عرض الإصدار الكامل : ~~ أجل السيارة العمياء تصنع اكثر من ذلك ~~ ( قصة )


احساس العالم
09-05-2003, 01:07 AM
- حبيبي يكفيك أكلاً .. أحرجتني .
- ولكني أحب المكرونة يا أمي .. وأريد أن آكل منها المزيد .
- حسناً .. دعها وسأطبخ لك أفضل منها عندما نعود .

كلمات دقت أسارير سعادة نديم ، جعلته كالطائر المحلق في السماء ، ترك كل شيء وألتفت على زاوية من زوايا المجلس ، أخذه فيها هاجسه إلى مكان آخر.. قريب نوعا ما من مكانه.

ولكن يبدو أن الوقت كان ثقيلا على صاحبنا ، فالانتظار شيء ممل ، كان في يسأل أمه بين الفترة والأخرى عن زمن عودتهم إلى المنزل ، غير أن نديم طفل صغير ولا يدرك أنه آت مع أمه في زيارة إلى إحدى الجارات ، وهذه في حد ذاتها أكبر مشكلة ستعيق عملية عودته إلى المنزل .

الليل يغطي السماء ، والقمر يتوسط النجوم ، نوره يعانق الأحجار .. يغطي الرمال بلمعة من بريقه ، يغطيها كما يغطي الحزن وجه نديم ، فلازال رهن الموعد مقام ولم يحن موعده ، والفرج في طريق الانبلاج .
· *

عاد الصغير إلى المنزل ، وحالما دخلا طلب نديم تنفيذ الوعد المقام بينهما ، إلا أن الأم اعتذرت له بحجة التعب والإرهاق الذي يغمرها ، وأقامت معه وعداً آخر ، أن تقدم له في الغد وجبة المكرونة التي يشتهيها قلبه إنه هو نام مبكراً ليستيقظ إلى المدرسة .. وانتهى اليوم على ذلك .

وفي الصباح .. مع همس النسيم وعزف البلابل .. وابتسامة الشمس المعتادة عندما تداعب الصخور بأشعتها ، انطلق نديم إلى مدرسته كله أمل وتفاؤل .. يملؤه شوق ولهفة كبيرين .. لا إلى المدرسة !! وإنما للعودة منها ، بالرغم أنه لم يكن بليداً في الصف .. أو مشاكس ، ولا حتى سيئا مع أصدقائه ، كان ذلك الولد الصغير .. هادئ الطباع .. زين الممشى .. مطيع لم يؤمر به ، وهو ككل البشر لا يملك نفسه أمام ما يرغبه ويطلبه .. وهذا هو عيبه الوحيد .

مضى اليوم مملاً ورتيباً .. يظلله فقدان الأمل الذي ظن نديم حينها بأن الحول مضى عليه ولم يخرج بعد ، والحمد لله فما بعد الصبر سوى الفرج .. هاهو الفرج يقرع أبوابه ويفرد أجنحته ليخيم بها على نديم ، فيطير فرحاً إلى منزلة .. حيث الوعد المنشود والشيء المرغوب .

نديم يجري مسرعاً إلى البيت ، يساعده على التحمل شوقه ولهفته الشديدين، اليسرى تقفز واليمين قبلها ، مسابقة هائلة بين الرجلين ، فيمن سيصل الأول ، ويا ليتك ترى قارئي وجه نديم عندما شاهد مدخنة المنزل الكبيرة ، تعبيرات كثيرة تملأ محياه .. تكاد العيون تقفز من شدة ما رأى من دهشة ، حانت وقت الاستراحة الكبيرة ، حان وقت الأكل والشرب والقيلولة ، وصل صاحبنا إلى خط النهاية .. وصل بأنفاس متقطعة ، يلهث من كل شئ .. الحر .. والتعب .. والجوع .. وبصوت متقطع يرتفع عاليا :


- أمي .. أمي .. هيا يا أمي إلي بالمكرونة ًفأنا جائع جدا .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــ وللحديث بقيــــــه ..

احساس العالم
12-05-2003, 11:26 PM
وصل بأنفاس متقطعة ، يلهث من كل شئ .. الحر .. والتعب .. والجوع .. وبصوت متقطع يرتفع عاليا :

- أمي .. أمي .. هيا يا أمي إلي بالمكرونة فأنا جائع جداً .

أضطرب وجه الأم وعبس وجهها .. لكنها ابتسمت قليلاً وأردفت :
- آه .. يا صغيري .. استبدل ثيابك وسيكون الطعام جاهز .
- لا .. لا أريد أن أكلها الآن .
- ولكني لم أستطع صنعها لك يا بني .
- لماذا يا أمي .. ألم تعديني بذلك .
- بلى ولكني عندما ذهبت لأحضرها لك .. تبين لي بأن كمية الصلصة الموجودة في المنزل قد نفذت .. فتعذر علّي صنعها .. ولكني صنعت لك طعاماً أفضل منه .. لا تحزن يا بني .
- لا أريد شيئا ..
خرج الصغير حزينا يعتلي قلبه الحزن والضيق .. و يغشى عينيه طبقة من الدموع تأبى النزول .. وقبل أن يغيب عن ناظر والدته .. نطقت إليه تقول :
- حسناً يا حبيبي يمكنني أن أصنع لك المكرونة الآن إذا أردت .
- كيف !! قولي بسرعة !!
- سأحضرها أنا في حين ذهابك إلى المتجر لشراء الصلصة .
- ماذا !!!! لا .. ولكن ! حسناً سأذهب .
الأمل موجود في داخله ، لم يأبه بكل العوائق التي وقفت أمامه .. كان صبورا على أعذار أمه ، أجل .. فلقد ذكرت بأنه كامل في كل شيء ولا عيب فيه سوى هذه الرغبة الغريبة .، ونعود إلى نديم ونقول بأنه بعد كل ما جرى .. لم ينقص من شوقه شيء ، بل في كل مرة يزداد أكثر من التي قبلها ، شغوف بحبها .. مجنون بسببها .. عاشق ولهان .. كرس عواطفه كلها من أجلها فقط .

وهاهو نديم أمام السوبر ماركت الكبير .. مندهش لسرعته الخيالية في الوصول مبكرا ، دخل المحل يبحث عن ضالته بين تلك المعلبات المتعددة ، فهذه للتوابل والأخرى للمشويات و... و ..،، وتلك هي ضالتنا ؟؟ إنها المطلوبة .. الصلصة الحمراء .. ذات العلبة المستديرة والقالب الأسطواني الشكل ، وبسرعة البرق يتلقفها قبل أن تفر من يديه ويجري بها نحو الرجل المحاسب ، لينهي الإجراءات اللازمة ، وكالمجنون يجري فرحاً نحو المنزل ، يتطاير في الأفق كالعصفور ، يتطلع يمنة ويسره حيث المناظر التي تشد الفرحين .
وفي بغتة لم ينتبه فيه الصغير على صخرة ملقية على قارعة الطريق ....

، أرغمته أن يحتضن الأرض الحارة المسفلتة والقريبة من الشارع العام ، سقط الصغير بقوة على الأرض ، لكنه استيقظ من وقعته واخذ ينفض الغبار العالق في ملابسه ، ويستكشف عن الكدمات التي تعرض لها ، وفي أثناء ذلك لا حظ صاحبنا علبة الصلصة وهي تتدحرج بعيداً عنه ، صاح يناديها مهرولاً إليها محاولاً الإمساك بها . ولكنها خرجت إلى الطريق العام..
كان يمسك بها ولكنها تفلت من يديه ، ظل ورائها حتى أمسكها ، كانت سريعة .. فكان أسرع منها ، لذا أصابها وامسك بها ، ولكن المشهد لم ينته إلى هنا ، فهناك من كان أسرع من نديم وصلصته .. كان هناك من لم يأبه بكل ما يعتريه .. كان هناك من يمكن أن يطلق عليه بقاتل البسمة .. خانق الفرحة ، مولد الفرقة والوحشة ، الحزن والكآبة ، أجل السيارة العمياء تصنع اكثر من ذلك ... يمكنها أن تبحر في كل شيء سعيد وتزيده سعادة ، ويمكنها أيضاً أن تصنع بنفسها التعاسة و لا تحتاج إلى من يزيدها .

لم يبقى شيء بعد ذلك المشهد الحزين ، طفل نائم بلا حراك ، وأنهار دماء تسيل من جسده اللدن ، تفترق عن بعضها في فروع متعددة .. لتلتقي مع نهر من نوع آخر ، نهر صلصة كئيبة .. أخرجت كل ما تحتويه في جعبتها لتعبر عن أسمى المعاني لذلك النبيل ، تختلط الأنهار مع بعضها البعض .. يجمعهما حضن دافئ .. في حفرة قريبة ، هذا المشهد يمكن أن يعبر عنه في الآلف الكلمات ومئات الأوراق .. ولكن ؟؟ مشهد لطفل مبتسم ودمعة صغيرة لا معة .. لا أعتقد ..،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــ انتهت