أبو مالك
04-11-2002, 12:54 PM
دوافع احتراف الرقية
إعداد: أبو مالك سي العربي حسن
silarbi.hassen@caramail.com
الحمد لله وبعد،
المبحث الأول:الدافع النفسي
لعل البعض من الناس لا يلحظ دوافع احتراف الرقية، إلا فيما يظهر له من شَرَهِ صنف من الرقاة على ابتزاز أموال المرضى، بكل وسيلة وحيلة ؛ في حين تبقى الدوافع النفسية لممارسة الرقية خَفِيّة، لا تتجلّى غالبا إلا عند الملاحظة والاستقصاء، ذلك أن دراسة بعض العيّـنات من طبقة هؤلاء الرقاة تدلّنا على مدى الفراغ النفسي الذي يعانونه ؛ فبعضهم لا يستطيع التفاعل باتـّزان وإيجابية مع واقعه الاجتماعي، لكونه يفتقد المؤهلات النفسية والعقلية لمثل هذا التفاعل، فيلجأ لتحقيق ذاتيته تجاه الآخرين إلى مظهر يجد فيه العوض عن ذاك الفراغ، ويكون التديّن هو الواجهة المثلى لهذا الغرض.
ولا أدلّ على هذا، ما تلحظه على بعضهم من اصطناعهم "شخصية دينية" هي فوق حقيقتهم بكثير، إذ لا يتردد أحدهم عن التلبـّس بمظهر المفتي تارة وبمظهر المعالج الراقي تارة أخرى، ولا يتورّعون عن هذه المخادعة مع علمهم أنهم دون هذا المستوى، حيث لم يعد ينفعهم نصح ولا تقريع ؛ بل وصل الحدّ ببعضهم إلى تفريخ تلامذة يُنسبون إليهم!! ومن يعرف حال هؤلاء قبل اندفاعهم في الرقية وبعدها، يدرك جيّدا ما نقول.
ولعلك تلمس هذا حتى عند بعض الجمعيات "الدينية" التي تستفرغ من وقتها وجهدها لرقية الناس (بالطريقة التي سنذكر تفاصيلها فيما بعد)، جاعلة مقراتها غرضا لذلك، في غياب التصور المنهجي للعمل الإسلامي المثمر كما أسلفنا.
وإنك لتعجب كيف يشدّ الناس رحالهم إليهم، مزدحمين على أبوابهم في ساعات مبكرة جدا (الرابعة صباحا)، ولو كان ذلك لله ما فعله إلا قليل!
وقد يغتر بعضهم بكثرة مَن يفد عليهم من الموسوسين والمصابين، فيطمئنون لطريقتهم، معتقدين صوابها، وفي النّفس من ذلك لذّة.. ولو تأمّلوا قليلا لعلموا أن الكثرة ليست مقياسا للحق، فضلا على أن تكون حجة لصاحبها عند الله تعالى، وحقّها أن تكون استدراجا منه عزّ وجلّ لهم، وفتنة ووبالا عليهم {يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ إلاَّ مَنْ أتَى اْللَّهَ بِقَلْبٍ سَليم}.(1)
ثم انظر ما يحدثه هذا التدليس في نفوس هؤلاء من خدش لصفاء الإخلاص، وقوة اليقين، وصدق التوجّه، والتجرّد والمراقبة للباري جلّ وعلا؛ وكأنيّ برسول الله صلى الله عليه وسلم يعنيهم بقوله: "المتشبـّع بما لم يُعْطَى كلابس ثوبَيْ زور".(2)
قال الإمام الخطابيّ: "الرقية التي أمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم هي ما يكون من قوارع القرآن، وبما فيه ذكر الله تعالى على ألسن الأبرار من الخلق الطاهرة النفوس".(3)
ولقد كان السلف الصالح نموذجا لتلك النفوس الرضيّة الطاهرة، فتحقق فيهم صدقا وعدلا قوله تبارك وتعالى:{إنما يَتقـبّل الله مِنَ المُتّـقين}.(4)
*****
المبحث الثاني:دافع الثراء
لم يعد خافيا على العيان كيف استطاع بعض أولئك المدّعين من الرقاة الجدد جمع الأموال الطائلة على حساب تلك الجموع المحتشدة عند أبوابهم، تنتظر الفرَج على أيديهم!!
فمنهم من أعطى لنفسه زيادة على اسم "الراقي" تسمية إشهارية على نحو: "متخصص في طب الأعشاب" أو: "يعالج جميع الأمراض"!! وربما ذكر من باب الإبهار بعضها، مما يُعْرف استعصاؤها حتى على الطب الحديث.
ويستعمل هؤلاء وسائل إشهارية مختلفة، تبلغ حدّ التفنّن، كالبطاقات، وأرقام الهواتف، والدعاوى المغرية، لجلب أكبر عدد من الزبائن.! فلا غرابة أن يصل الأمر ببعضهم لاكتراء محلات ومستودعات خصيصا لهذا الغرض ؛ فيدخل العشرة والأكثر من المعالـَجين في الحجرة الواحدة لتتلى عليهم بعض آيات القرآن، فإذا ما سقط منهم أحد، أو أحسّ آخر برعشة، أو صداع، أو تنمّل في أحد أطرافه، أو صفير في الأذن.. حَكَم الراقي بأن المريض ممسوس، أو مسحور، أو به عين حاسد،(5) فيـُعْطَوْن قارورات ماء فيها تعاويذ من القرآن، وقد يُزَوّدون بشيء من العسل أو بعض الأعشاب المسحوقة، وقد يُحْجَمون أيضا، ليأتي دور دفع كلفة الزيارة بسعر محدد يتجاوز أحيانا 1000 دينار للشخص الواحد، ريثما تتهيأ الدفعة الأخرى، وهكذا..!
ومن الملاحظ أنّ أكثر هؤلاء الرقاة لا مهنة لهم، ولا شغل يتكسّبون منه سوى احتراف الرقية، وانتظار ما تغدقه هذه عليهم من الربح السهل والسريع، وقد يجمعون بين الأمرين تحصيلا لفائدة أكبر!.
وليس يُستغرب بعد هذا، إذا وجدنا بعضهم يحترف الرقية وما اتّصل بها من معالجات تقليدية كاستعمال الحجامة والأعشاب في إطار عائليّ، جاعلين من مساكنهم محلا لتلقي جموع المرضى، متظافرة جهود الذكران والإناث على ما أسلفنا وصفه..
*****
(1) سورة الشعراء (88)
(2) رواه البخاري (5219) ومسلم (2130) وأبو داود (4997) وأحمد (26381-26389-26437) من حديث أسماء بنت أبي بكر.
(3) سبق.
(4) سورة المائدة (27)
(5) سيأتي الكلام مفصلا عن طرق تشخيصهم ومعالجتهم للحالات المرضية في الفصل الثامن.
إعداد: أبو مالك سي العربي حسن
silarbi.hassen@caramail.com
الحمد لله وبعد،
المبحث الأول:الدافع النفسي
لعل البعض من الناس لا يلحظ دوافع احتراف الرقية، إلا فيما يظهر له من شَرَهِ صنف من الرقاة على ابتزاز أموال المرضى، بكل وسيلة وحيلة ؛ في حين تبقى الدوافع النفسية لممارسة الرقية خَفِيّة، لا تتجلّى غالبا إلا عند الملاحظة والاستقصاء، ذلك أن دراسة بعض العيّـنات من طبقة هؤلاء الرقاة تدلّنا على مدى الفراغ النفسي الذي يعانونه ؛ فبعضهم لا يستطيع التفاعل باتـّزان وإيجابية مع واقعه الاجتماعي، لكونه يفتقد المؤهلات النفسية والعقلية لمثل هذا التفاعل، فيلجأ لتحقيق ذاتيته تجاه الآخرين إلى مظهر يجد فيه العوض عن ذاك الفراغ، ويكون التديّن هو الواجهة المثلى لهذا الغرض.
ولا أدلّ على هذا، ما تلحظه على بعضهم من اصطناعهم "شخصية دينية" هي فوق حقيقتهم بكثير، إذ لا يتردد أحدهم عن التلبـّس بمظهر المفتي تارة وبمظهر المعالج الراقي تارة أخرى، ولا يتورّعون عن هذه المخادعة مع علمهم أنهم دون هذا المستوى، حيث لم يعد ينفعهم نصح ولا تقريع ؛ بل وصل الحدّ ببعضهم إلى تفريخ تلامذة يُنسبون إليهم!! ومن يعرف حال هؤلاء قبل اندفاعهم في الرقية وبعدها، يدرك جيّدا ما نقول.
ولعلك تلمس هذا حتى عند بعض الجمعيات "الدينية" التي تستفرغ من وقتها وجهدها لرقية الناس (بالطريقة التي سنذكر تفاصيلها فيما بعد)، جاعلة مقراتها غرضا لذلك، في غياب التصور المنهجي للعمل الإسلامي المثمر كما أسلفنا.
وإنك لتعجب كيف يشدّ الناس رحالهم إليهم، مزدحمين على أبوابهم في ساعات مبكرة جدا (الرابعة صباحا)، ولو كان ذلك لله ما فعله إلا قليل!
وقد يغتر بعضهم بكثرة مَن يفد عليهم من الموسوسين والمصابين، فيطمئنون لطريقتهم، معتقدين صوابها، وفي النّفس من ذلك لذّة.. ولو تأمّلوا قليلا لعلموا أن الكثرة ليست مقياسا للحق، فضلا على أن تكون حجة لصاحبها عند الله تعالى، وحقّها أن تكون استدراجا منه عزّ وجلّ لهم، وفتنة ووبالا عليهم {يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ إلاَّ مَنْ أتَى اْللَّهَ بِقَلْبٍ سَليم}.(1)
ثم انظر ما يحدثه هذا التدليس في نفوس هؤلاء من خدش لصفاء الإخلاص، وقوة اليقين، وصدق التوجّه، والتجرّد والمراقبة للباري جلّ وعلا؛ وكأنيّ برسول الله صلى الله عليه وسلم يعنيهم بقوله: "المتشبـّع بما لم يُعْطَى كلابس ثوبَيْ زور".(2)
قال الإمام الخطابيّ: "الرقية التي أمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم هي ما يكون من قوارع القرآن، وبما فيه ذكر الله تعالى على ألسن الأبرار من الخلق الطاهرة النفوس".(3)
ولقد كان السلف الصالح نموذجا لتلك النفوس الرضيّة الطاهرة، فتحقق فيهم صدقا وعدلا قوله تبارك وتعالى:{إنما يَتقـبّل الله مِنَ المُتّـقين}.(4)
*****
المبحث الثاني:دافع الثراء
لم يعد خافيا على العيان كيف استطاع بعض أولئك المدّعين من الرقاة الجدد جمع الأموال الطائلة على حساب تلك الجموع المحتشدة عند أبوابهم، تنتظر الفرَج على أيديهم!!
فمنهم من أعطى لنفسه زيادة على اسم "الراقي" تسمية إشهارية على نحو: "متخصص في طب الأعشاب" أو: "يعالج جميع الأمراض"!! وربما ذكر من باب الإبهار بعضها، مما يُعْرف استعصاؤها حتى على الطب الحديث.
ويستعمل هؤلاء وسائل إشهارية مختلفة، تبلغ حدّ التفنّن، كالبطاقات، وأرقام الهواتف، والدعاوى المغرية، لجلب أكبر عدد من الزبائن.! فلا غرابة أن يصل الأمر ببعضهم لاكتراء محلات ومستودعات خصيصا لهذا الغرض ؛ فيدخل العشرة والأكثر من المعالـَجين في الحجرة الواحدة لتتلى عليهم بعض آيات القرآن، فإذا ما سقط منهم أحد، أو أحسّ آخر برعشة، أو صداع، أو تنمّل في أحد أطرافه، أو صفير في الأذن.. حَكَم الراقي بأن المريض ممسوس، أو مسحور، أو به عين حاسد،(5) فيـُعْطَوْن قارورات ماء فيها تعاويذ من القرآن، وقد يُزَوّدون بشيء من العسل أو بعض الأعشاب المسحوقة، وقد يُحْجَمون أيضا، ليأتي دور دفع كلفة الزيارة بسعر محدد يتجاوز أحيانا 1000 دينار للشخص الواحد، ريثما تتهيأ الدفعة الأخرى، وهكذا..!
ومن الملاحظ أنّ أكثر هؤلاء الرقاة لا مهنة لهم، ولا شغل يتكسّبون منه سوى احتراف الرقية، وانتظار ما تغدقه هذه عليهم من الربح السهل والسريع، وقد يجمعون بين الأمرين تحصيلا لفائدة أكبر!.
وليس يُستغرب بعد هذا، إذا وجدنا بعضهم يحترف الرقية وما اتّصل بها من معالجات تقليدية كاستعمال الحجامة والأعشاب في إطار عائليّ، جاعلين من مساكنهم محلا لتلقي جموع المرضى، متظافرة جهود الذكران والإناث على ما أسلفنا وصفه..
*****
(1) سورة الشعراء (88)
(2) رواه البخاري (5219) ومسلم (2130) وأبو داود (4997) وأحمد (26381-26389-26437) من حديث أسماء بنت أبي بكر.
(3) سبق.
(4) سورة المائدة (27)
(5) سيأتي الكلام مفصلا عن طرق تشخيصهم ومعالجتهم للحالات المرضية في الفصل الثامن.