مرآة نفسي
25-03-2003, 08:51 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كتابي اليوم هو (عبادات المؤمن) للداعية عمرو خالد, والكثير أعتقد أنهم اطلعوا على الكتاب لأسلوب كاتبه جزاه الله خير, الكتاب له عدة أقسام, قسم الذكر والحج والصوم والصلاة وغيرها, اخترت في كتابه قسم الخشوع في الصلاة. عسى أن يوفقني الله تعالى لما يحبه ويرضاه.
الخشوع في الصلاة
الفهرس:
(1) الخشوع في الصلاة
(2) جاهد نفسك في تحصيل الخشوع
(3) هل ذقت حلاوة الصلاة
(4) ارجع فصل فإنك لم تصل
(5) نماذج من خشوع الصحابة والتابعين
(6) مراتب الناس في الصلاة
(7) من أسباب الخشوع
(8) كيف تخشع في صلاتك
(1) الخشوع في الصلاة
هل تعرف أخي القارئ ماذا تعني الصلاة؟ تعني ببساطة أنك في لقاء مع الله تبارك وتعالى...والدخول في الصلاة يعني الدخول على الله تعالى...فهل تفكرت في هذا المعنى؟! وهل تخيلت أنك عندما تقول : "الله أكبر" فإن الله يقبل عليك, وينظر إليك؟ هل استحضرت هذا المعنى العظيم والذي يجسده الحديث القدسي :"قسمت الصلاة بين وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل...." رواه الترمذي
وقيمة الصلاة أنها السبيل الأساسي لتعرفنا بالله عزوجل...فبدون الصلاة لا نستطيع أن نتعرف على الله تعالى...فإنت إذا كنت لا تصلي, فمعنى هذا أنك لم تعرف ربك سبحانه وتعالى.
فالصلاة –حقا- سر الوجود. لماذا خلقت؟ خلقت لمعرفة الله عزوجل القائل في محكم آياته :"وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" لم نخلق من أجل أن نعيش ونأكل ونشرب ونتزوج وننجب ونعمل ثم نموت!!
إذن معرفة الله عزوجل وحب الله وطاعة الله هو الهدف الأساسي من خلق الله لنا...يقول الرسول صلى الله عليه وسلم :"كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها" رواه مسلم والترمذي وابن ماجه والإمام أحمد
وقال صلى الله عليه وسلم عندما طلب منه سيدنا عمر أن يتخذ وطاء بعد أن أثر الحصير في جسده الشريف :"مالي والدنيا مالي والدنيا, إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل رجل سار في يوم شديد الحر فاستظل تحت شجرة ساعة ثم راح وتركها"
(2) جاهد نفسك في تحصيل الخشوع
ولا يخشع في صلاته إلا من أحب الله تعالى...ومن أمثال المحبين لله تعالى حقا وصدقا ابن القيم رحمه الله والذي يقول:
"في القلب شعث(أي تمزق) لا يلمه إلا الإقبال على الله, وفي القلب وحشه لا يزيلها إلا الأنس بالله, وفي القلب خوف وقلق لايذهبه إلا الفرار إلى الله"
فهل أحسست مرة بهذه المعاني؟ هل شعرت أخي القارئ أنك تريد أن تفر إلى الله عزوجل؟ وتقول بلسان حالك: أنا محتاج لدينك يارب! محتاج إلى أن آنس بك يارب! هل أحسست أن في قلبك شوقا وتطلعا لا يطفئه ولا يشبعه إلا الرضا بالله عزوجل؟!
ويقول ابن القيم رحمه الله أيضا : "إذا استغنى الناس بالدنيا فاستغن أنت بالله....وإذا فرح الناس بالدنيا فافرح أنت بالله.....وإذا أنس الناس بأحبابهم فأنس أنت بالله...وإذا ذهب الناس إلى ملوكهم وكبرائهم يسألونهم الرزق ويتوددون إليهم فتودد أنت إلى الله"
وهذا أيها الأخ الحبيب كلام رجل أحب الله تعالى حقا, فهل تحس أنت أنك تحب الله؟ واسأل نفسك دائما: ماذا تريد؟ هل تريد الدنيا أم تريد الجنة؟ لماذا تعيش؟ حدد هدفك حتى أستطيع أن أدخل معك إلى موضوع الخشوع في الصلاة.
إذا فتح باب الرحمن, في أوقات السحر وإجابة الدعاء كالسجود وغيره, فأسرع بالدخول, وابسط يدك للرحمن وقل له: مسكين فتصدق علي...وستشعر حينئذ بحلاوة المناجاة وحلاوة الخلوة بالرحمن جل وعلا
* وأذكرك أولا بقول ابن القيم رحمه الله :"لا تسأم من الوقوف على باب ربك...ولو طردت"
أي لا تمل من الوقوف على باب الحق جل وعلا حتى لو لم يتحقق لك الخشوع في البداية, فلا تتعجل وتترك مجاهدة نفسك لتحصيل الخشوع, ورحم الله من قال :"فإذا فتح الباب للمقبولين, فادخل دخول المتطفلين" يعني لو فتح الله بابه لعباده الذين يحبهم فادخل وسطهم, فإذا كان هناك مثلا درس علم في مسجد أو نحوه فاذهب واجلس مع الجالسين فعسى أن تكون في قوم لا يشقى بهم جليسهم, وإذا كان هناك إخوة ذاهبون للإعتكاف فاعتكف معهم, وصل معهم قيام الليل فالجليس الصالح مثله كمثل حامل المسك إما أن يهديك وإما أن تبتاع منه, وإما أن تشم منه رائحة طيبة
وأسألك بالله عليك : ما هي آخر مرة خشعت فيها لله في صلاتك؟ وهل كنت تتمنى ألا تقوم من السجود أبدا؟ وما هي آخر مرة وقفت فيها بين يدي الله فخشعت جوارحك واضطرب قلبك؟
وأنا أخاف ألا نشعر بأهمية هذا الكلام لأن في بالقلوب بعض القسوة , نحن نأكل ونشرب ونتزوج وننجب ونموت وننسى لماذا خلقنا؟؟؟ لقد خلقنا لغاية تخالف هذه الأشياء التي فعلناها ونفعلها ونهتم بها ونحرص عليها! خلقنا لنكون في كنف الله الرحمن وفي خدمة الواحد المنان..وكفى بك عزا أن يكون لك رب, وكفى بك فخرا أن تكون له عبدا
وقد جلست مرة مع بعض الشباب وأردنا أن نتذاكر نعم الله علينا, فمنا من قال الصحة, ومنا من قال الأولاد, ومنا من قال السمع والبصر وآخر قال أمي وآخر قال المال وآخر قال الإسلام.....حتى قال شاب عمره 18 سنة : أعظم نعمة أنعم الله بها علينا أن ربنا هو ربنا!!!
أفهمت هذا المعنى؟! فهذا الشاب الصغير يشعر بأن أعظم نعمة في الوجود بأن ربنا وحده هو القائم على أمورنا..وهو الذي يتكفل بنا ويأخذ بقلوبنا وأيدينا ونواصينا إلى طريق الخير والصلاح, فأعظم نعمة أن الله- والله وحده -هو ربك سبحانه وتعالى.
استشعر أيها الأخ, أنت ملك من؟ أنت عبد من؟ هل أنت عبد ذاتك؟ هل أنت عبد شهواتك؟ هل أنت عبد للمال؟ احذر أن تكون من هؤلاء, فقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم على عباد الدنيا والشهوات والزينة فقال صلى الله عليه وسلم:"تعس عبد الدرهم..تعس عبد الدينار..تعس عبد القطيفة..تعس عبد الخميصة (نوع من القماش) تعس وانتكس, وإذا شيك فلا انتقش" رواه البخاري
يدعو عليه بأنه لو دخلت فيه شوكة ألا يجد من يخرجها منه!!
(3) هل ذقت حلاوة الصلاة؟!
يقول ابن تيمية : مساكين أهل الدنيا, خرجوا منها ولم يذوقوا أحلى ما فيها! فقيل له: وما أحلى ما فيها؟ قال: حب الله عزوجل
فأنت مسكين يا من لم تجرب البكاء في صلاتك بين يدي ربك جل وعلا
مسكينة يا من لم تشعري بجسدك وقلبك يرتجفان لذنب أذنبتيه, خوفا من الله الواحد القهار
هل ابتسمت مرة أخي وأنت داخل على الله في صلاتك؟!
واعلم أن كثرة الحركات في الصلاة تدل على عدم حضور القلب وعدم خشوعه لله رب العالمين, ولذا لما رأى سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلا يعبث بلحيته قال: لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه...وقد صدق لأن الجوارح مرآة القلب.وكل إناء بما فيه ينضح
وإذا نظرت إلى الناس في صلاتهم وجدت عجبا..تجد من يقوم ويركع ويسجد في صلاته بسرعة عجيبة وكأنه (سوسته) تتحرك حركة آلية أو كأنه ترس في آلة, وفي دقيقتين أو أقل يصلي الظهر أو العصر مثلا, وممكن يضغطها فيجعلها دقيقة ونصف ويأتي بالسجود مع الركوع, فلا يقيم ظهره بعد الركوع, بل يخر ساجدا مباشرة!!
(4) ارجع فصل فإنك لم تصلِّ
* وفي حديث للبخاري, أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد, فدخل رجل فصلى, ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم, فرد النبي صلى الله عليه وسلم عليه السلام, فقال :"ارجع فصل, فإنك لم تصل" فصلى , ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال :"ارجع فصل, فإنك لم تصل" .ثلاثا, فقال: والذي بعثك بالحق, فا أُحْسِن غيره, فعلمني, قال: "إذا قمت إلى الصلاة فكبر, ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن, ثم اركع حتى تطمئن راكعا, ثم ارفع حتى تعتدل قائما, ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا, ثم ارفع حتى تطمئن جالسا ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا, ثم افعل ذلك في صلاتك كلها" رواه البخاري
* وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإلتفات في الصلاة فقال: "ذلك اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد" رواه البخاري
وقال صلى الله عليه وسلم "إن أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته" قيل :كيف ذلك يا رسول الله ؟ قال : "لا يتم ركوعها ولا سجودها" رواه الإمام أحمد والبيهقي والحاكم
وقد جاء في حديث آخر :"إن الرجل إذا صلى الصلاة فلم يتم ركوعها ولا سجودها لفّت كما يلف الثوب الرديء فتلقى في وجهه وتقول : ضيعك الله كما ضيعتني, وإذا أتم ركوعها وسجودها لفت كما يلف الثوب الطيب الحسن ودعت له قائلة: حفظك الله كما حفظتني"
وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الله يقبل على العبد في الصلاة مالم يلتفت, فإذا صرف العبد وجهه انصرف الله عنه" رواه أبوداود والنسائي
فبالله عليك بعد كم من الثواني ينصرف الله عنك في صلاتك!! وهل تتحمل وتتخيل أن ينصرف عنك ربك جل وعلا؟ أفلا تستحيي أن ينظر الله إليك بينما تنظر أنت إلى غيره؟؟
واحذر ألا ينظر الله إليك في صلاتك... فقد قال صلى الله عليه وسلم :"لا ينظر الله إلى صلاة عبد لا يقيم صلبه بين ركوعه وسجوده" وقال صلى الله عليه وسلم :"إن العبد إذا أقبل على صلاته ثم التفت يقول الله تعالى : أإلى خير مني" ؟ رواه الإمام أحمد
واعلم أخي أن مناط القبول في الصلاة حضور القلب وفهم العقل...ولذا قال صلى الله عليه وسلم :"ليس للمرء من صلاته إلا ما عقل منها" رواه الزبيدي
معنى هذا أنه قد ينصرف المسلم من صلاته ولم ينل حسنة واحدة وإما يكون فقط قد أسقط الفريضة (أي أداها ورفع عنه وزر المحاسبة على تركها) وذلك لأنه لم يعقل منها آية ولا تسمية ولا دعاء إذ إنه صلى بقلب ساه غافل
والله تعالى حكم عدل..والأجر على قدر المشقة ..
* وتخيل أنك دخلت على ملك ملوك الدنيا أو رئيس أو مدير ثم أثنيت عليه ومدحته ووقفت بين يديه مهذبا مطيعا..فكيف سيكافئك؟ وإذا كان هذا مكافأة العبد للعبد؟ فبماذا يكافئك رب العباد جميعا؟
ولهذا يقول صلى الله عليه وسلم :"إن الرجل ليصلي الصلاة فلا يكتب له إلا ثلثها أو ربعها أو نصفها أو سدسها أو ثمنها أو عشرها" رواه الإمام أحمد
(5) نماذج من خشوع الصحابة والتابعين
* روي أن سيدنا أبا طلحة الأنصاري رضي الله عنه كان يصلي في بستانه ذات يوم ورأى طيرا يخرج من بين الشجر, فتعلقت عيناه بالطائر حتى نسي كم صلى, فذهب إلى الطبيب صلى الله عليه وسلم يبكي ويقول : يارسول الله إني انشغلت بالطائر في البستان حتى نسيت كم صليت, فإني أجعل هذا البستان صدقة في سبيل الله..فضعه يارسول الله حيث شئت لعل الله يغفر لي!!
لماذا فعل هذا الصحابي ذلك؟! لقلة ذنوبه, لقلة التفاته, فأصبح الإلتفات عنده مصيبةوهكذا يرى المؤمن ذنوبه وإن كانت صغيرة, يراها كأنها جبل يخاف أن يقع عليه, أما المنافق فيرى ذنبه كذبابة وقعت على وجهه فأطارها بكل سهولة, كما قال النبي صلى الله عليه وسلم
* وهذا أبو هريرة رضي الله عنه يقول : إن الرجل ليصلي ستين سنة ولا تقبل منه صلاة, فقيل له : كيف ذلك؟ فقال: لا يتم ركوعها ولا سجودها ولا قيامها ولا خشوعها. رواه المنذري في "الترغيب والترهيب"
* ويقول سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه : إن الرجل ليشيب في الإسلام ولم يكمل ركعة واحدة! قيل: كيف ياأمير المؤمنين؟ قال: لايتم ركوعها ولا سجودها.
ويقول الإمام أحمد رحمه الله : يأتي على الناس زمان يصلون وهم لا يصلون, وإني أتخوف أن يكون الزمان هو هذا الزمان!!
فماذا لو أتيت إلينا يا إمام ونظرت إلى أحوالنا وإلى صلاتنا نحن المسلمين في القرن العشرين؟!
ويقول الإمام الغزالي رحمه الله : إن الرجل ليسجد السجدة يظن أنه تقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى, ووالله لو وزع ذنب هذه السجدة على أهل بلدته لهلكوا!
سئل: كيف ذلك؟ فقال : يسجد برأسه بين يدي مولاه, وهو منشغل باللهو والمعاصي وحب الدنيا...فأي سجدة لله هذه؟!
يقول الله تعالى :"ياأيها الذين ءامنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون"
وللأسف هناك أناس ليسوا بسكارى, ولكنهم في الصلاة يكونون اشد وأسوأ حالا من السكارى, بل إنهم سكارى!. نعم سكارى من كأس الدنيا المترعة التي شربوها فغيبت قلوبهم وأخمدت جذوة عقولهم....وإذا كان الله تعالى قد حرم الخمر في البداية قبل الصلاة حتى يعلم المصلون ما يقولون.. فحَرِيٌّ بالمسلم أن يقطع قبل صلاته وأثناءها كل الشواغل الظاهرة والباطنة حتى يعلم ما يقول.
واعلم أن الله تعالى أمرنا بإقامة الصلاة, لا بمجرد الصلاة,
فقال:"وأقيموا الصلاة", ولم يقل صلوا, وشتان بين هذه وتلك... فمعنى أقيموا: أي أتموا وأحسنوا. وفي اللغة العربية أقام البيت: أي حسنه وأتمه وجمله.. ولم تذكر (صلى) بمعنى الأداء فقط إلا في موضع واحد وهو موضع ذم, في سورة الماعون "فويل للمصلين*الذين هم عن صلاتهم ساهون" فم يقل سبحانه فويل للمقيمي الصلاة, أو للمقيمين الصلاة, إذ لو كانوا مقيميها حقا لما سهوا عنها أبدا
والصلاة الكاملة التي يؤديها المرء بخشوع وحضور قلب تعد راحة للقلب وقرة للعين...ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول لبلال رضي الله عنه :"أرحنا بها يا بلال" روه الطبراني.
وربما يقول بعضنا بلسان حاله: أرحنا منها يا بلال!!
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول :"وجعلت قرة عيني في الصلاة" رواه الإمام أحمد
أي لا يملأ عيني ولا يريحها حقا إلا الصلاة, ونحن يملأ أعيننا التلفاز... أو امرأة تعلق بها الإنسان أو أموالنا أو بيوتنا أو زوجاتنا أو أعمالنا!!
فبالله عليك هل صليت مرة ركعتين فكانتا قرة عينك؟!
وهل اشتقت مرة أن تعود سريعا إلى البيت كي تصلي ركعتين لله؟ هل اشتقت إلى الليل كي تخلو فيه مع الله؟
* كان الحسن بن علي رضي الله عنهما إذا دخل في الصلاة ارتعش واصفر لونه... فإذا سئل عن ذلك قال : أتدرون بين يدي من أقوم الآن!
* وكان أبوه سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه إذا توضأ ارتجف فإذا سئل عن ذلك قال : الآن أحمل الأمانة التي عرضت على السماء والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها..وحملتها أنا
* وسئل حاتم الأصم رحمه الله كيف تخشع في صلاتك ؟ قال:
بأن أقوم فأكبر للصلاة.. وأتخيل الكعبة أمام عيني, والصراط تحت قدمي, والجنة عن يميني, والنار عن شمالي وملك الموت ورائي وأن رسول الله يتأمل صلاتي وأظنها آخر صلاتي, فأكبر الله العظيم وأقرأ بتدبر وأركع بخضوع وأسجد بخشوع وأجعل صلاتي الخوف من الله والرجاء في رحمته ثم أسلم ولا أدري أقبلت أم لا!!
يقول سبحانه وتعالى :"ألم يأن للذين ءامنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله..."
يقول ابن مسعود رضي الله عنه: لم يكن بين إسلامنا وبين نزول هذه الآية إلا أربع سنوات, فعاتبنا الله تعالى فبكينا لقلة خشوعنا لمعاتبة الله لنا..فكنا نخرج نعاتب بعضنا بعضا نقول : ألم تسمع قول الله تعالى :"ألم يأن للذين ءامنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله " فيسقط الرجل منا يبكي على عتاب الله لنا.
فهل شعرت أنت يا أخي وأنت يا أختي أن الله يعاتبك بهذه الآية؟! وهل خجلت من عتاب الله لك ؟!
الإمام الغزالي يقول: استجمع قلبك في ثلاثة مواضع: عند قراءة القرآن وعند الصلاة وعند ذكر الموت.. فإن لم تجدها في هذه المواضع فاسأل الله أن يمن عليك بقلب, فإنه لا قلب لك!!
رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم نصحنا بقوله :"صل صلاة مودع" رواه ابن ماجه
فهل صليت مرة واحدة صلاة مودع في عمرك كله؟!
(6) مراتب الناس في الصلاة
الناس في الصلاة على مراتب خمس
الأول: الذي لا يحافظ على صلاته: لا على وقتها, ولا على وضوئها, ولا على أركانها الظاهرة (القيام والركوع والسجود...) ولا على خشوعها, فهذا معاقب بإجماع العلماء
الثاني: الذي يحافظ على الوضوء والصلاة والأركان الظاهرة ولكن بلا خشوع وهذا محاسب على صلاته حسابا شديدا
الثالث: محافظ على الوقت وعلى الوضوء والأركان الظاهرة ويجاهد شيطانه فيخشع لبعض الوقت ويسهو لبعض الوقت, فالشيطان يختلس من صلاته ويسرق منها بين الحين والآخر, فهو في صلاة وجهاد وله أجران: أجر الصلاة وأجر الجهاد
الرابع: محافظ على الوقت وعلى الوضوء وعلى الأركان الظاهرة وخاشع في صلاته (وهذا النوع نادر في المسلمين)
الخامس: محافظ على الوقت والوضوء والأركان الظاهرة, والأكثر من ذلك أنه خلع قلبه وأسلمه لله عزوجل فهو ليس في الدنيا..بل صار في مناجاة مع الله..ولعل هذا ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله :"وجُعلت قرة عيني في الصلاة"
فهل يمكن أخي القارئ أن تصل إلى هذه المرحلة من الخشوع في الصلاة؟ فتذوق حلاوة الوقوف بين يدي الله
(7) من أسباب الخشوع
أولا: توضأ وأحسن الوضوء لكي يكون تطهيرا للبدن والروح معا
يقول النبي صلى الله عليه وسلم :"إذا توضأ العبد فتمضمض خرجت الخطايا من فيه (هل استحضرت هذا المعنى عندما تتمضمض: بأن تخرج الغيبة أو النميمة أو الكذب... مع الوضوء)؟! فإذا غسل يديه خرجت الخطايا من يديه حتى تخرج من تحت أظافر يديه, فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا ن وجهه حتى تخرج من أشفار عينيه, فإذا مسح رأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من تحت أذنيه فإذا غسل رجليه خرجت الخطايا من قدميه حتى تخرج من تحت أظافر قدميه" رواه أحمد
فتذكُّر هذا الحديث عند بدء الوضوء هو أول مدخل للخشوع
ثانيا: ستر العورة: ولنحرص على ستر عورات الظاهر والباطن أيضا وذلك بالتوبة النصوح وإخلاص النية لله تعالى
ثالثا: التكبير...
ويجب استحضار معنى إسم الله (الكبير) وأنه لا أكبر من الله تبارك وتعالى...ولا تكن كذابا بأن يقولها لسانك ولكن في قلبك من هو أكبر من الله, وأو ما هو أكبر من الله من متاع الدنيا الفانية أو متعها الزائلة! وقد جُعل التكبير هو ذكر الإنتقال بين حركات الصلاة لإستحضار هذا المعنى; فلا يسهو العبد ولا يفكر في الدنيا بل يخشع لله الأكبر سبحانه وتعالى
رابعا: رفع اليدين...
ورمي الدنيا خلف الظهر, فعندما تخلع نعليك عليك أن تخلع معهما الدينا وشهواتها ومشاغلها . ولا يجب رفع العينين, بل النظر يكون موضع السجود والرأس مطأطأ لله الواحد القهار, ولاحظ أن وقفة يوم القيامة هي وقفة الصلاة.
واعلم أن الله ينظر إلى صلاتك.. وتخيل أنك في عمل من أعمال الدنيا وصاحب العمل ينظر إليك أو أنك بين يدي ملك طلب منك عملا ثم وقف ليراقبك, فكيف ستؤدي هذا العمل؟
* بعد ذلك اقرأ الفاتحة –أم الكتاب- بخشوع وتدبر
واستمع إلى الحديث القدسي الجليل الذي يقول فيه رب العزة جل وعلا:
"قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين, فإذا قال العبد (الحمد لله رب العالمين) قال الله:"حمدني عبدي", فإذا قال العبد (الرحمن الرحيم) قال الله:"أثنى علي عبدي", فإذا قال العبد (مالك يوم الدين) قال الله :"مجدني عبدي"....فإذا قال العبد (إياك نعبد وإياك نستعين) قال الله :"هذا بيني وبين عبدي" , فإذا قال العبد (اهدنا الصراط المستقيم*صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين) قال الله :"هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل" رواه مسلم والترمذي
فتخيل يا أخي ويا أختي, الله يجيبك ويرد عليك ويقضي حاجتك..والله لولا الشهوات والمعاصي لطارت قلوبنا من شدة الفرحة بكلام الله تعالى لنا..
وانتبه: عندما تقرأ الآيات اقرأها بتدبر وحضور قلب وعقل, فإذا قلت (الحمد لله رب العالمين) فاستشعر نِعَمَ الله عليك وهو كثيرة لا تعد ولا تحصى, وتذكر أنك تناجي ربك الذي خلقك وأحياك ثم يميتك ثم يحييك, فإذا قلت (الرحمن الرحيم) فاستشعر سعة رحمة الله بعباده في الدنيا والآخرة, وكيف أنه أرحم بعباده من رحمة الأم بولدها...فإذا قلت (مالك يوم الدين) فاستحضر في ذهنك يوم الحساب..يوم توفى كل نفس ما كسبت وهو لا يظلمون..وهكذا في سائر الآيات والسور
واعلم أنك عندما تقرأ الفاتحة تكون واحدا من ثلاثة:
1) رجل يحرك لسانه وقلبه غافل......وتلك منزلة الظالم لنفسه
2) رجل يحرك لسانه وقلبه حاضر وتلك منزلة المقتصد
3) رجل يحس قلبه أولا بالمعاني ثم يترجم اللسان هذه المعاني, وهذه منزلة السابق بالخيرات بإذن الله جل وعلا
ولكن كيف يتحقق حضور القلب قبل قراءة اللسان؟؟؟
يتحقق ذلك بعدة أمورة:
أولا: حفظ القرآن كله أو أقصى قدر ممكن منه
ثانيا: فهم ما تحفظه
ثالثا: تصفية القلب من المعاصي والتوبة النصوح لله رب العالمين
وعندما تقرأ قل في نفسك:
"اللهم لك الحمد أن وفقتني لهذا المقام...فلولاك لما حنيت ظهري أبدا...ووالله ما حنيت ظهري لأحد غيرك..واحرص أخي على أن ينحني القلب مع الظهر فيكتمل خشوع الظاهر والباطن..وقل:"سبحان ربي العظيم" ومعناها تنزيه الله عن كل نقص, ووصفه سبحانه بكل كمال , فهو سبحانه العظيم حقا له العظمة والجبروت والملك والملكوت
وعندما تسجد فتذكر
أن التراب يسجد على التراب وليس في هذا غرابة فالفرع إنما يرد إلى الأصل وسبح ربك كثيرا حتى يستقر المعنى في القلب والوجدان قبل أن يعبر عن اللسان, واعلم أن العبد أقرب ما يكون من ربه وهو ساجد فاحذر أن تكون قريبا ببدنك فحسب ولكن قلبك بعيد هناك في الدنيا ومشاغلها! واحرص على كثرة الدعاء في السجود فإن ذلك أدعى للإجابة.
فإذا أتممت الركعة الثانية
اجلس واقرأ التشهد "التحيات لله" , واستشعر عظمة الله وأنت أيها الضعيف الفقير تحيي ربك القوي الغني, فهل يصح أن تحييه بلسانك وقلبك عنه منصرف؟؟ وكلمة "التحيات" كلمة جامعة للتحيات كلها وفيها توقير وتعظيم وإجلال لله رب العالمين.
ثم قل"والصلوات والطيبات" فهذا كله لك يا رب فكل طيب لك ومنك, وصلاتي هذه لك ودعواتي وكل أعمالي كذلك "قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين*لا شريك له وبذلك أمرت.."
ثم سلم على خير البشر صلى الله عليه وسلم "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته" وتذكر أنه صلى الله عليه وسلم يرد عليك السلام كما أخبر هو في الحديث
هل حييت ربك وسلمت على نبيك؟ حينئذ ترتفع قيمتك ويعدو قدرك ويصير حريا بك أن تسلم على نفسك وعلى إخوانك من عباد الله الصالحين (من الإنس والجن والملائكة وغيرهم من كل ما يعبد الله تعالى) ثم ارفع اصبعك وقل :"أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله"
وأسألك هل رأيت أدلة وحدانية الله؟ هل ينفع أن تذهب إلى المحكمة فتشهد وأنت لم تر؟ فكيف تشهد أن لا إله إلا الله وأنت لم تره؟
والإجابة:
أنك رأيت آيات وحدانيته سبحانه فأنت متأكد كأنك رأيت, بل وربما أقوى, وأنت تذكر دائما قول القائل :وفي كل شيء آية تدل على أنه الواحد
ثم ترفع أصبعك لأن الشهادة تحتاج إلى اثنين وأنت تشهد بلسانك وقلبك معا, ثم تذكر نبيك المصطفى فتصلي عليه وعلى أبيه وأبي الأنبياء سيدنا إبراهيم عليه السلام عليه وعلى نبينا السلام واستحضر حينئذ انتماءك لسيدنا إبراهيم عليه السلام وأنه هو الذي سمانا المسلمين, فسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم امتداد لسيدنا إبراهيم عليه السلام, فأنت جذورك عميقة وضاربة في التاريخ,
فإذا ما فرغت من التشهد
ادع بما ورد في الأحاديث الصحيحة من أدعية جامعة مباركة, واستعذ بالله من أربع كما أمر النبي صلىالله عليه وسلم :"من عذاب جهنم وعذاب القبر وفتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال" رواه مسلم وأبوداود
فإذا فرغت سلم عن يمينك وتذكر ملك اليمين الذي يكتب الحسنات, ثم سلم عن شمالك وتذكر ملك السيئات , وكيف أن أعمالك كلها مسجلة عند الله تعالى ولهذا يقول الكفار المجرمون يوم القيامة "مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا"
وصل صلاة مودع للدنيا مفارق لها, خائف لما ينتظره من حساب بين يدي الله رب العالمين, غير مطمئن إلى قبول صلاتك, بل تشعر أنك أذنبت لعدم حضور قلبك وعقلك, ولذا بمجرد أن تسلم تستغفر الله على تقصيرك قائلا : أستغفر الله ثلاث مرات, ثم قل: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال الجلال والإكرام" رواه مسلم وأبوداود ولماذا هذا الثناء بالذات؟؟
لأنه الدعاء الذي ستقوله عندما ترى الله تعالى في الجنة عندما يكشف الحجاب عن الله تبارك وتعالى ويناديك فيمن ينادي :"يا أهل الجنة ... سلام عليكم, فيقولون : "اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت ياذا الجلال والإكرام"
ثم اسأل الله تعالى أن يوفقك إلى طاعته كما يحب ويرضى فهو وحده الموفق لما فيه الخير والصلاح والهدى والرشاد فقل :"اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" رواه الإمام أحمد, ولم يقل وعبادتك فحسب, بل قال : وحسن عبادتك حتى تستمتع بالصلاة ومناجاة الله تبارك وتعالى واعلم أن الذكر والشكر وحسن العبادة هو عوامل وأسباب السعادة لا في الدنيا فقط, ولا في الآخرة فحسب بل في كليهما
ثم سبح الله تعالى ثلاثا وثلاثين واحمده وكبره بمثلها وقل تمام المائة : لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير, الله أكبر كبيرا وسبحان الله العظيم وتعالى بكرة وأصيلا ثم ادع الله تعالى بما شئت, فقد جاء في الحديث أن من أوقات الإجابة :دبر الصلوات المكتوبة
ثم انصرف من صلاتك بهدوء وسكينة ولكن ابق على انتظار وشوق للصلاة التالية إذ من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ذكر منهم:"...ورجل قلبه معلق بالمساجد" رواه البخاري ومسلم والترمذي والإمام أحمد
(8) كيف تخشع في صلاتك
هناك وسيلتان لتحقيق الخشوع في الصلاة
* الأولى: إخراج الدنيا من القلب والإقلال من الشهوات والمعاصي
وابن عطاء الله صاحب "الحكم" يقول: كيف يشرق قلب وصورة الدنيا منطبعة فيه, أم كيف يرحل إلى الله وهو منكب على شهواته؟ أم كيف يدخل على الله ولم يتطهر من نجاسة غفلاته!
جاء رجل إلى الإمام أحمد رحمه الله فقال له : يا إمام, أعد طهوري وأنام مبكرا أريد قيام الليل وصلاة الفجر فلا أستيقظ؟ فقال له الإمام : ذنوبك قيدتك! ثم قال له: لا تعص الله بالنهار فحينئذ تقوم الليل وتصلي الفجر!
فكم من أكلة ثقيلة منعت قيام الليل, وكم من نظرة إلى حرام منعت من صيام يوم!
ومثل تشعب الدنيا في القلب وانشغال الإنسان بها كمثل طالب يذاكر دروسه في غرفته وبجواره شباك تحته شجرة عليها عصافير.. وكلما أراد أن يركز في المذاكرة وجد العصافير تزعجه, فيأخذ خشبة ليضرب بها الشجرة فتطير العصافير, فيعود لمذاكرته, ولكن ما تلبث العصافير أن تعود مرة أخرى! فجاء والده فقال: يا بني لا تستريح من إزعاج العصافير إلا بقطع الشجرة.
فاقطع يا أخي شجرة الشهوات من قلبك تخشع في صلاتك!
أما الوسيلة الثانية: فهي أن تفهم حركات الصلاة الظاهرة بأن تكون لكل حركة في الصلاة أو قبلها أثر في قلبك
ربنا لا تزع قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين (عمرو خالد)
كتابي اليوم هو (عبادات المؤمن) للداعية عمرو خالد, والكثير أعتقد أنهم اطلعوا على الكتاب لأسلوب كاتبه جزاه الله خير, الكتاب له عدة أقسام, قسم الذكر والحج والصوم والصلاة وغيرها, اخترت في كتابه قسم الخشوع في الصلاة. عسى أن يوفقني الله تعالى لما يحبه ويرضاه.
الخشوع في الصلاة
الفهرس:
(1) الخشوع في الصلاة
(2) جاهد نفسك في تحصيل الخشوع
(3) هل ذقت حلاوة الصلاة
(4) ارجع فصل فإنك لم تصل
(5) نماذج من خشوع الصحابة والتابعين
(6) مراتب الناس في الصلاة
(7) من أسباب الخشوع
(8) كيف تخشع في صلاتك
(1) الخشوع في الصلاة
هل تعرف أخي القارئ ماذا تعني الصلاة؟ تعني ببساطة أنك في لقاء مع الله تبارك وتعالى...والدخول في الصلاة يعني الدخول على الله تعالى...فهل تفكرت في هذا المعنى؟! وهل تخيلت أنك عندما تقول : "الله أكبر" فإن الله يقبل عليك, وينظر إليك؟ هل استحضرت هذا المعنى العظيم والذي يجسده الحديث القدسي :"قسمت الصلاة بين وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل...." رواه الترمذي
وقيمة الصلاة أنها السبيل الأساسي لتعرفنا بالله عزوجل...فبدون الصلاة لا نستطيع أن نتعرف على الله تعالى...فإنت إذا كنت لا تصلي, فمعنى هذا أنك لم تعرف ربك سبحانه وتعالى.
فالصلاة –حقا- سر الوجود. لماذا خلقت؟ خلقت لمعرفة الله عزوجل القائل في محكم آياته :"وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" لم نخلق من أجل أن نعيش ونأكل ونشرب ونتزوج وننجب ونعمل ثم نموت!!
إذن معرفة الله عزوجل وحب الله وطاعة الله هو الهدف الأساسي من خلق الله لنا...يقول الرسول صلى الله عليه وسلم :"كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها" رواه مسلم والترمذي وابن ماجه والإمام أحمد
وقال صلى الله عليه وسلم عندما طلب منه سيدنا عمر أن يتخذ وطاء بعد أن أثر الحصير في جسده الشريف :"مالي والدنيا مالي والدنيا, إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل رجل سار في يوم شديد الحر فاستظل تحت شجرة ساعة ثم راح وتركها"
(2) جاهد نفسك في تحصيل الخشوع
ولا يخشع في صلاته إلا من أحب الله تعالى...ومن أمثال المحبين لله تعالى حقا وصدقا ابن القيم رحمه الله والذي يقول:
"في القلب شعث(أي تمزق) لا يلمه إلا الإقبال على الله, وفي القلب وحشه لا يزيلها إلا الأنس بالله, وفي القلب خوف وقلق لايذهبه إلا الفرار إلى الله"
فهل أحسست مرة بهذه المعاني؟ هل شعرت أخي القارئ أنك تريد أن تفر إلى الله عزوجل؟ وتقول بلسان حالك: أنا محتاج لدينك يارب! محتاج إلى أن آنس بك يارب! هل أحسست أن في قلبك شوقا وتطلعا لا يطفئه ولا يشبعه إلا الرضا بالله عزوجل؟!
ويقول ابن القيم رحمه الله أيضا : "إذا استغنى الناس بالدنيا فاستغن أنت بالله....وإذا فرح الناس بالدنيا فافرح أنت بالله.....وإذا أنس الناس بأحبابهم فأنس أنت بالله...وإذا ذهب الناس إلى ملوكهم وكبرائهم يسألونهم الرزق ويتوددون إليهم فتودد أنت إلى الله"
وهذا أيها الأخ الحبيب كلام رجل أحب الله تعالى حقا, فهل تحس أنت أنك تحب الله؟ واسأل نفسك دائما: ماذا تريد؟ هل تريد الدنيا أم تريد الجنة؟ لماذا تعيش؟ حدد هدفك حتى أستطيع أن أدخل معك إلى موضوع الخشوع في الصلاة.
إذا فتح باب الرحمن, في أوقات السحر وإجابة الدعاء كالسجود وغيره, فأسرع بالدخول, وابسط يدك للرحمن وقل له: مسكين فتصدق علي...وستشعر حينئذ بحلاوة المناجاة وحلاوة الخلوة بالرحمن جل وعلا
* وأذكرك أولا بقول ابن القيم رحمه الله :"لا تسأم من الوقوف على باب ربك...ولو طردت"
أي لا تمل من الوقوف على باب الحق جل وعلا حتى لو لم يتحقق لك الخشوع في البداية, فلا تتعجل وتترك مجاهدة نفسك لتحصيل الخشوع, ورحم الله من قال :"فإذا فتح الباب للمقبولين, فادخل دخول المتطفلين" يعني لو فتح الله بابه لعباده الذين يحبهم فادخل وسطهم, فإذا كان هناك مثلا درس علم في مسجد أو نحوه فاذهب واجلس مع الجالسين فعسى أن تكون في قوم لا يشقى بهم جليسهم, وإذا كان هناك إخوة ذاهبون للإعتكاف فاعتكف معهم, وصل معهم قيام الليل فالجليس الصالح مثله كمثل حامل المسك إما أن يهديك وإما أن تبتاع منه, وإما أن تشم منه رائحة طيبة
وأسألك بالله عليك : ما هي آخر مرة خشعت فيها لله في صلاتك؟ وهل كنت تتمنى ألا تقوم من السجود أبدا؟ وما هي آخر مرة وقفت فيها بين يدي الله فخشعت جوارحك واضطرب قلبك؟
وأنا أخاف ألا نشعر بأهمية هذا الكلام لأن في بالقلوب بعض القسوة , نحن نأكل ونشرب ونتزوج وننجب ونموت وننسى لماذا خلقنا؟؟؟ لقد خلقنا لغاية تخالف هذه الأشياء التي فعلناها ونفعلها ونهتم بها ونحرص عليها! خلقنا لنكون في كنف الله الرحمن وفي خدمة الواحد المنان..وكفى بك عزا أن يكون لك رب, وكفى بك فخرا أن تكون له عبدا
وقد جلست مرة مع بعض الشباب وأردنا أن نتذاكر نعم الله علينا, فمنا من قال الصحة, ومنا من قال الأولاد, ومنا من قال السمع والبصر وآخر قال أمي وآخر قال المال وآخر قال الإسلام.....حتى قال شاب عمره 18 سنة : أعظم نعمة أنعم الله بها علينا أن ربنا هو ربنا!!!
أفهمت هذا المعنى؟! فهذا الشاب الصغير يشعر بأن أعظم نعمة في الوجود بأن ربنا وحده هو القائم على أمورنا..وهو الذي يتكفل بنا ويأخذ بقلوبنا وأيدينا ونواصينا إلى طريق الخير والصلاح, فأعظم نعمة أن الله- والله وحده -هو ربك سبحانه وتعالى.
استشعر أيها الأخ, أنت ملك من؟ أنت عبد من؟ هل أنت عبد ذاتك؟ هل أنت عبد شهواتك؟ هل أنت عبد للمال؟ احذر أن تكون من هؤلاء, فقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم على عباد الدنيا والشهوات والزينة فقال صلى الله عليه وسلم:"تعس عبد الدرهم..تعس عبد الدينار..تعس عبد القطيفة..تعس عبد الخميصة (نوع من القماش) تعس وانتكس, وإذا شيك فلا انتقش" رواه البخاري
يدعو عليه بأنه لو دخلت فيه شوكة ألا يجد من يخرجها منه!!
(3) هل ذقت حلاوة الصلاة؟!
يقول ابن تيمية : مساكين أهل الدنيا, خرجوا منها ولم يذوقوا أحلى ما فيها! فقيل له: وما أحلى ما فيها؟ قال: حب الله عزوجل
فأنت مسكين يا من لم تجرب البكاء في صلاتك بين يدي ربك جل وعلا
مسكينة يا من لم تشعري بجسدك وقلبك يرتجفان لذنب أذنبتيه, خوفا من الله الواحد القهار
هل ابتسمت مرة أخي وأنت داخل على الله في صلاتك؟!
واعلم أن كثرة الحركات في الصلاة تدل على عدم حضور القلب وعدم خشوعه لله رب العالمين, ولذا لما رأى سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلا يعبث بلحيته قال: لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه...وقد صدق لأن الجوارح مرآة القلب.وكل إناء بما فيه ينضح
وإذا نظرت إلى الناس في صلاتهم وجدت عجبا..تجد من يقوم ويركع ويسجد في صلاته بسرعة عجيبة وكأنه (سوسته) تتحرك حركة آلية أو كأنه ترس في آلة, وفي دقيقتين أو أقل يصلي الظهر أو العصر مثلا, وممكن يضغطها فيجعلها دقيقة ونصف ويأتي بالسجود مع الركوع, فلا يقيم ظهره بعد الركوع, بل يخر ساجدا مباشرة!!
(4) ارجع فصل فإنك لم تصلِّ
* وفي حديث للبخاري, أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد, فدخل رجل فصلى, ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم, فرد النبي صلى الله عليه وسلم عليه السلام, فقال :"ارجع فصل, فإنك لم تصل" فصلى , ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال :"ارجع فصل, فإنك لم تصل" .ثلاثا, فقال: والذي بعثك بالحق, فا أُحْسِن غيره, فعلمني, قال: "إذا قمت إلى الصلاة فكبر, ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن, ثم اركع حتى تطمئن راكعا, ثم ارفع حتى تعتدل قائما, ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا, ثم ارفع حتى تطمئن جالسا ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا, ثم افعل ذلك في صلاتك كلها" رواه البخاري
* وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإلتفات في الصلاة فقال: "ذلك اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد" رواه البخاري
وقال صلى الله عليه وسلم "إن أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته" قيل :كيف ذلك يا رسول الله ؟ قال : "لا يتم ركوعها ولا سجودها" رواه الإمام أحمد والبيهقي والحاكم
وقد جاء في حديث آخر :"إن الرجل إذا صلى الصلاة فلم يتم ركوعها ولا سجودها لفّت كما يلف الثوب الرديء فتلقى في وجهه وتقول : ضيعك الله كما ضيعتني, وإذا أتم ركوعها وسجودها لفت كما يلف الثوب الطيب الحسن ودعت له قائلة: حفظك الله كما حفظتني"
وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الله يقبل على العبد في الصلاة مالم يلتفت, فإذا صرف العبد وجهه انصرف الله عنه" رواه أبوداود والنسائي
فبالله عليك بعد كم من الثواني ينصرف الله عنك في صلاتك!! وهل تتحمل وتتخيل أن ينصرف عنك ربك جل وعلا؟ أفلا تستحيي أن ينظر الله إليك بينما تنظر أنت إلى غيره؟؟
واحذر ألا ينظر الله إليك في صلاتك... فقد قال صلى الله عليه وسلم :"لا ينظر الله إلى صلاة عبد لا يقيم صلبه بين ركوعه وسجوده" وقال صلى الله عليه وسلم :"إن العبد إذا أقبل على صلاته ثم التفت يقول الله تعالى : أإلى خير مني" ؟ رواه الإمام أحمد
واعلم أخي أن مناط القبول في الصلاة حضور القلب وفهم العقل...ولذا قال صلى الله عليه وسلم :"ليس للمرء من صلاته إلا ما عقل منها" رواه الزبيدي
معنى هذا أنه قد ينصرف المسلم من صلاته ولم ينل حسنة واحدة وإما يكون فقط قد أسقط الفريضة (أي أداها ورفع عنه وزر المحاسبة على تركها) وذلك لأنه لم يعقل منها آية ولا تسمية ولا دعاء إذ إنه صلى بقلب ساه غافل
والله تعالى حكم عدل..والأجر على قدر المشقة ..
* وتخيل أنك دخلت على ملك ملوك الدنيا أو رئيس أو مدير ثم أثنيت عليه ومدحته ووقفت بين يديه مهذبا مطيعا..فكيف سيكافئك؟ وإذا كان هذا مكافأة العبد للعبد؟ فبماذا يكافئك رب العباد جميعا؟
ولهذا يقول صلى الله عليه وسلم :"إن الرجل ليصلي الصلاة فلا يكتب له إلا ثلثها أو ربعها أو نصفها أو سدسها أو ثمنها أو عشرها" رواه الإمام أحمد
(5) نماذج من خشوع الصحابة والتابعين
* روي أن سيدنا أبا طلحة الأنصاري رضي الله عنه كان يصلي في بستانه ذات يوم ورأى طيرا يخرج من بين الشجر, فتعلقت عيناه بالطائر حتى نسي كم صلى, فذهب إلى الطبيب صلى الله عليه وسلم يبكي ويقول : يارسول الله إني انشغلت بالطائر في البستان حتى نسيت كم صليت, فإني أجعل هذا البستان صدقة في سبيل الله..فضعه يارسول الله حيث شئت لعل الله يغفر لي!!
لماذا فعل هذا الصحابي ذلك؟! لقلة ذنوبه, لقلة التفاته, فأصبح الإلتفات عنده مصيبةوهكذا يرى المؤمن ذنوبه وإن كانت صغيرة, يراها كأنها جبل يخاف أن يقع عليه, أما المنافق فيرى ذنبه كذبابة وقعت على وجهه فأطارها بكل سهولة, كما قال النبي صلى الله عليه وسلم
* وهذا أبو هريرة رضي الله عنه يقول : إن الرجل ليصلي ستين سنة ولا تقبل منه صلاة, فقيل له : كيف ذلك؟ فقال: لا يتم ركوعها ولا سجودها ولا قيامها ولا خشوعها. رواه المنذري في "الترغيب والترهيب"
* ويقول سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه : إن الرجل ليشيب في الإسلام ولم يكمل ركعة واحدة! قيل: كيف ياأمير المؤمنين؟ قال: لايتم ركوعها ولا سجودها.
ويقول الإمام أحمد رحمه الله : يأتي على الناس زمان يصلون وهم لا يصلون, وإني أتخوف أن يكون الزمان هو هذا الزمان!!
فماذا لو أتيت إلينا يا إمام ونظرت إلى أحوالنا وإلى صلاتنا نحن المسلمين في القرن العشرين؟!
ويقول الإمام الغزالي رحمه الله : إن الرجل ليسجد السجدة يظن أنه تقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى, ووالله لو وزع ذنب هذه السجدة على أهل بلدته لهلكوا!
سئل: كيف ذلك؟ فقال : يسجد برأسه بين يدي مولاه, وهو منشغل باللهو والمعاصي وحب الدنيا...فأي سجدة لله هذه؟!
يقول الله تعالى :"ياأيها الذين ءامنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون"
وللأسف هناك أناس ليسوا بسكارى, ولكنهم في الصلاة يكونون اشد وأسوأ حالا من السكارى, بل إنهم سكارى!. نعم سكارى من كأس الدنيا المترعة التي شربوها فغيبت قلوبهم وأخمدت جذوة عقولهم....وإذا كان الله تعالى قد حرم الخمر في البداية قبل الصلاة حتى يعلم المصلون ما يقولون.. فحَرِيٌّ بالمسلم أن يقطع قبل صلاته وأثناءها كل الشواغل الظاهرة والباطنة حتى يعلم ما يقول.
واعلم أن الله تعالى أمرنا بإقامة الصلاة, لا بمجرد الصلاة,
فقال:"وأقيموا الصلاة", ولم يقل صلوا, وشتان بين هذه وتلك... فمعنى أقيموا: أي أتموا وأحسنوا. وفي اللغة العربية أقام البيت: أي حسنه وأتمه وجمله.. ولم تذكر (صلى) بمعنى الأداء فقط إلا في موضع واحد وهو موضع ذم, في سورة الماعون "فويل للمصلين*الذين هم عن صلاتهم ساهون" فم يقل سبحانه فويل للمقيمي الصلاة, أو للمقيمين الصلاة, إذ لو كانوا مقيميها حقا لما سهوا عنها أبدا
والصلاة الكاملة التي يؤديها المرء بخشوع وحضور قلب تعد راحة للقلب وقرة للعين...ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول لبلال رضي الله عنه :"أرحنا بها يا بلال" روه الطبراني.
وربما يقول بعضنا بلسان حاله: أرحنا منها يا بلال!!
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول :"وجعلت قرة عيني في الصلاة" رواه الإمام أحمد
أي لا يملأ عيني ولا يريحها حقا إلا الصلاة, ونحن يملأ أعيننا التلفاز... أو امرأة تعلق بها الإنسان أو أموالنا أو بيوتنا أو زوجاتنا أو أعمالنا!!
فبالله عليك هل صليت مرة ركعتين فكانتا قرة عينك؟!
وهل اشتقت مرة أن تعود سريعا إلى البيت كي تصلي ركعتين لله؟ هل اشتقت إلى الليل كي تخلو فيه مع الله؟
* كان الحسن بن علي رضي الله عنهما إذا دخل في الصلاة ارتعش واصفر لونه... فإذا سئل عن ذلك قال : أتدرون بين يدي من أقوم الآن!
* وكان أبوه سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه إذا توضأ ارتجف فإذا سئل عن ذلك قال : الآن أحمل الأمانة التي عرضت على السماء والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها..وحملتها أنا
* وسئل حاتم الأصم رحمه الله كيف تخشع في صلاتك ؟ قال:
بأن أقوم فأكبر للصلاة.. وأتخيل الكعبة أمام عيني, والصراط تحت قدمي, والجنة عن يميني, والنار عن شمالي وملك الموت ورائي وأن رسول الله يتأمل صلاتي وأظنها آخر صلاتي, فأكبر الله العظيم وأقرأ بتدبر وأركع بخضوع وأسجد بخشوع وأجعل صلاتي الخوف من الله والرجاء في رحمته ثم أسلم ولا أدري أقبلت أم لا!!
يقول سبحانه وتعالى :"ألم يأن للذين ءامنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله..."
يقول ابن مسعود رضي الله عنه: لم يكن بين إسلامنا وبين نزول هذه الآية إلا أربع سنوات, فعاتبنا الله تعالى فبكينا لقلة خشوعنا لمعاتبة الله لنا..فكنا نخرج نعاتب بعضنا بعضا نقول : ألم تسمع قول الله تعالى :"ألم يأن للذين ءامنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله " فيسقط الرجل منا يبكي على عتاب الله لنا.
فهل شعرت أنت يا أخي وأنت يا أختي أن الله يعاتبك بهذه الآية؟! وهل خجلت من عتاب الله لك ؟!
الإمام الغزالي يقول: استجمع قلبك في ثلاثة مواضع: عند قراءة القرآن وعند الصلاة وعند ذكر الموت.. فإن لم تجدها في هذه المواضع فاسأل الله أن يمن عليك بقلب, فإنه لا قلب لك!!
رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم نصحنا بقوله :"صل صلاة مودع" رواه ابن ماجه
فهل صليت مرة واحدة صلاة مودع في عمرك كله؟!
(6) مراتب الناس في الصلاة
الناس في الصلاة على مراتب خمس
الأول: الذي لا يحافظ على صلاته: لا على وقتها, ولا على وضوئها, ولا على أركانها الظاهرة (القيام والركوع والسجود...) ولا على خشوعها, فهذا معاقب بإجماع العلماء
الثاني: الذي يحافظ على الوضوء والصلاة والأركان الظاهرة ولكن بلا خشوع وهذا محاسب على صلاته حسابا شديدا
الثالث: محافظ على الوقت وعلى الوضوء والأركان الظاهرة ويجاهد شيطانه فيخشع لبعض الوقت ويسهو لبعض الوقت, فالشيطان يختلس من صلاته ويسرق منها بين الحين والآخر, فهو في صلاة وجهاد وله أجران: أجر الصلاة وأجر الجهاد
الرابع: محافظ على الوقت وعلى الوضوء وعلى الأركان الظاهرة وخاشع في صلاته (وهذا النوع نادر في المسلمين)
الخامس: محافظ على الوقت والوضوء والأركان الظاهرة, والأكثر من ذلك أنه خلع قلبه وأسلمه لله عزوجل فهو ليس في الدنيا..بل صار في مناجاة مع الله..ولعل هذا ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله :"وجُعلت قرة عيني في الصلاة"
فهل يمكن أخي القارئ أن تصل إلى هذه المرحلة من الخشوع في الصلاة؟ فتذوق حلاوة الوقوف بين يدي الله
(7) من أسباب الخشوع
أولا: توضأ وأحسن الوضوء لكي يكون تطهيرا للبدن والروح معا
يقول النبي صلى الله عليه وسلم :"إذا توضأ العبد فتمضمض خرجت الخطايا من فيه (هل استحضرت هذا المعنى عندما تتمضمض: بأن تخرج الغيبة أو النميمة أو الكذب... مع الوضوء)؟! فإذا غسل يديه خرجت الخطايا من يديه حتى تخرج من تحت أظافر يديه, فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا ن وجهه حتى تخرج من أشفار عينيه, فإذا مسح رأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من تحت أذنيه فإذا غسل رجليه خرجت الخطايا من قدميه حتى تخرج من تحت أظافر قدميه" رواه أحمد
فتذكُّر هذا الحديث عند بدء الوضوء هو أول مدخل للخشوع
ثانيا: ستر العورة: ولنحرص على ستر عورات الظاهر والباطن أيضا وذلك بالتوبة النصوح وإخلاص النية لله تعالى
ثالثا: التكبير...
ويجب استحضار معنى إسم الله (الكبير) وأنه لا أكبر من الله تبارك وتعالى...ولا تكن كذابا بأن يقولها لسانك ولكن في قلبك من هو أكبر من الله, وأو ما هو أكبر من الله من متاع الدنيا الفانية أو متعها الزائلة! وقد جُعل التكبير هو ذكر الإنتقال بين حركات الصلاة لإستحضار هذا المعنى; فلا يسهو العبد ولا يفكر في الدنيا بل يخشع لله الأكبر سبحانه وتعالى
رابعا: رفع اليدين...
ورمي الدنيا خلف الظهر, فعندما تخلع نعليك عليك أن تخلع معهما الدينا وشهواتها ومشاغلها . ولا يجب رفع العينين, بل النظر يكون موضع السجود والرأس مطأطأ لله الواحد القهار, ولاحظ أن وقفة يوم القيامة هي وقفة الصلاة.
واعلم أن الله ينظر إلى صلاتك.. وتخيل أنك في عمل من أعمال الدنيا وصاحب العمل ينظر إليك أو أنك بين يدي ملك طلب منك عملا ثم وقف ليراقبك, فكيف ستؤدي هذا العمل؟
* بعد ذلك اقرأ الفاتحة –أم الكتاب- بخشوع وتدبر
واستمع إلى الحديث القدسي الجليل الذي يقول فيه رب العزة جل وعلا:
"قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين, فإذا قال العبد (الحمد لله رب العالمين) قال الله:"حمدني عبدي", فإذا قال العبد (الرحمن الرحيم) قال الله:"أثنى علي عبدي", فإذا قال العبد (مالك يوم الدين) قال الله :"مجدني عبدي"....فإذا قال العبد (إياك نعبد وإياك نستعين) قال الله :"هذا بيني وبين عبدي" , فإذا قال العبد (اهدنا الصراط المستقيم*صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين) قال الله :"هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل" رواه مسلم والترمذي
فتخيل يا أخي ويا أختي, الله يجيبك ويرد عليك ويقضي حاجتك..والله لولا الشهوات والمعاصي لطارت قلوبنا من شدة الفرحة بكلام الله تعالى لنا..
وانتبه: عندما تقرأ الآيات اقرأها بتدبر وحضور قلب وعقل, فإذا قلت (الحمد لله رب العالمين) فاستشعر نِعَمَ الله عليك وهو كثيرة لا تعد ولا تحصى, وتذكر أنك تناجي ربك الذي خلقك وأحياك ثم يميتك ثم يحييك, فإذا قلت (الرحمن الرحيم) فاستشعر سعة رحمة الله بعباده في الدنيا والآخرة, وكيف أنه أرحم بعباده من رحمة الأم بولدها...فإذا قلت (مالك يوم الدين) فاستحضر في ذهنك يوم الحساب..يوم توفى كل نفس ما كسبت وهو لا يظلمون..وهكذا في سائر الآيات والسور
واعلم أنك عندما تقرأ الفاتحة تكون واحدا من ثلاثة:
1) رجل يحرك لسانه وقلبه غافل......وتلك منزلة الظالم لنفسه
2) رجل يحرك لسانه وقلبه حاضر وتلك منزلة المقتصد
3) رجل يحس قلبه أولا بالمعاني ثم يترجم اللسان هذه المعاني, وهذه منزلة السابق بالخيرات بإذن الله جل وعلا
ولكن كيف يتحقق حضور القلب قبل قراءة اللسان؟؟؟
يتحقق ذلك بعدة أمورة:
أولا: حفظ القرآن كله أو أقصى قدر ممكن منه
ثانيا: فهم ما تحفظه
ثالثا: تصفية القلب من المعاصي والتوبة النصوح لله رب العالمين
وعندما تقرأ قل في نفسك:
"اللهم لك الحمد أن وفقتني لهذا المقام...فلولاك لما حنيت ظهري أبدا...ووالله ما حنيت ظهري لأحد غيرك..واحرص أخي على أن ينحني القلب مع الظهر فيكتمل خشوع الظاهر والباطن..وقل:"سبحان ربي العظيم" ومعناها تنزيه الله عن كل نقص, ووصفه سبحانه بكل كمال , فهو سبحانه العظيم حقا له العظمة والجبروت والملك والملكوت
وعندما تسجد فتذكر
أن التراب يسجد على التراب وليس في هذا غرابة فالفرع إنما يرد إلى الأصل وسبح ربك كثيرا حتى يستقر المعنى في القلب والوجدان قبل أن يعبر عن اللسان, واعلم أن العبد أقرب ما يكون من ربه وهو ساجد فاحذر أن تكون قريبا ببدنك فحسب ولكن قلبك بعيد هناك في الدنيا ومشاغلها! واحرص على كثرة الدعاء في السجود فإن ذلك أدعى للإجابة.
فإذا أتممت الركعة الثانية
اجلس واقرأ التشهد "التحيات لله" , واستشعر عظمة الله وأنت أيها الضعيف الفقير تحيي ربك القوي الغني, فهل يصح أن تحييه بلسانك وقلبك عنه منصرف؟؟ وكلمة "التحيات" كلمة جامعة للتحيات كلها وفيها توقير وتعظيم وإجلال لله رب العالمين.
ثم قل"والصلوات والطيبات" فهذا كله لك يا رب فكل طيب لك ومنك, وصلاتي هذه لك ودعواتي وكل أعمالي كذلك "قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين*لا شريك له وبذلك أمرت.."
ثم سلم على خير البشر صلى الله عليه وسلم "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته" وتذكر أنه صلى الله عليه وسلم يرد عليك السلام كما أخبر هو في الحديث
هل حييت ربك وسلمت على نبيك؟ حينئذ ترتفع قيمتك ويعدو قدرك ويصير حريا بك أن تسلم على نفسك وعلى إخوانك من عباد الله الصالحين (من الإنس والجن والملائكة وغيرهم من كل ما يعبد الله تعالى) ثم ارفع اصبعك وقل :"أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله"
وأسألك هل رأيت أدلة وحدانية الله؟ هل ينفع أن تذهب إلى المحكمة فتشهد وأنت لم تر؟ فكيف تشهد أن لا إله إلا الله وأنت لم تره؟
والإجابة:
أنك رأيت آيات وحدانيته سبحانه فأنت متأكد كأنك رأيت, بل وربما أقوى, وأنت تذكر دائما قول القائل :وفي كل شيء آية تدل على أنه الواحد
ثم ترفع أصبعك لأن الشهادة تحتاج إلى اثنين وأنت تشهد بلسانك وقلبك معا, ثم تذكر نبيك المصطفى فتصلي عليه وعلى أبيه وأبي الأنبياء سيدنا إبراهيم عليه السلام عليه وعلى نبينا السلام واستحضر حينئذ انتماءك لسيدنا إبراهيم عليه السلام وأنه هو الذي سمانا المسلمين, فسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم امتداد لسيدنا إبراهيم عليه السلام, فأنت جذورك عميقة وضاربة في التاريخ,
فإذا ما فرغت من التشهد
ادع بما ورد في الأحاديث الصحيحة من أدعية جامعة مباركة, واستعذ بالله من أربع كما أمر النبي صلىالله عليه وسلم :"من عذاب جهنم وعذاب القبر وفتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال" رواه مسلم وأبوداود
فإذا فرغت سلم عن يمينك وتذكر ملك اليمين الذي يكتب الحسنات, ثم سلم عن شمالك وتذكر ملك السيئات , وكيف أن أعمالك كلها مسجلة عند الله تعالى ولهذا يقول الكفار المجرمون يوم القيامة "مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا"
وصل صلاة مودع للدنيا مفارق لها, خائف لما ينتظره من حساب بين يدي الله رب العالمين, غير مطمئن إلى قبول صلاتك, بل تشعر أنك أذنبت لعدم حضور قلبك وعقلك, ولذا بمجرد أن تسلم تستغفر الله على تقصيرك قائلا : أستغفر الله ثلاث مرات, ثم قل: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال الجلال والإكرام" رواه مسلم وأبوداود ولماذا هذا الثناء بالذات؟؟
لأنه الدعاء الذي ستقوله عندما ترى الله تعالى في الجنة عندما يكشف الحجاب عن الله تبارك وتعالى ويناديك فيمن ينادي :"يا أهل الجنة ... سلام عليكم, فيقولون : "اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت ياذا الجلال والإكرام"
ثم اسأل الله تعالى أن يوفقك إلى طاعته كما يحب ويرضى فهو وحده الموفق لما فيه الخير والصلاح والهدى والرشاد فقل :"اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" رواه الإمام أحمد, ولم يقل وعبادتك فحسب, بل قال : وحسن عبادتك حتى تستمتع بالصلاة ومناجاة الله تبارك وتعالى واعلم أن الذكر والشكر وحسن العبادة هو عوامل وأسباب السعادة لا في الدنيا فقط, ولا في الآخرة فحسب بل في كليهما
ثم سبح الله تعالى ثلاثا وثلاثين واحمده وكبره بمثلها وقل تمام المائة : لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير, الله أكبر كبيرا وسبحان الله العظيم وتعالى بكرة وأصيلا ثم ادع الله تعالى بما شئت, فقد جاء في الحديث أن من أوقات الإجابة :دبر الصلوات المكتوبة
ثم انصرف من صلاتك بهدوء وسكينة ولكن ابق على انتظار وشوق للصلاة التالية إذ من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ذكر منهم:"...ورجل قلبه معلق بالمساجد" رواه البخاري ومسلم والترمذي والإمام أحمد
(8) كيف تخشع في صلاتك
هناك وسيلتان لتحقيق الخشوع في الصلاة
* الأولى: إخراج الدنيا من القلب والإقلال من الشهوات والمعاصي
وابن عطاء الله صاحب "الحكم" يقول: كيف يشرق قلب وصورة الدنيا منطبعة فيه, أم كيف يرحل إلى الله وهو منكب على شهواته؟ أم كيف يدخل على الله ولم يتطهر من نجاسة غفلاته!
جاء رجل إلى الإمام أحمد رحمه الله فقال له : يا إمام, أعد طهوري وأنام مبكرا أريد قيام الليل وصلاة الفجر فلا أستيقظ؟ فقال له الإمام : ذنوبك قيدتك! ثم قال له: لا تعص الله بالنهار فحينئذ تقوم الليل وتصلي الفجر!
فكم من أكلة ثقيلة منعت قيام الليل, وكم من نظرة إلى حرام منعت من صيام يوم!
ومثل تشعب الدنيا في القلب وانشغال الإنسان بها كمثل طالب يذاكر دروسه في غرفته وبجواره شباك تحته شجرة عليها عصافير.. وكلما أراد أن يركز في المذاكرة وجد العصافير تزعجه, فيأخذ خشبة ليضرب بها الشجرة فتطير العصافير, فيعود لمذاكرته, ولكن ما تلبث العصافير أن تعود مرة أخرى! فجاء والده فقال: يا بني لا تستريح من إزعاج العصافير إلا بقطع الشجرة.
فاقطع يا أخي شجرة الشهوات من قلبك تخشع في صلاتك!
أما الوسيلة الثانية: فهي أن تفهم حركات الصلاة الظاهرة بأن تكون لكل حركة في الصلاة أو قبلها أثر في قلبك
ربنا لا تزع قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين (عمرو خالد)