عرض الإصدار الكامل : مفهوم ( الحضارة ) في الخطاب الإسلامي !!


الحبوب
27-05-2003, 06:25 AM
فى كتابه " الثقافة البدائية " ..استعمل تايلور ( E.B. Tylor ) مفهوم الثقافة كمرادف للحضارة إذ يقول فى مطلع كتابه : "إن الثقافة هى هذا المجموع المتشعب الذى يضم المعارف والمعتقدات ، والفن والقانون ، والأخلاق والتقاليد ، وجميع الامكانات والعادات الأخرى التى يكتسبها كعضو فى مجتمع معين" .. وقد أجمع علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا على اعتماد رأى تايلور إذ كانوا يستخدمون اصطلاح " ثقافة " بمعنى حضارة ، ويعتبرون من الممكن أن يحل أحدهما محل الآخر ، وهناك ثمة آراء واجتهادات لإرساء التمايز بين مفهومى "الحضارة" و"المدنية" إذ استقر الرأى على أن الأولى تعبر عن " مضامين روحية " بينما الأخرى تتضمن " محتوى ماديا " ، وربما تشير من وجهة نظر علماء الاجتماع الاشتراكيين إلى منجزات المجتمع فى ميدان التطور السياسى والحقوقى ، وتقاس الحضارة ـ عند الدكتور حسين مؤنس ـ بحسب ما تقدمه للإنسان من أمان واطمئنان وكفاية وتفاهم وتعاون ومحبة ، أى أنه ليس بالضرورة أن يفرز مجتمع متقدم ماديا " حضارة " تفى بحاجات بنيه ، ربما تمنحهم الإحساس باللذة الحسية ، ولكنها تفتقر إلى منظومة القيم التى تشعرهم بالأمان ، فالمجتمع العربى المسلم ، ربما يعتبر متخلفا ، إذا ما تم النظر إليه بمعايير التقدم المادى ، ولكن التزام أبنائه بـالزكاة مثلا أو بالهدى النبوى الشريف ، مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد ، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ، يعد أكثر تحضرا من نظيره الغربى المتقدم عنه ماديا ، والذى يستقى قيمه وتقاليده وعلاقاته من تمجيد الفردية ، التى جعلت الإنسان ـ كما وضح ذلك "هوبز" ذئبا لأخيه الإنسان .. :roll:
نريد أن نقول : إن ثمة تباينا بين مفهومى حضارة "ثقافة " ومدنية " تقدم مادى " وإن النظر إليهما ، وكأنهما مرادفان لمعنى واحد ، يفضى إلى الانزلاق فى مأزق "التبعية" الكاملة للطرف الأكثر تقدما و ليس للأكثر تحضرا ، إذ إن المغلوب كما يقول ابن خلدون يتشبه أبدا بالغالب فى ملبسه ومركبه وسلاحه فى اتخاذها وأشكالها ، بل وفى سائر أحواله ، يقول ابن خلدون " إن السبب فى ذلك أن النفس تعتقد الكمال فيمن غلبها ".. والمثقف العلمانى العربى يقع فى مأزق هذا الخلط بين هذين المفهومين ولا سيما عند تأطير شكل العلاقة بين " الأنا " العربية والآخر " الغربى" ، ويتجلى ذلك عندما يستشار حول هذه الاشكالية التى لم ينفض الجدل بشأنها منذ بدايات القرن الحالى ، وإلى الآن ، وهى ماذا يؤخذ من الغرب "المتقدم" وماذا يرد ؟ إجابة المثقفين العرب ـ الذين يراهنون على الأنموذج الغربى للتحديث ـ عن هذا السؤال تكاد تكون واحدة ، وسجل إجماعهم على أنه يؤخذ كل ما تنتجه أوربا ولا يرد منه شئ ، أى نقل الآله بجانب الثقافة أو مجموعة القيم السائدة والتى تطورت الآلة فى كنفها !! ويعبر "طه حسين " عن هذا المنحى فى كتابة مستقبل الثقافة فى مصر بقوله " علينا أن نصبح أوربيين فى كل شئ قابلين ما فى ذلك من حسنات وسيئات" . و في هذا الاطار أيضا يقول نصر حامد ابو زيد " لقد تم تطبيق منهج " الاستيراد " خلال عقود طويلة-في القرن التاسع عشر والعشرين-ولم ينجح لا في تأسيس مجتمع علمي، ولا في خلق مناخ للتفكير العلمي. والعلة في تقديري أننا نظرنا إلى تفوق " الغرب " طوال هذين القرنين بوصفه تفوقاً في العلم والتكنولوجيا وحدهما، دون مجال الفكر والفلسفة والثقافة والفنون، أي دون مجال النشاط الروحي الذي تصورنا أن رصيدنا التراثي منه يتفوق على إنجاز الحضارة الحديثة فيه وما تزال دعوات "النهوض" و"التقدم" التي تتردد الآن وبقوة تركز على قضايا "العلم" و"التكنولوجيا" بمعزل عن تطوير علومنا الإنسانية بالتفاعل مع إنجازات مناهج الإنسانيات في الحضارة الحديثة إن الإنسان المنتج للعلم والتكنولوجيا هو الإنسان الذي تم تكوينه معرفياً منذ مرحلة الطفولة بتدريبه على أهمية إثارة الأسئلة ، وتقليب الاحتمالات الممكنة ، والتفكير في الأجوبة قبل اختيار أحدها ، والاستعداد للتخلي عن قناعته إذا ثبت له عدم دقتها والأهم من ذلك كله عدم قبول الرأي الشائع دون فحص ونقد. إنه منهج "الشك"، و"المراجعة" ، "وإعادة النظر"، لا منهج "الإيمان" الأعمى و"اليقين" الزائف و"الطاعة" و"التقليد" " فبالرغم من أن التقدم المادى ليس هو الحضارة على نحو ما أشرنا ، فإنه لا يزال ينظر المثقف العلماني إلى أن النهضة تعنى نقل الحضارة "الثقافة" التى حدث هذا التقدم فى إطارها ، وقسر الواقع العربى وجلده إلى أن يذعن لها أملا فى إحداث ثورة صناعية توازى تلك التى ينعم الأوربيون بها !! بل إن الأمر تطور إلى أخطر من ذلك إذ حلت قيم الغرب محل المعيار الربانى الخالد " القرآن والسنة " فى قياس القيم السائدة فى المجتمع ، وما ينفع المسلم وما يضره !! إذ قاس قاسم أمين قيمة حضارية إسلامية الحجاب بمعايير حضارة الغرب ، لأنه الطرف الأكثر تفوقا ماديا حين يقول " هل يظن المصريون أن أولئك القوم ـ يقصد الأوربيين ـ بعد أن بلغوا من كمال العقل ، والشعور مبلغا مكنهم من اكتشاف قوة البخار ، والكهرباء يتركون الحجاب بعد تمكنه عندهم ، لو رأوا فيه خيرا ؟ كلا !" وقاسم أمين ليس استثناء ، إذ إن رواد ما يسمى بـ"حركة النهضة العربية الحديثة " ، اعتقدوا جميعا أن " الحضارة " هى وليدة عبادة " العلم " أو أن يحل العقل محل الله !! ولعلنا نذكر دعوة شبلى شميل إلى تعويض الدين بالعلم وبالأخص العلم الطبيعى الإلحادى ، وهكذا ذهب أقرانه من دعاة الظلامية والمتخذين من التنوير واجهة للتخريب الفكرى والعقلى الذى مارسوه باسم الاستنارة والتحديث !! بينما الحضارة وكما أجمع على ذلك خبراؤها هى مرادف آخر لتشكيلة من القيم الأخلاقية والمنبثقة من أسس دينية إما من نبوة وإما من دعوة حق ، كما يقول ابن خلدون . وتأسيسا على ما تقدم فإن التحضر يعنى الدين لأن المتدين يضبط علاقاته بالمجتمع ، والكون والعالم مبدأ أخلاقى معين ، بينما من يتحرر من سلطة القيم والمثل والأخلاق يعطى لنفسه الحق كل الحق فى الحصول على ما ينغى ، ولو كان على حساب الآخرين ، ولنا أن نتوقع ما يمكن أن يحدث لو أن المجتمع يشكله مثل هذا الأنموذج ، الوحشى من البشر إن النتيجة التى لا يمكن تحاشيها ـ كما يقول هوبز ـ هى حرب الجميع ضد الجميع . والغريب هنا أن "هيجل" صاحب فلسفة صراع التناقضات التى تمخض عنها النمط السياسى القائم على عبادة الدولة يشهد بـ تحضر الرجل المتدين ، فهو يعتبر أن الدولة تمثل الوحدة بين الذاتية والموضوعية ، كما أنها تمثل نشاط الأفراد ، وتعبر عن إرادة الروح ، وهى محور النشاط الفكرى من فلسفة وفن وعلم وقانون وأخلاق ، ويمثل الدين بين مظاهر النشاط الإنسانى أسماها وأكملها إذ إن الدين يدعو إلى نبذ الأهواء الشخصية ، وتجاوز نطاق الفرد ". وبذلك فإن الدين أقرب صور النشاط تحقيقا لأهداف الدولة ، وإن المتدينين هم أكثر الناس استعدادا لأداء الواجب ، فالتحضر أو الحضارة ـ إذن ـ ليست الآلة أو المصنع أو التعرى والسفور ، أو تقليد الغرب ولكنها منهج هداية يضبط علاقة الإنسان بمحيطه الإجتماعى ، والمادى أيضا وإن غياب هذا المنهج يعنى الإباحة والتحلل الأخلاقى والتفسخ الإجتماعى يعنى التخلف بمعناه الشامل !!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ نيوز أرشيف ــــــــــــــــــــــــ