القوة المبدعة
16-12-2002, 09:16 PM
تاريخ مرض اللشمانيا الجلدي
ودور العلماء المسلمين فيه"
دكتور/ عبد الحافظ حلمي محمد والدكتورة/ منى التقي
الكويت
ملخص:-
يحظى مرض اللشمانيا الجلدي بكثير من عناية الباحثين المعاصرين والسابقين وهذا البحث قاصر على صور المرض الجلدية التي تعرف باسم "قرحة الشرق" بصفة عامة. وللمرض قرحة تقيم المصاب بأثر يبقى في مكان ظاهر من جسمه طيلة حياته ومن ثم كان الاهتداء إلى وصفها في المراجع القديمة أمرا ميسورا نسبيا وعلى جانب كبير من الوثوق في معظم الأحيان.
بيد أن الإشارة العابرة إلى ما سمي "دمل النيل " في بردية ابرس المصرية ليس فيها أي دليل على أن هذا الدمل كان حبة الشرق بالذات، كذلك يفند المؤلفان ما قيل من أن الدمامل والبثور التي أصاب الله بها قوم فى عون (سفر الخروج) أو" قرحة مصر" المذكورة بين اللعنات التي يصبها الله على العاصيين (سفر التثنية) هي قرحة الشرق، وذلك لحجج علمية متعددة، فضلا عن أن ذلك كان في حكم المعجزات والخوارق التي لا تعلل، ولا توضح موضع التحليل العلمي. ويلاحظ أن القرآن الكريم لم يذكر شيئا من ذلك بين النقم الخمس التي صبها الله على قوم فرعون (سورة الأعراف/ الآية 133) كما لم يذكرها المفسرون بين الآيات التسع المذكورة في (سورة الإسراء/ الآية 101)
ويشير التراث إلى أن المرض لم يسجل في كتابات حضارات السومرين والبابليين والآشوريين، مما يدل على خلو ارض ما بين النهرين من هذا المرض في ذلك الوقت بينما كان متوطنا في الشرق في بلخ وحول جرجان، ومن آسيا الصغرى انتقل في وقت لاحق إلى العراق والشرق الأوسط. ويعتقد بعضا الباحثين أن المرض جاء مع الغزاة التترين، ويعتقد آخرون انه انتشر
بإمداد طبيعي متدرج مع التكيف المستمر لأنواع جديدة من ذباب الرمل الناقل له.
وقد ذكر ابن سينا المرض باسم "البلخية" (نسبة إلى مدينة بلخ) في "الفن" السابع من الكتاب الرابع من "القانون " مشيرا إلى احتمال أن يكون "سببها لسعا مثل البعوض الخبيث.. " والتتبع اللغوي لما يقصد بلفظ "البعوض "، يسمح بان يندرج تحته ذبا ب الرمل. وهذا الاحتمال لم يتأكد بالتجربة العلمية. إلا في القرن العشرين. وكان ظن ابن سينا صائبا، بينما المعتقدات، القديمة كانت ترد المرض إلى ماء الانهيار أو الهواء أو أكل التمر.
تقديم:-
يحظى مرض اللشمانيا الجلدي بكثير من عناية الباحثين المحدثين في شتى نواحي الدراسات والبحوث الطفيلية والوبائية والعلاجية، وهم لا يهدفون من بحوثهم إلى الغايات الطبية العملية وحدها، وانما هم يبتغون منها أيضا فهم بعض الجوانب الهامة من العلاقة المتبادلة بين الطفيليات وعوائلها لا سيما الكشف عن كثير من أسرار المناعة بصفة عامة. والمناعة الخلوية على وجه الخصوص. وقد حاول ثلاثة من الباحثين (9) حصر المراجع المتعلقة بالموضوع، والتي نشرت حتى نهاية عام 978 1، فجمعوا منها نحوا من 1200 بحثا، شغلت عناوينها مجلدين يقعان في زهاء0 0 7 صفحة. ورغم الجهد الصادق الذي بذله هؤلاء المؤلفون ومعاونوهم بغية أن يكون جمعهم شاملا كاملا فإنهم توقعوا أن يكون بعض المراجع قد أفلت منهم، وقد صدق ظنهم فان ثلاثة من المراجع التاريخية الخمسة المكتوبة باللغة الانجيلزية والتي سوف نشير إليها في بحثنا هذا غير واردة في دليلهم الببليوجرافي المفيد.
وقد أفدنا فائدة كبرى من البحث الذي نشره بر نجل Pringle عام 1957 (10) والذي استعان بدوره ببحث سابق نشره الجود Elgood عام1934 (11)، وقد أشار كلاهما إلي مراجع قديمة عربية وغير عربية. وقد بذلنا غاية الجاهد في الاطلاع على تلك المراجع في مظانها الأصيلة، ولكن بعضا منها لم نستطع بعد تتبعه أو الوصول إليه. وعلى أي حال سوف نتناول في بحثنا هذا بالتحليل والتمحيص والمناقشة أهم ما بلغنا بصورة مباشرة وغير مباشرة، ولو أننا نعتقد أن متابعة البحث في تراثنا العربي سوف يكشف عن مزيد من التفاصيل.
نبذة عن المرض:-
من العسير الإيجاز في موضوع يحظى بهذه العناية كلها من العلماء، ولكننا سوف نشير إلى أهم النقاط التي تتعلق ببحثنا التاريخي هذا.
اللشمانيا جنس من سوطيات الدم الترييانوسومية تسبب أنواعه طائفة من الأمراض بعضها جلدي، وبعضها جلدي مخاطي أي يمتد إلى الأغشية المخاطية، وبعضها جهازي حشوي. وسوف نقصر كلامنا على المرض الجلدي، وبالذات من الصور التي يسببها نوع Leishmania tropica لأنها هي المتعلقة بالمنطقة التي نتعرض لها تاريخيا في هذا البحث، فتلك الصور الجلدية متوطنة أو معروفة في كثير من البقاع الممتدة من بعض مناطق الهند والصين إلى جنوب شرقي روسيا إلى آسيا الصغرى إلى مناطق حوض البحر المتوسط من جنوبي أوروبا ثم إيران والعراق والجزيرة العربية ومنطقة الخليج ثم مناطق من شمالي وأواسط وغربي أفريقيا.
وينتقل المرض بفعل أنواع من ذباب الرمل من جنس phlebotomus أو بصور متنوعة من الملامسة أو العدوى المباشرة. ويتكاثر الطفيلي في موضع العدوى في الخلايا الشبكية البطانية، وتمتد حضانته بضعة أسابيع أو أشهر تظهر على آثرها عقيدة أوثولول يأخذ في النمو البطيء ثم يتباين تطوره، وفقا لعوامل متعددة أهمها سلالة الطفيلي وجرعة العدوى. واذا تجاوزنا عن التنوع الواسع وعن كثير من نقاط الخلاف العلمي يمكننا القول بأن أهم السلالات التي تصيب الإنسان في منطقتنا من العالم ينتمي إلى نوعين:
ا. L. tropica tropica (= minor) وهذه تسبب الصورة المعروفة باسم الصورة الحضرية أو المدنية (Urban) وفيها لا تتفرج الإصابة أو تتسع كثيرا ولا تنز، ومن ثم تسمى بالصورة الجافة.
2. L.tropica major: وهذه تسبب الصورة المعروفة باسم الصورة الريفية (rural) وفيها التقرح أسرع وأوسع، كما أن القرح ينز، وكل ت ثم تسمى بالصورة الرطبة.
ومهما يكن من أمر فان القرحة يغلب أن تندمل تلقائيا بعد نحو عام أو أكثر، إن لم تعالج، مخلفة وراءها مناعة وندبة مميزة تبقيان مع المصاب طيلة حياته. وفي معظم الأحوال يكون عدد الندوب قليلا ولكنها تسم الجسم في مواضع ظاهرة كالوجه والعنق واليدين والذراعين والقدمين والساقين، مما يجعلها غير خافية لا تخطئها العين ولا تلتبس أوصافها في سجلات التاريخ. ونظرا لهذه المظاهر كثيرا ما يطلق على المرض أسماء تدل على بعض صفاته أو تنسبه إلى أماكن توطنه ومن ثم كانت الأسماء:- حبة بغداد أو الأخت، حبة بلخ أو البلخية، قرحة حلب حبة السنة، القرحة الأرمينية، قرحة دلهي، قرحة الصرت والبنده (في تركستان).. الخ أو بعض الأسماء الوصفية بلغات الأقوام المحلية. ولكنا سوف نثير إلى المرض باسم من اشهر أسمائه وهو (قرحة الشرق) إذا أردنا التعميم.
وفي بعض المناطق يتخذ ا لمرض شكلا مثاليا للأمراض الحيوانية البشرية Anthropozoonosis، فتقوم بدور العائل الخازن أنواع معينة من القوارض وقد يقوم الكلب بهذا الدور أحيانا ((12-13-14-15)
هل ذكر المرض في التوراة والقرآن الكريم؟
يعتقد برنجل (10) أن أقد م ما حفظه التاريخ عن قرحة الشرق هو ذكر ما سمي (دمل النيل " في بردية ابرس المصرية الشهيرة، منذ نحو أربعة آلاف سنة، وهذا مجرد ظن لا يقوم عليه دليل. وكذلك يظن برنجل أن هذا هو المرض الذي سلطه الله على قوم فرعون، وجاء في الإصحاح التاسع من سفر الخروج: "ثم قال الرب لموسى وهارون خذا ملء أيداكما من رماد الأتون، وليذره موسى نحو السماء أمام عيني فرعون. ليصير غبارا على كل ارض مصر، فيصير على الناس وعلى البهائم دمامل طالعة ببثور في كل ارض مصر" (الخروج، 9: 10، 11).
أما في سفر التثنية، الذي يظن انه جمع بعد سفر الخروج بنحو ثلاثة قرون، فيأتي ذكر "قرحة مصر ضمن اللعنات أو الضربات الكثيرة التي يصبها الله على العاصيين من بني إسرائيل وترددت في الفقرات 15- 68 من الإصحاح الثامن والعشرين،، يكتفي منها بهاتين الفقرتين: "يضربك الرب بقرحة مصر وبالبواسير والجرب والحكة حتى لا تستطيع الشفاء. يضربك الله بجنون وعمى وحيرة قلب " (التثنية 28: 27، 28).
ولعل الذي أغرى برنجل بالظن بأن مرض اللشمانيا الجلدي، وارد بين تلك اللعنات هو ذكر ما سمي "قرحة مصر" بينها، فان هذا يستدعي للذاكرة شيئا متعلقا بذلك المرض، وهو انه كثيرا ما يسمى محليا بنسبته الجغرافية إلى بلد ما، كما ذكرنا، ولكن هناك استنتاجات لا تؤيد ذلك الظن، فإننا حتى إذا سلمنا بأن الخوارق والمعجزات الإلهية تقبل التحليل العلمي الذي لا يختص إلا بدراسة الظواهر والنواميس الطبيعية المعتادة، لم نجد أن الذي نفهمه من النصوص يسمح لنا بأن نذهب ذلك المذهب، وهذا لعدة وجوه:
أولها أن المرض المشار إليه مما ينتشر بالهواء، مع الغبار محمولا بالرياح، بينما المرض اللشماني ينتقل بالحشرات أو التلامس المباشر إذ انه ليس لطفيليات اللشمانيا طور بوغى يتحمل الجفاف وتذروه الرياح.
وثانيها أن المرض اللشماني الجلدي قد يصيب القوارض، ولكن ليس من المألوف انه يصيب من كبار الثدييات في الطبيعة سوى الكلاب، وهذا لا ينطبق على ما جاء في النص من إصابة "البهائم" (في النص العربي) beasts (في النص الإنجليزي) للتوراة.
وثالثها أن مرض اللشمانيا الجلدي يكون في المعتاد بطيء الانتشار بين الناس بطيء النمو في المصاب محدود الانتشار في الجسم فالقروح لا تتعدد كثيرا في الأحوال قليلة وعند تعدد لدغات الذباب ولا تتسع رقعتها إلا في بعض السلالات أو بسبب تلوثها بالعدوى الثانوية، كما أن المرض غير فتاك أو معوق أو مسبب لأعراض جسمية عامة. وهذا كله في جملته لا يجعل المرض مثلا للعنة رادعة أو تهديد مروع. وسوف نذكر فيما بعد سببا آخر لرفض افتراض برنجل سببا مبنيا على تصورنا لانتشار المرض عبر التاريخ.
ونود أن نشير هنا إلى أن القرآن الكريم لم يذكر ذلك المرض بين النقم التي صبها الله على قوم فرعون: (وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فلا نحن لك بمؤمنين. فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين) (الأعراف/ 132، 133). وجاء في سورة الإسراء قوله تعالى: "ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات، فاسأل بني إسرائيل إذ جاءهم فقال له فرعون أنى لأظنك يا موسى مسحورا" (الإسراء/ 101). ويختلف المفسرون في إحصاء تلك الآيات التسع، فمنهم من لم يذكر بينها شيئا له أدق صلة بمرض جلدي، ومنهم من عد الجرب من بينها. ومن المناسب هنا أن ندلي بملاحظة أبداها. موريس بوكاي ( ا) في كتابه عن "دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة" من أن التوراة" تعطي تفاصيل كثيرة عن كل ضربة من هذه الضربات وهناك عدة من هذه العقوبات تتسم ب!جانب وبعل! خارقين. أما القرآن فهو يعد خمسة فقط من هذه الضربات وليست في معظمها إلا مبالغة لظاهرات طبيعية 00) (ص 257).
ولا يفوتنا أن نشير هنا إلى أن النص في سفر الخروج من التوراة يفيد بأن الذي ذره موسى عليه السلام كان رماد أتون، أي مادة تكون بحكم المعتاد الغالب معقمة أو تكاد. وهذا يؤكد معنى الإعجاز الذي لا يخضع للتحليل العلمي ويذكرنا بما ذهب إليه بعض المفسرين السابقين للقرآن الكريم من أن الطير الأبابيل قد أصابت جش ابرهة بالجدري والحصبة حين رمتهم بحجارة من سجيل، وان هذا هو منشأ هذين المرضين. وقد توسع في هذا المعنى الشيخ الأمام محمد عبده فلم يستبعد أن تكون الطيور المشار إليها في سورة الفيل بعوضا أو ذبابا يحمل جراثيم بعض الأمراض أو أن تكون هي تلك الجراثيم
بذاتها، وقد نقد هذا الاتجاه الشيخ محمد صادق عرجون (2) الذي ذكر أيضا أن ابن الأثير رفضه قديما في تاريخه الكامل فقال" وقال كثير من أهل السير أن الحصبة والجدري أول ما رُئيا في بلاد العرب بعد الفيل، وهذا مما لا ينبغي أن يعرج عليه... فإن هذه الأمراض.. قبل الفيل منذ خلق الله العالم " (عرجون، 1977: 22، 23). ولا يفوتنا أن نتأمل هذا الجمع بين الجدري والحصبة والخلط المزمن بينهما، وهي مشكلة لم يحلها إلا أبو بكر الرازي في كتابه المشهور في التفريق بينهما.
قرحة الشرق في كتابات علماء المسلمين:
لاحظ برنجل أن ما سجل في ارض ما بين النهرين، من حضارات السومريين والبابليين والآشوريين، عن الطب والعلاج ليس فيه ما يشير إلى وجود مرض جلدي يمكن أن يكون لشمانيا، كما أن المصنفات التي ألفت في مراكز العلم في جنديسابور وبغداد قد خلت أيضا من مثل ذلك. ويدعم برنجل هذا بأن كتاب "الذخيرة" (الذي ينسبه لثابت بن قرة) (1) قد احتوى على فصل كبير عن الأمراض الجلدية ولكنه خلو من أي ذكر لشيء من قبيل قرحة الشرق، مع ثابت- والقول لبرنجل- كان يعيش على شاطئ الفرات غير بعيد عن حلب ولا بد انه كان على تمام المعرفة بالأمراض الجلدية في وسط العراق.
ومعنى هذا أن قرحة الشر ق لم تكن قد دخلت العراق أو بلاد الشرق الأوسط حتى ذلك الوقت. بيد أن المرض كان متوطنا منذ القدم بعيدا في الشرق، فيذكر الجود Elgood انه كان معروفا في بلخ التي كانت إحدى عواصم خرا سان القديمة، والتي تدخل الآن ضمن أراضى الاتحاد السوفيتي المتاخمة لأفغانستان، وان الوصف الذي جاء في كتابات أبى المنصور، حسن بن نوح البخاري (المتوفى نحو عام 991 م) لا يدع مجالا لشك أو لبس. كذلك يذكر أن الشيخ الرئيس غليا بن الحسين بن عبد الله بن سينا (المتوفى نحو عام 28 4 هـ- 37 0 1 م)) شار إليها في القانون باسم قرحة بلخ " (وسوف نعود إلى هذا فيما بعد)، كما أن هذا الاسم جاء في الكتاب الكبير(1) الذي جمعه سيد إسماعيل بن الحسن الجر جاني نحو عام 1130م، والذي ذكر أن القرحة كانت متوطنة في بلغ في ذلك الوقت حيث كانت تسمى (باشا- جازيداجي أي قرصة البعوض كذلك كانت في دهستان بالقرب من جرجان حيث كانت تعرف باسم "ساكر وهو لفظ محرف عن آخر يعني "البعوض " أو "قرص البعوض ".
وظلت "قرحة الشرق " متوطنة في تلك المناطق حتى القرن الخامس عشر الميلادي، حين كتب عنها منصور بن محمد بن احمد بن يوسف بن الفقيه الياس، مسميا إياها "البلخية"... ثم جاء أول ذكر للمرض في الشرق الأوسط بعد ذلك بقليل إذ ذكر بهاء الدولة بن قوام الدين قاسم نربكش الرازي، في كتابه المؤلف نحو عام 1500 م والمسمى خلاصة التجارب " أن المرض، منتشر في بغداد، ومن ثم عرفه بعض الناس باسم "حبة بغداد" ويذكر (الجود) أن المرض كان معروفا في المناطق الشمالية الشرقية من آيبان حيث أطلق عليه اسم "الحبة الأرمينية"ولكنه لم يظهر في بلاد الهضبة الوسطى لإيران إلا في القرن التاسع عشر فظهر في إيران نحو عام 1835 وفي طهران 1840.
السجلات الأولى للمرض في كتابات الأوروبيين:
وثمة مركز آخر لتوطن المرض، وهو حلب وما حولها، ولكن الزمن كان قد دار دورته، فنجد أن أول من أرخ له في منتصف القرن الثامن عشر أوروبيان هما طبيب يدعى الكس رسل عام
1956"16" ورحالة يدعى عام 1765 (17). وقد ذكر رسل إن الأوروبيين كانوا يسمون المرض " داء حلب أو نقمة حلب أما أهل حلب أنفسهم فكانوا يسمونه "حبة السنة" وكانوا يميزون بين صورتين للمرض: ذكر وأنثى فأما الصورة الذكر فهي اقرب إلى ما يعرف اليوم بالصورة الحضرية الجافة، وأما الصورة الأنثى فهي اقرب إلى ما يعرف اليوم بالصورة الريفية الرطبة. وقد أضاف الأهالي إلى هاتين الصورتين صورة ثالثة كانوا يعتقدون أنها تنشأ من قرصة نوع من أنواع ذوات الأرجل الألف (والأرجح إنها من مخلبية الأرجل أو ذوات الأرجل المائة، كأم أربع وأربعين).
ونكتفي بهذا القدر مرة التاريخ، إذ أن ما بعده داخل في نطاق ما تكتبه المراجع الطبية المعتادة، ولا يعنينا في بحثنا هذا، إلا في حدود، ونود أن نتناول بشيء من التحليل والمناقشة بعض النقاط التي تعرض لها عرضنا التاريخي السابق.
(1) يسميElgood هذا الكتاب بالإنجليزية( system of medicine ولم نهتد إليه بعد.
قرحة الشرق في "قانون " ابن سينا:
خصص ابن سينا كتابه الرابع من القانون (4) " للأمراض التي لا تختصر بعضو بعينه والزينة"، وقسم هذا الكتاب على سبعة فنون وكل فن يشتمل على عدة مقالات وكل مقالة تشتمل على فصول ". وقد جاء ذكر ما نعتقد انه مرض اللشمانيا الجلدي في المقالة الثالثة من الفن السابع عن "الزينة"، وعنوان هذه المقالة هو "فيما يعرض للجلد لا في لونه، لانه سبق أن تكلم في المقالة الثانية عن (أحوال الجلد من جهة اللون. وقد جاء اسم المرض في عنوان أول فصل من فصول المقالة الثالثة: فصل في السعفة والشيربنج والبلحية والبطم ". وقد ذكر لفظ "البلحية" هذا ثلاث مرات في المتن ومرة في فهرس الكتاب، وكلها في الطبعة التي بين أيدينا- بالحاء المهملة، فكأنها منسوبة إلى البلح. وبعض المراجع الإنجليزية (18) يذكر من بين أسماء المرض اسم ( Date Mark) يطلق عليه في العراق. ولكننا رجحنا أن هذا من أخطاء النساخ أو الطابعين، وأن صحته "بلخية" أي بالخاء المعجمة المنقوطة، وذلك لأسباب:
أولها أن الاسم اشتهر في أول أمره منسوبا إلي مدينة بلخ في خرا سان- كما تقدم،
وثانيها أن برنجل يذكر أن ابن سينا كتب عن (Sore of Balkh)، استنادا على الطبعة التي استقى منها معلوماته (بصفة غير مباشرة) (1)، وثالثهما أن أهل العراق يشيع على ألسنتهم لفظ "التمر" لا البلح " وقد أكد لي زملاء عراقيون هذا الرأي ذاكرين انهم لا يعرفون للأخت أو حبة بغداد اسما منسوبا إلى التمر أو البلح.
والذي يلفت النظر أن ابن سينا لم يورد المرض في عدة مظان قد يلتمسه فيها الباحث، فهو لم يدرجه مع الأورام والبثور في الفن الثالث، ولا في المقالة الثالثة عن القروح من الفن الرابع- وعلى الأخص في الفصل الخاص "بالقروح العسرة الاندمال "، ولا في المقالة الخامسة عن لسوع الحشرات والرتيلاوات وعضوضها من الفن السادس، وانما ذكره في الفن السابع عن الزينة، كما تقدم. وعلى أي حال يبدو كما لو أن ابن سينا لم يكن مرتاحا تماما لهذا الوضع فإنه يقول في أول- الفصل، وكأنه يعتذر: "السعفة من جملة البثور القرحية، وقد جرت العادة في أكثر الكتب إنها تذكر في أبواب الزينة (ص 287). وقد ذكر ابن سينا أن علاج البلحية من جنس علاج السعفة الرديئة ووصف دواء له "قويا مجربا نافعا جدا (ص 288)،،-لكن لا تعليق لنا على هذا فإنه لا يدخل في اختصاصنا، ولو انه من المعروف أن مرض اللشمانيا الجلدي لم يعرف له علاج ناجح إلا باستخدام بعض المضادات الحيوية عن الطريق الجهازي.
وتفيد المعاجم إن السعاف "شقاق حول الظفر وتقشر"، ولكن (المعجم الوسيط ) يذكر أن مجمع القاهرة للغة العربية قد عرف السعفة على أنها "مرض جلدي فطري يتميز بلطخ حلقية خضابية مغطاة بحراشف وحويصلات، ويشبه القرع أما الوصف الذي يذكره ابن سينا للسعفة (وهي ليست البلخية أي قرحة الشرق) فهو كما يلي: "والسعفة تبتدئ بثورا مستحكة خفيفة متفرقة في عدة مواضع ثم تتقرح قروحا يشبه خشكر وتكون الى حمرة وربما سيلت صديدا وتسمى شيربنجا وسعفة رطبة وربما ابتدأت قربائية يابسة كثيرا ما تثور في الشتاء وتزول بسرعة ص 287. ويرى الدكتور محي الدين سليم، خبير الأمراض الجلدية في الكويت أن هذه الأوصاف تنطبق على التهابات الجلد الاكزيمية باعتبارها وصفا لمجموعة من الادواء متعددة الأسباب (الايتيولوجية).
علية المرض (ايتيولوجيته):
ذكر ابن سينا أن "البلخية" ربما كان سببها لسعا مثل البعوض الخبيث.. ولعل هذا الشك فضلا عما تقدم من اتباعه نسق السابقين، هو الذي جعله لم يذكر هذا المرض بين الادواء الناتجة من لسع الحشرات. ونود أن نبرز هنا أولا أن لفظ البعوض في لغة العرب لا ينصرف بالضرورة الى الحشرات التي تعرف بهذا الاسم في التصنيف العلمي، وتقول بعض معاجم اللغة أن البعوض "حيوان عضوض " ويقول الجوهري أن البعوض هو البق، ولا يوافقه في ذلك الدميري (7) في كتابه المشهور "- حياة الحيوان الكبرى" (القرن الرابع عشر الميلادي الثامن الهجري) ويقول انه يسمى بالعراق والشام الجرجس، لغة في القرقس وهو البعوض الصغار. وفي مادة قرقس يقول الدميري ثانية أن القرقس هو البعوض، ثم يقول (يستحب قتل المؤذيات للمحرم وغيره، كالحية والعقرب.. والبرغوث والبق والزنبور والقراد والحلمة والقرقس... وما أشبهها"، فهو إذن يفرق بين القرقس والبق والقراد.) ما القزويني (8، فيقول في "عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات " (القرن الثالث عشر الميلادي- السابع الهجري) عن البعوض: "ولها خرطوم أدق شي؟ يمكن أن يقال، ومع دقته مجوف حتى يجري فيه الدم الرقيق، وخلق في رأس ذلك الخرطرم قوة يضرب به جلد الفيل والجاموس ينفذ فيهما. والفيل والجاموس- يهربان من البعوض في الماء فسبحان من لا يعرف دقائق حكمه إلا هو". (ص "32). فهذا الوصف البديع بليغ في الإشارة الى حشرة ماصة للدماء تطير. وغني عن القول إن الخلاف في هذه المسميات راجع الى ما نجده الى اليوم من اختلاف بين اللهجات العربية المحيلة في تسمية تلك الحشرات. فلا يستبعد إذن أن ابن سينا كان يشير الى حشرات طائرة لاسعة، كصغار البعوض، وهذا يتفق مع صورة ذياب الرمل. وليس في هذا الكلام تجوز كثير فلسنا نقصد منه أن ابن سينا كان يعرف أن ذلك البعوض الصغير كان ينقل مرضا طفيليا، وانما كان يظن أن لسعه هو الذي يسبب المرض، وهذا أمر يسهل إدراكه على كل إنسان دقيق الملاحظة.
وشيء عن هذا القبيل- جاء أيضا في تلك التسميات التي ذكرنا أن المرض كان معروفا بها في بلخ وبالقرب من جرجان وكانت تعني "البعوض" أو قرص البعوض ولكن الأقوام اختلفت نظرتهم الى علة المرض، فانتشار المرض في حلب وعنتاب على شواطئ نهري الساجور والقويق جعلت الناس هناك يتهمون الماء، كما يقول رسل (16)، بينما يذكر بوكوك (17) آن الماء في حلب خاصية معينة تبتلى من يشربه من الأغراب بالقرح. ويبدو انهم خصوا الأغراب بالذكر، لان المواطنين يكونون قد اكتسبوا المناعة من المرض بتعرضهم له من صغرهم. أما بكنام سنة1827فقد كان اكثر تحوطا فقال إن الطفح الجلدي أو "الدودة" المسببة له يتولدان من الماء في حلب أو من الهواء في أورفة (شمال شرقي حلب)، وقد ذكر ونيون (14 عام 1911 أن القوم في العراق يربطون بين انتشار المرض وموسم التمر، حتى انهم قد ردوه الى آكل التمر أو الإصابات الناجمة من أطراف سعف النخيل الشائكة. وواضح عندنا اليوم أن هذا الارتباط هو ارتباط موسمي متعلق بالحشرة الناقلة والظروف الأخرى المتعلقة بانتقال المرض. وكان ونيون يشك كثيرا في ذباب الرمل، وغيره من الحشرات الماصة للدماء، ولكن هذه القضية لم تحسم بالتجارب الدقيقة إلا في العقد الثالث من القرن العشرين ولم يصدر القول بالفصل فيها إلا في اوائل العقد الخامس من هذا القرن.
تاريخ انتشار المرض.
تختلف الآراء فى وضع النظريات المفسرة لتطور العلاقة بين الطفيلي وعوائله الأولى من القوارض والحشرة الناقلة ثم دخول الإنسان بمراتب متدرجة في هذه الحلقة ولكن هذا ليس داخلا في مجال بحثنا هذا وإنما سوف نكتفي بالإشارة بإيجاز الى ناحية واحدة من تاريخ انتشار قرحة الشرق وذلك أن الراجح أن المرض قد غزا الشرق الأوسط من بؤرة في أسيا الوسطى حيث كان المرض قاصرا على إصابة القوارض به وتنقله ذبابة النمل (10) ثم انتقلت العدوى الى الإنسان وتوطدت به عند احتلاله لمناطق المراعي في آسيا الوسطى ثم استقر به المقام في المدن، كبلخ وجرجان. وقد سبق أن ذكرنا أن اقدم ما حفظه التاريخ من سجلات المرض كانت من هناك، بينما كانت مناطق ما بين النهرين خالية منه. ويرى برنجل (10) هذا الرأي، وهو يناقض ظنونه عن وجود المرض في مصر الفرعونية القديمة، اعتمادا على تفسيره لنصوص التوراة، وهو رأي سبق أن فندناه.
ويرى (إلجود) (11، انو. جحافل المغول الزاحفة هي التي حملت المرض معها من خرا سان إيران الى بغداد. ويرى برنجل (10) إن انتشار المرض كان طبيعيا مع الزمن اذ أخذ يقفز من مرتكز الى مرتكز حتى وصل الى بغداد، ومنها الى غيرها، مع تكيف الطفيليات ا لأنواع أخرى من الحشرات الناقلة من الجنس نفسه. ولسنا بصدد مناقشة أي من الرأيين، ولكن الذي نود أن نبرزه بشان ما جاء في كتابات العلماء المسلمين عن وجود المرض، نفيا أو إثباتا، هو الذي مكن العلماء في القرن العشرين من دراسة الانتشار التاريخي لمرض قرحة الشرق في فترة انفرد فيها العلماء المسلمون بحمل أمانة العلم ورفع لوائه.
وتحياتي لكم
زمان عن المواضيع الجادة
ودور العلماء المسلمين فيه"
دكتور/ عبد الحافظ حلمي محمد والدكتورة/ منى التقي
الكويت
ملخص:-
يحظى مرض اللشمانيا الجلدي بكثير من عناية الباحثين المعاصرين والسابقين وهذا البحث قاصر على صور المرض الجلدية التي تعرف باسم "قرحة الشرق" بصفة عامة. وللمرض قرحة تقيم المصاب بأثر يبقى في مكان ظاهر من جسمه طيلة حياته ومن ثم كان الاهتداء إلى وصفها في المراجع القديمة أمرا ميسورا نسبيا وعلى جانب كبير من الوثوق في معظم الأحيان.
بيد أن الإشارة العابرة إلى ما سمي "دمل النيل " في بردية ابرس المصرية ليس فيها أي دليل على أن هذا الدمل كان حبة الشرق بالذات، كذلك يفند المؤلفان ما قيل من أن الدمامل والبثور التي أصاب الله بها قوم فى عون (سفر الخروج) أو" قرحة مصر" المذكورة بين اللعنات التي يصبها الله على العاصيين (سفر التثنية) هي قرحة الشرق، وذلك لحجج علمية متعددة، فضلا عن أن ذلك كان في حكم المعجزات والخوارق التي لا تعلل، ولا توضح موضع التحليل العلمي. ويلاحظ أن القرآن الكريم لم يذكر شيئا من ذلك بين النقم الخمس التي صبها الله على قوم فرعون (سورة الأعراف/ الآية 133) كما لم يذكرها المفسرون بين الآيات التسع المذكورة في (سورة الإسراء/ الآية 101)
ويشير التراث إلى أن المرض لم يسجل في كتابات حضارات السومرين والبابليين والآشوريين، مما يدل على خلو ارض ما بين النهرين من هذا المرض في ذلك الوقت بينما كان متوطنا في الشرق في بلخ وحول جرجان، ومن آسيا الصغرى انتقل في وقت لاحق إلى العراق والشرق الأوسط. ويعتقد بعضا الباحثين أن المرض جاء مع الغزاة التترين، ويعتقد آخرون انه انتشر
بإمداد طبيعي متدرج مع التكيف المستمر لأنواع جديدة من ذباب الرمل الناقل له.
وقد ذكر ابن سينا المرض باسم "البلخية" (نسبة إلى مدينة بلخ) في "الفن" السابع من الكتاب الرابع من "القانون " مشيرا إلى احتمال أن يكون "سببها لسعا مثل البعوض الخبيث.. " والتتبع اللغوي لما يقصد بلفظ "البعوض "، يسمح بان يندرج تحته ذبا ب الرمل. وهذا الاحتمال لم يتأكد بالتجربة العلمية. إلا في القرن العشرين. وكان ظن ابن سينا صائبا، بينما المعتقدات، القديمة كانت ترد المرض إلى ماء الانهيار أو الهواء أو أكل التمر.
تقديم:-
يحظى مرض اللشمانيا الجلدي بكثير من عناية الباحثين المحدثين في شتى نواحي الدراسات والبحوث الطفيلية والوبائية والعلاجية، وهم لا يهدفون من بحوثهم إلى الغايات الطبية العملية وحدها، وانما هم يبتغون منها أيضا فهم بعض الجوانب الهامة من العلاقة المتبادلة بين الطفيليات وعوائلها لا سيما الكشف عن كثير من أسرار المناعة بصفة عامة. والمناعة الخلوية على وجه الخصوص. وقد حاول ثلاثة من الباحثين (9) حصر المراجع المتعلقة بالموضوع، والتي نشرت حتى نهاية عام 978 1، فجمعوا منها نحوا من 1200 بحثا، شغلت عناوينها مجلدين يقعان في زهاء0 0 7 صفحة. ورغم الجهد الصادق الذي بذله هؤلاء المؤلفون ومعاونوهم بغية أن يكون جمعهم شاملا كاملا فإنهم توقعوا أن يكون بعض المراجع قد أفلت منهم، وقد صدق ظنهم فان ثلاثة من المراجع التاريخية الخمسة المكتوبة باللغة الانجيلزية والتي سوف نشير إليها في بحثنا هذا غير واردة في دليلهم الببليوجرافي المفيد.
وقد أفدنا فائدة كبرى من البحث الذي نشره بر نجل Pringle عام 1957 (10) والذي استعان بدوره ببحث سابق نشره الجود Elgood عام1934 (11)، وقد أشار كلاهما إلي مراجع قديمة عربية وغير عربية. وقد بذلنا غاية الجاهد في الاطلاع على تلك المراجع في مظانها الأصيلة، ولكن بعضا منها لم نستطع بعد تتبعه أو الوصول إليه. وعلى أي حال سوف نتناول في بحثنا هذا بالتحليل والتمحيص والمناقشة أهم ما بلغنا بصورة مباشرة وغير مباشرة، ولو أننا نعتقد أن متابعة البحث في تراثنا العربي سوف يكشف عن مزيد من التفاصيل.
نبذة عن المرض:-
من العسير الإيجاز في موضوع يحظى بهذه العناية كلها من العلماء، ولكننا سوف نشير إلى أهم النقاط التي تتعلق ببحثنا التاريخي هذا.
اللشمانيا جنس من سوطيات الدم الترييانوسومية تسبب أنواعه طائفة من الأمراض بعضها جلدي، وبعضها جلدي مخاطي أي يمتد إلى الأغشية المخاطية، وبعضها جهازي حشوي. وسوف نقصر كلامنا على المرض الجلدي، وبالذات من الصور التي يسببها نوع Leishmania tropica لأنها هي المتعلقة بالمنطقة التي نتعرض لها تاريخيا في هذا البحث، فتلك الصور الجلدية متوطنة أو معروفة في كثير من البقاع الممتدة من بعض مناطق الهند والصين إلى جنوب شرقي روسيا إلى آسيا الصغرى إلى مناطق حوض البحر المتوسط من جنوبي أوروبا ثم إيران والعراق والجزيرة العربية ومنطقة الخليج ثم مناطق من شمالي وأواسط وغربي أفريقيا.
وينتقل المرض بفعل أنواع من ذباب الرمل من جنس phlebotomus أو بصور متنوعة من الملامسة أو العدوى المباشرة. ويتكاثر الطفيلي في موضع العدوى في الخلايا الشبكية البطانية، وتمتد حضانته بضعة أسابيع أو أشهر تظهر على آثرها عقيدة أوثولول يأخذ في النمو البطيء ثم يتباين تطوره، وفقا لعوامل متعددة أهمها سلالة الطفيلي وجرعة العدوى. واذا تجاوزنا عن التنوع الواسع وعن كثير من نقاط الخلاف العلمي يمكننا القول بأن أهم السلالات التي تصيب الإنسان في منطقتنا من العالم ينتمي إلى نوعين:
ا. L. tropica tropica (= minor) وهذه تسبب الصورة المعروفة باسم الصورة الحضرية أو المدنية (Urban) وفيها لا تتفرج الإصابة أو تتسع كثيرا ولا تنز، ومن ثم تسمى بالصورة الجافة.
2. L.tropica major: وهذه تسبب الصورة المعروفة باسم الصورة الريفية (rural) وفيها التقرح أسرع وأوسع، كما أن القرح ينز، وكل ت ثم تسمى بالصورة الرطبة.
ومهما يكن من أمر فان القرحة يغلب أن تندمل تلقائيا بعد نحو عام أو أكثر، إن لم تعالج، مخلفة وراءها مناعة وندبة مميزة تبقيان مع المصاب طيلة حياته. وفي معظم الأحوال يكون عدد الندوب قليلا ولكنها تسم الجسم في مواضع ظاهرة كالوجه والعنق واليدين والذراعين والقدمين والساقين، مما يجعلها غير خافية لا تخطئها العين ولا تلتبس أوصافها في سجلات التاريخ. ونظرا لهذه المظاهر كثيرا ما يطلق على المرض أسماء تدل على بعض صفاته أو تنسبه إلى أماكن توطنه ومن ثم كانت الأسماء:- حبة بغداد أو الأخت، حبة بلخ أو البلخية، قرحة حلب حبة السنة، القرحة الأرمينية، قرحة دلهي، قرحة الصرت والبنده (في تركستان).. الخ أو بعض الأسماء الوصفية بلغات الأقوام المحلية. ولكنا سوف نثير إلى المرض باسم من اشهر أسمائه وهو (قرحة الشرق) إذا أردنا التعميم.
وفي بعض المناطق يتخذ ا لمرض شكلا مثاليا للأمراض الحيوانية البشرية Anthropozoonosis، فتقوم بدور العائل الخازن أنواع معينة من القوارض وقد يقوم الكلب بهذا الدور أحيانا ((12-13-14-15)
هل ذكر المرض في التوراة والقرآن الكريم؟
يعتقد برنجل (10) أن أقد م ما حفظه التاريخ عن قرحة الشرق هو ذكر ما سمي (دمل النيل " في بردية ابرس المصرية الشهيرة، منذ نحو أربعة آلاف سنة، وهذا مجرد ظن لا يقوم عليه دليل. وكذلك يظن برنجل أن هذا هو المرض الذي سلطه الله على قوم فرعون، وجاء في الإصحاح التاسع من سفر الخروج: "ثم قال الرب لموسى وهارون خذا ملء أيداكما من رماد الأتون، وليذره موسى نحو السماء أمام عيني فرعون. ليصير غبارا على كل ارض مصر، فيصير على الناس وعلى البهائم دمامل طالعة ببثور في كل ارض مصر" (الخروج، 9: 10، 11).
أما في سفر التثنية، الذي يظن انه جمع بعد سفر الخروج بنحو ثلاثة قرون، فيأتي ذكر "قرحة مصر ضمن اللعنات أو الضربات الكثيرة التي يصبها الله على العاصيين من بني إسرائيل وترددت في الفقرات 15- 68 من الإصحاح الثامن والعشرين،، يكتفي منها بهاتين الفقرتين: "يضربك الرب بقرحة مصر وبالبواسير والجرب والحكة حتى لا تستطيع الشفاء. يضربك الله بجنون وعمى وحيرة قلب " (التثنية 28: 27، 28).
ولعل الذي أغرى برنجل بالظن بأن مرض اللشمانيا الجلدي، وارد بين تلك اللعنات هو ذكر ما سمي "قرحة مصر" بينها، فان هذا يستدعي للذاكرة شيئا متعلقا بذلك المرض، وهو انه كثيرا ما يسمى محليا بنسبته الجغرافية إلى بلد ما، كما ذكرنا، ولكن هناك استنتاجات لا تؤيد ذلك الظن، فإننا حتى إذا سلمنا بأن الخوارق والمعجزات الإلهية تقبل التحليل العلمي الذي لا يختص إلا بدراسة الظواهر والنواميس الطبيعية المعتادة، لم نجد أن الذي نفهمه من النصوص يسمح لنا بأن نذهب ذلك المذهب، وهذا لعدة وجوه:
أولها أن المرض المشار إليه مما ينتشر بالهواء، مع الغبار محمولا بالرياح، بينما المرض اللشماني ينتقل بالحشرات أو التلامس المباشر إذ انه ليس لطفيليات اللشمانيا طور بوغى يتحمل الجفاف وتذروه الرياح.
وثانيها أن المرض اللشماني الجلدي قد يصيب القوارض، ولكن ليس من المألوف انه يصيب من كبار الثدييات في الطبيعة سوى الكلاب، وهذا لا ينطبق على ما جاء في النص من إصابة "البهائم" (في النص العربي) beasts (في النص الإنجليزي) للتوراة.
وثالثها أن مرض اللشمانيا الجلدي يكون في المعتاد بطيء الانتشار بين الناس بطيء النمو في المصاب محدود الانتشار في الجسم فالقروح لا تتعدد كثيرا في الأحوال قليلة وعند تعدد لدغات الذباب ولا تتسع رقعتها إلا في بعض السلالات أو بسبب تلوثها بالعدوى الثانوية، كما أن المرض غير فتاك أو معوق أو مسبب لأعراض جسمية عامة. وهذا كله في جملته لا يجعل المرض مثلا للعنة رادعة أو تهديد مروع. وسوف نذكر فيما بعد سببا آخر لرفض افتراض برنجل سببا مبنيا على تصورنا لانتشار المرض عبر التاريخ.
ونود أن نشير هنا إلى أن القرآن الكريم لم يذكر ذلك المرض بين النقم التي صبها الله على قوم فرعون: (وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فلا نحن لك بمؤمنين. فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين) (الأعراف/ 132، 133). وجاء في سورة الإسراء قوله تعالى: "ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات، فاسأل بني إسرائيل إذ جاءهم فقال له فرعون أنى لأظنك يا موسى مسحورا" (الإسراء/ 101). ويختلف المفسرون في إحصاء تلك الآيات التسع، فمنهم من لم يذكر بينها شيئا له أدق صلة بمرض جلدي، ومنهم من عد الجرب من بينها. ومن المناسب هنا أن ندلي بملاحظة أبداها. موريس بوكاي ( ا) في كتابه عن "دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة" من أن التوراة" تعطي تفاصيل كثيرة عن كل ضربة من هذه الضربات وهناك عدة من هذه العقوبات تتسم ب!جانب وبعل! خارقين. أما القرآن فهو يعد خمسة فقط من هذه الضربات وليست في معظمها إلا مبالغة لظاهرات طبيعية 00) (ص 257).
ولا يفوتنا أن نشير هنا إلى أن النص في سفر الخروج من التوراة يفيد بأن الذي ذره موسى عليه السلام كان رماد أتون، أي مادة تكون بحكم المعتاد الغالب معقمة أو تكاد. وهذا يؤكد معنى الإعجاز الذي لا يخضع للتحليل العلمي ويذكرنا بما ذهب إليه بعض المفسرين السابقين للقرآن الكريم من أن الطير الأبابيل قد أصابت جش ابرهة بالجدري والحصبة حين رمتهم بحجارة من سجيل، وان هذا هو منشأ هذين المرضين. وقد توسع في هذا المعنى الشيخ الأمام محمد عبده فلم يستبعد أن تكون الطيور المشار إليها في سورة الفيل بعوضا أو ذبابا يحمل جراثيم بعض الأمراض أو أن تكون هي تلك الجراثيم
بذاتها، وقد نقد هذا الاتجاه الشيخ محمد صادق عرجون (2) الذي ذكر أيضا أن ابن الأثير رفضه قديما في تاريخه الكامل فقال" وقال كثير من أهل السير أن الحصبة والجدري أول ما رُئيا في بلاد العرب بعد الفيل، وهذا مما لا ينبغي أن يعرج عليه... فإن هذه الأمراض.. قبل الفيل منذ خلق الله العالم " (عرجون، 1977: 22، 23). ولا يفوتنا أن نتأمل هذا الجمع بين الجدري والحصبة والخلط المزمن بينهما، وهي مشكلة لم يحلها إلا أبو بكر الرازي في كتابه المشهور في التفريق بينهما.
قرحة الشرق في كتابات علماء المسلمين:
لاحظ برنجل أن ما سجل في ارض ما بين النهرين، من حضارات السومريين والبابليين والآشوريين، عن الطب والعلاج ليس فيه ما يشير إلى وجود مرض جلدي يمكن أن يكون لشمانيا، كما أن المصنفات التي ألفت في مراكز العلم في جنديسابور وبغداد قد خلت أيضا من مثل ذلك. ويدعم برنجل هذا بأن كتاب "الذخيرة" (الذي ينسبه لثابت بن قرة) (1) قد احتوى على فصل كبير عن الأمراض الجلدية ولكنه خلو من أي ذكر لشيء من قبيل قرحة الشرق، مع ثابت- والقول لبرنجل- كان يعيش على شاطئ الفرات غير بعيد عن حلب ولا بد انه كان على تمام المعرفة بالأمراض الجلدية في وسط العراق.
ومعنى هذا أن قرحة الشر ق لم تكن قد دخلت العراق أو بلاد الشرق الأوسط حتى ذلك الوقت. بيد أن المرض كان متوطنا منذ القدم بعيدا في الشرق، فيذكر الجود Elgood انه كان معروفا في بلخ التي كانت إحدى عواصم خرا سان القديمة، والتي تدخل الآن ضمن أراضى الاتحاد السوفيتي المتاخمة لأفغانستان، وان الوصف الذي جاء في كتابات أبى المنصور، حسن بن نوح البخاري (المتوفى نحو عام 991 م) لا يدع مجالا لشك أو لبس. كذلك يذكر أن الشيخ الرئيس غليا بن الحسين بن عبد الله بن سينا (المتوفى نحو عام 28 4 هـ- 37 0 1 م)) شار إليها في القانون باسم قرحة بلخ " (وسوف نعود إلى هذا فيما بعد)، كما أن هذا الاسم جاء في الكتاب الكبير(1) الذي جمعه سيد إسماعيل بن الحسن الجر جاني نحو عام 1130م، والذي ذكر أن القرحة كانت متوطنة في بلغ في ذلك الوقت حيث كانت تسمى (باشا- جازيداجي أي قرصة البعوض كذلك كانت في دهستان بالقرب من جرجان حيث كانت تعرف باسم "ساكر وهو لفظ محرف عن آخر يعني "البعوض " أو "قرص البعوض ".
وظلت "قرحة الشرق " متوطنة في تلك المناطق حتى القرن الخامس عشر الميلادي، حين كتب عنها منصور بن محمد بن احمد بن يوسف بن الفقيه الياس، مسميا إياها "البلخية"... ثم جاء أول ذكر للمرض في الشرق الأوسط بعد ذلك بقليل إذ ذكر بهاء الدولة بن قوام الدين قاسم نربكش الرازي، في كتابه المؤلف نحو عام 1500 م والمسمى خلاصة التجارب " أن المرض، منتشر في بغداد، ومن ثم عرفه بعض الناس باسم "حبة بغداد" ويذكر (الجود) أن المرض كان معروفا في المناطق الشمالية الشرقية من آيبان حيث أطلق عليه اسم "الحبة الأرمينية"ولكنه لم يظهر في بلاد الهضبة الوسطى لإيران إلا في القرن التاسع عشر فظهر في إيران نحو عام 1835 وفي طهران 1840.
السجلات الأولى للمرض في كتابات الأوروبيين:
وثمة مركز آخر لتوطن المرض، وهو حلب وما حولها، ولكن الزمن كان قد دار دورته، فنجد أن أول من أرخ له في منتصف القرن الثامن عشر أوروبيان هما طبيب يدعى الكس رسل عام
1956"16" ورحالة يدعى عام 1765 (17). وقد ذكر رسل إن الأوروبيين كانوا يسمون المرض " داء حلب أو نقمة حلب أما أهل حلب أنفسهم فكانوا يسمونه "حبة السنة" وكانوا يميزون بين صورتين للمرض: ذكر وأنثى فأما الصورة الذكر فهي اقرب إلى ما يعرف اليوم بالصورة الحضرية الجافة، وأما الصورة الأنثى فهي اقرب إلى ما يعرف اليوم بالصورة الريفية الرطبة. وقد أضاف الأهالي إلى هاتين الصورتين صورة ثالثة كانوا يعتقدون أنها تنشأ من قرصة نوع من أنواع ذوات الأرجل الألف (والأرجح إنها من مخلبية الأرجل أو ذوات الأرجل المائة، كأم أربع وأربعين).
ونكتفي بهذا القدر مرة التاريخ، إذ أن ما بعده داخل في نطاق ما تكتبه المراجع الطبية المعتادة، ولا يعنينا في بحثنا هذا، إلا في حدود، ونود أن نتناول بشيء من التحليل والمناقشة بعض النقاط التي تعرض لها عرضنا التاريخي السابق.
(1) يسميElgood هذا الكتاب بالإنجليزية( system of medicine ولم نهتد إليه بعد.
قرحة الشرق في "قانون " ابن سينا:
خصص ابن سينا كتابه الرابع من القانون (4) " للأمراض التي لا تختصر بعضو بعينه والزينة"، وقسم هذا الكتاب على سبعة فنون وكل فن يشتمل على عدة مقالات وكل مقالة تشتمل على فصول ". وقد جاء ذكر ما نعتقد انه مرض اللشمانيا الجلدي في المقالة الثالثة من الفن السابع عن "الزينة"، وعنوان هذه المقالة هو "فيما يعرض للجلد لا في لونه، لانه سبق أن تكلم في المقالة الثانية عن (أحوال الجلد من جهة اللون. وقد جاء اسم المرض في عنوان أول فصل من فصول المقالة الثالثة: فصل في السعفة والشيربنج والبلحية والبطم ". وقد ذكر لفظ "البلحية" هذا ثلاث مرات في المتن ومرة في فهرس الكتاب، وكلها في الطبعة التي بين أيدينا- بالحاء المهملة، فكأنها منسوبة إلى البلح. وبعض المراجع الإنجليزية (18) يذكر من بين أسماء المرض اسم ( Date Mark) يطلق عليه في العراق. ولكننا رجحنا أن هذا من أخطاء النساخ أو الطابعين، وأن صحته "بلخية" أي بالخاء المعجمة المنقوطة، وذلك لأسباب:
أولها أن الاسم اشتهر في أول أمره منسوبا إلي مدينة بلخ في خرا سان- كما تقدم،
وثانيها أن برنجل يذكر أن ابن سينا كتب عن (Sore of Balkh)، استنادا على الطبعة التي استقى منها معلوماته (بصفة غير مباشرة) (1)، وثالثهما أن أهل العراق يشيع على ألسنتهم لفظ "التمر" لا البلح " وقد أكد لي زملاء عراقيون هذا الرأي ذاكرين انهم لا يعرفون للأخت أو حبة بغداد اسما منسوبا إلى التمر أو البلح.
والذي يلفت النظر أن ابن سينا لم يورد المرض في عدة مظان قد يلتمسه فيها الباحث، فهو لم يدرجه مع الأورام والبثور في الفن الثالث، ولا في المقالة الثالثة عن القروح من الفن الرابع- وعلى الأخص في الفصل الخاص "بالقروح العسرة الاندمال "، ولا في المقالة الخامسة عن لسوع الحشرات والرتيلاوات وعضوضها من الفن السادس، وانما ذكره في الفن السابع عن الزينة، كما تقدم. وعلى أي حال يبدو كما لو أن ابن سينا لم يكن مرتاحا تماما لهذا الوضع فإنه يقول في أول- الفصل، وكأنه يعتذر: "السعفة من جملة البثور القرحية، وقد جرت العادة في أكثر الكتب إنها تذكر في أبواب الزينة (ص 287). وقد ذكر ابن سينا أن علاج البلحية من جنس علاج السعفة الرديئة ووصف دواء له "قويا مجربا نافعا جدا (ص 288)،،-لكن لا تعليق لنا على هذا فإنه لا يدخل في اختصاصنا، ولو انه من المعروف أن مرض اللشمانيا الجلدي لم يعرف له علاج ناجح إلا باستخدام بعض المضادات الحيوية عن الطريق الجهازي.
وتفيد المعاجم إن السعاف "شقاق حول الظفر وتقشر"، ولكن (المعجم الوسيط ) يذكر أن مجمع القاهرة للغة العربية قد عرف السعفة على أنها "مرض جلدي فطري يتميز بلطخ حلقية خضابية مغطاة بحراشف وحويصلات، ويشبه القرع أما الوصف الذي يذكره ابن سينا للسعفة (وهي ليست البلخية أي قرحة الشرق) فهو كما يلي: "والسعفة تبتدئ بثورا مستحكة خفيفة متفرقة في عدة مواضع ثم تتقرح قروحا يشبه خشكر وتكون الى حمرة وربما سيلت صديدا وتسمى شيربنجا وسعفة رطبة وربما ابتدأت قربائية يابسة كثيرا ما تثور في الشتاء وتزول بسرعة ص 287. ويرى الدكتور محي الدين سليم، خبير الأمراض الجلدية في الكويت أن هذه الأوصاف تنطبق على التهابات الجلد الاكزيمية باعتبارها وصفا لمجموعة من الادواء متعددة الأسباب (الايتيولوجية).
علية المرض (ايتيولوجيته):
ذكر ابن سينا أن "البلخية" ربما كان سببها لسعا مثل البعوض الخبيث.. ولعل هذا الشك فضلا عما تقدم من اتباعه نسق السابقين، هو الذي جعله لم يذكر هذا المرض بين الادواء الناتجة من لسع الحشرات. ونود أن نبرز هنا أولا أن لفظ البعوض في لغة العرب لا ينصرف بالضرورة الى الحشرات التي تعرف بهذا الاسم في التصنيف العلمي، وتقول بعض معاجم اللغة أن البعوض "حيوان عضوض " ويقول الجوهري أن البعوض هو البق، ولا يوافقه في ذلك الدميري (7) في كتابه المشهور "- حياة الحيوان الكبرى" (القرن الرابع عشر الميلادي الثامن الهجري) ويقول انه يسمى بالعراق والشام الجرجس، لغة في القرقس وهو البعوض الصغار. وفي مادة قرقس يقول الدميري ثانية أن القرقس هو البعوض، ثم يقول (يستحب قتل المؤذيات للمحرم وغيره، كالحية والعقرب.. والبرغوث والبق والزنبور والقراد والحلمة والقرقس... وما أشبهها"، فهو إذن يفرق بين القرقس والبق والقراد.) ما القزويني (8، فيقول في "عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات " (القرن الثالث عشر الميلادي- السابع الهجري) عن البعوض: "ولها خرطوم أدق شي؟ يمكن أن يقال، ومع دقته مجوف حتى يجري فيه الدم الرقيق، وخلق في رأس ذلك الخرطرم قوة يضرب به جلد الفيل والجاموس ينفذ فيهما. والفيل والجاموس- يهربان من البعوض في الماء فسبحان من لا يعرف دقائق حكمه إلا هو". (ص "32). فهذا الوصف البديع بليغ في الإشارة الى حشرة ماصة للدماء تطير. وغني عن القول إن الخلاف في هذه المسميات راجع الى ما نجده الى اليوم من اختلاف بين اللهجات العربية المحيلة في تسمية تلك الحشرات. فلا يستبعد إذن أن ابن سينا كان يشير الى حشرات طائرة لاسعة، كصغار البعوض، وهذا يتفق مع صورة ذياب الرمل. وليس في هذا الكلام تجوز كثير فلسنا نقصد منه أن ابن سينا كان يعرف أن ذلك البعوض الصغير كان ينقل مرضا طفيليا، وانما كان يظن أن لسعه هو الذي يسبب المرض، وهذا أمر يسهل إدراكه على كل إنسان دقيق الملاحظة.
وشيء عن هذا القبيل- جاء أيضا في تلك التسميات التي ذكرنا أن المرض كان معروفا بها في بلخ وبالقرب من جرجان وكانت تعني "البعوض" أو قرص البعوض ولكن الأقوام اختلفت نظرتهم الى علة المرض، فانتشار المرض في حلب وعنتاب على شواطئ نهري الساجور والقويق جعلت الناس هناك يتهمون الماء، كما يقول رسل (16)، بينما يذكر بوكوك (17) آن الماء في حلب خاصية معينة تبتلى من يشربه من الأغراب بالقرح. ويبدو انهم خصوا الأغراب بالذكر، لان المواطنين يكونون قد اكتسبوا المناعة من المرض بتعرضهم له من صغرهم. أما بكنام سنة1827فقد كان اكثر تحوطا فقال إن الطفح الجلدي أو "الدودة" المسببة له يتولدان من الماء في حلب أو من الهواء في أورفة (شمال شرقي حلب)، وقد ذكر ونيون (14 عام 1911 أن القوم في العراق يربطون بين انتشار المرض وموسم التمر، حتى انهم قد ردوه الى آكل التمر أو الإصابات الناجمة من أطراف سعف النخيل الشائكة. وواضح عندنا اليوم أن هذا الارتباط هو ارتباط موسمي متعلق بالحشرة الناقلة والظروف الأخرى المتعلقة بانتقال المرض. وكان ونيون يشك كثيرا في ذباب الرمل، وغيره من الحشرات الماصة للدماء، ولكن هذه القضية لم تحسم بالتجارب الدقيقة إلا في العقد الثالث من القرن العشرين ولم يصدر القول بالفصل فيها إلا في اوائل العقد الخامس من هذا القرن.
تاريخ انتشار المرض.
تختلف الآراء فى وضع النظريات المفسرة لتطور العلاقة بين الطفيلي وعوائله الأولى من القوارض والحشرة الناقلة ثم دخول الإنسان بمراتب متدرجة في هذه الحلقة ولكن هذا ليس داخلا في مجال بحثنا هذا وإنما سوف نكتفي بالإشارة بإيجاز الى ناحية واحدة من تاريخ انتشار قرحة الشرق وذلك أن الراجح أن المرض قد غزا الشرق الأوسط من بؤرة في أسيا الوسطى حيث كان المرض قاصرا على إصابة القوارض به وتنقله ذبابة النمل (10) ثم انتقلت العدوى الى الإنسان وتوطدت به عند احتلاله لمناطق المراعي في آسيا الوسطى ثم استقر به المقام في المدن، كبلخ وجرجان. وقد سبق أن ذكرنا أن اقدم ما حفظه التاريخ من سجلات المرض كانت من هناك، بينما كانت مناطق ما بين النهرين خالية منه. ويرى برنجل (10) هذا الرأي، وهو يناقض ظنونه عن وجود المرض في مصر الفرعونية القديمة، اعتمادا على تفسيره لنصوص التوراة، وهو رأي سبق أن فندناه.
ويرى (إلجود) (11، انو. جحافل المغول الزاحفة هي التي حملت المرض معها من خرا سان إيران الى بغداد. ويرى برنجل (10) إن انتشار المرض كان طبيعيا مع الزمن اذ أخذ يقفز من مرتكز الى مرتكز حتى وصل الى بغداد، ومنها الى غيرها، مع تكيف الطفيليات ا لأنواع أخرى من الحشرات الناقلة من الجنس نفسه. ولسنا بصدد مناقشة أي من الرأيين، ولكن الذي نود أن نبرزه بشان ما جاء في كتابات العلماء المسلمين عن وجود المرض، نفيا أو إثباتا، هو الذي مكن العلماء في القرن العشرين من دراسة الانتشار التاريخي لمرض قرحة الشرق في فترة انفرد فيها العلماء المسلمون بحمل أمانة العلم ورفع لوائه.
وتحياتي لكم
زمان عن المواضيع الجادة