إنسان
09-11-2001, 04:34 PM
كان لنا زميل في المدرسة يُعيّرونه "بالأحوس".. له ساقان طويلتان ورجلان ضخمتان ورقبة طويلة ويدان خرقاوان. وكان عندما ينظر اليك يَصّر عينيه ويدني رأسه.. وكان يفعل ذلك حين يقرأ او يكتب.. وكان بطيء الفهم، فوضوي الحركة.. وكان المدرسون يجلدونه جلداً عنيفاً.. وكان يتحمل تحمل شاقاً.
اعتاد هذا الجلد اليومي او شبه اليومي فلم يعد يشتكي او يألم كثيراً منه.
كان يستدعيه المدير فيغيب لحظات ثم يعود وهو يفرك يديه او يسير مضطرباً من شدة الضرب على قدميه.. ولم يكن يجيد شيئاً او يصلح لشيء إلا لحراسة مرمى الفصل. فقد كان يقف في الباب يقفز فوق رجلي المهاجمين، او يطير في وجوههم، او يتقي الكرة بصدره وبطنه وظهره، وربما يدفعها برجليه او يديه الطويلتين.
وكان كثيراً ما يتعرض لركلات المهاجمين واندفاعهم ولكنه لا يعبأ بذلك وهو يسقط متمرغاً امام المرمى يحاول امساك الكرة وعرقلة المهاجمين.
ومرت الايام وهو يسير ببطء، يرسب سنتين في المرحلة ثم يذهب الى الاخرى بضعف. وتخرجنا من المدرسة وهو لا يزال بها.. وأصبحنا نراه ما بين فترة وأخرى في الشوارع، او امام دكاكين البلدة، او هو يقف حارساً مع لاعبي الحي ثم لم نعد نراه.
تركنا البلدة وفرقتنا الأيام ككل جيل يعيش مرحلة ثم تأتي عليه مرحلة اخرى، فتشتت المجموعة في اوجه الدنيا المختلفة.
ومرت الأيام والسنين..
وفي ذات يوم وفي احدى المناسبات الاجتماعية هب صاحب المناسبة حينما اقتربت سيارة فخمة وذهب مسرعاً تجاهها مع مجموعة من اقاربه، وفتح باب السيارة الفخمة الضخمة وخرج منها رجل فارع الطول يلبس بشتاً فاخراً وقد اقبل يشق طريقه الى المدعوين محاطاً بصاحب المناسبة وحاشيته وحينما توسط صدر المجلس تقاطر الحضور يحيونه ويحتفون به.
قال احد الاصدقاء وكان حاضراً: هل عرفت الرجل..؟ قلت لا. قال: ولكنك تعرفه!! فأصررت على انكاري. فأقسم انني اعرفه. فاستغربت من اصراره ومن اقسامه.. وكدت اقسم اني لم ار هذا الرجل طيلة حياتي. قال: قبل ان تقسم عليك ان تعرف ان الذي امامك من اصحاب الملايين. قلت: اللهم زد وبارك.. قال: ثم عليك ان تعرف ان الذي امامك كان ا حد زملائنا في المدرسة. فقلت: حمداً لله صار احد اصحابنا مليونيراً من العيار الثقيل.. ولكن من صديقنا هذا الذي لا أزال أجهله؟. قال في شيء من اللمز: انه الأحوس.
قلت: أحقاً ما تقول. قال: نعم.
قلت فرحاً: سبحان مغير الأحوال.
قال صديقي انه من رجال الأعمال الطيبين والصالحين والذين يبذلون الكثير في وجوه الخير، ويخرجون حق الله وحق الناس.
فقلت: سبحان الله.. لقد أخفق هذا الرجل في طفولته في جانب ونجح في شبابه في جانب آخر.
وهذا دليل على ان الحياة لا فشل فيها اذا صدق الانسان في كفاحه. فهذا الذي كان أبله فاشلاً اصبح رجل اعمال خيراً وناجحاً.
قلت لنذهب للسلام عليه قال: أو جاد أنت. قلت نعم.
قال: ولكن ا لناس سيظنون اننا نتملقه.
قلت: أنترك واجباً اخلاقياً خشية من كلام الناس؟!!
فهذا رجل عصامي ولا شك.. كنا نظن أنه لا يصلح لأن يرعى دجاجاً فإذا به يقلب كل التوقعات ويجعل من نفسه رجلاً مهماً.. وما وصل إلا على جسر من التعب والمشقة والكفاح..
ان النجاح ليس النجاح في الدراسة والوصول الى المركز فقط.. النجاح هو ايضاً النجاح في الحياة وهذا في نظري يستحق الإكبار والتقدير.
عبدالله الناصر
اعتاد هذا الجلد اليومي او شبه اليومي فلم يعد يشتكي او يألم كثيراً منه.
كان يستدعيه المدير فيغيب لحظات ثم يعود وهو يفرك يديه او يسير مضطرباً من شدة الضرب على قدميه.. ولم يكن يجيد شيئاً او يصلح لشيء إلا لحراسة مرمى الفصل. فقد كان يقف في الباب يقفز فوق رجلي المهاجمين، او يطير في وجوههم، او يتقي الكرة بصدره وبطنه وظهره، وربما يدفعها برجليه او يديه الطويلتين.
وكان كثيراً ما يتعرض لركلات المهاجمين واندفاعهم ولكنه لا يعبأ بذلك وهو يسقط متمرغاً امام المرمى يحاول امساك الكرة وعرقلة المهاجمين.
ومرت الايام وهو يسير ببطء، يرسب سنتين في المرحلة ثم يذهب الى الاخرى بضعف. وتخرجنا من المدرسة وهو لا يزال بها.. وأصبحنا نراه ما بين فترة وأخرى في الشوارع، او امام دكاكين البلدة، او هو يقف حارساً مع لاعبي الحي ثم لم نعد نراه.
تركنا البلدة وفرقتنا الأيام ككل جيل يعيش مرحلة ثم تأتي عليه مرحلة اخرى، فتشتت المجموعة في اوجه الدنيا المختلفة.
ومرت الأيام والسنين..
وفي ذات يوم وفي احدى المناسبات الاجتماعية هب صاحب المناسبة حينما اقتربت سيارة فخمة وذهب مسرعاً تجاهها مع مجموعة من اقاربه، وفتح باب السيارة الفخمة الضخمة وخرج منها رجل فارع الطول يلبس بشتاً فاخراً وقد اقبل يشق طريقه الى المدعوين محاطاً بصاحب المناسبة وحاشيته وحينما توسط صدر المجلس تقاطر الحضور يحيونه ويحتفون به.
قال احد الاصدقاء وكان حاضراً: هل عرفت الرجل..؟ قلت لا. قال: ولكنك تعرفه!! فأصررت على انكاري. فأقسم انني اعرفه. فاستغربت من اصراره ومن اقسامه.. وكدت اقسم اني لم ار هذا الرجل طيلة حياتي. قال: قبل ان تقسم عليك ان تعرف ان الذي امامك من اصحاب الملايين. قلت: اللهم زد وبارك.. قال: ثم عليك ان تعرف ان الذي امامك كان ا حد زملائنا في المدرسة. فقلت: حمداً لله صار احد اصحابنا مليونيراً من العيار الثقيل.. ولكن من صديقنا هذا الذي لا أزال أجهله؟. قال في شيء من اللمز: انه الأحوس.
قلت: أحقاً ما تقول. قال: نعم.
قلت فرحاً: سبحان مغير الأحوال.
قال صديقي انه من رجال الأعمال الطيبين والصالحين والذين يبذلون الكثير في وجوه الخير، ويخرجون حق الله وحق الناس.
فقلت: سبحان الله.. لقد أخفق هذا الرجل في طفولته في جانب ونجح في شبابه في جانب آخر.
وهذا دليل على ان الحياة لا فشل فيها اذا صدق الانسان في كفاحه. فهذا الذي كان أبله فاشلاً اصبح رجل اعمال خيراً وناجحاً.
قلت لنذهب للسلام عليه قال: أو جاد أنت. قلت نعم.
قال: ولكن ا لناس سيظنون اننا نتملقه.
قلت: أنترك واجباً اخلاقياً خشية من كلام الناس؟!!
فهذا رجل عصامي ولا شك.. كنا نظن أنه لا يصلح لأن يرعى دجاجاً فإذا به يقلب كل التوقعات ويجعل من نفسه رجلاً مهماً.. وما وصل إلا على جسر من التعب والمشقة والكفاح..
ان النجاح ليس النجاح في الدراسة والوصول الى المركز فقط.. النجاح هو ايضاً النجاح في الحياة وهذا في نظري يستحق الإكبار والتقدير.
عبدالله الناصر