وقال يا ابن آدم ساعتك هذه خير من عبادتك التي مضت وقد قضى الله حاجتك وقال عبد الله بن قيس كنا في غزاة لنا فحضر العدو فصيح في الناس فقاموا إلى المصاف في يوم شديد الريح وإذا رجل أمامي وهو يخاطب نفسه ويقول أي نفسي ألم أشهد مشهد كذا فقلت لي أهلك وعيالك فأطعتك ورجعت ألم أشهد مشهد كذا وكذا فقلت لي أهلك وعيالك فأطعتك ورجعت والله لأعرضنك اليوم على الله أخذك أو تركك فقلت لأرمقنه اليوم فرمقته فحمل الناس على عدوهم فكان في أوائلهم ثم أن العدو حمل على الناس فانكشفوا فكان في موضعه حتى انكشفوا مرات وهو ثابت يقاتل فوالله ما زال ذاك دأبه حتى رأيته صريعا فعددت به وبدابته ستين أو أكثر من ستين طعنة وقد ذكرنا حديث أبى طلحة لما اشتغل قلبه في الصلاة بطائر في حائطه فتصدق بالحائط كفارة لذلك وإن عمر كان يضرب قدميه بالدره كل ليلة ويقول ماذا عملت اليوم وعن مجمع أنه رفع رأسه إلى السطح فوقع بصره على امرأة فجعل على نفسه أن لا يرفع رأسه إلى السماء ما دام في الدنيا وكان الأحنف بن قيس لا يفارقه المصباح بالليل فكان يضع أصبعه عليه ويقول لنفسه ما حملك على أن صنعت يوم كذا كذا وأنكر وهيب بن الورد شيئا على نفسه فنتف شعرات على صدره حتى عظم ألمه ثم جعل يقول لنفسه ويحك إنما أريد بك الخير ورأى محمد بن بشر داود الطائى وهو يأكل عند إفطاره خبزا بغير ملح فقال له لو اكلته بملح فقال أن نفسى لتدعوني الى الملح منذ سنة ولا ذاق دواد ملحا ما دام في الدنيا فكذا كانت عقوبة أولى الحزم لأنفسهم والعجب انك تعاقب عبدك وأمتك واهلك وولدك على ما يصدر منهم من سوء خلق وتقصير في أمر وتخاف انك لو تجاوزت عنهم لخرج أمرهم عن الاختيار وبغوا عليك ثم تهمل نفسك وهى أعظم عدو لك واشد طغيانا عليك وضررك من طغيانها أعظم من ضررك من طغيان أهلك فان غايتهم أن يشوشوا عليك معيشة الدنيا ولو عقلت لعلمت ان العيش عيش الآخرة وان فيه النعيم المقيم الذى لا آخر له ونفسك هى التي تنغص عليك عيش الآخرى فهى بالمعاقبة أولى من غيرها المرابطة الخامسة: المجاهدة وهو انه إذا حاسب نفسه فرآها قد قارفت معصية فينبغى ان يعاقبها بالعقوبات التي مضت وان رآها تتوانى بحكم الكسل في شىء من الفضائل أو ورد من الأوراد فينبغى أن يؤدبها بتثقيل الأوراد عليها ويلزمها فنونا من الوظائف جبرا لما فات منه وتداركالما فرط فهكذا كان يعمل عمال الله تعالى فقد عاقب عمر بن الخطاب نفسه حين فاتته صلاة العصر في جماعة بأن تصدق بأرض كانت له قيمتها مائتا ألف درهم وكان ابن عمر اذا فاتته صلاة في جماعة أحيا تلك الليلة وأخر ليلة صلاة المغرب حتى طلع كوكبان فأعتق رقبتين وفات ابن أبى ربيعة ركعتا الفجر فاعتق رقبة وكان بعضهم يجعل على نفسه صوم سنة أو الحج ما شيا أو التصدق بجميع ماله كل ذلك مرابطه للنفس ومؤاخذة لها بما فيه نجاتها فإن قلت إن كانت نفسى لا تطاوعنى على المجاهدة والمواظبة على الأوراد فما سبيل معالجتها فأقول سبيلك في ذلك ان تسمعها ما ورد في الأخبار من فضل المجتهدين الأخبار الواردة في حق المجتهدين أخرجها أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين ومن قام بمائة آية كتب من القانتين ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين وله وللنسائي وابن ماجه من حديث أبى هريرة بإسناد صحيح رحم الله رجلا قام من الليل فصلى وايقظ امرأته وللترمذى من حديث بلال عليكم بقيام الليل فانه دأب الصالحين قبلكم الحديث وقال غريب ولا يصح وقد تقدم في الأوراد مع غيره من الأخبار في ذلك ومن أنفع أسباب العلاج أن تطلب صحبة عبد من عباد الله مجتهد في العبادة فتلاحظ أقواله وتقتدى به وكان بعضهم يقول كنت إذا اعترتنى فترة في العبادة نظرت إلى أحوال محمد بن واسع والى اجتهاده فعملت على ذلك أسبوعا إلا أن هذا العلاج قد تعذر اذ قد فقد في هذا الزمان من يجتهد في العبادة اجتهاد الاولين فينبغى ان يعدل من المشاهدة الى السماع فلا شىء انفع من سماع أحوالهم ومطالعة اخبارهم وما كانوا فيه من الجهد الجهيد وقد انقضى تعبهم وبقى ثوابهم ونعيمهم ابد الاباد لا ينقطع فما اعظم ملكهم وما أشد حسرة من لا يقتدى بهم فيمتع نفسه أياما قلائل بشهوات مكدرة ثم يأتيه الموت ويحال بينه وبين كل ما يشتهيه أبد الآباد نعوذ بالله تعالى من ذلك ونحن نورد من اوصاف المجتهدين وفضائلهم ما يحرك رغبة المريد في الاجتهاد اقتداء بهم فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رحم الله اقواما يحسبهم الناس مرضى وما هم بمرضى حديث رحم الله أقواما تحسبهم مرضى وما بمرضى لم أجد له أصلا في حديث مرفوع لا لكن رواه أحمد في الزهد موقوفا على في كلام له قال فيه ينظر اليهم الناظر فيقول مرضى وما بالقوم من مرض قال الحسن أجهدتهم العبادة قال الله تعالى والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة قال الحسن يعملون ما عملوا من أعمال البر ويخافون أن لا ينجيهم ذلك من عذاب الله وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم طوبي لمن طال عمره وحسن عمله حديث طوبي لمن طال عمره وحسن عمله أخرجه الطبراني من حديث عبد الله بن بشر وفيه بقية رواه بصيغة عن وهو مدلس وللترمذى من حديث أبى بكرة خير الناس من طال عمره وحسن عمله وقال حسن صحيح وقد تقدم ويروى ان الله تعالى يقول لملائكته ما بال عبادي مجتهدين فيقولون الهنا خوفتهم شيئا فخافوه وشوقتهم الى شىء فاشتاقوا إليه فيقول الله تبارك وتعالى فكيف لو رآنى عبادى لكانوا اشد اجتهادا وقال الحسن أدركت أقواما وصحبت طوائف منهم ما كانوا يفرحون بشىء من الدنيا أقبل ولا يتأسفون على شىء منها أدبر ولهى كانت أهون في أعينهم من هذا التراب الذى تطئونه بارجلكم أن كان احدهم ليعيش عمره كله ما طوى له ثوب ولا أمر أهله بصنعة طعام قط ولا جعل بينه وبين الأرض شيئا قط وأدركتهم عاملين بكتاب ربهم وسنة نبيهم إذا جنهم الليل فقيام على أطرافهم يفترشون وجوههم تجرى دموعهم على خدودهم يناجون ربهم في فكاك رقابهم إذا عملوا الحسنة فرحوا بها ودأبوا في شكرها وسألوا الله ان يتقبلها وإذا عملوا السيئة أحزنتهم وسألوا الله تعالى أن يغفرها لهم والله ما زالوا كذلك وعلى ذلك ووالله ما سلموا من الذنوب ولا نجوا الا بالمغفرة ويحكى أن قوما دخلوا على عمر بن عبد العزيز يعودونه في مرضه واذا فيهم شاب ناحل الجسم فقال عمر له يا فتى ما الذى بلغ بك ما أرى فقال يا أمير المؤمنين اسقام وأمراض فقال سألتك بالله الا صدقتنى فقال يا أمير المؤمنين ذقت حلاوة الدنيا فوجدتها مرة وصغر عندى زهرتها وحلاوتها واستوى عند ذهبها وحجرها وكأنى أنظر إلى عرش ربى والناس يساقون إلى الجنة والنار فأظمأت لذلك نهارى وأسهرت ليلى وقليل حقير كل ما إنا فيه في جنب ثواب الله وعقابه وقال أبو نعيم كان داود الطائى يشرب الفتيت ولا يأكل الخبز فقيل له في ذلك فقال بين مضغ الخبز وشرب الفتيت قراءة خمسين آية ودخل رجل عليه يوما فقال ان في سقف بيتك جذعا مكسورا فقال يا ابن أخى ان لى في البيت منذ عشرين سنة ما نظرت الى السقف وكانوا يكرهون فضول النظر كما يكرهون فضول الكلام وقال محمد بن عبد العزيز جلسنا إلى أحمد بن رزين من غدوة إلى العصر فما التفت يمنه ولا يسرة فقيل له في ذلك فقال ان الله عز وجل خلق العينين لينظر بهما العبد الى عظمة الله تعالى فكل من نظر بغير اعتبار كتبت عليه خطيئة وقالت امرأة مسروق ما كان يوجد مسروق إلا وساقاه منتفختان من طول الصلاة وقالت والله ان كنت لاجلس خلفه فابكى رحمة له وقال أبو الدرداء لولا ثلاث ما أحببت العيش يوما واحدا الظمأ لله بالهواجر والسجود لله في جوف الليل ومجالسة أقوام ينتقون أطايب الكلام كما ينتقى أطايب الثمر وكان الأسود بن يزيد يجتهد في العبادة ويصوم فى الحر حتى يخضر جسده ويصفر فكان علقمة بن قيس يقول له لم تعذب نفسك فيقول كرامتها أريد وكان يصوم حتى يخضر جسده ويصلى حتى يسقط فدخل عليه أنس بن مالك والحسن فقالا له إن الله عز وجل لم يأمرك بكل هذا فقال إنما أنا عبد مملوك لا أدع من الاستكانة شيئا الا جئت به وكان بعض المجتهدين يصلى كل يوم الف ركعة حتى أقعد من رجليه فكان يصلى جالسا ألف ركعة فإذا صلى العصر احتبى ثم قال عجبت للخليقة كيف أرادت بك بدلا منك عجبت للخليقة كيف أنست بسواك بل عجبت للخليقة كيف استنارت قلوبها بذكر سواك وكان ثابت البنانى قد حببت إليه الصلاة فكان يقول اللهم ان كنت أذنت لأحد أن يصلى لك في قبره فائذن لي أن أصلى في قبرى وقال الجنيد ما رأيت أعبد من السرى اتت عليه ثمان وتسعون سنة ما رؤى مضطجعا إلا في علة الموت وقال الحارث بن سعد مر قوم براهب فرأوا ما يصنع بنفسه من شدة اجتهاده فكلموه في ذلك فقال وما هذا عند ما يراد بالخلق من ملاقاة الأهوال وهم غافلون قد اعتكفوا على حظوظ أنفسهم ونسوا حظهم الأكبر من ربهم فبكى القوم عن آخرهم وعن أبى محمد المغازلى قال جاور أبو محمد الجريرى بمكة سنة فلم ينم ولم يتكلم ولم يستند إلى عمود ولا الى حائط ولم يمد رجليه فعبر عليه أبو بكر الكتانى فسلم عليه وقال له يا أبا محمد بم قدرت علىاعتكافك هذا فقال علم صدق باطنى فأعاننى على ظاهرى فاطرق الكتاني ومشى مفكرا وعن بعضهم قال دخلت على فتح الموصلى فرأيته قد مد كفيه
يبكى حتى رأيت الدموع تنحدر من بين أصابعه فدنوت منه فإذا دموعه قد خالطها صفرة فقلت ولم بالله يا فتح بكيت الدم فقال لولا أنك أحلفتنى بالله ما أخبرتك نعم بكيت دما فقلت له على ماذا بكيت الدموع فقال على تخلفى عن واجب حق الله تعالى وبكيت الدم على الدموع لئلا يكون ما صحت لى الدموع قال فرأيته بعد موته في المنام فقلت ما صنع الله بك قال غفر لى فقلت له فماذا صنع في دموعك فقال قربنى ربى عز وجل وقال لى يا فتح الدمع على ماذا قلت يارب على تخلفى عن واجب حقك فقال والدم على ماذا فقلت على دموعى أن لا تصح لى فقال لى يا فتح ما أردت بهذا كله وعزتى وجلالى لقد صعد حافظاك أربعين سنة بصحيفتك ما فيها خطيئة وقيل إن قوما أرادوا سفرا فحادوا عن الطريق فانتهوا إلى راهب منفرد عن الناس فنادوه فأشرف عليهم من صومعته فقالوا يا راهب إنا قد أخطأنا الطريق فكيف الطريق فأومأ برأسه إلى السماء فعلم القوم ما أراد فقالوا يا راهب إنا سائلوك فهل أنت مجيبنا فقال سلوا ولا تكثروا فإن النهار لن يرجع والعمر لا يعود والطالب حثيث فعجب القوم من كلامه فقالوا يا راهب علام الخلق غدا عند مليكهم فقال على نياتهم فقالوا أوصنا فقال تزودوا على قدر سفركم فإن خير الزاد ما بلغ البغية ثم أرشدهم إلى الطريق وأدخل رأسه في صومعته وقال عبد الواحد بن زيد مررت بصومعة راهب من رهبان الصين فناديته يا راهب فلم يجبنى فناديته الثانية فلم يجبنى فناديته الثالثة فأشرف على وقال يا هذا ما أنا براهب إنما الراهب من رهب الله في سمائه وعظمه في كبريائه وصبر على بلائه ورضى بقضائه وحمده على آلائه وشكره على نعمائه وتواضع لعظمته وذل لعزته واستسلم لقدرته وخضع لمهابته وفكر في حسابه وعقابه فنهاره صائم وليله قائم قد أسهره ذكر النار ومسألة الجبار فذلك هو الراهب وأما أنا فكلب عقور حسبت نفسى فى هذه الصومعة عن الناس لئلا أعقرهم فقلت يا راهب فما الذى قطع الخلق عن الله تعالى بعد أن عرفوه فقال يا أخى لم يقطع الخلق عن الله تعالى إلا حب الدنيا وزينتها لأنها محل المعاصى والذنوب والعاقل من رمى بها عن قلبه وتاب إلى الله تعالى من ذنبه وأقبل على ما يقربه من ربه وقيل لداود الطائى لو سرحت لحيتك فقال إنى إذن لفارغ وكان أويس القرنى يقول هذه ليلة الركوع فيحيى الليل كله في ركعة وإذا كانت الليلة الآتية قال هذه ليلة السجود فيحيى الليل كله في سجدة وقيل لما تاب عتبة الغلام كان لا يتهنأ بالطعام والشراب فقالت له أمه لو رفقت بنفسك قال الرفق أطلب دعينى أتعب قليلا وأتنعم طويلا وحج مسروق فما نام قط إلا ساجدا وكان سفيان الثورى يقول عند الصباح يحمد القوم السرى وعند الممات يحمد القوم التقى وقال عبد الله بن داود كان أحدهم إذا بلغ أربعين سنة طوى فراشه أى كان لا ينام طول الليل وكان كهمس بن الحسن يصلى كل يوم ألف ركعة ثم يقول لنفسه قومى يا مأوى كل شر فلما ضعف اقتصر على خمسمائة ثم كان يبكى ويقول ذهب نصف عملى وكانت ابنة الربيع بن خثيم تقول له يا أبت مالى أرى الناس ينامون وأنت لا تنام فيقول يا ابنتاه إن أباك يخاف البيات ولما رأت أم الربيع ما يلقى الربيع من البكاء والسهر نادته يا بنى لعلك قتلت قتيلا قال نعم يا أماه قالت فمن هو حتى نطلب أهله فيعفو عنك فوالله لو يعلمون ما أنت فيه لرحموك وعفوا عنك فيقول يا أماه هى نفسى وعن عمر ابن أخت بشر بن الحارث قال سمعت خالى بشر بن الحارث يقول لأمى يا أختى جوفي وخواصرى تضرب على فقالت له أمى يا أخى أتأذن لى حتى أصلح لك قليل حساء بكف دقيق عندى تتحساه يرم جوفك فقال لها ويحك أخاف أن يقول أين لك هذا الدقيق فلا أدرى إيش أقول له فبكت أمى وبكى معهما وبكيت معهم قال عمر ورأت أمى ما ببشر من شدة الجوع وجعل يتنفس نفسا ضعيفا فقالت له أمى يا أخى ليت أمك لم تلدنى فقد والله تقطعت كبدى مما أرى بك فسمعته يقول لها وأنا فليت أمى لم تلدنى وإذ ولدتنى لم يدر ثديها على قال عمر وكانت أمى تبكى عليه الليل والنهار وقال الربيع أتيت أويسا فوجدته جالسا حتى صلى الفجر ثم جلس فجلست فقلت لا أشغله عن التسبيح فمكث مكانه حتى صلى الظهر ثم قام إلى الصلاة حتى صلى العصر ثم جلس موضعه حتى صلى المغرب ثم ثبت مكانه حتى صلى العشاء ثم ثبت مكانه حتى صلى الصبح ثم جلس فغلبته عيناه فقال اللهم إنى أعوذ بك من عين نوامة ومن بطن لا تشبع فقلت حسبى هذا منه ثم رجعت ونظر رجل إلى أويس فقال يا أبا عبد الله ما لى أراك كأنك مريض فقال وما لأويس أن لا يكون مريضا يطعم المريض وأويس غير طاعم وينام المريض وأويس غير نائم وقال أحمد بن حرب يا عجبا لمن يعرف أن الجنة تزين فوقه وأن النار تسعر تحته كيف ينام بينهما وقال رجل من النساك أتيت إبراهيم ابن أدهم فوجدته قد صلى العشاء فقعدت أرقبه فلف نفسه بعباءة ثم رمى بنفسه فلم ينقلب من جنب إلى جنب الليل كله حتى طلع الفجر وأذن المؤذن فوثب إلى الصلاة ولم يحدث وضوءا فحاك ذلك في صدرى فقلت له رحمك الله قد نمت الليل كله مضطجعا ثم لم تجدد الوضوء فقال كنت الليل كله جائلا في رياض الجنة أحيانا وفي أودية النار أحيانا فهل في ذلك نوم وقال ثابت البنانى أدركت رجالا كان أحدهم يصلى فيعجز عن أن يأتى فراشه إلا حبوا وقيل مكث أبو بكر بن عياش أربعين سنة لا يضع جنبه على فراش ونزل الماء في إحدى عينيه فمكث عشرين سنة لا يعلم به أهله وقيل كان ورد سمنون في كل يوم خمسمائة ركعة وعن أبى بكر المطوعى قال كان وردى في شبيبتى كل يوم وليلة أقرأ فيه قل هو الله أحد إحدى وثلاثين ألف مرة أو أربعين ألف مرة شك الراوى وكان منصور بن المعتمر إذا رأيته قلت رجل أصيب بمصيبة منكسر الطرف منخفض الصوت رطب العينين إن حركته جاءت عيناه بأربع ولقد قالت له أمه ما هذا الذى تصنع بنفسك تبكى الليل عامته لا تسكت لعلك يا بنى أصبت نفسا لعلك قتلت قتيلا فيقول يا أمه أنا أعلم بما صنعت بنفسى وقيل لعامر ابن عبد الله كيف صبرك على سهر الليل وظمأ الهواجر فقال هل هو إلا أنى صرفت طعام النهار إلى الليل ونوم الليل إلى النهار وليس في ذلك خطير أمر وكان يقول ما رأيت مثل الجنة نام طالبها ولا مثل النار نام هاربها وكان إذا جاء الليل قال أذهب حر النار النوم فما ينام حتى يصبح فإذا جاء النهار قال أذهب حر النار النوم فما ينام حتى يمسى فإذا جاء الليل قال من خاف أدلج وعند الصباح يحمد القوم السرى وقال بعضهم صحبت عامر بن عبد القيس أربعة أشهر فما رأيته نام بليل ولا نهار ويروى عن رجل من أصحاب على بن أبى طالب رضى الله تعالى عنه أنه قال صليت خلف على رضى الله تعالى عنه الفجر فلما سلم انفتل عن يمينه وعليه كآبة فمكث حتى طلعت الشمس ثم قلب يده وقال والله لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وما أرى اليوم شيئا يشبههم كانوا يصبحون شعثا غبرا صفرا قد باتوا لله سجدا وقياما يتلون كتاب الله يراوحون بين أقدامهم وجباههم وكانوا إذا ذكروا الله مادوا كما يميد الشجر في يوم الريح وهملت أعينهم حتى تبل ثيابهم وكأن القوم باتوا غافلين يعنى من كان حوله وكان أبو مسلم الخولانى قد علق سوطا في مسجد بيته يخوف به نفسه وكان يقول لنفسه قومى فوالله لأزحفن بك زحفا حتى يكون الكلل منك لا منى فإذا دخلت الفترة تناول سوطه وضرب به ساقه ويقول أنت أولى بالضرب من دابتى وكان يقول أيظن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن يستأثروا به دوننا كلا والله لنزاحمهم عليه زحاما حتى يعلموا أنهم قد خلفوا وراءهم رجالا وكان صفوان بن سليم قد تعقدت ساقاه من طول القيام وبلغ من الاجتهاد ما لو قيل له القيامة غدا ما وجد متزايدا وكان إذا جاء الشتاء اضطجع على السطح ليضر به البرد وإذا كان في الصيف اضطجع داخل البيوت ليجد الحر فلا ينام وانه مات وهو ساجد وانه كان يقول اللهم إني أحب لقاءك فأحب لقائي وقال القاسم بن محمد غدوت يوما وكنت إذا غدوت بدأت بعائشة رضي الله عنها أسلم عليها فغدوت يوما إليها فإذا هى تصلى صلاة الضحى وهى تقرأ فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم وتبكى وتدعو وتردد الآية فقمت حتى مللت وهى كما هى فلما رأيت ذلك ذهبت إلى السوق فقلت أفرغ من حاجتى ثم أرجع ففرغت من حاجتى ثم رجعت وهى كما هى تردد الآية وتبكى وتدعو وقال محمد بن إسحاق لما ورد علينا عبد الرحمن ابن الأسود حاجا اعتلت إحدى قدميه فقام يصلى على قدم واحدة حتى صلى الصبح بوضوء العشاء وقال بعضهم ما أخاف من الموت إلا من حيث يحول بينى وبين قيام الليل وقال على بن أبى طالب كرم الله وجهه سيما الصالحين صفرة الألوان من السهر وعمش العيون من البكاء وذبول الشفاه من الصوم عليهم غبرة الخاشعين وقيل للحسن ما بال المتهجدين أحسن الناس وجوها فقال لأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم نورا من نوره وكان عامر بن عبد القيس يقول إلهى خلقتنى ولم تؤامرنى وتميتنى ولا تعلمنى وخلقت معى عدوا وجعلته يجرى منى مجرى الدم وجعلته يرانى ولا أراه ثم قلت لى استمسك إلهى كيف أستمسك إن لم تمسكنى إلهى في الدنيا الهموم والأحزان وفي الآخرة العقاب والحساب فأين الراحة والفرح وقال جعفر بن محمد كان عتبة الغلام يقطع الليل بثلاث صيحات كان إذا صلى العتمة وضع رأسه بين ركبتيه يتفكر فإذا مضى ثلث الليل صاح صيحة ثم وضع رأسه بين ركبتيه يتفكر فإذا مضى الثلث الثانى صاح صيحة ثم وضع رأسه بين ركبتيه يتفكر فإذا كان السحر صاح صيحة قال جعفر بن محمد فحدثت به بعض البصريين فقال لا تنظر إلى صياحه ولكن انظر إلى ما كان فيه بين الصيحتين حتى صاح وعن القاسم بن راشد الشيبانى قال كان زمعة نازلا عندنا بالمحصب وكان له أهل وبنات وكان يقوم فيصلى ليلا طويلا فإذا كان السحر نادى بأعلى صوته أيها الركب المعرسون أكل هذا الليل ترقدون أفلا تقومون فترحلون فيتواثبون فيسمع من ههنا باك ومن ههنا داع من ههنا قارئ ومن ههنا متوضئ فإذا طلع الفجر نادى بأعلى صوته عند الصباح يحمد القوم السرى وقال بعض الحكماء إن لله عبادا أنعم عليهم فعرفوه وشرح صدورهم فأطاعوه وتوكلوا عليه فسلموا الخلق والأمر إليه فصارت قلوبهم معادن لصفاء اليقين وبيوتا للحكمة وتوابيت للعظمة وخزائن للقدرة فهم بين الخلق مقبلون ومدبرون وقلوبهم تجول في الملكوت وتلوذ بمحجوب الغيوم ثم ترجع ومعها طوائف من لطائف الفوائد وما لا يمكن واصفا أن يصفه فهم في باطن أمورهم كالديباج حسنا وهم الظاهر مناديل مبذولون لمن أرادهم تواضعا وهذه طريقة لا يبلغ إليها بالتكلف وإنما هو فضل الله يؤتيه من يشاء وقال بعض الصالحين بينما أنا أسير في بعض جبال بيت المقدس إذ هبطت إلى واد هناك فإذا أنا بصوت قد علا وإذا تلك الجبال تجيبه لها دوى عال فاتبعت الصوت فإذا أنا بروضة عليها شجر ملتف وإذا أنا برجل قائم فيها يردد هذه الآية يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا إلى قوله ويحذركم الله نفسه قال فجلست خلفه أسمع كلامه وهو يردد هذه الآية إذ صاح صيحة خر مغشيا عليه فقلت وا أسفاه هذا لشقائى ثم انتظرت إفاقته فأفاق بعد ساعة فسمعته وهو يقول أعوذ بك من مقام الكذابين أعوذ بك من أعمال البطالين أعوذ بك من إعراض الغافلين ثم قال لك خشعت قلوب الخائفين وإليك فزعت آمال المقصرين ولعظمتك ذلت قلوب العارفين ثم نفض يده فقال مالى وللدنيا وما للدنيا وما لى عليك يا دنيا بأبناء جنسك وألاف نعيمك إلى محبيك فاذهبى وإياهم فاخدعى ثم قال أين القرون الماضية وأهل الدهور السالفة في التراب يبلون وعلى الزمان يفنون فناديته يا عبد الله أنا منذ اليوم خلفك أنتظر فراغك فقال وكيف يفرغ من يبادر الأوقات وتبادره يخاف سبقها بالموت إلى نفسه أم كيف يفرغ من ذهبت أيامه وبقيت آثامه ثم قال أنت لها ولكل شدة أتوقع نزولها ثم لها عنى ساعة وقرأ وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ثم صاح صيحة أخرى أشد من الأولى وخر مغشيا عليه فقلت قد خرجت روحه فدنوت منه فإذا هو يضطرب ثم أفاق وهو يقول من أنا ما خطرى هب لى إساءتى من فضلك وجللنى بسترك واعف عن ذنوبى بكرم وجهك إذا وقفت بين يديك فقلت له بالذى ترجوه لنفسك وتثق به إلا كلمتنى فقال عليك بكلام من ينفعك كلامه ودع كلام من أو بقته ذنوبه إنى لفى هذا الموضع مذ شاء الله أجاهد إبليس ويجاهدنى فلم يجد عونا على ليخرجنى مما أنا فيه غيرك فإليك عنى يا مخدوع فقد عطلت على لسانى وميلت إلى حديثك شعبة من قلبى وأنا أعوذ بالله من شرك ثم أرجو أن يعيذنى من سخطه ويتفضل على برحمته قال فقلت هذا ولى الله أخاف أن أشغله فأعاقب فى موضعى هذا فانصرفت وتركته وقال بعض الصالحين بينما أنا أسير في مسير لى إذ ملت إلى شجرة لأستريح تحتها فإذا أنا بشيخ قد أشرف على فقال لى يا هذا قم فإن الموت لم يمت ثم هام على وجه فاتبعته فسمعته وهو يقول كل نفس ذائقة الموت اللهم بارك لى في الموت فقلت وفيما بعد الموت فقال من أيقن بما بعد الموت شمر مئزر الحذر ولم يكن له في الدنيا مستقر ثم قال يا من لوجهه عنت الوجوه بيض وجهى بالنظر إليك واملأ قلبى من المحبة لك وأجرنى من ذلك التوبيخ غدا عندك فقد آن لى الحياء منك وحان لى الرجوع عن الإعراض عنك قم قال لولا حلمك لم يسعنى أجلى ولولا عفوك لم ينبسط فيما عندك أملى ثم مضى وتركنى وقد أنشدوا في هذا المعنى نحيل الجسم مكتئب الفؤاد تراه بقمة أو بطن وادى ينوح على معاص فاضحات يكدر ثقلها صفو الرقاد فإن هاجت مخاوفه وزادت فدعوته أغثنى يا عمادى فأنت بما ألاقيه عليم كثير الصفح عن زلل العباد وقيل أيضا ألذ من التلذذ بالغوانى إذا أقبلن في حلل حسان منيب فر من أهل ومال يسيح إلى مكان من مكان ليخمل ذكره ويعيش فردا ويظهر في العبادة بالأمانى تلذذه التلاوة أين ولى وذكر بالفؤاد وباللسان وعند الموت يأتيه بشير يبشر بالنجاة من الهوان فيدرك ما أراد وما تمنى من الراحات في غرف الجنان وكان كرز بن وبرة يختم القرآن في كل يوم ثلاث مرات ويجاهد نفسه في العبادات غاية المجاهدة فقيل له قد أجهدت نفسك فقال كم عمر الدنيا فقيل سبعة آلاف سنة فقال كم مقدار يوم القيامة فقيل خمسون ألف سنة فقال كيف يعجز أحدكم أن يعمل سبع يوم حتى يأمن ذلك اليوم يعنى أنك لو عشت عمر الدنيا واجتهدت سبعة آلاف سنة وتخلصت من يوم واحد كان مقداره خمسين ألف سنة لكان ربحك كثيرا وكنت بالرغبة فيه جديرا فكيف وعمرك قصير والآخرة لا غاية لها فهكذا كانت سيرة السلف الصالحين في مرابطة النفس ومراقبتها فمهما تمردت نفسك عليك وامتنعت من المواظبة على العبادة فطالع أحوال هؤلاء فإنه قد عز الآن وجود مثلهم ولو قدرت على مشاهدة من اقتدى بهم فهو أنجع في القلب وأ