أبو مالك abu malek
11-05-2003, 04:18 PM
مقدمات خاطئة في ممارسة الرقية
silarbi.hassen@caramail.com
الحمد لله، وبعد
المبحث الأول: كيفية تشخيص كثير من الرقاة للحالات المرضية
يبدو أن الحكمة القائلة: "لكل مقام مقال، ولكل فن رجال، وليس كل ما يُعرف يقال" لم تجد مجالا للتطبيق في واقع الرقاة الجدد، بسبب افتقارهم الشديد إلى المقايـيس الكافية لتشخيص حالات مرضية مشتبهة قد تتعدّى أسبابها حدود الأعراض الظاهرة ؛ فعلى ماذا يعتمد هؤلاء لفهم هذا التباين؟ وعلى أيّ أساس تنضبط أحكامهم في مثل هذه العملية العلمية الدقيقة؟
*****
المطلب الأول: حقيقة يجهلها كثير منهم
لا بد بادئ ذي بدأ من الإشارة إلى حقيقة واقعية علمية يجهلها كثير ممّن يحترفون الرقية، وهم أبعد الناس عنها، وهي أن تشابه الأعراض المرضية لا يعني بالضرورة اتحاد أسبابها، بل إننا نؤكد أن: 85% -وهذا على أقل تقدير- من مجموع الحالات التي تعرض على الرقاة هي من أصل عضوي، أو نفساني، أو اجتماعي، وقد تجتمع بعضها أو كلها في شخص المريض أحيانا!
ولابد من التنبيه أيضا إلى أمر مهمّ، وهو أن الأحوال الجسمانية تابعة للأحوال النفسانية في كثير من الأوضاع، ويمكننا رؤية آثارها جلية في واقع عدد كبير من المرضى، وقد سبق الكلام عن هذا الأمر في الفصل الثالث.
وعليه، فإن جهل هؤلاء بمُلابسات وتفاصيل العناصر المذكورة، كثيرا ما يؤدّي إلى الخلط في التشخيص، ومنه تعطيل الأسباب اللاّزمة للعلاج المناسب، بل قد يفضي هذا إلى اختلاق علّة وهمية لا صلة للمريض بها، تزيد الطين بلة، فتتفاقم على إثرها وضعيته الصحية والنفسية والاجتماعية.
ومثال ذلك: كأن يعاني أحد الناس ضعفا جنسيا ليلة زفافه، نتيجة إرهاق بدني أو نفسي، فيأتي الراقي ليؤكد له بقوله: "إنك مربوط"!! أو تحسّ أخرى بتـنـمّلات في الأطراف نتيجة فقر في مادة الكالسيوم أو نتيجة ضغط دموي أو غيره، فيقال لها: إنك مسحورة أو ممسوسة!..
هذا، ولو ذكرنا ما نعرفه من هذه المهازل المضحكة المبكية وما يترتب عنها من مفاسد، لانقطع الناس نهائيا عن عيادة الرقاة من غير تفريق ؛ والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا به.
*****
المطلب الثاني: اعتمادهم على الخيالات والمكاشفات
لقد اعتاد أولئك الصنف من الرقاة طريقة ما هي من الدّين، ولا من العلم والعقل في شيء - إذا استثنينا قراءة القرآن -: يعمد أحدهم إلى المريض فيأمره، بعد استلقائه بإغماض عينيه أو يضع عليهما منديلا أو شيئا، ثم يضع يده على رأسه، ويأمره بالاستماع إلى تلاوته لبعض الآيات مع ملاحظة ما قد يراه أثناء ذلك، أي وهو مغمض العينين.. وكلما تمثلت في مخيلة المريض بعض المشاهد، أوقف الراقي تلاوته للإنصات إلى تفاصيلها!
وقد شاعت هذه الطريقة شيوعا واسعا، حتى تكاد لا تدخل بيتا مرّ به راقٍ إلا أخبرك أهل المريض أنه تعامل بها.
ومن أمثلة ذلك : أن يرى المريض في ناحية البيت شيئا غريبا لا يعرف كنهه، أو يرى أحد أقربائه أو جيرانه يدخل بيته في زمن كذا، ويضع شيئا في مكان كذا، أو يرى أنه يأكل عند فلانة لحما أو طعاما، أو يرى أشباحا أو أشخاصا تطير في الهواء..!! إلى آخر تلك الخيالات العجيبة.
وبينما هو مغمض العينين سارح الذهن، يأمره الراقي بالتركيز على ذلك الشيء، فإن كان داخل البيت أمره بأخذه ووضعه داخل كوب من ماء فيه تعاويذ من القرآن، وكذلك يفعل بتلك الأشباح والأجسام، ثم يرى المريض-ولا أحد غيره- أنّ الشيء أو الشخص قد تبخّر وزال داخل الكأس!!
وأما ما يتعلق بالطعام المأكول، فيأمره الراقي بالاستقاء منه داخل إناء، وذلك بعد سقيه كميات معتبرة من الماء المعوّذ، والتي قد يضاف إليها كميّة من الملح أو الزيت أو العطر! مما يستحيل تمالك النفس عند شربها، فإذا ظهرت بعض الإفرازات الغددية كالاصفرار أو غيره، دلّ ذلك عند الراقي أنه من السحر، وأن الذي وضعه له هو فلانة التي رآها المريض!
وبهذه الكيفية يزول مفعول السحر والمسّ الشيطاني في زعم هؤلاء الرقاة!!
*****
المطلب الثالث: اعتمادهم على الأحلام في الشهادات والأحكام
جلّ هؤلاء الرقاة يسألون عن رؤى المريض، لا لكونهم يملكون نصيبا من علم تأويلها، فتكون كالقرائن لما قد يشخصونه من أنواع العلل، بل لاستخلاصهم الأحكام على بعض القضايا.
فإذا ذكر لهم المريض مثلا أنه يرى ثعابينَ أو كلابا تقرضه بأنيابها، كان ذلك دليلا كافيا عند هؤلاء للحكم على حالة المصاب بأنها من قبيل المس أو السحر.
وقد يرى المريض في حلمه مثلا أن فلانا من الناس سحره، فيتبنى الراقي ذلك ويتلقاه كأنه حقيقة ثابتة، فيجاري المريض في ظنه ووسوسته.
*****
يتبع
silarbi.hassen@caramail.com
الحمد لله، وبعد
المبحث الأول: كيفية تشخيص كثير من الرقاة للحالات المرضية
يبدو أن الحكمة القائلة: "لكل مقام مقال، ولكل فن رجال، وليس كل ما يُعرف يقال" لم تجد مجالا للتطبيق في واقع الرقاة الجدد، بسبب افتقارهم الشديد إلى المقايـيس الكافية لتشخيص حالات مرضية مشتبهة قد تتعدّى أسبابها حدود الأعراض الظاهرة ؛ فعلى ماذا يعتمد هؤلاء لفهم هذا التباين؟ وعلى أيّ أساس تنضبط أحكامهم في مثل هذه العملية العلمية الدقيقة؟
*****
المطلب الأول: حقيقة يجهلها كثير منهم
لا بد بادئ ذي بدأ من الإشارة إلى حقيقة واقعية علمية يجهلها كثير ممّن يحترفون الرقية، وهم أبعد الناس عنها، وهي أن تشابه الأعراض المرضية لا يعني بالضرورة اتحاد أسبابها، بل إننا نؤكد أن: 85% -وهذا على أقل تقدير- من مجموع الحالات التي تعرض على الرقاة هي من أصل عضوي، أو نفساني، أو اجتماعي، وقد تجتمع بعضها أو كلها في شخص المريض أحيانا!
ولابد من التنبيه أيضا إلى أمر مهمّ، وهو أن الأحوال الجسمانية تابعة للأحوال النفسانية في كثير من الأوضاع، ويمكننا رؤية آثارها جلية في واقع عدد كبير من المرضى، وقد سبق الكلام عن هذا الأمر في الفصل الثالث.
وعليه، فإن جهل هؤلاء بمُلابسات وتفاصيل العناصر المذكورة، كثيرا ما يؤدّي إلى الخلط في التشخيص، ومنه تعطيل الأسباب اللاّزمة للعلاج المناسب، بل قد يفضي هذا إلى اختلاق علّة وهمية لا صلة للمريض بها، تزيد الطين بلة، فتتفاقم على إثرها وضعيته الصحية والنفسية والاجتماعية.
ومثال ذلك: كأن يعاني أحد الناس ضعفا جنسيا ليلة زفافه، نتيجة إرهاق بدني أو نفسي، فيأتي الراقي ليؤكد له بقوله: "إنك مربوط"!! أو تحسّ أخرى بتـنـمّلات في الأطراف نتيجة فقر في مادة الكالسيوم أو نتيجة ضغط دموي أو غيره، فيقال لها: إنك مسحورة أو ممسوسة!..
هذا، ولو ذكرنا ما نعرفه من هذه المهازل المضحكة المبكية وما يترتب عنها من مفاسد، لانقطع الناس نهائيا عن عيادة الرقاة من غير تفريق ؛ والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا به.
*****
المطلب الثاني: اعتمادهم على الخيالات والمكاشفات
لقد اعتاد أولئك الصنف من الرقاة طريقة ما هي من الدّين، ولا من العلم والعقل في شيء - إذا استثنينا قراءة القرآن -: يعمد أحدهم إلى المريض فيأمره، بعد استلقائه بإغماض عينيه أو يضع عليهما منديلا أو شيئا، ثم يضع يده على رأسه، ويأمره بالاستماع إلى تلاوته لبعض الآيات مع ملاحظة ما قد يراه أثناء ذلك، أي وهو مغمض العينين.. وكلما تمثلت في مخيلة المريض بعض المشاهد، أوقف الراقي تلاوته للإنصات إلى تفاصيلها!
وقد شاعت هذه الطريقة شيوعا واسعا، حتى تكاد لا تدخل بيتا مرّ به راقٍ إلا أخبرك أهل المريض أنه تعامل بها.
ومن أمثلة ذلك : أن يرى المريض في ناحية البيت شيئا غريبا لا يعرف كنهه، أو يرى أحد أقربائه أو جيرانه يدخل بيته في زمن كذا، ويضع شيئا في مكان كذا، أو يرى أنه يأكل عند فلانة لحما أو طعاما، أو يرى أشباحا أو أشخاصا تطير في الهواء..!! إلى آخر تلك الخيالات العجيبة.
وبينما هو مغمض العينين سارح الذهن، يأمره الراقي بالتركيز على ذلك الشيء، فإن كان داخل البيت أمره بأخذه ووضعه داخل كوب من ماء فيه تعاويذ من القرآن، وكذلك يفعل بتلك الأشباح والأجسام، ثم يرى المريض-ولا أحد غيره- أنّ الشيء أو الشخص قد تبخّر وزال داخل الكأس!!
وأما ما يتعلق بالطعام المأكول، فيأمره الراقي بالاستقاء منه داخل إناء، وذلك بعد سقيه كميات معتبرة من الماء المعوّذ، والتي قد يضاف إليها كميّة من الملح أو الزيت أو العطر! مما يستحيل تمالك النفس عند شربها، فإذا ظهرت بعض الإفرازات الغددية كالاصفرار أو غيره، دلّ ذلك عند الراقي أنه من السحر، وأن الذي وضعه له هو فلانة التي رآها المريض!
وبهذه الكيفية يزول مفعول السحر والمسّ الشيطاني في زعم هؤلاء الرقاة!!
*****
المطلب الثالث: اعتمادهم على الأحلام في الشهادات والأحكام
جلّ هؤلاء الرقاة يسألون عن رؤى المريض، لا لكونهم يملكون نصيبا من علم تأويلها، فتكون كالقرائن لما قد يشخصونه من أنواع العلل، بل لاستخلاصهم الأحكام على بعض القضايا.
فإذا ذكر لهم المريض مثلا أنه يرى ثعابينَ أو كلابا تقرضه بأنيابها، كان ذلك دليلا كافيا عند هؤلاء للحكم على حالة المصاب بأنها من قبيل المس أو السحر.
وقد يرى المريض في حلمه مثلا أن فلانا من الناس سحره، فيتبنى الراقي ذلك ويتلقاه كأنه حقيقة ثابتة، فيجاري المريض في ظنه ووسوسته.
*****
يتبع