عرض الإصدار الكامل : وعاد التتار


monsef
23-03-2003, 08:35 AM
ما أشبه الليلة بالبارحة، قول مأثور، ومثل معروف، يردده العامة والخاصة، إذا تشابه أمران أو ترادف حدثان في فترات متفاوتة أو متقاربة .
ففي الثاني عشر من محرم سنة656هـ هجم التتار بقيادة هولاكو وكان معه نحو مائتي ألف مقاتل فعاثوا في الأرض الفساد وأهلكوا الحرث والنسل، وفجعت الأمة الإسلامية بأكبر فاجعة في تاريخها، فقد سترت بغداد ونصبت المجانيق، وأحاط التتار بدار الخلافة يرشقونها بالنبال من كل جانب، وجيوش بغداد في غاية القلة ونهاية من الذلة، فلم يقدروا على جلب منفعة ولا درأ مفسدة، ومكث التتار في بغداد أربعين يوماً، يقتلون ويحرقون، وما تركوا من أحد قدروا عليه إلا قتلوه، فقتلوا الخليفة رفساً وقيل خنقاً وقيل بل أغرق، كما قتلوا العلماء والفضلاء، وكل من وجدوه من الرجال والنساء والأطفال والشيوخ، حتى دخل الناس في الآبار والمقابر وقنى الوسخ، كمنوا كذلك أياماً لا يظهرون، حتى الذين دخلوا دارهم أو اختبئوا في المساجد والجوامع والربط والخانات وأغلقوا عليهم الأبواب، لحق بهم التتار إلى أعلى الأمكنة يقتلونهم بالأسطح حتى تجري الميازيب من الدماء في الأزقة .
وقد اختلف في عدد من قتل في هذه الواقعة من المسلمين فقيل ثمانمائة ألف، وقيل مليون وثمانمائة ألف وقيل أكثر من ذلك . ثم لما اطمأنوا بأنه لم يعد هناك نافخ للنار، ولا من يذود عن الديار، اتجهوا إلى دار الحكمة فأحرقوها ومزقوا الكتب وأغرقوها في دجلة والفرات حتى تغير لون الماء من المداد التي كتبت به، فاعتقدوا بأنهم قد قضوا على حضارة الأمة وتاريخها.
ولما فرغوا من ذلك أمست بغداد خاوية على عروشها، فخرج الناس من القنى والقبور كأنهم موتى من بشاعة ما وجدوا حتى لم يتعارفوا فماتوا من الوباء، وتراكم القتلى في الطرقات كالتلال وتناثرت الأشلاء في الشوارع والممرات، وانتشرت رائحة الموت في كل مكان، وتغير الهواء من نتن الجثث، فحصل بذلك وباء شديد، تعدى إلى بلاد الشام وما جاورها، وفشى الطاعون والغلاء فمات بسبب ذلك خلق آخر .
هذا ما حصل في بغداد سنة 656هـ باختصار، وهاهو التاريخ يكرر نفسه وتعود عجلة الزمان إلى الوراء، وتعاد الكرة من جديد، ويعود هولاكو مرة أخرى، يقف على باب بغداد يصرخ بأعلى صوته وقد انتفخت أوداجه واحمرت عيناهوجحظت وارتعشت أطرافه وبرزت العروق في عنقه، وضع يده أمام عينه يظن أنه يغطي الشمس بكفه عندما لا يراها، ينادي في زبانيته وجنوده يستصرخهم ويحثهم على أكل القصعة قبل غيرهم، وذنبه إلى جانبه كالقرد الذي يقلد صاحبه ويتبعه أينما سار، يفرح بالذل وينتشي بتعذيب ذاته كالسادي الذي لا يحس بالمتعة إلا إذا ذل أو أذل .
عاد التتار ودخلوا بغداد ولكن هذه المرة بالطائرات والمدرعات والدبابات، وكما دخل هولاكو أول مرة بخيانة ابن العلقمي ورفاقه هاهو يدخل اليوم بخيانة ابن علقمي آخر، ولكن بوجوه متعددة، وصور مختلفة، وبنفس "السيناريو" إن صح التعبير، فإن كان ابن العلقمي الأول قد تواطأ مع التتار وسهل لهم دخول بغداد وخدع الخليفة والأمة فإن ابن العلقمي الجديد قد فعل ما هو أكثر من ذلك وأشد، وإن كان ابن العلقمي الأول مات هماً وحزناً على ما حصل له على يد التتار، فإن تتار هذا الزمن لن يتركوا العلقميين إلا بعد أن يذيقوهم من نفس الكأس مرة أخرى .
لله درك يا بغداد، وآهٍ عليك يا حاضرة الأمم ويا رمز الشموخ، والشمم ويا أنس المدائن، ماذا جنيت حتى تستحقين هذا الجزاء ؟وتباعين في سوق النخاسة بأبخس سعر وأزهد ثمن؟ أمن أجل جزار حكمك؟ فأذل شعبك، وقتلهم وفعل بهم ما لم يفعله فرعون ولا هامان ولا النمرود؟ أم من أجل خونة باعوك؟ جلسوا يتصنعون الدفاع عنك ويذرفون دموع التماسيح عليك، ومن أجلك وباسمك كما يدعون سلموك للجزار، ووقفوا يتفرجون على أكل لحمك وسفك دمك، ولما فرغ الأكلت من افتراسك مسحوا أنيابهم ونظفوا ثيابهم، وحاولوا تجميلهم، فكانوا كمن يجمل الغراب ليظهره في صورة الحمامة، ومن يلبس الذئب ثوب الحمل .
آه يا بغداد أما كنت فخر المسلمين، وعلى ضفاف أنهارك تاه العاشقين، وحار بسحر لياليك الشعراء والمحبين، وفي جناتك الخضراء وبساتينك الغناء رسمت أجمل صورة عرفتها الأرض، وعلقت على أسوار أبوابك أروع قصائد الفخر، وملأت الدنيا والسمع والبصر، حتى غار الجمال من جمالك، ووقفت القوة أمام بابك، إذا سمع الجبابرة اسمك ارتعدوا، وإذا لجأ الضعفاء إليك انتصروا . هيهات هيهات أن تذلي، أو أن ينال من كرامتك، فليلك سينجلي وإن طال، وشمسك ستشرق وإن غطتها بعض الغيوم، وما يقدر أحد أن يمنع الهواء ولا أن يغطي السماء، فإن الله صادق وعده وناصر المسلمين، وسوف يعود لأمة مجدها وريادتها لا محالة فالمبشرات كثيرة والله مظهر دينه ومعز جنده وما ذلك على الله بعزيز .

محمد الدريهم
23-03-2003, 03:01 PM
مقال مؤثر بحق....... أعادنا الى الوراء لنتألم مرة أخرى على سقوط الخلافة الاسلامية....... بغداد لنا معك ذكريات كثيرة.......... ولن يزول من ذاكرة المسلمين هو ما صنعه ( الخائن) ابن العلقمي وما قدمه للتتار......!!! او اي علقمي مثله.............................................. ............... !


أبابلُ ذي؟؟

أم يا تُرى بغداد؟؟

بغداد!!

عُرسٌ وميعادْ!!

بغداد زنبقةٌ

في العطر مغرقةٌ

بغدادُ أشرعة بالوجد مترعةٌ

بغداد أغنيةٌ

أوتارها كبدي

بغدادُ في كتبي

صخّابةُ الطّرب

نخل ومتّسعٌ

يا مزنُ .. ألا انسكب!!

:!:

monsef
25-03-2003, 07:06 AM
بارك الله فيك يا أخي محمد
وأشكرك على جميع ما خطه يراعك وكتبته أناملك
بغداد أول الطريق والبقية تأتي إذا استمر ابن العلقمي وأشباهه في خياناتهم .

أ.د. امل
25-03-2003, 08:19 PM
إلى
Monsef
انها مداخلة متميزة ونابعة من القلب

اختيار فريد في معناه وكلماته وطرحه

بارك الله فيك

وكثر من امثالك

مرآة نفسي
25-03-2003, 08:29 PM
أخي Monsef
وعاد التتار, عاد الكفار, ليهزءوا بالمسلمين
فحسبنا الله ونعم الوكيل
أشكرك اخي, كلامك مؤثر يعيد لنا أوجاع قديمة جديدة

monsef
26-03-2003, 08:55 AM
الأستاذة الفاضلة الدكتورة أمل

أشكرك جزيل الشكر على جميل عباراتك

التي أعتز بها

وجزاك الله خيراً

مع خالص تمنياتي بدوام التواصل .

monsef
26-03-2003, 09:02 AM
الأخ مرآة نفسي

اشكرك جزيل الشكر على ما تفضلت به من تعليق

وستظل أمتنا مرفوعة الرأس شامخة الهامة مهما جرى لها من الألام

كالذهب الذي يحرق بالنار فيصقل ويزداد لمعانه

والنصر قريب والمبشرات كثيرة ولله الحمد .