الحبوب
16-06-2003, 04:39 AM
رجل الحملات الانتخابية البارع يتحالف مع صقور الادارة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــ
في خريف سنة 2002، تم إتخاذ القرار بشن الحرب على العراق. لم تكن أسباب الحرب تتصل بحكاية الإرهاب أو العلاقة مع تنظيم القاعدة ولا طبعا من أجل تحرير «شعب العراق من نظام ديكتاتوري.. قمعي ومستبد» إلى آخر المقولات التي ظلت ترددها ماكينات الدعاية الأميركية أناء الليل وأطراف النهار. 8) صحيح انه كان هناك اسباب مهمة أخرى منها مثلا ثروة العراق النفطية، من حيث إمكانات الإنتاج الفعلي ومن حيث سخاء حجم الاحتياطي. وكان هنا أيضا العامل الإسرائيلي بمعنى ضرب العراق وتحجيمه وتحييده لصالح المزيد من تأمين المشروع الصهيوني.
فتش عن الانتخابات
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لكن السبب الأكثر جوهرية أو هو السبب المباشر لاتخاذ قرار الحرب على بغداد كان يتمثل في العامل الإنتخابي المحلي في سياسة أميركا الداخلية، ذلك العامل الذي كان يدفع كارل روف - بطل كتابنا ومستشار الرئيس بوش - إلى أن يحول مجلسي الكونغرس، النواب والشيوخ، الى أغلبية جمهورية تسكت معها أصوات المعارضة التي تسول لها نفسها أن ترتفع ضد أي قرار يتخذه الرئيس بوش في البيت الابيض.
بمعنى اخر يقول مؤلفا كتابنا: ان كارل روف كان بحاجة إلى سلعة بضاعة (سياسية) جديدة ومغرية يستطيع أن يبيعها إلى جماهير الناخبين - خلال انتخابات التجديد النصفي للكونغرس. كارل لديه بضاعة جاهزة اسمها الحرب ضد الإرهاب، لكنه شعر أن هذه البضاعة لم تعد تجد لها رواجاً في أسواق الرأي العام، لقد ظلت مطروحة في السوق منذ الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 يعني أصبح عمرها سنة كاملة ويزيد، ثم أن حملة أفغانستان لم تؤت كل الثمار المرجوة من ورائها، ويكفي أن العدو - الرمز المسمى بن لادن ـ لم يزل طليقا أو بالأدق لا يعرف له موت أو حياة دع عنك تلك الرسائل المريبة التي تذاع أحيانا في إطار أكثر من مريب فإذا بها تخصم شيئا فشيئا من حسابات التأييد الذي طالما نعم به الرئيس بوش ـ وهو كما أسلفنا وكما نكرر دائما - الزبون رقم واحد لكارل روف صانع الرئاسات وصائغ الشعارات ومجهز المنتوجات السياسية، المطروحة في أسواق الاقتراع والاستطلاعات.
يضيف مؤلفا الكتاب (ص 300): هكذا وجد كارل روف انه قد حان الوقت لالتماس مقولات وطروحات جديدة، لطرح منتج سلعة جديدة في سوق السياسة واتجهت أبصاره إلى الشرق الاوسط حيث كان لدى الرئيس بوش ونائبه تشيني رؤية للتعامل مع النظم الحاكمة في تلك المنطقة وبالذات من منظور البترول وكان هذا المنظور - يضيف المؤلفان - يتعلق بما تستهدفه أميركا من تنظيم وتقنين أسعار وإمدادات بترول الشرق الاوسط وكان روف يعرف أيضا أن العراق - النظام العراقي ـ يشكل حجر عثرة أمام تحقيق وتجسيد هذه الرؤية (السيطرة على أسعار وإمدادات البترول).. ولذلك صمم روف على أن يجعل أمر السياسات الأميركية واضحا قاطع التحديد أمام جماهير الناخبين. وتجلى تصميمه في خط سياسي مستجد يقول بمنتهى البساطة والوضوح ما يلي: أن يحول العراق من مشكلة (تؤرق أميركا) إلى حل يزيد من شعبية الرئيس بوش خاصة وقد تهدد الذبول هذه الشعبية لأن بن لادن ظل لغزاً بغير حل، وكان المطلوب بالتالي البحث عن عدو بديل.. عن بن لادن آخر أيسر منالاً وأشد تحديداً من حيث مكان وجوده ومن حيث رقعة الارض التي يقف عليها.
صدام المفاجأة
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
هكذا وقع الاختيار على العراق، على صدام حسين بالذات.. وهو الاختيار الذي أطلق عليه دهاقنة الحملات السياسية والدعائية في واشنطن عبارة شهيرة هي «صدام - المفاجأة» وربما كان هؤلاء الدهاقنة الذين لا يهمهم سوى النجاح في إرضاء الزبون وفي سحق خصومه في حال من الاعجب بحكاية اختيار «رول» العراق هدفاً مستجداً لاعلاء شأن جورج بوش.
لهذا يحيل كتابنا (ص 308) إلى عبارات عجيبة في رأينا وأن كانت شديدة الدلالة قالها واحد من دهاة واشنطن وخبرائها وهو رجل الاستشارات السياسية، والدعائية جاسون ستاتنورد وقد كان يعمل لحساب الخصم، من الحزب الديمقراطي المعارض.. يقول بالحرف الواحد.
- لقد كان اختيار العراق ضربة معلم. كان كارل روف وشركاه قد أدركوا أن بن لادن قد اصبح بعيد المنال.. أنه يستطيع أن يختبئ في كهف أليس كذلك؟، فماذا هم فاعلون؟ كل ما فعلوه أن التمسوا حرباً يستطيعون أن يكسبوها، فأنت لا تستطيع أن تستولى على بلد غير موجود أصلا، لا تستطيع مثلا أن تغزو، «القاعدة» ولا احتلالها بل ولا تستطيع أصلا العثور عليها، أو كي، عظيم. لكن ها نحن نعرف أين تقع بغداد بالضبط. لدينا خريطة في جعبتنا ونستطيع تحديد موقع بغداد على الخريطة.. ثم أنهم (في العراق) لديهم بترول.. ولديهم أيضا رجل شرير (صدام). إذن فلنذهب إلى هناك طبعا.. هم (روف والجمهوريون) لم يقولوا هذا بالضبط، ولكنهم كانوا يعرفون ما يفعلون وعلى ذلك فقد أجروا حساباتهم وكانت أخبث حسابات سياسية في التاريخ الأميركي.
العراق هو الهدف
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يواصل مؤلفا هذا الكتاب تحليل الموقف ويوضحان أن بطلهما روف ـ الجنرال روف كما وصفاه من قبل ـ لم يذهب طبعا ذات صباح مشرق إلى الرئيس بوش ليقول له: سيادة الرئيس لو استولينا على العراق لكان في ذلك حل لمشاكل فخامتك الداخلية اقتصاديا وسياسيا مع ذلك، فإن المؤلفين يستدركان ليقولا على سبيل الإيضاح (ص 309):
ـ مع ذلك كان التصور السياسي قد اكتمل ليقضي بجعل العراق هدفا (لتنفيس) الغضب القومي الأميركي، بمعنى تصوير الأمر بأننا لا نحارب ذلك الإرهاب وحسب بل نواجه الشر نفسه، وهذا الشر اسمه صدام حسين الذي صوروه على أنه لا يعدو أن يكون إرهابيا يمسك بيده مقاليد بلد بأسره. وكان من السهل - والحالة هذه - أن تساق أسباب سواء كانت وجيهة أو متهافته، ومفادها أن من المحتمل أن يكون صدام قد ساعد العرب الذين شنوا هجوم الحادي عشر من سبتمبر.
مع ذلك ظل السؤال مطروحا بالحاح: ماذا فعل صدام لكي يتم تحريك اسمه إلى حيث يتصدر قائمة الاشرار؟ كان قد انقضى عقد كامل من الزمن منذ طرد قوات صدام من الكويت وعلى امتداده ظلت بغداد تعايش الفقر والمرض وتدهور البنى الاساسية وتتعيش على اقتصاد مقيد ببرنامج النفط من أجل الغذاء الذي وضعته الامم المتحدة.
هناك ما هو أكثر من هذا، فقد أكدت المخابرات المركزية الأميركية (سي. آي. إيه) في تقريرها المقدم إلى الكونغرس عام 2002 أنها عاجزة عن تقديم أي دليل على أي صلة بين صدام والإرهابيين، ولا على أنه يقوم بتطوير أسلحة للدمار الشامل والذي حدث أن سياسات الاحتواء والردع أكدت فعاليتها في العراق وكان صدام يخشى الاقدام على أي خطوة رعناء لأنه كان يدرك أن العقاب كان مؤكدا بقدر ما سيكون سريعاً وشاملاً، صحيح منذ إنتهاء حرب الخليج الثانية.. وما كان سلوكاً حميداً ولكنه لم يكن شريراً بالصورة التي «يحتاج» إليها البيت الأبيض.
رأي استاذ السياسة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مع هذا كله فقد برزت على مسرح السياسة الاميركية على حين غرة - حكاية صدام وشروره.. وهو الاسم الذي لم يسبق أن جاء يوما على لسان بوش خلال حملته الإنتخابية كمرشح رئاسي.
ما الذي تسبب في تغيير المواقف والإتجاهات ؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لإجابة مثل هذا السؤال يحيل مؤلفا الكتاب إلى البروفيسور جيمس ثيربر أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأميركية يقول: لا أستطيع أن أنكر أن الشعارات التي طرحها روف (على لسان بوش ومعاونيه) بشأن العراق جاءت من أجل أن تحول الانظار عن مشكلات داخلية من قبيل ركود الاقتصاد والافتقاد إلى الفعالية في إدارة الحرب التي سبق وأعلنوها على الإرهاب. . في هذا السياق، يخطو البروفسور ثيربر ويخطو مؤلفا الكتاب خطوات أبعد (ص 310 وما بعدها) إن هذا الفصل الذي نعرض لسطور يحمل العنوان التالي «طريق بغداد». على هذا الطريق اجتمع أركان اليمين المتطرف من المحافظين الجدد الذين أصبح لهم مواقع مؤثرة في إدارة بوش الراهنة. . لقد كان كارل روف يبحث عن سلعة سياسية يطرحها في السوق ويبيع من خلالها صورة جديدة شديدة الإيجابية للرئيس بوش.
مواقف الجوارح
ــــــــــــــــــــــــــــــ
جاوبته من زاوية أخرى في الإدارة عناصر كانت - كما يوضح الكتاب - تدعو إلى توسيع نفوذ أميركا بل واتساع رقعة هيمنتها بحيث تشمل العالم كله ولو باستخدام القوة المسلحة.. وقد كانت الامور تهون لو اقتصر الأمر على وجود هذه العناصر من جوارح الساسة بين صنوف الحزب الجمهوري أو آلته الدعائية لكن المشكلة الاخطر هي أن هذه الجوارح السياسية وجدت عند مراكز صنع القرار السياسي (مثل نائب الرئيس ديك تشيني) ومراكز صنع القرار العسكري (نائب وزير الدفاع بول ولفويتز) عند هذه النقطة يلاحظ المؤلفان أن هذين العنصرين بالذات إنحدرا إلى إدارة الرئيس بوش الابن كوراثة من تركة الرئيس بوش الاب.
ويلاحظ المؤلفان أيضا الفرق النوعي ومن ثم الكمي بين رئاستي الاب والابن، فبادئ ذي بدء أضيف إلى هذين العنصرين عنصر ثالث ينتمي إلى فصيلة الجوارح السياسية هو دونالد رامسفيلد.. ويلاحظ أن الثلاثة تشيني «ولفويتز» رامسفيلد يجمعهم رابط جوهري واحد هو خدمتهم في البنتاغون حيث كان تشيني شخصيا وزير الحرب الرئيسي للأب فيما تجمعهم أيديولوجية توسيع نطاق الهيمنة الأميركية على رقعة الكرة الأرضية. أما الذي استجد في إطار إدارة بوش - الاب فيلخصه المؤلفان على النحو التالي: هذه الأيديولوجية اكتسبت قدرات وقوى دفع سياسية جديدة مع الابن، لأن بوش - الاب كان رجلا شديد الحذر وكان لا يتحمس للسير في الإتجاه الذي كانت ترسمه هذه النوعية (الصقورية) من المستشارين. لكن في ظل الابن أصبح القرار من صناعة هذه النوعية فيما أصبح الرئيس - الابن أسيرا لأحداث سبتمبر وعواقبها وتداعياتها من جهة أخرى.
روف يعد المسرح
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
أضيف إلى أصحاب هذه الايديولوجية عنصر آخر هو كارل روف وهو رجل بغير أيديولوجية اللهم إلا أن يلتمس بكل طريقة تجميلا أو تزويقا لصورة مشروعه الأثير، مجسدا في جورج بوش شخصياً.
وفيما كان أصحاب الايديولوجية عاكفين على تعبئة الترسانات المسلحة. كانت مهمة كارل روف هي ببساطة اعداد خشبة المسرح.. يومها - يقول كاتبانا - اختاروا أن يعزفوا لحن الافتتاح على مسرح له دلالته التي لا تخفى وهو كلية وست بوينت - الاكاديمية العسكرية الشهيرة التي القى الرئيس بوش خطابا في حفل تخرج آخر دفعة من دارسيها.. والغريب أن الميديا لم تركز كثيراً، وربما لم تتوقع أن هذا الخطاب جاء بنغمة مستجدة على لغة الاستراتيجية الأميركية. لهذا فوجئت الميديا بجوقة إعلام البيت الابيض، وبتوجيهات من المستشار الرئاسي كارل روف وهم يطلبون تركيز الإنتباه وتسليط الأضواء على السطور الخطيرة من الخطاب الرئاسي وفي مقدمتها مبدأ يقول:لقد تخلت الولايات المتحدة عن مبدأ الردع في سياستها العسكرية.. وفي السياق نفسه تم استرعاء انتباه الميديا إلى كلمة جوهرية. لم ترد سوى مرة وحيدة في خطاب الرئيس بوش.. هذه الكلمة هي: الاستباقية.. وكانت تعني إتباع أسلوب المبادرة إلى شن الهجوم على الآخر.. وقد لفظ بوش بهذه الكلمة ثم أردف قوله: أنا لن أقف مكتوف اليدين بينما يستفحل الخطر ويزداد اقترابا، أن الحرب على الإرهاب لن يتم كسبها من موقع الدفاع.
لن نستطيع الدفاع عن أميركا وعن أصدقائنا بمجرد التعلل بالأمنيات الطيبة.
أميركا شرطي الكرة الأرضية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يعلق مؤلفا الكتاب (ص311) بعبارات تقول: كانت اللغة واضحة لا يخطئ تفسيرها أحد، كان الرئيس يبلغ العالم الأوسع نطاقا بأن ها هي أميركا تتولى منصب رجل الشرطة للكرة الارضية وأن العالم منقسم إلى صنفين من البشر: الاخيار والاشرار. ونحن سنلاحق الاشرار وكل من لا يفكر بهذه الطريقة سيصبح عدواً مرجحاً للشرطي الأميركي ذاته ولو سولت لك نفسك أن تنظر إلى الأمور أو أن تبدو أمام الاعين أو أن تتصرف هنا أو هناك بما يثير الشكوك فإن هذا كفيل بأن يتوافر لدى الولايات المتحدة مبررات تكفي لاعتبارك بالذات عدواً للحرية وللديمقراطية، والمعنى اننا لم نعد نرقب المسائل وننتظر أن تثار مشاكل أو متاعب كي نعدها دوافع من أجل أن نمارس التدخل..باختصار شديد، يقول كاتبانا: لقد نصبت أميركا نفسها في موقع «شريف» العالم.
والإشارة هنا إلى أفلام رعاة البقر الشهيرة التي يدور فيها الصراع بين «الشريف».. وهو مسئول الشرطة المحلي الذي تميزه نجمة فضية يعلقها على صدره وبين الأشرار.. المحليين أيضا من سارقي الماشية ومروعي الشاربين في الحانات القديمة التي كانت في الماضي الأميركي تحمل اسم «الصالونات».. لا عجب أن ترتفع أصوات المعارضة لهذا السلوك بين صفوف الحزب الديمقراطي ومنها صوت يقول: ها نحن على حين غرة وقد أصبحنا الكاو بوي (راعي البقر المفتري الشرير) الذي يقتحم أبواب «الصالون» وفي يده مسدس وعلى شفتيه تهديد يقول فيه: اتبعني أن كنت معي، وإلا أطلقت عليك النار!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ تأليف: واين سلاتر.. و.. جيمس مور
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــ
في خريف سنة 2002، تم إتخاذ القرار بشن الحرب على العراق. لم تكن أسباب الحرب تتصل بحكاية الإرهاب أو العلاقة مع تنظيم القاعدة ولا طبعا من أجل تحرير «شعب العراق من نظام ديكتاتوري.. قمعي ومستبد» إلى آخر المقولات التي ظلت ترددها ماكينات الدعاية الأميركية أناء الليل وأطراف النهار. 8) صحيح انه كان هناك اسباب مهمة أخرى منها مثلا ثروة العراق النفطية، من حيث إمكانات الإنتاج الفعلي ومن حيث سخاء حجم الاحتياطي. وكان هنا أيضا العامل الإسرائيلي بمعنى ضرب العراق وتحجيمه وتحييده لصالح المزيد من تأمين المشروع الصهيوني.
فتش عن الانتخابات
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لكن السبب الأكثر جوهرية أو هو السبب المباشر لاتخاذ قرار الحرب على بغداد كان يتمثل في العامل الإنتخابي المحلي في سياسة أميركا الداخلية، ذلك العامل الذي كان يدفع كارل روف - بطل كتابنا ومستشار الرئيس بوش - إلى أن يحول مجلسي الكونغرس، النواب والشيوخ، الى أغلبية جمهورية تسكت معها أصوات المعارضة التي تسول لها نفسها أن ترتفع ضد أي قرار يتخذه الرئيس بوش في البيت الابيض.
بمعنى اخر يقول مؤلفا كتابنا: ان كارل روف كان بحاجة إلى سلعة بضاعة (سياسية) جديدة ومغرية يستطيع أن يبيعها إلى جماهير الناخبين - خلال انتخابات التجديد النصفي للكونغرس. كارل لديه بضاعة جاهزة اسمها الحرب ضد الإرهاب، لكنه شعر أن هذه البضاعة لم تعد تجد لها رواجاً في أسواق الرأي العام، لقد ظلت مطروحة في السوق منذ الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 يعني أصبح عمرها سنة كاملة ويزيد، ثم أن حملة أفغانستان لم تؤت كل الثمار المرجوة من ورائها، ويكفي أن العدو - الرمز المسمى بن لادن ـ لم يزل طليقا أو بالأدق لا يعرف له موت أو حياة دع عنك تلك الرسائل المريبة التي تذاع أحيانا في إطار أكثر من مريب فإذا بها تخصم شيئا فشيئا من حسابات التأييد الذي طالما نعم به الرئيس بوش ـ وهو كما أسلفنا وكما نكرر دائما - الزبون رقم واحد لكارل روف صانع الرئاسات وصائغ الشعارات ومجهز المنتوجات السياسية، المطروحة في أسواق الاقتراع والاستطلاعات.
يضيف مؤلفا الكتاب (ص 300): هكذا وجد كارل روف انه قد حان الوقت لالتماس مقولات وطروحات جديدة، لطرح منتج سلعة جديدة في سوق السياسة واتجهت أبصاره إلى الشرق الاوسط حيث كان لدى الرئيس بوش ونائبه تشيني رؤية للتعامل مع النظم الحاكمة في تلك المنطقة وبالذات من منظور البترول وكان هذا المنظور - يضيف المؤلفان - يتعلق بما تستهدفه أميركا من تنظيم وتقنين أسعار وإمدادات بترول الشرق الاوسط وكان روف يعرف أيضا أن العراق - النظام العراقي ـ يشكل حجر عثرة أمام تحقيق وتجسيد هذه الرؤية (السيطرة على أسعار وإمدادات البترول).. ولذلك صمم روف على أن يجعل أمر السياسات الأميركية واضحا قاطع التحديد أمام جماهير الناخبين. وتجلى تصميمه في خط سياسي مستجد يقول بمنتهى البساطة والوضوح ما يلي: أن يحول العراق من مشكلة (تؤرق أميركا) إلى حل يزيد من شعبية الرئيس بوش خاصة وقد تهدد الذبول هذه الشعبية لأن بن لادن ظل لغزاً بغير حل، وكان المطلوب بالتالي البحث عن عدو بديل.. عن بن لادن آخر أيسر منالاً وأشد تحديداً من حيث مكان وجوده ومن حيث رقعة الارض التي يقف عليها.
صدام المفاجأة
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
هكذا وقع الاختيار على العراق، على صدام حسين بالذات.. وهو الاختيار الذي أطلق عليه دهاقنة الحملات السياسية والدعائية في واشنطن عبارة شهيرة هي «صدام - المفاجأة» وربما كان هؤلاء الدهاقنة الذين لا يهمهم سوى النجاح في إرضاء الزبون وفي سحق خصومه في حال من الاعجب بحكاية اختيار «رول» العراق هدفاً مستجداً لاعلاء شأن جورج بوش.
لهذا يحيل كتابنا (ص 308) إلى عبارات عجيبة في رأينا وأن كانت شديدة الدلالة قالها واحد من دهاة واشنطن وخبرائها وهو رجل الاستشارات السياسية، والدعائية جاسون ستاتنورد وقد كان يعمل لحساب الخصم، من الحزب الديمقراطي المعارض.. يقول بالحرف الواحد.
- لقد كان اختيار العراق ضربة معلم. كان كارل روف وشركاه قد أدركوا أن بن لادن قد اصبح بعيد المنال.. أنه يستطيع أن يختبئ في كهف أليس كذلك؟، فماذا هم فاعلون؟ كل ما فعلوه أن التمسوا حرباً يستطيعون أن يكسبوها، فأنت لا تستطيع أن تستولى على بلد غير موجود أصلا، لا تستطيع مثلا أن تغزو، «القاعدة» ولا احتلالها بل ولا تستطيع أصلا العثور عليها، أو كي، عظيم. لكن ها نحن نعرف أين تقع بغداد بالضبط. لدينا خريطة في جعبتنا ونستطيع تحديد موقع بغداد على الخريطة.. ثم أنهم (في العراق) لديهم بترول.. ولديهم أيضا رجل شرير (صدام). إذن فلنذهب إلى هناك طبعا.. هم (روف والجمهوريون) لم يقولوا هذا بالضبط، ولكنهم كانوا يعرفون ما يفعلون وعلى ذلك فقد أجروا حساباتهم وكانت أخبث حسابات سياسية في التاريخ الأميركي.
العراق هو الهدف
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يواصل مؤلفا هذا الكتاب تحليل الموقف ويوضحان أن بطلهما روف ـ الجنرال روف كما وصفاه من قبل ـ لم يذهب طبعا ذات صباح مشرق إلى الرئيس بوش ليقول له: سيادة الرئيس لو استولينا على العراق لكان في ذلك حل لمشاكل فخامتك الداخلية اقتصاديا وسياسيا مع ذلك، فإن المؤلفين يستدركان ليقولا على سبيل الإيضاح (ص 309):
ـ مع ذلك كان التصور السياسي قد اكتمل ليقضي بجعل العراق هدفا (لتنفيس) الغضب القومي الأميركي، بمعنى تصوير الأمر بأننا لا نحارب ذلك الإرهاب وحسب بل نواجه الشر نفسه، وهذا الشر اسمه صدام حسين الذي صوروه على أنه لا يعدو أن يكون إرهابيا يمسك بيده مقاليد بلد بأسره. وكان من السهل - والحالة هذه - أن تساق أسباب سواء كانت وجيهة أو متهافته، ومفادها أن من المحتمل أن يكون صدام قد ساعد العرب الذين شنوا هجوم الحادي عشر من سبتمبر.
مع ذلك ظل السؤال مطروحا بالحاح: ماذا فعل صدام لكي يتم تحريك اسمه إلى حيث يتصدر قائمة الاشرار؟ كان قد انقضى عقد كامل من الزمن منذ طرد قوات صدام من الكويت وعلى امتداده ظلت بغداد تعايش الفقر والمرض وتدهور البنى الاساسية وتتعيش على اقتصاد مقيد ببرنامج النفط من أجل الغذاء الذي وضعته الامم المتحدة.
هناك ما هو أكثر من هذا، فقد أكدت المخابرات المركزية الأميركية (سي. آي. إيه) في تقريرها المقدم إلى الكونغرس عام 2002 أنها عاجزة عن تقديم أي دليل على أي صلة بين صدام والإرهابيين، ولا على أنه يقوم بتطوير أسلحة للدمار الشامل والذي حدث أن سياسات الاحتواء والردع أكدت فعاليتها في العراق وكان صدام يخشى الاقدام على أي خطوة رعناء لأنه كان يدرك أن العقاب كان مؤكدا بقدر ما سيكون سريعاً وشاملاً، صحيح منذ إنتهاء حرب الخليج الثانية.. وما كان سلوكاً حميداً ولكنه لم يكن شريراً بالصورة التي «يحتاج» إليها البيت الأبيض.
رأي استاذ السياسة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مع هذا كله فقد برزت على مسرح السياسة الاميركية على حين غرة - حكاية صدام وشروره.. وهو الاسم الذي لم يسبق أن جاء يوما على لسان بوش خلال حملته الإنتخابية كمرشح رئاسي.
ما الذي تسبب في تغيير المواقف والإتجاهات ؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لإجابة مثل هذا السؤال يحيل مؤلفا الكتاب إلى البروفيسور جيمس ثيربر أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأميركية يقول: لا أستطيع أن أنكر أن الشعارات التي طرحها روف (على لسان بوش ومعاونيه) بشأن العراق جاءت من أجل أن تحول الانظار عن مشكلات داخلية من قبيل ركود الاقتصاد والافتقاد إلى الفعالية في إدارة الحرب التي سبق وأعلنوها على الإرهاب. . في هذا السياق، يخطو البروفسور ثيربر ويخطو مؤلفا الكتاب خطوات أبعد (ص 310 وما بعدها) إن هذا الفصل الذي نعرض لسطور يحمل العنوان التالي «طريق بغداد». على هذا الطريق اجتمع أركان اليمين المتطرف من المحافظين الجدد الذين أصبح لهم مواقع مؤثرة في إدارة بوش الراهنة. . لقد كان كارل روف يبحث عن سلعة سياسية يطرحها في السوق ويبيع من خلالها صورة جديدة شديدة الإيجابية للرئيس بوش.
مواقف الجوارح
ــــــــــــــــــــــــــــــ
جاوبته من زاوية أخرى في الإدارة عناصر كانت - كما يوضح الكتاب - تدعو إلى توسيع نفوذ أميركا بل واتساع رقعة هيمنتها بحيث تشمل العالم كله ولو باستخدام القوة المسلحة.. وقد كانت الامور تهون لو اقتصر الأمر على وجود هذه العناصر من جوارح الساسة بين صنوف الحزب الجمهوري أو آلته الدعائية لكن المشكلة الاخطر هي أن هذه الجوارح السياسية وجدت عند مراكز صنع القرار السياسي (مثل نائب الرئيس ديك تشيني) ومراكز صنع القرار العسكري (نائب وزير الدفاع بول ولفويتز) عند هذه النقطة يلاحظ المؤلفان أن هذين العنصرين بالذات إنحدرا إلى إدارة الرئيس بوش الابن كوراثة من تركة الرئيس بوش الاب.
ويلاحظ المؤلفان أيضا الفرق النوعي ومن ثم الكمي بين رئاستي الاب والابن، فبادئ ذي بدء أضيف إلى هذين العنصرين عنصر ثالث ينتمي إلى فصيلة الجوارح السياسية هو دونالد رامسفيلد.. ويلاحظ أن الثلاثة تشيني «ولفويتز» رامسفيلد يجمعهم رابط جوهري واحد هو خدمتهم في البنتاغون حيث كان تشيني شخصيا وزير الحرب الرئيسي للأب فيما تجمعهم أيديولوجية توسيع نطاق الهيمنة الأميركية على رقعة الكرة الأرضية. أما الذي استجد في إطار إدارة بوش - الاب فيلخصه المؤلفان على النحو التالي: هذه الأيديولوجية اكتسبت قدرات وقوى دفع سياسية جديدة مع الابن، لأن بوش - الاب كان رجلا شديد الحذر وكان لا يتحمس للسير في الإتجاه الذي كانت ترسمه هذه النوعية (الصقورية) من المستشارين. لكن في ظل الابن أصبح القرار من صناعة هذه النوعية فيما أصبح الرئيس - الابن أسيرا لأحداث سبتمبر وعواقبها وتداعياتها من جهة أخرى.
روف يعد المسرح
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
أضيف إلى أصحاب هذه الايديولوجية عنصر آخر هو كارل روف وهو رجل بغير أيديولوجية اللهم إلا أن يلتمس بكل طريقة تجميلا أو تزويقا لصورة مشروعه الأثير، مجسدا في جورج بوش شخصياً.
وفيما كان أصحاب الايديولوجية عاكفين على تعبئة الترسانات المسلحة. كانت مهمة كارل روف هي ببساطة اعداد خشبة المسرح.. يومها - يقول كاتبانا - اختاروا أن يعزفوا لحن الافتتاح على مسرح له دلالته التي لا تخفى وهو كلية وست بوينت - الاكاديمية العسكرية الشهيرة التي القى الرئيس بوش خطابا في حفل تخرج آخر دفعة من دارسيها.. والغريب أن الميديا لم تركز كثيراً، وربما لم تتوقع أن هذا الخطاب جاء بنغمة مستجدة على لغة الاستراتيجية الأميركية. لهذا فوجئت الميديا بجوقة إعلام البيت الابيض، وبتوجيهات من المستشار الرئاسي كارل روف وهم يطلبون تركيز الإنتباه وتسليط الأضواء على السطور الخطيرة من الخطاب الرئاسي وفي مقدمتها مبدأ يقول:لقد تخلت الولايات المتحدة عن مبدأ الردع في سياستها العسكرية.. وفي السياق نفسه تم استرعاء انتباه الميديا إلى كلمة جوهرية. لم ترد سوى مرة وحيدة في خطاب الرئيس بوش.. هذه الكلمة هي: الاستباقية.. وكانت تعني إتباع أسلوب المبادرة إلى شن الهجوم على الآخر.. وقد لفظ بوش بهذه الكلمة ثم أردف قوله: أنا لن أقف مكتوف اليدين بينما يستفحل الخطر ويزداد اقترابا، أن الحرب على الإرهاب لن يتم كسبها من موقع الدفاع.
لن نستطيع الدفاع عن أميركا وعن أصدقائنا بمجرد التعلل بالأمنيات الطيبة.
أميركا شرطي الكرة الأرضية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يعلق مؤلفا الكتاب (ص311) بعبارات تقول: كانت اللغة واضحة لا يخطئ تفسيرها أحد، كان الرئيس يبلغ العالم الأوسع نطاقا بأن ها هي أميركا تتولى منصب رجل الشرطة للكرة الارضية وأن العالم منقسم إلى صنفين من البشر: الاخيار والاشرار. ونحن سنلاحق الاشرار وكل من لا يفكر بهذه الطريقة سيصبح عدواً مرجحاً للشرطي الأميركي ذاته ولو سولت لك نفسك أن تنظر إلى الأمور أو أن تبدو أمام الاعين أو أن تتصرف هنا أو هناك بما يثير الشكوك فإن هذا كفيل بأن يتوافر لدى الولايات المتحدة مبررات تكفي لاعتبارك بالذات عدواً للحرية وللديمقراطية، والمعنى اننا لم نعد نرقب المسائل وننتظر أن تثار مشاكل أو متاعب كي نعدها دوافع من أجل أن نمارس التدخل..باختصار شديد، يقول كاتبانا: لقد نصبت أميركا نفسها في موقع «شريف» العالم.
والإشارة هنا إلى أفلام رعاة البقر الشهيرة التي يدور فيها الصراع بين «الشريف».. وهو مسئول الشرطة المحلي الذي تميزه نجمة فضية يعلقها على صدره وبين الأشرار.. المحليين أيضا من سارقي الماشية ومروعي الشاربين في الحانات القديمة التي كانت في الماضي الأميركي تحمل اسم «الصالونات».. لا عجب أن ترتفع أصوات المعارضة لهذا السلوك بين صفوف الحزب الديمقراطي ومنها صوت يقول: ها نحن على حين غرة وقد أصبحنا الكاو بوي (راعي البقر المفتري الشرير) الذي يقتحم أبواب «الصالون» وفي يده مسدس وعلى شفتيه تهديد يقول فيه: اتبعني أن كنت معي، وإلا أطلقت عليك النار!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ تأليف: واين سلاتر.. و.. جيمس مور