عرض الإصدار الكامل : عبرات فوق السنا-3


monsef
25-03-2003, 09:31 AM
جالت بنظرة شاردة في الغرفة الموحشة وتلفتت يمنة ويسرة، كأنها تبحث عن شئ أضاعته، أو خائفة من شئ ما، فتلاقت نظراتها مع القمر الذي كان يطل عليها بسناه من خلال النافذة، تذكرت تلك الليالي الجميلة التي كانت تسهر فيها حتى الفجر تذاكر الدروس وتحضر للجامعة ولا سمير لها سوى القمر، وأكواب الشاي التي كانت تعدها لها والدتها . تسهر وتغالب النعاس تستيقظ تارة أخرى حتى يشفق عليها والدها فيدخل عند أذان الفجر في غرفتها ليدثرها ، ويبعد الكتاب الذي سقط على صدرها .
كانت الأيام تمر سريعة ولا تحس بها كعادة ساعات السعادة والهناء تمر على الإنسان فلا يشعر بها فإذا ما جاءته عارضة من العوارض أو ألمت به ملمة استيقظ من ذلك الحلم الجميل واسودت الدنيا في عينيه وغربت شمس حياته وأرعدت سماءه وأبرقت، وأحس بأنه مسجون في تلك المشكلة ولا يمكن أن يخرج منها وإن حياته قد انتهت وساعته قد اقتربت، وتمنى لو أن الأرض قد انشقت وبلعته أو صاعقة من السماء أحرقته فيرتاح من هذه الحياة التعيسة، وينتهي شقاءه فيها فما رأى يوم سعيد قط .
ويتمادى في غيه وضلاله ، يبحث عن إنسان ينقذه أو شئ ينسيه مأساته ، وقد يتطور الأمر فيرتكب المحرمات ويتعطى المسكرات والمخدرات ويمشي في طريق يرسمه له الشيطان فيتبع خطواته ويسير على حسب نهجه له . ولو فكر قليلاً وأمعن النظر لوجد سعادته بين يديه وحل مشكلته أمام عينيه ، كلمة قالها يونس عليه السلام فأخرجه الله من سجنه وفك بها قيد أسره (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ) كلمة لها مفعول السحر إذا اقترنت بإيمان صادق ورضى بقضاء الله وقدره وإن ما أصاب الإنسان لم يكن ليخطأه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وان لو اجتمعت الإنس والجن برها وفاجرها سعيدها وشقيها على أن ينفعوه بشئ لم ينفعوه إلا بشئ قد كتبه الله له وان لو اجتمعت الإنس والجن برها وفاجرها سعيدها وشقيها على أن يضروه بشئ لم يضروه إلا بشئ قد كتبه الله عليه . غير أن النفس البشرية ضعيفة بطبعها، تخاف من المجهول وتخشى ما تجهل والشيطان يغذي هذا الجانب ويشجعه، فإذا ما سار المرء خلفه وسلمه نفسه لعب به كما يلعب الطفل بالكرة والطفلة بدميتها ترفعها تارة وتخفضها أخرى، تحركها كيف تشاء وهكذا الإنسان مع نفسه والشيطان، ولا عاصم من ذلك إلا باتباع الحق وتسليم الأمر لله والسير على نهج شريعته الغراء .