الضمير 76
22-05-2003, 09:35 PM
والان يا خالد.. هل بامكانك ان تكمل القصة التي بدأناها بالأمس.. لقد قضيت ليلي كله شوقا لسماع حكايتك والطرب لحديثك الماتع.. هيا يا خالد قل واسمعني ..
أطرق رأسه (( كعادته دائما حين يكون حديثه عن سحر)) .. لم تكن سحر تلك الفتاة التي رأت النور في صبيحة الاثنين عام 1970 فتاة عادية او سحابة صيف عابرة في حياة خالد.. كانت فقط الهواء الذي يتنفسه.. والنور الذي يبصر به.. واللون الذي من خلاله يرى جمال الحياة ..
وبعد صمت نطق خالد/
بعد ان وعيت بنفسي وانا في مشفى الحميديه وجدت هناك كل رعاية وحفاوة وتكريم.. بعد ان كنت احسب ان الكرم العربي والشهامة العربية ضلت سبيلها في عصور المادة وزمن الدولار.. لقد كانوا يمارسون معي الدلال وكأنني طفل قدم على والديه بعد انتظار دام عقودا.. حتى انني كنت أسأل الأطباء ( هل انا على مايرام؟ ان تكريمكم وحفاوتكم يشعرني انني على خطر كبير) وكنت على سجيتي التي يعرفها عني أهلي شابا ظريفا خفيف الظل والدم.. مما جعل المشفى برمته يعرفونني ويحبونني في بعضة ايام للطافة طباعي وطيب حديثي.. وكانت من النوادر الطريفة التي لا ازال اذكرها انني كنت اتصبب عرقا حين تدخل الي ممرضة .. فانا بطبعي اهاب النساء.. واحس ببلعومي يكاد يموت ظمئا حين يرى طيف فتاة.. فكان مرضي اهون علي من رؤية فتاة عشرينيه تدخل لتطبيبي.. ولذا كنت اكتفي بقول انا بخير .. حين تكون التي تشرف على التطبيب (( انثى)) لم اعتد ابدا على رؤية النساء ولا الجلوس اليهن ولا التحدث معهن.. ان ذلك حدث معي مرتين او ثلاثا لكنه كان في المنام وليس في ارض الواقع..
وماذا بعد ذلك يا خالد؟
في يوم الاحد تلقيت اتصالا من أمي .. وطلبوني لمهاتفتها .. قمت من سريري وكلي سرور وفرح وغبطة .. كنت احب امي لدرجه الجنون بها.... يا لتلك الام.. كم رمتني بسهام عطفها وحنانها وطيبها.. تناولت السماعه وما ان سمعت صوتها حتى أجهشت بالبكاء... ما تكلمت بكلمه واحده كانت تقول لي يا خالد مابك... وانا اذوب في حنين صوتها.. اتمنى لو اطير اليها لاقبل يدها ورجليها ورأسها.. لم تكن انفاسي تجمع شتات امرها ولا لافكاري ان تعيد صياغة اوراقها ولا لروحي ان تلملم اطرافها حين سمعت صوت امي... عادت بي الذكرى والحنين الى ايام الطفولة.. الى حضنها الدافيء.. الى دلالها.. الى سهرها معي انا وهي واللعبه .. انا وهي والليل.. اه يا اماه
تمالكت نفسي بعد برهه.. بعد ان كنت ابكي كالطفال في ممر ممتليء بالزوار والمراجعين .. اخذت اخبارها وطمأنتها على حالي بعد الحادث الذي وقع لي...
وبعد ذلك؟
بعد ذلك.. (( سكت خالد قليلا.. ثم..)) حدث ان قابلتها..
حسنا أكمل يا خالد ارجوك.....
أطرق رأسه قليلا.. أصبح صوته مبحوحا.. وكلامه مقطعا وغير مرتب.. فطالبته باستجماع امره وترتيب حاله حتى افهم منه زبدة الموضوع .. هيا يا خالد قل..
حدث ان كنت في يوم الجمعه في استراحة المرضى ... وكان المشفى قد هيأ لنا حديقة جميلة فائقة الجمال.. فيها الورود الحمراء والبيضاء والصفراء.. فيها مجرى مائي يذهب بالالباب والخضرة الضاربة هنا وهناك تشفي القلب العليل.. كنت كعادتي احب السير لوحدي.. ما كنت في سالف عهدي أثق كثيرا بالناس.. ولا أعلق آمالا بهم.. فكنت اختار الوحدة صديقا لي.. لن اكذب عليك لو قلت لك انني لا أذكرى في ماضي أيامي لحظة جعلتني ارى الحياه كما يراها الناس.. او ان اضحك من اعماقي كما يضحك الناس.. كنت انسانا ظريفا وفقط.. احب اسعاد الاخرين وينتهي الامر على هذا النحو.. مضيت اجوب الحديقه واسير فيها والغيوم تملأ السماء.. والكل في انتظار هطول المطر..
وهنا حدث ما حدث..
وقعت عيني على فتاة عشرينيه.. تقبع في ركن من اركان الحديقه.. في زاوية ارى الفتاة جالسة فيها.. ولو قلت ان حزن الكون قد تملكها لما كنت مبالغا.. ولو قيل لي ان هذه الفتاة آتية من عالم الآلام لصدقتهم.. اقتربت نحوها قليلا.. وصادفت بطريقي احد المشرفين على المشفى فسألتهم.. من تكون هذه وما قصتها..؟ قال لي تقصد الفتاة سحر؟ قلت نعم نعم.. ( رغم انني لا اعرف اسمها)) لكنني علمت انه يقصدها من خلال اشارته واشارتي.. قال هذه فتاة مسكينه... قلت ولم؟
قال ولدت يتيمه... وامها تزوجت منذ زمن.. ولديها اعاقه في سمعها زهي تتعالج هنا.. قلت وهل الاعاقه قويه؟ قال كلا كلا.. قلت وهل الاعاقة البسيطه هذه تصنع منها شخصية متألمة على هذا النحو..... قال لا ادري لا ادري اذهب واسالها.... ثم اردف قائلا... (( على فكره اظن خروجها عما قريب))
وكنت اقترب خطوة وأأخر اخرى.. ما كنت مترددا في شيء من حياتي كترددي هذه الدقائق ..
اقتربت وهي مطرقة الرأس.. وكانت قد غطت شعرها بوشاح أبيض.. ولما وقفت على راسها وشاهدت قدماي امامها.. رفعت رأسها.. فوقعت عيناي على عينيها.. وكنت ساعتها فقط عرفت اول نظرة لي اضع فيها عيني على عيني فتاة.. اول مره في حياتي ادرك حديث العيون.. لقد رايت عينا خلتها مجمع حضارات.. لقد رايت نافذة على عالم اخر ما عشته ولا ذقت طعمه ولا أبصرت لونه.. اي جمال كانت تحويه هاتان العينان.. واي بريق مبهر هو بريق عينيها.. لقد تذكرت وانا مأسور بين حضرتها قول الشاعر
ان العيون التي في طرفها حور.... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
رغم كل الجمال .. والبريق .. امتلأت العين بالدمع.. بل.. مذ رايتها كانت قد اخرجت منديلها لتمسح دموعها... قلت لها وكلي رجفان.. السلام عليك... فلم تنطق بكلمه..وكنت اسارق النظر اليها لحظة واطرق لحظه... لم لم ترد السلام علي؟ تذكرت اعاقتها ففهمت السر... واشارت هي الى أذنيها واشارت ثانية (( اني لا اسمع شيئا)) هززت رأسي ( نعم نعم انني اعلم )) وابتسمت لها.. فابتسمت هي لي.. نعم.. ابتسمت.. وحينها فقط.. علمت انني وجدت لحظة لم اجدها في ال 30 سنه التي مضت من عمري.. لقد شعرت بروحي خفيفة حتى خلتني اقدر على لمس الثرياء.. ومعانقة الجوزاء.. كان لعينيها ولنقاء روحها سحر .. نعم فهي سحر... أخرجت هي من جيبها ورقة .. قلت مشيرا لها (( ما هذه)) .. قالت ستعلم بعد ايام سرها... سكتت ... فاستأذنت لانصرف.. وفي طريقي الى الغرفه.. لم يبقى مريض ولا زائر لم اشتر له وردا او اوزع عليه مشروبا باردا..... لقد احسست اني مولود جديد.. لقد صنعت مني شخصا اخر تماما..
ما لفت نظري وقتها ان الورقه قد كتب عليها ..... (( سحر .. المطار.. )) لم افهم شيئا..
بعد يومين خرجت الى الحديقه..... لم اجدها...... ذهبت الى المشرف لأسأله..... قلت له/
أين المريضه سحر؟ قال لي وقد زرع ابتسامة عريضه على شفتيه.. سحر للتو فقط اتت امها وانهت اجراءت المغادره... قلت له ( عفوا مغادرة ماذا؟) قال مغادرة المشفى.. لقد انهت فترة العلاج وعلى ما اظن ان امها ستذهب بها الى الخارج للعلاج في مستشفيات ارقى واكبر واكثر تقدما وخبرة
نزل الخبر بي كمثل الصاعقه.. لا ادري ماذا حدث لي.. احسست بتوتر رهيب .. انفاسي متلاحقه.. عيناني تقتربان من نوبة بكاء رهيبه... لم تنتهي فترة علاجي... ذهبت الى غرفتي مضطربا.. جلست على سريري... ووقعت عيني على ورقتها..... تأملتها جيدا.. وقرأت المطار...... المطار..
نعم..... هي هناك.......
قمت كالمنتفض اثر لسعة كهاربائيه...... توجهت الى بوابة المشفى .. كنت لا ازال اعاني من رضوض وكدمات اثر الحادث... خرجت بعد ان واجهت صعوبات امنيه ومن قبل الحراس.. لكنني في الاخير تمكنت من الهروب... الى المجهول.. لا ادري مالذي يفعله خالد.. انه كالمجنون.. وماذا تعني لك يا خالد هذه الفتاه؟ ومن تكون...؟ ولو سافرت فانت ما شأنك؟ دار بخلدي مئات الاسئله تريد ايقافي ..وقفت فقط لاقول لنفسي ( ماذا حدث ؟) شيئا ما بالفعل يحدث... او هو شيء ما سيحدث
اوقفت اول سيارة اجره... فقلت له المطار....... المطار.. سحر المطار... سحر المطار.... كنت كالمجنون انطق باسمها لسائق اجره... فيقول لي (( ايش ايش)) فكنت اقول له من كل اعماقي (( الله يخليك المطار المطار)) قال اسف المطار بعيد ..... قلت له سأعطيك ثمن ما تقبضه في شهر فقط القني في ارض المطار...
وصلت الى المطار..... توجهت بحدسي الى الرحلات الخارجيه...... دخلت الى المطار .. كان متواضعا.. كنت التفت تماما كحال المجانين.. ارقب هنا وهناك...... ابحث عنها..... انطلقت الى احدى الكاونترات..... سألته قلت له ( هل رأيت فتاه عشرينيه برفقة امها اتوا الى هنا) او هل تقدر على معرفة مكانهما من خلال الاسم.. قلت له اسمها اا سحر نعم سحر سحر... قال لي وكان فظا... سحر ماذا؟ قلت لا ادري ا ا ا سحر لا ادري تلعثمت وتاهت الحروف..... قال وماذا تريد.. قلت له وكلي ارتباك... لا اريد شيئا فقط هي كانت من ضمن المرضى وانا مشرف بالمشفى واريد اسداء بعض النصائح لها... ارتاب من امري..... فبلغ قسم الامن.. فاحاطوا بي... واخذوني الى قسم التفتيش داخل المطار..... وانا كنت اقول واخاطب نفسي ( مالذي فعلته يا خالد)؟ وما ذا فعلت يا سحر))
تأكدوا من بعض المعلومات الا انهم اكتشفوا انني كنت مريضا بالمشفى ولست مشرفا او اخصائيا.. اضافة الى انني هربت..... فصدر بحقي عقوبة لكنهم أجلوها..... قلت للضابط ولم التأجيل... قال لانه ربما تلحقك تهمه ثالثه............ قلت وما هي؟ قال محاولتك الاضرار بسحر وامها....... حينما نطق الضابط هذه الكلمه... احسست اني ولدت من جديد...... لقد تأكدت ان سحر ستأتي مع امها لرؤية ملابسات الامر......
كنت انتظر على احر من الجمر...... كنت اهيم في واد نسجه لي بريق عينيها.... وصفاء روحها.... كنت اعيد قراءة كل لحظة قضيتها معها في الحديقه لمدة لا تتجاوز 3 دقائق وبعد لحظات..... دخل العميد ... وقال لي
سحر وامها غادروا قبل 3 ساعات......... قمت وامسكت بتلابيب العميد وقلت له غادروا الى اين؟؟
دفعني الى الارض... وامر بالتحقيق مره اخرى ...
خالد اكمل...........
لم يستطع خالد ان يكمل شيئا ......... لان القصة بالفعل انتهت....... اخرج خالد الورقه التي كانت معه.....
فرأيت مكتوبا عليها
سحر...... المطار...
ودعته وقد غرق في دموعه..... فلم أشأ ازعاجه
بقلم / الضمير
............
أطرق رأسه (( كعادته دائما حين يكون حديثه عن سحر)) .. لم تكن سحر تلك الفتاة التي رأت النور في صبيحة الاثنين عام 1970 فتاة عادية او سحابة صيف عابرة في حياة خالد.. كانت فقط الهواء الذي يتنفسه.. والنور الذي يبصر به.. واللون الذي من خلاله يرى جمال الحياة ..
وبعد صمت نطق خالد/
بعد ان وعيت بنفسي وانا في مشفى الحميديه وجدت هناك كل رعاية وحفاوة وتكريم.. بعد ان كنت احسب ان الكرم العربي والشهامة العربية ضلت سبيلها في عصور المادة وزمن الدولار.. لقد كانوا يمارسون معي الدلال وكأنني طفل قدم على والديه بعد انتظار دام عقودا.. حتى انني كنت أسأل الأطباء ( هل انا على مايرام؟ ان تكريمكم وحفاوتكم يشعرني انني على خطر كبير) وكنت على سجيتي التي يعرفها عني أهلي شابا ظريفا خفيف الظل والدم.. مما جعل المشفى برمته يعرفونني ويحبونني في بعضة ايام للطافة طباعي وطيب حديثي.. وكانت من النوادر الطريفة التي لا ازال اذكرها انني كنت اتصبب عرقا حين تدخل الي ممرضة .. فانا بطبعي اهاب النساء.. واحس ببلعومي يكاد يموت ظمئا حين يرى طيف فتاة.. فكان مرضي اهون علي من رؤية فتاة عشرينيه تدخل لتطبيبي.. ولذا كنت اكتفي بقول انا بخير .. حين تكون التي تشرف على التطبيب (( انثى)) لم اعتد ابدا على رؤية النساء ولا الجلوس اليهن ولا التحدث معهن.. ان ذلك حدث معي مرتين او ثلاثا لكنه كان في المنام وليس في ارض الواقع..
وماذا بعد ذلك يا خالد؟
في يوم الاحد تلقيت اتصالا من أمي .. وطلبوني لمهاتفتها .. قمت من سريري وكلي سرور وفرح وغبطة .. كنت احب امي لدرجه الجنون بها.... يا لتلك الام.. كم رمتني بسهام عطفها وحنانها وطيبها.. تناولت السماعه وما ان سمعت صوتها حتى أجهشت بالبكاء... ما تكلمت بكلمه واحده كانت تقول لي يا خالد مابك... وانا اذوب في حنين صوتها.. اتمنى لو اطير اليها لاقبل يدها ورجليها ورأسها.. لم تكن انفاسي تجمع شتات امرها ولا لافكاري ان تعيد صياغة اوراقها ولا لروحي ان تلملم اطرافها حين سمعت صوت امي... عادت بي الذكرى والحنين الى ايام الطفولة.. الى حضنها الدافيء.. الى دلالها.. الى سهرها معي انا وهي واللعبه .. انا وهي والليل.. اه يا اماه
تمالكت نفسي بعد برهه.. بعد ان كنت ابكي كالطفال في ممر ممتليء بالزوار والمراجعين .. اخذت اخبارها وطمأنتها على حالي بعد الحادث الذي وقع لي...
وبعد ذلك؟
بعد ذلك.. (( سكت خالد قليلا.. ثم..)) حدث ان قابلتها..
حسنا أكمل يا خالد ارجوك.....
أطرق رأسه قليلا.. أصبح صوته مبحوحا.. وكلامه مقطعا وغير مرتب.. فطالبته باستجماع امره وترتيب حاله حتى افهم منه زبدة الموضوع .. هيا يا خالد قل..
حدث ان كنت في يوم الجمعه في استراحة المرضى ... وكان المشفى قد هيأ لنا حديقة جميلة فائقة الجمال.. فيها الورود الحمراء والبيضاء والصفراء.. فيها مجرى مائي يذهب بالالباب والخضرة الضاربة هنا وهناك تشفي القلب العليل.. كنت كعادتي احب السير لوحدي.. ما كنت في سالف عهدي أثق كثيرا بالناس.. ولا أعلق آمالا بهم.. فكنت اختار الوحدة صديقا لي.. لن اكذب عليك لو قلت لك انني لا أذكرى في ماضي أيامي لحظة جعلتني ارى الحياه كما يراها الناس.. او ان اضحك من اعماقي كما يضحك الناس.. كنت انسانا ظريفا وفقط.. احب اسعاد الاخرين وينتهي الامر على هذا النحو.. مضيت اجوب الحديقه واسير فيها والغيوم تملأ السماء.. والكل في انتظار هطول المطر..
وهنا حدث ما حدث..
وقعت عيني على فتاة عشرينيه.. تقبع في ركن من اركان الحديقه.. في زاوية ارى الفتاة جالسة فيها.. ولو قلت ان حزن الكون قد تملكها لما كنت مبالغا.. ولو قيل لي ان هذه الفتاة آتية من عالم الآلام لصدقتهم.. اقتربت نحوها قليلا.. وصادفت بطريقي احد المشرفين على المشفى فسألتهم.. من تكون هذه وما قصتها..؟ قال لي تقصد الفتاة سحر؟ قلت نعم نعم.. ( رغم انني لا اعرف اسمها)) لكنني علمت انه يقصدها من خلال اشارته واشارتي.. قال هذه فتاة مسكينه... قلت ولم؟
قال ولدت يتيمه... وامها تزوجت منذ زمن.. ولديها اعاقه في سمعها زهي تتعالج هنا.. قلت وهل الاعاقه قويه؟ قال كلا كلا.. قلت وهل الاعاقة البسيطه هذه تصنع منها شخصية متألمة على هذا النحو..... قال لا ادري لا ادري اذهب واسالها.... ثم اردف قائلا... (( على فكره اظن خروجها عما قريب))
وكنت اقترب خطوة وأأخر اخرى.. ما كنت مترددا في شيء من حياتي كترددي هذه الدقائق ..
اقتربت وهي مطرقة الرأس.. وكانت قد غطت شعرها بوشاح أبيض.. ولما وقفت على راسها وشاهدت قدماي امامها.. رفعت رأسها.. فوقعت عيناي على عينيها.. وكنت ساعتها فقط عرفت اول نظرة لي اضع فيها عيني على عيني فتاة.. اول مره في حياتي ادرك حديث العيون.. لقد رايت عينا خلتها مجمع حضارات.. لقد رايت نافذة على عالم اخر ما عشته ولا ذقت طعمه ولا أبصرت لونه.. اي جمال كانت تحويه هاتان العينان.. واي بريق مبهر هو بريق عينيها.. لقد تذكرت وانا مأسور بين حضرتها قول الشاعر
ان العيون التي في طرفها حور.... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
رغم كل الجمال .. والبريق .. امتلأت العين بالدمع.. بل.. مذ رايتها كانت قد اخرجت منديلها لتمسح دموعها... قلت لها وكلي رجفان.. السلام عليك... فلم تنطق بكلمه..وكنت اسارق النظر اليها لحظة واطرق لحظه... لم لم ترد السلام علي؟ تذكرت اعاقتها ففهمت السر... واشارت هي الى أذنيها واشارت ثانية (( اني لا اسمع شيئا)) هززت رأسي ( نعم نعم انني اعلم )) وابتسمت لها.. فابتسمت هي لي.. نعم.. ابتسمت.. وحينها فقط.. علمت انني وجدت لحظة لم اجدها في ال 30 سنه التي مضت من عمري.. لقد شعرت بروحي خفيفة حتى خلتني اقدر على لمس الثرياء.. ومعانقة الجوزاء.. كان لعينيها ولنقاء روحها سحر .. نعم فهي سحر... أخرجت هي من جيبها ورقة .. قلت مشيرا لها (( ما هذه)) .. قالت ستعلم بعد ايام سرها... سكتت ... فاستأذنت لانصرف.. وفي طريقي الى الغرفه.. لم يبقى مريض ولا زائر لم اشتر له وردا او اوزع عليه مشروبا باردا..... لقد احسست اني مولود جديد.. لقد صنعت مني شخصا اخر تماما..
ما لفت نظري وقتها ان الورقه قد كتب عليها ..... (( سحر .. المطار.. )) لم افهم شيئا..
بعد يومين خرجت الى الحديقه..... لم اجدها...... ذهبت الى المشرف لأسأله..... قلت له/
أين المريضه سحر؟ قال لي وقد زرع ابتسامة عريضه على شفتيه.. سحر للتو فقط اتت امها وانهت اجراءت المغادره... قلت له ( عفوا مغادرة ماذا؟) قال مغادرة المشفى.. لقد انهت فترة العلاج وعلى ما اظن ان امها ستذهب بها الى الخارج للعلاج في مستشفيات ارقى واكبر واكثر تقدما وخبرة
نزل الخبر بي كمثل الصاعقه.. لا ادري ماذا حدث لي.. احسست بتوتر رهيب .. انفاسي متلاحقه.. عيناني تقتربان من نوبة بكاء رهيبه... لم تنتهي فترة علاجي... ذهبت الى غرفتي مضطربا.. جلست على سريري... ووقعت عيني على ورقتها..... تأملتها جيدا.. وقرأت المطار...... المطار..
نعم..... هي هناك.......
قمت كالمنتفض اثر لسعة كهاربائيه...... توجهت الى بوابة المشفى .. كنت لا ازال اعاني من رضوض وكدمات اثر الحادث... خرجت بعد ان واجهت صعوبات امنيه ومن قبل الحراس.. لكنني في الاخير تمكنت من الهروب... الى المجهول.. لا ادري مالذي يفعله خالد.. انه كالمجنون.. وماذا تعني لك يا خالد هذه الفتاه؟ ومن تكون...؟ ولو سافرت فانت ما شأنك؟ دار بخلدي مئات الاسئله تريد ايقافي ..وقفت فقط لاقول لنفسي ( ماذا حدث ؟) شيئا ما بالفعل يحدث... او هو شيء ما سيحدث
اوقفت اول سيارة اجره... فقلت له المطار....... المطار.. سحر المطار... سحر المطار.... كنت كالمجنون انطق باسمها لسائق اجره... فيقول لي (( ايش ايش)) فكنت اقول له من كل اعماقي (( الله يخليك المطار المطار)) قال اسف المطار بعيد ..... قلت له سأعطيك ثمن ما تقبضه في شهر فقط القني في ارض المطار...
وصلت الى المطار..... توجهت بحدسي الى الرحلات الخارجيه...... دخلت الى المطار .. كان متواضعا.. كنت التفت تماما كحال المجانين.. ارقب هنا وهناك...... ابحث عنها..... انطلقت الى احدى الكاونترات..... سألته قلت له ( هل رأيت فتاه عشرينيه برفقة امها اتوا الى هنا) او هل تقدر على معرفة مكانهما من خلال الاسم.. قلت له اسمها اا سحر نعم سحر سحر... قال لي وكان فظا... سحر ماذا؟ قلت لا ادري ا ا ا سحر لا ادري تلعثمت وتاهت الحروف..... قال وماذا تريد.. قلت له وكلي ارتباك... لا اريد شيئا فقط هي كانت من ضمن المرضى وانا مشرف بالمشفى واريد اسداء بعض النصائح لها... ارتاب من امري..... فبلغ قسم الامن.. فاحاطوا بي... واخذوني الى قسم التفتيش داخل المطار..... وانا كنت اقول واخاطب نفسي ( مالذي فعلته يا خالد)؟ وما ذا فعلت يا سحر))
تأكدوا من بعض المعلومات الا انهم اكتشفوا انني كنت مريضا بالمشفى ولست مشرفا او اخصائيا.. اضافة الى انني هربت..... فصدر بحقي عقوبة لكنهم أجلوها..... قلت للضابط ولم التأجيل... قال لانه ربما تلحقك تهمه ثالثه............ قلت وما هي؟ قال محاولتك الاضرار بسحر وامها....... حينما نطق الضابط هذه الكلمه... احسست اني ولدت من جديد...... لقد تأكدت ان سحر ستأتي مع امها لرؤية ملابسات الامر......
كنت انتظر على احر من الجمر...... كنت اهيم في واد نسجه لي بريق عينيها.... وصفاء روحها.... كنت اعيد قراءة كل لحظة قضيتها معها في الحديقه لمدة لا تتجاوز 3 دقائق وبعد لحظات..... دخل العميد ... وقال لي
سحر وامها غادروا قبل 3 ساعات......... قمت وامسكت بتلابيب العميد وقلت له غادروا الى اين؟؟
دفعني الى الارض... وامر بالتحقيق مره اخرى ...
خالد اكمل...........
لم يستطع خالد ان يكمل شيئا ......... لان القصة بالفعل انتهت....... اخرج خالد الورقه التي كانت معه.....
فرأيت مكتوبا عليها
سحر...... المطار...
ودعته وقد غرق في دموعه..... فلم أشأ ازعاجه
بقلم / الضمير
............