درة
19-12-2002, 08:27 PM
جوانتنامو الروح
بقلم: جيهان جرار*
قربك نعيم الروح… خليك قريب مني…جوانتنامو قتل الروح وطارت مني!!.
هل شعرت بالأسى عندما شاهدت معتقلي جوانتنامو مكبلي الأيدي والأرجل لا يسمعون ولا يرون
ومقهورين أذلاء؟ عندما سمعت لأول مرة بمحترف يسلب آدميتك، يتفنن في إذلالك, بل والقبض على
روحك، وخنقك ..وخنقك حتى تقتنع أن الموت رحمة لك.
خيل لي انه أحد الأبطال الشرسين لقصص الرعب، غول ضخم بأنياب طويلة وجلد لزق نتن، وعينين
جاحظتين.
"جوانتإسرائيلو"، توأم متفوق على جوانتنامو لم يكتف بتكبيل وتقييد الجسد بل اختار تكبيل
الروح، والأمل وحشر المستقبل في صندوق صغير جدا ضيق، محدود الأبعاد، ووضعه في جيب
سرواله الخلفي حتى لا ينزعج من رؤيته، بالتأكيد عرفت أين أنت الآن؟ فهل أنت خارج الصندوق
أم في داخله؟
أكلمكم الآن من داخله، من الصندوق في الجيب الخلفي، روحي مكبلة، مخنوقة لا تسألوني كيف
خرج بريدي هذا من هناك، فليس هذا ما يعنيني، ليس المهم أن تخرج الرسالة من الصندوق بل أن
تصل إليك .. تخاطب وجدانك وترقص على بابك إن أردت.
بيان هام لكم: جوانتنامو وتوأمه سيجتاحون عواصمكم ويصلون إليكم فردا فردا حتى لو اختبأتم
تحت السرير، وخلف الخزانة أو حتى إن سافرتم بمركبة فضائية للقمر.
هل سبق أن تمنيت أن تكون قطة متشردة حره في شوارع بلد يدّعي الحرية أو يمارسها حقا؟ لن
نخوض في هذه الجدلية الآن، فقط هبطنا منذ زمن بعيد على الأرض، وهوينا مثل طفلين معا، أو
نسرين أو صقرين أو خفاشين لا فرق، وتركنا متعة تمني أن نكون بالسماء نمارس طقوس الشموخ
والصيد، ونتسكع الآن سكارى، في سوق القطط في معتقل جوانتنامو بتهمة الإرهاب، وما نحن إلا
بمرهوبين، وهاربين،مورس علينا الإرهاب بكثافة ليصبح من الطبيعي أن نشعر بالخوف من كل
مسؤول، حتى وإن كان مسؤولا مسهولا،ومن كل حاكم ومن كل غمزة عين، ومن كل نداء، أو لقاء
،أو تجمع،فربما تكون خطة إستدراجية لأكبر واخطر من ذلك. ونتجنب النظر بعين القطط الأخرى
فستقرأ الخوف الذي نعيشه وتشمه. ولا نقوى الآن كمرهوبين على محاربة جوانتنامو
و"جوانتاسرائيلو".
هل تحسست المرارة في حلقك وتحت لسانك، وترغب بالصراخ والصياح، وتجتاحك موجات من
الغضب والسخط ويذهب عقلك في استراحة وبخطر لك أن…… ممممم تعرف ماذا أن.. أليس كذلك؟
إذن دعني أرحب بك في "جوانتإسرائيلو".
حبيس بيتك… يمضي الصباح تشرب قهوتك تقرأ الجريدة الحبلى بأخبار سجناء غواتينامو…
بتقول "يالله الحمد الله .. اللي أجت بس على هيك".
أتسمر قبالة ساعة الحائط أحدق فيها ..تتحرك العقارب بسرعة.. ثواني.. دقائق.. ساعات.. أتساءل
إن كانت الفراشة المحنطة على عقرب الدقائق قد أصيبت بالدوار كما أصابني… أغرق في أحلام
اليقظة، بينما تتابع عيناي الساعة وعقرب الثواني، أشعر أن الوقت يمضي والعمر يمضي يتسابق
والزمن في باحة حياتي، وان وقتي مغتصب، كذلك روحي وحياتي، أحلامي تغتال في رحمها،
تركض العقارب وأركض خلفها لاهثة حافية القدمين.. يستفزني عقرب الثواني المتسارع، لمَ كل هذه
العجلة!! قف… قف… قف.. ألا تسمعني .. لا أستطيع اللحاق بك من هنا.
ليس هذا ما يستفزني وحسب، سكون وكسل يلقي بظلاله وأسمع تك تك تك تك تك تكتك.. تتباعد
المسافة بيني وبين الزمن أكثر فأكثر.. أشعر أني أقبع خلف الزمن وان العقرب يمضي ويقرصني،
ويتركني غاضبة كطفلة عاقبتها أمها، يتركني هنا خلفه وخلف الزمن والوقت، يتركني مدفونة،
أئن تحت أحلامي وآمالي، تملأ رئتاي رائحة جدران جوانتنامو العفنة، رائحة الزمن الضائع، والعمر
الضائع والكثير الكثير من الأحلام المؤجلة في الصندوق.. في الجيب الخلفي لسروال
حاكم "جوانتإسرائيلو".
لماذا لا أُسلي نفسي بكتاب.. امسك بالكتاب اقلبه.. وأقلبه.. أقرأ الصفحة الأولى.. أوف.. لا تغريني
الكلمات.. ورائحة الكتاب القديم تشبه رائحة جدراني.
الظهر.. تصلي.. تطبخ إن كنت من هواة ذلك.. وان كان في ثلاجتك بعض الخضار البالية المترنحة
على حبل جيبك الفارغ، أو تقيم وليمة على بضع سمكات من السردين يعانين من فقر الدم
كأطفالك، تدير المذياع.. استشهد شاب فلسطيني في دير البلح.. عائلة بكاملها ضحايا القصف
الإسرائيلي فجر أمس في غزة... هدم منازل أقارب الإستشهاديين اليوم.. ولادة طفل على حاجز
عسكري... وفاة كهل على حاجز عسكري... 500 ألف طالب لم يتوجهوا إلى مدارسهم بسبب حظر
التجوال... الحواجز العسكرية تعيق المسيرة التعليمية في فلسطين، أقلب المحطات … دقوا
الشماسي دقوا الشماسي على البلاج دقوا الشماسي.. يا حسرة على بلاجك يا فلسطين، حتى أنت
تآمرت عليّ يا عبدو... أقلب لمحطة عربية شقيقة.. ما إدامعيش يا عين على إللي عدا وراح.. اقفل
الراديو بعد الوجبة الدسمة... أوف اشعر بالاختناق.. كفى كفى…
كيف أقتل الوقت، سأنام! استلقي على سريري، اسمع تك تك تك تك مرة أخرى وأنا كجثة محنطة
على سريري، أشعر بالتعب والإرهاق.. اسمع هرولة عقرب الثواني تكتكتكتكت.. صوت عقرب
الثواني مشابه لصوت حنفية منزوعة تقطر في كأس، وتقطر الثواني ضاغطة روحي في كأسي
وتملأها، وتفيض غضبا أهجم على الساعة كغول بري حاقد، أتناول الساعة عن الحائط، أتحدى
الوقت، أقفز فوقها، أحطمها، ظنا أني قتلت الوقت وأنى سبقته وانه سيحين يوم أخرج فيه من
غواتينامو أمشي بدون أن تعيقني الحواجز العسكرية وأملأ رئتي بالهواء وامضي لعملي ولقوتي،
لأحلامي وطموحي.
في غمرة فرحتي يرن الهاتف.. كيف أنت؟ أصمت للحظات .. يصرخ الصمت مجيبا "مخنوقه"، وأجيب
…بخير وأنت؟ لحظات صمت أخرى……. لا بأس. أردت إخبارك أن غدا منع تجوال أيضا!
يهزأ "جوانتاسرائيلو" مني… يرمقني بنظرة متعالية يغرز نابه في جسدي .. أراقبه بصمت .. آنت
ضيفتي غداً وحتى إشعار آخر.
جوانتنامو: (قاعدة بحرية أمريكية منعزلة في خليج جوانتنامو- كوبا يحتجز فيها المتهمون بالتعاون
مع طالبان، والقاعدة.. جماعات حقوق الإنسان مستاءة من أوضاع السجناء الخمسين.. الولايات
المتحدة لا تعترف بأنهم أسرى حرب بل تعتبرهم مقاتلين غير قانونيين.. ولذلك فان معاهدة جنيف
بشأن معاملة أسرى الحرب لا تنطبق عليهم!)
*الكاتبة باحثة في مجال حقوق الإنسان- رام الله.
بقلم: جيهان جرار*
قربك نعيم الروح… خليك قريب مني…جوانتنامو قتل الروح وطارت مني!!.
هل شعرت بالأسى عندما شاهدت معتقلي جوانتنامو مكبلي الأيدي والأرجل لا يسمعون ولا يرون
ومقهورين أذلاء؟ عندما سمعت لأول مرة بمحترف يسلب آدميتك، يتفنن في إذلالك, بل والقبض على
روحك، وخنقك ..وخنقك حتى تقتنع أن الموت رحمة لك.
خيل لي انه أحد الأبطال الشرسين لقصص الرعب، غول ضخم بأنياب طويلة وجلد لزق نتن، وعينين
جاحظتين.
"جوانتإسرائيلو"، توأم متفوق على جوانتنامو لم يكتف بتكبيل وتقييد الجسد بل اختار تكبيل
الروح، والأمل وحشر المستقبل في صندوق صغير جدا ضيق، محدود الأبعاد، ووضعه في جيب
سرواله الخلفي حتى لا ينزعج من رؤيته، بالتأكيد عرفت أين أنت الآن؟ فهل أنت خارج الصندوق
أم في داخله؟
أكلمكم الآن من داخله، من الصندوق في الجيب الخلفي، روحي مكبلة، مخنوقة لا تسألوني كيف
خرج بريدي هذا من هناك، فليس هذا ما يعنيني، ليس المهم أن تخرج الرسالة من الصندوق بل أن
تصل إليك .. تخاطب وجدانك وترقص على بابك إن أردت.
بيان هام لكم: جوانتنامو وتوأمه سيجتاحون عواصمكم ويصلون إليكم فردا فردا حتى لو اختبأتم
تحت السرير، وخلف الخزانة أو حتى إن سافرتم بمركبة فضائية للقمر.
هل سبق أن تمنيت أن تكون قطة متشردة حره في شوارع بلد يدّعي الحرية أو يمارسها حقا؟ لن
نخوض في هذه الجدلية الآن، فقط هبطنا منذ زمن بعيد على الأرض، وهوينا مثل طفلين معا، أو
نسرين أو صقرين أو خفاشين لا فرق، وتركنا متعة تمني أن نكون بالسماء نمارس طقوس الشموخ
والصيد، ونتسكع الآن سكارى، في سوق القطط في معتقل جوانتنامو بتهمة الإرهاب، وما نحن إلا
بمرهوبين، وهاربين،مورس علينا الإرهاب بكثافة ليصبح من الطبيعي أن نشعر بالخوف من كل
مسؤول، حتى وإن كان مسؤولا مسهولا،ومن كل حاكم ومن كل غمزة عين، ومن كل نداء، أو لقاء
،أو تجمع،فربما تكون خطة إستدراجية لأكبر واخطر من ذلك. ونتجنب النظر بعين القطط الأخرى
فستقرأ الخوف الذي نعيشه وتشمه. ولا نقوى الآن كمرهوبين على محاربة جوانتنامو
و"جوانتاسرائيلو".
هل تحسست المرارة في حلقك وتحت لسانك، وترغب بالصراخ والصياح، وتجتاحك موجات من
الغضب والسخط ويذهب عقلك في استراحة وبخطر لك أن…… ممممم تعرف ماذا أن.. أليس كذلك؟
إذن دعني أرحب بك في "جوانتإسرائيلو".
حبيس بيتك… يمضي الصباح تشرب قهوتك تقرأ الجريدة الحبلى بأخبار سجناء غواتينامو…
بتقول "يالله الحمد الله .. اللي أجت بس على هيك".
أتسمر قبالة ساعة الحائط أحدق فيها ..تتحرك العقارب بسرعة.. ثواني.. دقائق.. ساعات.. أتساءل
إن كانت الفراشة المحنطة على عقرب الدقائق قد أصيبت بالدوار كما أصابني… أغرق في أحلام
اليقظة، بينما تتابع عيناي الساعة وعقرب الثواني، أشعر أن الوقت يمضي والعمر يمضي يتسابق
والزمن في باحة حياتي، وان وقتي مغتصب، كذلك روحي وحياتي، أحلامي تغتال في رحمها،
تركض العقارب وأركض خلفها لاهثة حافية القدمين.. يستفزني عقرب الثواني المتسارع، لمَ كل هذه
العجلة!! قف… قف… قف.. ألا تسمعني .. لا أستطيع اللحاق بك من هنا.
ليس هذا ما يستفزني وحسب، سكون وكسل يلقي بظلاله وأسمع تك تك تك تك تك تكتك.. تتباعد
المسافة بيني وبين الزمن أكثر فأكثر.. أشعر أني أقبع خلف الزمن وان العقرب يمضي ويقرصني،
ويتركني غاضبة كطفلة عاقبتها أمها، يتركني هنا خلفه وخلف الزمن والوقت، يتركني مدفونة،
أئن تحت أحلامي وآمالي، تملأ رئتاي رائحة جدران جوانتنامو العفنة، رائحة الزمن الضائع، والعمر
الضائع والكثير الكثير من الأحلام المؤجلة في الصندوق.. في الجيب الخلفي لسروال
حاكم "جوانتإسرائيلو".
لماذا لا أُسلي نفسي بكتاب.. امسك بالكتاب اقلبه.. وأقلبه.. أقرأ الصفحة الأولى.. أوف.. لا تغريني
الكلمات.. ورائحة الكتاب القديم تشبه رائحة جدراني.
الظهر.. تصلي.. تطبخ إن كنت من هواة ذلك.. وان كان في ثلاجتك بعض الخضار البالية المترنحة
على حبل جيبك الفارغ، أو تقيم وليمة على بضع سمكات من السردين يعانين من فقر الدم
كأطفالك، تدير المذياع.. استشهد شاب فلسطيني في دير البلح.. عائلة بكاملها ضحايا القصف
الإسرائيلي فجر أمس في غزة... هدم منازل أقارب الإستشهاديين اليوم.. ولادة طفل على حاجز
عسكري... وفاة كهل على حاجز عسكري... 500 ألف طالب لم يتوجهوا إلى مدارسهم بسبب حظر
التجوال... الحواجز العسكرية تعيق المسيرة التعليمية في فلسطين، أقلب المحطات … دقوا
الشماسي دقوا الشماسي على البلاج دقوا الشماسي.. يا حسرة على بلاجك يا فلسطين، حتى أنت
تآمرت عليّ يا عبدو... أقلب لمحطة عربية شقيقة.. ما إدامعيش يا عين على إللي عدا وراح.. اقفل
الراديو بعد الوجبة الدسمة... أوف اشعر بالاختناق.. كفى كفى…
كيف أقتل الوقت، سأنام! استلقي على سريري، اسمع تك تك تك تك مرة أخرى وأنا كجثة محنطة
على سريري، أشعر بالتعب والإرهاق.. اسمع هرولة عقرب الثواني تكتكتكتكت.. صوت عقرب
الثواني مشابه لصوت حنفية منزوعة تقطر في كأس، وتقطر الثواني ضاغطة روحي في كأسي
وتملأها، وتفيض غضبا أهجم على الساعة كغول بري حاقد، أتناول الساعة عن الحائط، أتحدى
الوقت، أقفز فوقها، أحطمها، ظنا أني قتلت الوقت وأنى سبقته وانه سيحين يوم أخرج فيه من
غواتينامو أمشي بدون أن تعيقني الحواجز العسكرية وأملأ رئتي بالهواء وامضي لعملي ولقوتي،
لأحلامي وطموحي.
في غمرة فرحتي يرن الهاتف.. كيف أنت؟ أصمت للحظات .. يصرخ الصمت مجيبا "مخنوقه"، وأجيب
…بخير وأنت؟ لحظات صمت أخرى……. لا بأس. أردت إخبارك أن غدا منع تجوال أيضا!
يهزأ "جوانتاسرائيلو" مني… يرمقني بنظرة متعالية يغرز نابه في جسدي .. أراقبه بصمت .. آنت
ضيفتي غداً وحتى إشعار آخر.
جوانتنامو: (قاعدة بحرية أمريكية منعزلة في خليج جوانتنامو- كوبا يحتجز فيها المتهمون بالتعاون
مع طالبان، والقاعدة.. جماعات حقوق الإنسان مستاءة من أوضاع السجناء الخمسين.. الولايات
المتحدة لا تعترف بأنهم أسرى حرب بل تعتبرهم مقاتلين غير قانونيين.. ولذلك فان معاهدة جنيف
بشأن معاملة أسرى الحرب لا تنطبق عليهم!)
*الكاتبة باحثة في مجال حقوق الإنسان- رام الله.