أبو مالك abu malek
01-04-2003, 03:21 PM
استعمال الضرب المبرح، والحرق، والخنق بظن أنه يقع على الجنيّ
silarbi.hassen@caramail.com
الحمد لله، وبعد
من الأشياء المؤسفة حقا أن نلاحظ إلى أيّ حد قد يؤدي عدم التوفيق في تشخيص نوع الحالة المرضية، إلى انتهاكات واعتداءات على الأشخاص في أبدانهم ونفوسهم، تصل أحيانا إلى إحداث عاهات في جسد المريض، بل قد تـتسبّب أحيانا في وفاته جرّاء ما تلقاه من ضرب مبرح أو حرق أو خنق!!
وقد رأينا وسمعنا عن ضحايا هذه الممارسات ما تضيق عن وصفها المجلدات، دون أن يكون أحدهم مصابا بذرّة من المس الشيطاني ؛ ولو ذكرنا كل ذلك لتحرّجت صدور القرّاء منه لقبحه وخبثه، ولكن التلميح يغني عن سرد الوقائع المتعددة.
ومن المؤسف أيضا أن تنتقل هذه الممارسات حتى إلى بلاد النصارى باسم الإسلام، لتحمل معها من التشويه والتحريف لدين الله ما تحمله. فكم من مرة قرأنا في الصحف عن تلك المحاكمات والاعتقالات في حق بعض الرقاة المتسببين في إيذاء أو قتل بعض المرضى!
ولعلّ بعض المفتونين يتذرع لاستعماله الضرب بفعل بعض الأئمة، كأحمد ابن حنبل، وابن تيمية مع بعض المصابين بمسّ العفاريت.
فالجواب: أن هؤلاء الأئمة عليهم رحمة الله لم يكونوا ليقــْفوا ما ليس لهم به علم، ولم يكونوا ليقَعوا في دماء الناس بجنون أولئك الرقاة، وقد فقهوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: "المسلم من سلِم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هَجَرَ ما نهى الله عنه".(1)
فهم رحمهم الله، إلى جانب كونهم هداة الملة وأئمة الشريعة، من أعرف الناس بعلل الأبدان والنفوس، ومؤلفاتهم تشهد بذلك، وقد علموا أن الصرع منه ما هو جسماني، ومنه ما هو نفساني، ومنه ما هو شيطاني، فلو أن الضرب وقع على الصنفين الأولين لأوقع بهم الأذية والهلاك كما هو حاصل اليوم، وعليه يستحيل أن يصدر من قبلهم ما يعود بالضرر على المريض.
قال ابن تيمية (19/60): "ولهذا قد يحتاج في إبراء المصروع ودفع الجن عنه إلى الضرب". ثم قال: "والضرب إنما يقع على الجنيّ، ولا يحس به المصروع، حتى يفيق المصروع ويخبر أنه لم يحس بشيء من ذلك، ولا يؤثر فى بدنه".
فالضرب بهذا المعنى وسيلة قد يحتاج إليها لزجر الصائل المعتدي، وإجباره على الخروج من بدن الممسوس، فلا يلجأ إليه إلاّ من أوتي المعرفة التامة بأنواع المعالجات، لإمكان تداخل وتشابه الأعراض المرضية. وإلاّ فالاكتفاء بتلاوة القرآن والأذكار النبوية أحوط للدين وللنفس من المجازفة فيما الغلط فيه خطر قد لا يمكن تداركه. فالمقصود دفع المنكر وإصلاح العباد بما أحلّ الله ورسوله.
وقال ابن تيمية: "قتل الجن بغير حق لا يجوز، كما لا يجوز قتل الإنس بلا حق، والظلم محرم في كل حال، فلا يحل لأحد أن يظلم أحدا ولو كان كافرا، بل قال تعالى: {ولا يجرمنـّكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى}" [المائدة(8)].(2)
وقال: "والعادي هو الصائل الذي يجوز دفعه بما يدفع ضرره ولو كان قتلا، وأما قتلهم بدون سبب يبيح ذلك فلا يجوز".اهـ(3)
وهذا صريـح في أنه لا يجوز مقابلة ظلم الجنّ للإنس بظلم أكبر منه وهو قتلهم، ولو كانوا دخلوا على بيوتهم، فظهروا لهم في صُوَر حيّات أو غيرها مما قد يفزعهم، أو اعتدوا على أجسادهم بالصرع وأصناف الأذى، فقد ورد في الأحاديث النبوية النهي عن قتلهم لذلك، إلاّ ما كان من باب دفع صائلهم، وليس يحل إلا بعد الإنذار والإعذار.
فإذا كان الشأن كذلك والحالة هذه، فما بال الأمر إذا لم يكن للجنيّ دخول ولا وجود لا في بدن، ولا في بيت الإنسيّ؟!
بل إننا نقول أن الضرب قد لا يجدي حتى مع وجود الجنيّ وتلبّسه جسد الإنسيّ، لضعف في قلب الراقي وعدم حذاقته في هذا الشأن ؛ وأذكر أن بعضهم يستعمل الضرب، كرد فعل للهَلَع الذي يتملّكه عند مشاهدة بعض ما يطرأ على المصروع أو المريض النفساني -سواء- من تغيّر وتبدّل!
وإن تعجب، فعجب أن يقبض هؤلاء الرقاة الأموال عوضا عن هذه المظالم، ببذل ورضى من يعودهم!! وهل هذا إلا محض إعانتهم على الإثم والعدوان ومعصية الرسول.
*****
الهوامش:
(1) رواه البخاري (10-6484) ومسلم (40) والنسائي (4996) وأبو داود (2481) وأحمد (7046) وفي مواضع أخر، والدارمي (2716) مختصرا.
(2) "مجموع الفتاوى" (19/43)
(3) "المصدر السابق" (19/44)
*****
silarbi.hassen@caramail.com
الحمد لله، وبعد
من الأشياء المؤسفة حقا أن نلاحظ إلى أيّ حد قد يؤدي عدم التوفيق في تشخيص نوع الحالة المرضية، إلى انتهاكات واعتداءات على الأشخاص في أبدانهم ونفوسهم، تصل أحيانا إلى إحداث عاهات في جسد المريض، بل قد تـتسبّب أحيانا في وفاته جرّاء ما تلقاه من ضرب مبرح أو حرق أو خنق!!
وقد رأينا وسمعنا عن ضحايا هذه الممارسات ما تضيق عن وصفها المجلدات، دون أن يكون أحدهم مصابا بذرّة من المس الشيطاني ؛ ولو ذكرنا كل ذلك لتحرّجت صدور القرّاء منه لقبحه وخبثه، ولكن التلميح يغني عن سرد الوقائع المتعددة.
ومن المؤسف أيضا أن تنتقل هذه الممارسات حتى إلى بلاد النصارى باسم الإسلام، لتحمل معها من التشويه والتحريف لدين الله ما تحمله. فكم من مرة قرأنا في الصحف عن تلك المحاكمات والاعتقالات في حق بعض الرقاة المتسببين في إيذاء أو قتل بعض المرضى!
ولعلّ بعض المفتونين يتذرع لاستعماله الضرب بفعل بعض الأئمة، كأحمد ابن حنبل، وابن تيمية مع بعض المصابين بمسّ العفاريت.
فالجواب: أن هؤلاء الأئمة عليهم رحمة الله لم يكونوا ليقــْفوا ما ليس لهم به علم، ولم يكونوا ليقَعوا في دماء الناس بجنون أولئك الرقاة، وقد فقهوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: "المسلم من سلِم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هَجَرَ ما نهى الله عنه".(1)
فهم رحمهم الله، إلى جانب كونهم هداة الملة وأئمة الشريعة، من أعرف الناس بعلل الأبدان والنفوس، ومؤلفاتهم تشهد بذلك، وقد علموا أن الصرع منه ما هو جسماني، ومنه ما هو نفساني، ومنه ما هو شيطاني، فلو أن الضرب وقع على الصنفين الأولين لأوقع بهم الأذية والهلاك كما هو حاصل اليوم، وعليه يستحيل أن يصدر من قبلهم ما يعود بالضرر على المريض.
قال ابن تيمية (19/60): "ولهذا قد يحتاج في إبراء المصروع ودفع الجن عنه إلى الضرب". ثم قال: "والضرب إنما يقع على الجنيّ، ولا يحس به المصروع، حتى يفيق المصروع ويخبر أنه لم يحس بشيء من ذلك، ولا يؤثر فى بدنه".
فالضرب بهذا المعنى وسيلة قد يحتاج إليها لزجر الصائل المعتدي، وإجباره على الخروج من بدن الممسوس، فلا يلجأ إليه إلاّ من أوتي المعرفة التامة بأنواع المعالجات، لإمكان تداخل وتشابه الأعراض المرضية. وإلاّ فالاكتفاء بتلاوة القرآن والأذكار النبوية أحوط للدين وللنفس من المجازفة فيما الغلط فيه خطر قد لا يمكن تداركه. فالمقصود دفع المنكر وإصلاح العباد بما أحلّ الله ورسوله.
وقال ابن تيمية: "قتل الجن بغير حق لا يجوز، كما لا يجوز قتل الإنس بلا حق، والظلم محرم في كل حال، فلا يحل لأحد أن يظلم أحدا ولو كان كافرا، بل قال تعالى: {ولا يجرمنـّكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى}" [المائدة(8)].(2)
وقال: "والعادي هو الصائل الذي يجوز دفعه بما يدفع ضرره ولو كان قتلا، وأما قتلهم بدون سبب يبيح ذلك فلا يجوز".اهـ(3)
وهذا صريـح في أنه لا يجوز مقابلة ظلم الجنّ للإنس بظلم أكبر منه وهو قتلهم، ولو كانوا دخلوا على بيوتهم، فظهروا لهم في صُوَر حيّات أو غيرها مما قد يفزعهم، أو اعتدوا على أجسادهم بالصرع وأصناف الأذى، فقد ورد في الأحاديث النبوية النهي عن قتلهم لذلك، إلاّ ما كان من باب دفع صائلهم، وليس يحل إلا بعد الإنذار والإعذار.
فإذا كان الشأن كذلك والحالة هذه، فما بال الأمر إذا لم يكن للجنيّ دخول ولا وجود لا في بدن، ولا في بيت الإنسيّ؟!
بل إننا نقول أن الضرب قد لا يجدي حتى مع وجود الجنيّ وتلبّسه جسد الإنسيّ، لضعف في قلب الراقي وعدم حذاقته في هذا الشأن ؛ وأذكر أن بعضهم يستعمل الضرب، كرد فعل للهَلَع الذي يتملّكه عند مشاهدة بعض ما يطرأ على المصروع أو المريض النفساني -سواء- من تغيّر وتبدّل!
وإن تعجب، فعجب أن يقبض هؤلاء الرقاة الأموال عوضا عن هذه المظالم، ببذل ورضى من يعودهم!! وهل هذا إلا محض إعانتهم على الإثم والعدوان ومعصية الرسول.
*****
الهوامش:
(1) رواه البخاري (10-6484) ومسلم (40) والنسائي (4996) وأبو داود (2481) وأحمد (7046) وفي مواضع أخر، والدارمي (2716) مختصرا.
(2) "مجموع الفتاوى" (19/43)
(3) "المصدر السابق" (19/44)
*****