أبو مالك abu malek
20-04-2003, 04:21 PM
الحجامة للسحر/ لاتـثبت الشرائع بالتجربة
silarbi.hassen@caramail.com
الحمد لله، وبعد
* أولا: أود ابن القيم عليه رحمة الله في الزاد (4/125) حديثا حول احتجام النبي صلى الله عليه وسلم على رأسه حين سحر، فقال: "وقد ذكر أبو عبيد في كتاب "غريب الحديث" له بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم على رأسه بقَرْن حين طب". قال أبو عبيد معنى طب: أي سحر".
قلت: وهذا الحديث لا يثبت سنده إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولا يصح، فهو من مرسل عبد الرحمن بن أبي ليلى.
ثانيا: الذي ثبت في علاج سحره صلى الله عليه وسلم حديثان:
1- عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم سُحر، [فاشتكى لذلك أياما] (وفي رواية عنها: ستة أشهر)(1) حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهنّ - قال سفيان: وهذا أشدّ ما يكون من السحر إذا كان كذا- [حتى إذا كان ذات يوم أو ذات ليلة عندي، لكنه دعا ودعا]، [فاستيقظ النبيّ صلى الله عليه وسلم من نومه] فقال: "يا عائشة، أعلِمت أنّ الله قد أفتاني فيما اسْتَفْـتَـيْتُه فيه: أتاني رجلان [ملكان] فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلـَيّ، فقال الذي عند رأسي: ما بال [وَجَع] الرجل؟ فقال: مطبوب [يعني مسحور] قال: ومن طَبَّه؟ قال: لبيد بن أعصم، رجل من بني زريق، حليفا لليهود كان منافقا؛ قال: وفيم؟ قال في مُشـْط ومُشاقة (وفي لفظ: ومشاطة)(2) قال: وأين؟ قال: في جُفِّ طَـلْعَةٍ ذكَر(3) تحت راعوفة(4) في بئر ذروان [في بني زريق] قالت: فأتى النبيّ صلى الله عليه وسلم البئر [في ناس من أصحابه]، [فنظر إليها وعليها نخل] حتى استخرَجَه، فقال: "هذه البئر التي أُريتها، وكأنّ ماءها نقاعة الحنـّاء، وكأنّ نخلها رؤوس الشياطين"، - قال: فاستـــُخرج - قالت: فقلت أفلا تَنَشـَّرْتَ؟ (وفي لفظ: أفلا استخرجته؟) (وعند أحمد: أفلا أحرقته؟) فقال: "أمّا الله فقد شفاني وأكره أن أُثير على أحد من الناس شَرًّا"، [فأمر بها فدُفنت].(5)
2- عن ثمامة بن عقبة عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: "كان رجل [من اليهود] يدخل على النبيّ صلى الله عليه وسلم [وكان يأمنه] فعقد له عقدا، فوضعه في بئر رجل من الأنصار، فأتاه ملكان يعودانه، فقعد أحدهما عند رأسه، والآخر عند رجليه، فقال أحدهما: أتدري ما وجعه؟ قال: فلان الذي [كان] يدخل عليه، عقد له عقدا فألقاه في بئر فلان الأنصاري، فلو أرسل [إليه] رجلا وأخذ[منه] العقد، [فأتاه جبريل فنزل عليه بالمعوذتين وقال: إن رجلا من اليهود قد سحرك، والسحر في بئر بني فلان، قال] فبعث رجلا، (وفي طريق أخرى: فبعث عليا رضي الله عنه) [فوجد الماء قد اصفر] فأخذ العقد [فجاء بها]، [فأمره أن يحلّ العقد ويقرأ آية]، فحلها، [فجعل يقرأ ويحلّ]، [فجعل كلما حلّ عقدة وجد لذلك خِفّة]، فبرأ (وفي الطريق الأخرى: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما نُشط من عقال)..".( 6)
* ففي الحديث أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لما أخبره الله أنه سُحر عدل إلى العلاج الحقيقي، وهو استخراج السحر وإبطاله، فبعث عليّا رضي الله عنه فأتاه بالعقد..
وهذا يدل أن استخراج السحر ثم هتكه أو إحراقه هو أبلغ وسيلة لإبطال فعله وتأثيره، وفي حالة أكله فالاستقاء منه أنفع لاستخراجه، أما في حالة عدم العثور عليه - وهو الغالب في هذا الأمر- فأنفع علاجات السحر حينئذ هي الأدوية الإلهية كالرقى والدعوات، بل هي أدويته النافعة بالذات، وكلما كانت أقوى وأشد كانت أبلغ في كشف الضرّ بإذن الله تعالى.
وقد تكون الوقاية من السحر بما ثبت من حديث سعد بن أبي وقاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "من اصطبح سبع تمرات من عجوة المدينة ذلك اليوم سم ولا سحر".(7)
وعلى هذا الأساس، فإننا نؤكد أن الأحكام والشرائع لا تثبت بالتجربة، فإذا كانت الحجامة، وهي استفراغ مادة السحر من المحل أو العضو الذي ظهر فيه أثره ووصل إليه أذاه تنفع المسحور، جاز حينئذ استعمالها كوسيلة مباحة للتداوي، علما أن مشروعية التداوي بالحجامة قد ذكرت في أكثر من حديث صحيح.
وإلا، فإن القلب -في الغالب- إذا كان ممتلئا من الله، مغمورا بذكره، وله من التوجهات والدعوات والأذكار والتعوذات ورْد لا يخلُّ به، يطابق فيه قلبه لسانه، كان هذا من أعظم الأسباب التي تمنع إصابة السحر له، ومن أعظم العلاجات له بعدما يصيبه. أفاده ابن القيم عليه رحمة الله تعالى.
والحمد لله رب العالمين.
*****
هوامش
(1) وسند هذه الزيادة صحيح رواها أحمد (13826) وصحح حديثها الحافظ في "الفتح" (10/266) والألباني في "الصحيحة".
(2) المشاطة: الشعر الذي يسقط من الرأس أو اللحية عند تسريحه.
(3) جُفِّ طَـلْعَةٍ ذَكَر: وهو وعاء طلع النخل، وهو الغشاء الذي يكون عليه، ويطلق على الذكر والأنثى.
(4) الراعوفة: حجر يوضع على رأس البئر لا يستطاع قلعه، يقوم عليه المستقي، وقد يكون في أسفل البئر. "الفتح".
(5) رواه البخاري (5765-5763-5766-6063-6391) ومنه الزيادات كلها إلا الزيادة (2-4-5-13) فهي لأحمد (23826-24129 وفي مواضع أخر). ورواه مسلم (2189) وابن ماجه (3545) والشافعي في "الأم" (1/256) وابن أبي شيبة والحميدي وابن سعد وأبو يعلى. وأنظر "فتح الباري" (10/226) و"السلسلة الصحيحة" (6/617).
(6) أخرجه الطبراني في "الكبير" والحاكم في "المستدرك" والزيادة (3-4-5) له وهو صحيح، أنظر "الصحيحة" (6/616). وابن سعد في "الطبقات" والزيادة (2) له. وأخرجه من طريق أخرى النسائي في "السنن" وابن أبي شيبة في "المصنف" وأحمد في "المسند" وعبد بن حميد في "المنتخب من المسند" والطبراني أيضا في "الكبير" وصححه في "الصحيحة" (6/617)، قال: "وهو على شرط مسلم". وسائر الروايات الأخرى لابن أبي شيبة وأحمد إلا زيادة قراءة آية فهي لعبد بن حميد وكذا زيادة نزول جبريل بـ(المعوذتين) وسندها صحيح أيضا. راجع ذلك كله في "الصحيحة".
(7) رواه البخاري (5/2177) وغيره بألفاظ.
*****
silarbi.hassen@caramail.com
الحمد لله، وبعد
* أولا: أود ابن القيم عليه رحمة الله في الزاد (4/125) حديثا حول احتجام النبي صلى الله عليه وسلم على رأسه حين سحر، فقال: "وقد ذكر أبو عبيد في كتاب "غريب الحديث" له بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم على رأسه بقَرْن حين طب". قال أبو عبيد معنى طب: أي سحر".
قلت: وهذا الحديث لا يثبت سنده إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولا يصح، فهو من مرسل عبد الرحمن بن أبي ليلى.
ثانيا: الذي ثبت في علاج سحره صلى الله عليه وسلم حديثان:
1- عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم سُحر، [فاشتكى لذلك أياما] (وفي رواية عنها: ستة أشهر)(1) حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهنّ - قال سفيان: وهذا أشدّ ما يكون من السحر إذا كان كذا- [حتى إذا كان ذات يوم أو ذات ليلة عندي، لكنه دعا ودعا]، [فاستيقظ النبيّ صلى الله عليه وسلم من نومه] فقال: "يا عائشة، أعلِمت أنّ الله قد أفتاني فيما اسْتَفْـتَـيْتُه فيه: أتاني رجلان [ملكان] فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلـَيّ، فقال الذي عند رأسي: ما بال [وَجَع] الرجل؟ فقال: مطبوب [يعني مسحور] قال: ومن طَبَّه؟ قال: لبيد بن أعصم، رجل من بني زريق، حليفا لليهود كان منافقا؛ قال: وفيم؟ قال في مُشـْط ومُشاقة (وفي لفظ: ومشاطة)(2) قال: وأين؟ قال: في جُفِّ طَـلْعَةٍ ذكَر(3) تحت راعوفة(4) في بئر ذروان [في بني زريق] قالت: فأتى النبيّ صلى الله عليه وسلم البئر [في ناس من أصحابه]، [فنظر إليها وعليها نخل] حتى استخرَجَه، فقال: "هذه البئر التي أُريتها، وكأنّ ماءها نقاعة الحنـّاء، وكأنّ نخلها رؤوس الشياطين"، - قال: فاستـــُخرج - قالت: فقلت أفلا تَنَشـَّرْتَ؟ (وفي لفظ: أفلا استخرجته؟) (وعند أحمد: أفلا أحرقته؟) فقال: "أمّا الله فقد شفاني وأكره أن أُثير على أحد من الناس شَرًّا"، [فأمر بها فدُفنت].(5)
2- عن ثمامة بن عقبة عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: "كان رجل [من اليهود] يدخل على النبيّ صلى الله عليه وسلم [وكان يأمنه] فعقد له عقدا، فوضعه في بئر رجل من الأنصار، فأتاه ملكان يعودانه، فقعد أحدهما عند رأسه، والآخر عند رجليه، فقال أحدهما: أتدري ما وجعه؟ قال: فلان الذي [كان] يدخل عليه، عقد له عقدا فألقاه في بئر فلان الأنصاري، فلو أرسل [إليه] رجلا وأخذ[منه] العقد، [فأتاه جبريل فنزل عليه بالمعوذتين وقال: إن رجلا من اليهود قد سحرك، والسحر في بئر بني فلان، قال] فبعث رجلا، (وفي طريق أخرى: فبعث عليا رضي الله عنه) [فوجد الماء قد اصفر] فأخذ العقد [فجاء بها]، [فأمره أن يحلّ العقد ويقرأ آية]، فحلها، [فجعل يقرأ ويحلّ]، [فجعل كلما حلّ عقدة وجد لذلك خِفّة]، فبرأ (وفي الطريق الأخرى: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما نُشط من عقال)..".( 6)
* ففي الحديث أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لما أخبره الله أنه سُحر عدل إلى العلاج الحقيقي، وهو استخراج السحر وإبطاله، فبعث عليّا رضي الله عنه فأتاه بالعقد..
وهذا يدل أن استخراج السحر ثم هتكه أو إحراقه هو أبلغ وسيلة لإبطال فعله وتأثيره، وفي حالة أكله فالاستقاء منه أنفع لاستخراجه، أما في حالة عدم العثور عليه - وهو الغالب في هذا الأمر- فأنفع علاجات السحر حينئذ هي الأدوية الإلهية كالرقى والدعوات، بل هي أدويته النافعة بالذات، وكلما كانت أقوى وأشد كانت أبلغ في كشف الضرّ بإذن الله تعالى.
وقد تكون الوقاية من السحر بما ثبت من حديث سعد بن أبي وقاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "من اصطبح سبع تمرات من عجوة المدينة ذلك اليوم سم ولا سحر".(7)
وعلى هذا الأساس، فإننا نؤكد أن الأحكام والشرائع لا تثبت بالتجربة، فإذا كانت الحجامة، وهي استفراغ مادة السحر من المحل أو العضو الذي ظهر فيه أثره ووصل إليه أذاه تنفع المسحور، جاز حينئذ استعمالها كوسيلة مباحة للتداوي، علما أن مشروعية التداوي بالحجامة قد ذكرت في أكثر من حديث صحيح.
وإلا، فإن القلب -في الغالب- إذا كان ممتلئا من الله، مغمورا بذكره، وله من التوجهات والدعوات والأذكار والتعوذات ورْد لا يخلُّ به، يطابق فيه قلبه لسانه، كان هذا من أعظم الأسباب التي تمنع إصابة السحر له، ومن أعظم العلاجات له بعدما يصيبه. أفاده ابن القيم عليه رحمة الله تعالى.
والحمد لله رب العالمين.
*****
هوامش
(1) وسند هذه الزيادة صحيح رواها أحمد (13826) وصحح حديثها الحافظ في "الفتح" (10/266) والألباني في "الصحيحة".
(2) المشاطة: الشعر الذي يسقط من الرأس أو اللحية عند تسريحه.
(3) جُفِّ طَـلْعَةٍ ذَكَر: وهو وعاء طلع النخل، وهو الغشاء الذي يكون عليه، ويطلق على الذكر والأنثى.
(4) الراعوفة: حجر يوضع على رأس البئر لا يستطاع قلعه، يقوم عليه المستقي، وقد يكون في أسفل البئر. "الفتح".
(5) رواه البخاري (5765-5763-5766-6063-6391) ومنه الزيادات كلها إلا الزيادة (2-4-5-13) فهي لأحمد (23826-24129 وفي مواضع أخر). ورواه مسلم (2189) وابن ماجه (3545) والشافعي في "الأم" (1/256) وابن أبي شيبة والحميدي وابن سعد وأبو يعلى. وأنظر "فتح الباري" (10/226) و"السلسلة الصحيحة" (6/617).
(6) أخرجه الطبراني في "الكبير" والحاكم في "المستدرك" والزيادة (3-4-5) له وهو صحيح، أنظر "الصحيحة" (6/616). وابن سعد في "الطبقات" والزيادة (2) له. وأخرجه من طريق أخرى النسائي في "السنن" وابن أبي شيبة في "المصنف" وأحمد في "المسند" وعبد بن حميد في "المنتخب من المسند" والطبراني أيضا في "الكبير" وصححه في "الصحيحة" (6/617)، قال: "وهو على شرط مسلم". وسائر الروايات الأخرى لابن أبي شيبة وأحمد إلا زيادة قراءة آية فهي لعبد بن حميد وكذا زيادة نزول جبريل بـ(المعوذتين) وسندها صحيح أيضا. راجع ذلك كله في "الصحيحة".
(7) رواه البخاري (5/2177) وغيره بألفاظ.
*****