أبو مالك
03-11-2002, 11:35 AM
الرقية كـظاهرة اجتماعية
silarbi.hassen@caramail.com
الحمد لله وبعد،
المبحث الأول: كيف أصبحت الرقية ظاهرة اجتماعية؟
لا شك أن الظواهر الاجتماعية عامة مردّها إلى طبيعة المجتمع الذي تنشأ فيه، فيكون هذا الأخير بما يحمله من قيم وسلوكات هو المتسبب في بروزها ثم انتشارها، إلى أن تصبح حقيقة اجتماعية مترسّخة في الأذهان، وسارية في التقاليد، وعلى قدر نوعية ثـقافة كل أمة تتحدّد هذه الظواهر سلباً أو إيجابا..
فممّا شاع عند جمهور العامة وجرت به عادتهم: تعليق الأحراز أو الحروز (جمع حِرْز) والتمائم، كمثل ما يدعونه "الخامسة" على الأطفال، وتعليقهم العجلات المطاطية، وحدائد حوافر الأحصنة، وشجر الصُّبار الشوكي وغير ذلك، على الأبواب وداخل السيارات وعلى واجهات البنايات الجديدة، لاعتقادهم أنها تحرزهم من النظرة. وكذلك ذبحهم الذبائح وإهراق دمها على أُسُسُ البيت الجديد لاستخراج العين منه، أو للاحتماء من كل مكروه! وقد يفعلونه تقرّبا واسترضاءً للجنيّ الذي شاعت تسميته بـ"عساس الدار" أي حارس الدار!
مع العلم أن حكم هذا الذبح: حكم الذبح على النُّصُب، وهو من الشرك الأكبر، لأنه من عبادة الجنّ التي عُرفت عند عرب الجاهلية، وهي تقرّب إلى غير الله بالقصد.
فليس غريبا بعد هذا أن كان الكهنة والمشعوذون، والمنتحلون عباءة الدين من بعض المتطفلين عليه، من أصحاب التمائم والأحجبة والنُّشْرات والزردات -على ما هي في عرفنا- ملاذ الحيارى، وقبلة الضعفاء، يهرعون إليهم كلما ألمّـت بهم ضائقة في الأرزاق أو في الأنفس ؛ ولقد كانت النساء ولا تزال الزبون المفضل لهؤلاء!
ولمّا هبّت نسمات الوعي الديني، حملت معها بعض آثار التطهير العقدي، فألقت أضواء من نور التوحيد المنافي للشرك، وكانت لبعض الأصوات والأقلام المنّة بعد الله في إصحاء الضمائر، وإيقاظ الهمم، وشعارها في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "من أتى كاهنًا(1) أو عرّافا فصدّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمّد[صلى الله عليه وسلم]".(2)
فانكشف زيف أولئك الدجاجلة الآكلين أموال الناس بالباطل، وانفضحت حِيَلُهم، وبان للناس كذبهم، وخطرهم على سلامة التوحيد، فنفر عنهم كثير من الغافلين واستبدلوا سُبُلهم المشبوهة بالطريقة الشرعية ولجأوا إلى الرقاة.
فمن هم محترفي الرقية بالأمس واليوم؟
*****
المبحث الثاني: تصدّي العلماء قديما لمفاسد محترفي الرقية
لقد وصف الشيخ مبارك الميلي - العالم السَّلَفيّ، والمصلح الربّاني، والعضو المؤسّس لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين وأمين مالها - حال ممارسة الرقية ومفاسد الرقاة في الجزائر قبل أكثر من ستين سنة من اليوم، أي في سنة 1355هـ/1934م، فقال: "قد احترف أناس، ممن أصيبوا في مروءتهم بالإفلاس الرقية بكلّ ما ليس بمشروع، والعزيمة بما في نحو كتاب: "الرحمة" (3) على كل مصروع، وأحدثوا في ذلك الإحداث، وأرخوا الستائر دون الحرائر والأحداث (يعني الخلوة بالأجنبيات والمُرْدان)، وهم بين مُنتحل جملة من الدّين ومُصِرّ على الحرام المهين، ولهم قبول عند ضعفة العقول، يزيّن لهم تلك الحال ويغريهم بالمُضيّ في هذا الضَّلال".
وقال: "وصِفة العزيمة عندنا اليوم: أن يقرأ القارئ على من يُظنّ به مسّ الجنّ بـ"سورة الجن" غالباً وبيده فتيلة قد أحرق رأسها يكوي بها أنــْف المصاب وقد يُدَخّن له ببخور، وقد يكتب له مما هو مدوّن في نحو "شمس المعارف"(4)، وأكثر من يدّعي الصرع بالجنّ: النساء، وأكثرهن فاجرات، يتخذن الصرع وسيلة إلى أهوائهنّ في المعروفين بالعزائم. فترى المعزّم يتلو القرآن بلسانه، ويهوي إلى لمس الصريعة بأركانه ويتحرّق لبلوغ أمنيته منها بجنانه" اهـ.(5)
وقد حذّر ابن باديس في: محرّم1350/ 1931م من الانحراف الذي مسّ الأساس العلمي والعملي لممارسة الرقية، فقال: "فرّط قوم فأهملوا الاستشفاء بالذكر المأثور، واقتصروا على الدواء الماديّ، فحرموا أنفسهم من خير كثير إذا لم يكونوا له كالمنكرين، وأفرط آخرون، فأهملوا الدواء المادي وزهدوا الناس فيه، وتزيّدوا في جانب المأثور، حتى خرجوا عنه، واتخذوا لهم من ذلك حرفة وموردا للمعاش، ونسوا أنواع أشفية القرآن الروحية والاجتماعية التي هي المقصودة بالقصد الأول من تنزيله، مقتصرين على الوجه الذي وجدوا منه سبيلا إلى الاسترزاق على ما أحدثوا فيه وابتدعوا. فعكسوا الأمر، وخالفوا السنة ووقعوا في المحظور من عدة وجوه. هذان الطرفان مذمومان، والعدل هو الوسط الذي لا يهمل هذا ولا ذاك ويقف في الوارد عندما ورد، ويتناوله على ما ورد".اهـ(6)
*****
المبحث الثالث: من هم الرقاة الجدد؟
إن المتطلّع الميداني على تفاصيل هذا الموضوع، ليندهش من تزايد أعداد الرقاة في هذه الأيام، وبالضبط منذ عقد من الزمن، على عكس ما كان عليه الأمر قبل ذلك، فلقد كان الناس يقطعون أحيانا مئات الكيلومترات، لغرض المعالجة عند من اصطلح على تسميتهم بـ"الطالب" اختصارا لكلمة طالب علم القرآن -على ما عُرف في طريقة أكثرهم من مخالفات شرعية، فأغلب طلبة القرآن يومئذ -كما ذكر الميلي وابن باديس- لا يعنيهم من حفظهم له إلا الارتزاق بكتابة ألفاظه للمرضى وسردها على الموتى-!
وعلى أية حال، فممّا هو مؤكد في هذا المجال أن هذه الأعداد الغفيرة من الرقاة لا تتسم كلها بالتأهيل الضروري، ولا بالنوعية المرجوة لممارسة الرقية بالمفهوم الشرعي الصحيح لها.
وليس من المبالغة إطلاقا، ولا بمستغرب في زمان قلّ فيه العلم النافع وأهله العاملين به، إذا قلنا بأنهم يمثلون نسبة 90 % أو أكثر من مجموع الممارسين. وموضوعنا هذا كله ينصب على هذا الصنف.
فعند فحص عينات من هؤلاء، يمكننا تسجيل سمة بارزة يشتركون فيها، وهي: ضعف مستواهم التكويني بشقيه الشرعي والمدني.
فأما ما يتعلق بعلوم الشريعة فالملاحظ هو عدم إحاطتهم بالمقاصد الكبرى للإسلام فضلا عن معرفة أحكامه مفصلة، ولئن وجدت لبعضهم بعض المعارف فإلى جانب كونها سطحية، فهي غير مؤسسة، ولا ترقى إلى درجة التمييز بين السنة والبدعة، وبين المصلحة المفسدة. ولعلك تجد من بين هؤلاء بعض أئمة المساجد وخطبائها وبعض من يدعي الانتساب إلى السنّة!
ومن مظاهر هذه السطحية: التساهل العجيب في فهم النصوص الشرعية والآثار السلفية، وإسقاط بعضها على وقائع لا علاقة بها(7)، واعتمادهم على الأحاديث الضعيفة والموضوعة، للاستدلال على الواقعة المرضية، كحديث "أم الصبيان" للدلالة على ما يسمونه "التابعة"!!
وأما ما يتعلق بالعلوم الأخرى كمعرفة أسباب بعض الأمراض العضوية والنفسانية فالأمر يكاد يكون منعدما!
ومن مظاهر ذلك: تدليسهم على العلم، باختراعهم لمصطلحات محدثة، أكثرها كاذبة، للتعبير عن عجزهم في فهم، وتعيين، ووصف حالات مرضية مستعصية عليهم، كقولهم: سحر عَدْوى، سحر قديم، سحر مُتخطى، مسّ من بُعد، التابعة... إلى آخر تلك المصطلحات التي يستحيل على العامة التأكد من حقيقتها وجودًا أو عدمًا، فإن هذه الأوضاع متعلقة بعالم غيْبي وذات دلالة خَفِيّة غامضة لا يسهل ضبطها والاهتداء لها عند خاصة الناس فضلا على جمهورهم.
قال في "مدارج السالكين" (1/468): "الجهل نوعان: عدم العلم بالحق النافع، وعدم العمل بموجبه ومقتضاه، فكلاهما جهل لغة، وعرفا، وشرعا، وحقيقة ".
*****
المبحث الرابع: أسباب تدنّي مستوى الرقاة
يمكن إرجاع أسباب هذا التدنّي إلى عوامل عدة، من بينها:
1- ضآلة البرامج الشرعية المتكاملة على مستوى المساجد، والمؤسسات التربوية والإعلامية، والتي من شأنها أن تـؤسس حدًّا أدنى من المعرفة الدينية الصحيحة.
2- عدم فعّالية الخطاب الديني عموما، والذي لا يزال دون الدور المنوط به في تحسيس الناس بوظائفهم الشرعية كما يجب أن تكون عليه، ولذلك فإن العامة وأشباه المتعلمين ممن يرتاد المساجد لا يدركون مثلا مجال الفروض الكفائية من مجال الفروض العينية إلا نادرا.
3- ضعف التربية الروحية، والوازع الأخلاقي الذي يُحجم صاحبه عن تصدّر واجهات علمية وعملية لها بالغ التأثير على الجماعة، من غير استكمالٍ لمراتب التحصيل العلمي والاستقامة المطلوبة.
والأمثلة على هذا كثيرة ؛ فقد حدث وأن جاءني يوما أحد الشباب يطلب تعلم ممارسة الرقية، فسألته: "أتحافظ على تأدية الصلاة في أوقاتها، وبالتحديد صلاة الصبح؟ " فأجاب بالنفي!
4- عدم تلقن الرقية كعلم وممارسة عمن يُحْكم معرفتها ويُجيد صنعتها؛ واعتقاد أن مجرد مطالعة بعض الرسائل المؤلفة في هذا الموضوع كافٍ للتصدر لمهنة معالجة الناس. وقد أشار إلى هذا المعنى حديث الشفاء بنت عبد الله، وكانت ترقي من النملة، حين قال لها النبيّ صلى الله عليه وسلم: " ألا تعلّمين هذه (يعني حفصة أم المؤمنين) رقية النملة كما عَلَّمْتيها الكتابة".
فعن ابن أبي حثمة القرشي أن رجلا من الأنصار خرجت به نملة، فدُلّ على الشفاء بنت عبد الله ترقي من النملة، فجاءها، فسألها أن ترقيه، فقالت: والله ما رقيت منذ أسلمت، فذهب الأنصاري إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره بالذي قالت الشفاء، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الشفاء، فقال: "اعرضي عليّ" فعرضتها عليه فقال: "ارقيه، وعلّميها حفصة، كما عَلَّمْتيها الكتاب (وفي رواية الكتابة)".(8)
والواقع أن غاية ما في جعبة أكثر الرقاة اليوم هي تلك المطالعات المفتقرة إلى المعرفة المتكاملة لأوجه المعالجات.
5- تميّع بعض المفاهيم والممارسات الشرعية إلى حدّ سقوط هيبتها عند طوائف من الناس بما فيهم بعض المتديّنين! كما هو واقع بالنسبة للرقية،
في غياب التصوّر المنهجي للعمل الدعوي المثمر. وهذا عكس ما أُثر عن الصحابة رضي الله عنهم، فمع أنهم كانوا أحرص هذه الأمة على طلب العلم النافع وتبليغه، لم يشتهروا كلهم برقية الناس أو تطبيـبهم. ولا أدلّ على ذلك استغرابهم من إقدام أبي سعيد على رقية الرجل الذي لدغته العقرب، وذلك حين خرجوا في سرية، تعدادها: ثلاثين رجلا، لم يكن فيهم راق!
فعن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال: "انطلق نفر من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم في سفرة سافروها (في رواية: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سريّة عليها أبو سعيد)، (وفي رواية: في سريّة(9) ثلاثين راكبا) حتى نزلوا على حيّ من أحياء العرب، فاستضافوهم فأبَوْا أن يضيّفوهم [فبينما هم كذلك] فلـُدغ سيّد ذلك الحيّ فسعوا له بكل شيء لا ينفعه شيء فقال بعضهم لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين [قد] نزلوا [بكم] لعله أن يكون عند بعضهم شيئا، فأتوهم، فقالوا: يا أيها الرهط، إن سيدنا لـُدغ، وسعينا له بكل شيء لا ينفعه، فهل عند أحد منكم من شيء (دواء أو راق)، (إن الملك يموت) فقال بعضهم (عند الدارقطني هو: أبو سعيد) نعم والله إني لأرقي، ولكن والله استضفناكم فلم تضيـّفونا، فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جُعْلاً، فصالحوهم على قطيع من الغنم (فجعلوا لي ثلاثين شاة) فانطلق يتفل عليه ويقرأ[بأم القرآن] الحمد لله ربّ العالمين [ويجمع بزاقه ويتفل فبرأ] فكأنما نشط من عقال، فانطلق يمشي ما به قـَلـَبَة(10)، قال: فأوفوهم جُعلهم الذي صالحوهم عليه، [فلما رجع قلنا له: أكنت تُحسن رقية أو كنت ترقي؟]، (فلما قبضناه عرض في أنفسنا منه شيء، قال: فكففنا) فقال بعضهم: اقسموا، فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي النبيّ صلى الله عليه وسلم فنذكر له، فقال: "وما يدريك (في أبي داود: من أين علمتم) أنها رقية؟" (قلت: يا رسول الله ألقي في روعي، وعند ابن حبان: في نفسي)، ثم قال: "أصبتم، اقسموا واضربوا لي معكم سهما"، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم".(11)
وليس من شك أن التفاتة بسيطة إلى واقع الممارسة الشرعية عموما، وممارسة الرقية على وجه الخصوص من شأنها أن تكشف لنا عن حجم هذا التميّع.
فحدث أيضا أن سألني أحد الناس - وهو إمام في حيّه - بقوله: "ماذا نفعل مع جنيّ كلّمناه سبع مرات ولم نفلح في إخراجه من جسد إحدى المصابات"؟! فسأَلـتُه سؤال الصحابة لأبي سعيد الخدري: "أكنت تحسن رقية، أو كنت ترقي؟" فأجاب بأن لا علم له بهذا الشأن!. ثم تبين أنه كان رفقة أحد أولئك الرقاة المبتدعين.
والأعجب، أنّ طائفة من الناس، كانت بالأمس فقط ضحيّة ممارسات ومعالجات غير شرعية لرقاة من الطراز الذي سنبـيّن خطره فيما بعد، أصبحت اليوم تتعاطى مهنة الرقية بنفس طريقة هؤلاء، لتسجّل بدورها أرقاما أخرى في سجل ضحايا الجهل والجهالة!! نعوذ بالله من الخذلان.
ومن هؤلاء وغيرهم نشأت هذه العينات من الرقاة الجدد!
*****
المبحث الخامس: ما الذي شجع ظهور هؤلاء؟
ولعلّ ما شجع انتشار هذا الصنف من الرقاة يمكن تلخيصه في النقاط الآتية:
أولا: ما تشكله الرقية ذاتها من قداسة دينية، ومن بديل، لا أقول للكهانة لأن مجالهما يختلف تمام الاختلاف، ولكن لما لا يفسره الطب الجسماني فيما يتعلق ببعض الحالات المرضية كالصرع، والصداع، والارتعاش وغيرها، وقد تكون أيضا بديلا شرعيا للشعوذة، التي يعالج أربابها المصروعين بأحوالهم الشيطانية.
فمجال الرقية الشرعية أعمّ وأوسع، إذ هي الطب الروحاني الذي تتعالج به الأرواح والأبدان.
ثانيا: تفاقم الأزمات النفسية والاجتماعية بشكل لم يكن معهودا من قبل، نظرا لأسباب مختلفة، نذكر منها:
* الفراغ الروحي لدى فئة الشباب خاصة، والنساء بوجه أخصّ.
* تدني المستوى المعيشي والحياتي.
* تفكك النسيج الاجتماعي بالنظر إلى ما كان عليه، تبعا لتشتّت الأسر بالطلاق والهجرة والتخلي وغير ذلك، وبروز ظاهرة الفردانية.
* تفشي الظواهر الجنوحية كتعاطي المخدّرات وغيرها.
ثالثا: جهل أكثر العامة بمسائل الشرع والعلم، وقلة وعيهم بملابسات هذا الموضوع، فلا يتمكنون من تمحيص صاحب الطريقة السُنـّية من صاحب الطريقة البدعية، فالمقياس بالنسبة إليهم هو تلك الجموع الغفيرة التي تقف عند أبواب الرقاة.
رابعا: الانتـشار الواسع للرسائل المؤلفة في موضوع الرقية من الناحية النظرية فقط، والتي تغري كثيرا من الشباب للتصدّر لمهنة معالجة المرضى دون أن يكون هؤلاء على دراية بأنواع العلل، وأسبابها، وسُبُل معالجتها.. مع ملاحظة أن بعض هذه الرسائل ما هي إلا اجترار لما ألف وقيل، وبعضها الآخر هي أشبه بالإثارة والفضول منها بالبحث والتأصيل لما تحويه من سرد لحوارات الجن وغريب الحوادث..
خامسا: غلوّ الناس في اعتبار كل ما ليس من مجال طب الأبدان، فهو من قبيل السحر أو العين أو المس الشيطاني.
سادسا: الجهل شبه التام بطب الأرواح والنفوس بل وإنكار بعض المتعالمين لذلك!
سابعا: ضعف سلطة القنوات المتخصصة في حفظ عقائد الناس، وتعطّل فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ثامنا: عدم وجود مواد قانونية تضبط كيفيات ممارسة الرقية الشرعية على غرار ما هو موجود في الممارسة الطبية، وتمنع كل رقية أو شعوذة تخالف ما هو مشروع.
تاسعا: سكوت أكثر العامة عمّا يتعرّضون له من مفاسد بعض الرقاة كابتزاز الأموال وصنوف الأذى والاحتيال، مع قابليتهم العجيبة لذلك.
عاشرا: الذهول عن أسباب العافية الحقّة، والتعلّق بالهيئات دون المعاني ـ
فمن غريب ما يتعلق الناس به اليوم كوسيلة وقائية: اعتقادهم أن رقية بيوتهم ومتاجرهم مرة كل ستة أشهر مثلا، وذلك برشّ جدرانها بالماء المعوّذ، يكفي لحفظهم من شرور العين والجنّ وغيرهما! وهذا قد يفعله من يظنّ أن الرُقى نافعة بنفسها، وإنما يفعله لإصلاح دنياه، لا لإصلاح ما فسد من دينه. فأكثر البيوت خاوية من آيات الله والحكمة، عامرة بما يُغضب الربّ من النظر والسماع المحرّمين، كما أن أغلب التجّار لا يبالون أَمِنَ الحلال اكتسبوا أو من السُّحت أكلوا. قال الله تعالى: {وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسّه الشرّ فذو دعاء عريض}.(12)
فهذه الأعراف، مع كونها ليست من هدي السلف الصالح، فهي مغايرة لما ثبت في سنّة النبيّ صلى الله عليه وسلم القولية مثل: "لا تجعلوا بيوتكم مقابرَ، إنّ الشيطان ينفر من البيت الذي تُقرأ فيه سورة البقرة".(13)، والفعلية مثل: "كان يتعوذ من الجان وعين الإنسان حتى نزلت المعوذتان، فلمّا نزلتا أخذ بهما وترك ما سواهما".(14)
وعليه، فأفضل ما يحفظ على الناس أرواحهم وأبدانهم إنما هو طلب أسباب العافية، متمثلة في العمل الصالح، من ذكر لله تعالى، واستقامة على شرعه، ومجانبة لمعاصيه.
مع التنبيه إلى أن ما أُثر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم وصحابته من الأقوال والهيئات في رقية علّة ما أولى بالتقديم وأجدى في النفع مما عداها، وبخاصة إذا كان المقتضي لها قائما.
*****
(1) الكاهن: كما في "لسان العرب" لابن منظور(13/363): "الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان ويدّعي معرفة الأسرار".
(2) أخرجه أحمد بلفظه (9252) من حديث أبي هريرة وبرقم (9035- 9811) وأخرجه الترمذي (135) وأبو داود (3904) وابن ماجه (639) والدارمي (1136) وابن أبي شيبة في "المصنف" (5/42) والبخاري في "التاريخ" (67) وابن الجارود في "المنتقى" (107) والبيهقي في "الكبرى" (13902) وهو حديث صحيح، أنظر "آداب الزفاف" (ص105 فما بعد)، ورواه الطبراني في "الكبير"(169) عن واثلة بن الأسقع مرفوعا، وأخرجه البزار (1873- 1931) والبيهقي في "الكبرى" (8/136) كلاهما عن ابن مسعود موقوفا وجوّد إسناده ابن كثير في "التفسير" (1/144)، قال الهيثمي في "المجمع" (8/118):"ورجال الكبير والبزار ثقات".
(3) يُنسب كتاب "الرحمة في الطب والحكمة" إلى الإمام السيوطي رحمه الله، ولا أدري إن كان الكتاب حُقق أم لا. لكن من يعرف علم السيوطي، ثم يطّلع على ما في الكتاب المذكور من خزعبلات يكاد يجزم بعدم صحة هذه النسبة إليه!
(4) "شمس المعارف الكبرى" هو كتاب أُلف على طريقة الصوفية وفيه ما فيه.
(5) "رسالة الشرك ومظاهره" (ص: 159-160).
(6) "مجالس التذكير"/التفسير (ص :192).
(7) من أمثلة ذلك ما ذكره ابن القيم في "الوابل الصيّب" (1/117) عن أبي النضر هاشم بن القاسم قال: كنت أرمي في داري (أي: الحجارة) فقيل يا أبا النضر تحوّل عن جوارنا، قال: فاشتدّ ذلك عليّ، فكتبت إلى الكوفة إلى ابن إدريس والمحاربي وأبي أسامة، فكتب إليّ المحاربي: إنّ بئرا بالمدينة كان يقطع رشاؤها (أي: حبلها) فنزل بهم ركب فشكوا ذلك إليهم، فدعوا بدلو من ماء ثم تكلموا بهذا الكلام (أي الدعاء)، فصبّوه في البئر، فخرجت نار من البئر فطفئت على رأس البئر. قال أبو النضر: فأخذت تورا من ماء ثم تكلمت فيه بهذا الكلام ثم تتبعت به زوايا الدار فرششته فصاحوا بي: أحرقتنا نحن نتحول عنك...وذكر دعاء طويلا، ليس من المأثور النبوي.
وبناءً على هذا، فقد تجد بعض من يتعاطى مهنة الرقية يفهم ما ورد في مثل هذه الواقعة فهما سطحيا يسقطه بحذافيره على واقع مغاير تمام المغايرة، وسيأتي الكلام عليه في آخر المبحث الرابع من هذا الفصل.
(8) رواه الحاكم (4/56 - 57) مطولا وصححه، وهو في "الصحيحة" (1/178) للألباني حيث ذكر رحمه الله فوائد حديثية وفقهية نافعة. ورواه أبو داود (3887) وأحمد (26555) والنسائي في "الكبرى" (7542-7543) مختصرا، وانظر "عون المعبود" و"مجالس التذكير" لابن باديس (ص 159).
(9) السريّة: القطعة من الجيش
(10) أي وجع.
(11) رواه البخاري (2276-5007 -5736-5749) ومسلم (2201) والترمذي(2063) وابن ماجه (2156- 2158) وأبوداود (3900-3418) والنسائي في "الكبرى" (7547) وأحمد (10686 -11006 -11080 -11378) وأخرجه البزار من حديث جابر والدراقطني (3/63-64) و(4/297) وابن الجارود في "المنتقى" (2/151) وابن السنيّ في"عمل اليوم والليلة" (1/561) والبيهقي في "السنن الكبرى" (6/254) وابن حبان (13/6111-6112) وغيرهم.
الزيادات ما بين المعقوفتين [..] كلها للبخاري إلا (1-7-12-14) فهي للدارقطني و(2-6) فهي لأحمد، و(9وأيضا12و2) فهي لابن ماجه.
(12) سورة فصلت (51)
(13) رواه مسلم والترمذي وأحمد وغيرهم عن أبي هريرة.
(14) رواه الترمذي وابن ماجه والنسائي عن أبي سعيد بسند صحيح. وقد سبق تخريجه في الفصل الأول.
*****
silarbi.hassen@caramail.com
الحمد لله وبعد،
المبحث الأول: كيف أصبحت الرقية ظاهرة اجتماعية؟
لا شك أن الظواهر الاجتماعية عامة مردّها إلى طبيعة المجتمع الذي تنشأ فيه، فيكون هذا الأخير بما يحمله من قيم وسلوكات هو المتسبب في بروزها ثم انتشارها، إلى أن تصبح حقيقة اجتماعية مترسّخة في الأذهان، وسارية في التقاليد، وعلى قدر نوعية ثـقافة كل أمة تتحدّد هذه الظواهر سلباً أو إيجابا..
فممّا شاع عند جمهور العامة وجرت به عادتهم: تعليق الأحراز أو الحروز (جمع حِرْز) والتمائم، كمثل ما يدعونه "الخامسة" على الأطفال، وتعليقهم العجلات المطاطية، وحدائد حوافر الأحصنة، وشجر الصُّبار الشوكي وغير ذلك، على الأبواب وداخل السيارات وعلى واجهات البنايات الجديدة، لاعتقادهم أنها تحرزهم من النظرة. وكذلك ذبحهم الذبائح وإهراق دمها على أُسُسُ البيت الجديد لاستخراج العين منه، أو للاحتماء من كل مكروه! وقد يفعلونه تقرّبا واسترضاءً للجنيّ الذي شاعت تسميته بـ"عساس الدار" أي حارس الدار!
مع العلم أن حكم هذا الذبح: حكم الذبح على النُّصُب، وهو من الشرك الأكبر، لأنه من عبادة الجنّ التي عُرفت عند عرب الجاهلية، وهي تقرّب إلى غير الله بالقصد.
فليس غريبا بعد هذا أن كان الكهنة والمشعوذون، والمنتحلون عباءة الدين من بعض المتطفلين عليه، من أصحاب التمائم والأحجبة والنُّشْرات والزردات -على ما هي في عرفنا- ملاذ الحيارى، وقبلة الضعفاء، يهرعون إليهم كلما ألمّـت بهم ضائقة في الأرزاق أو في الأنفس ؛ ولقد كانت النساء ولا تزال الزبون المفضل لهؤلاء!
ولمّا هبّت نسمات الوعي الديني، حملت معها بعض آثار التطهير العقدي، فألقت أضواء من نور التوحيد المنافي للشرك، وكانت لبعض الأصوات والأقلام المنّة بعد الله في إصحاء الضمائر، وإيقاظ الهمم، وشعارها في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "من أتى كاهنًا(1) أو عرّافا فصدّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمّد[صلى الله عليه وسلم]".(2)
فانكشف زيف أولئك الدجاجلة الآكلين أموال الناس بالباطل، وانفضحت حِيَلُهم، وبان للناس كذبهم، وخطرهم على سلامة التوحيد، فنفر عنهم كثير من الغافلين واستبدلوا سُبُلهم المشبوهة بالطريقة الشرعية ولجأوا إلى الرقاة.
فمن هم محترفي الرقية بالأمس واليوم؟
*****
المبحث الثاني: تصدّي العلماء قديما لمفاسد محترفي الرقية
لقد وصف الشيخ مبارك الميلي - العالم السَّلَفيّ، والمصلح الربّاني، والعضو المؤسّس لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين وأمين مالها - حال ممارسة الرقية ومفاسد الرقاة في الجزائر قبل أكثر من ستين سنة من اليوم، أي في سنة 1355هـ/1934م، فقال: "قد احترف أناس، ممن أصيبوا في مروءتهم بالإفلاس الرقية بكلّ ما ليس بمشروع، والعزيمة بما في نحو كتاب: "الرحمة" (3) على كل مصروع، وأحدثوا في ذلك الإحداث، وأرخوا الستائر دون الحرائر والأحداث (يعني الخلوة بالأجنبيات والمُرْدان)، وهم بين مُنتحل جملة من الدّين ومُصِرّ على الحرام المهين، ولهم قبول عند ضعفة العقول، يزيّن لهم تلك الحال ويغريهم بالمُضيّ في هذا الضَّلال".
وقال: "وصِفة العزيمة عندنا اليوم: أن يقرأ القارئ على من يُظنّ به مسّ الجنّ بـ"سورة الجن" غالباً وبيده فتيلة قد أحرق رأسها يكوي بها أنــْف المصاب وقد يُدَخّن له ببخور، وقد يكتب له مما هو مدوّن في نحو "شمس المعارف"(4)، وأكثر من يدّعي الصرع بالجنّ: النساء، وأكثرهن فاجرات، يتخذن الصرع وسيلة إلى أهوائهنّ في المعروفين بالعزائم. فترى المعزّم يتلو القرآن بلسانه، ويهوي إلى لمس الصريعة بأركانه ويتحرّق لبلوغ أمنيته منها بجنانه" اهـ.(5)
وقد حذّر ابن باديس في: محرّم1350/ 1931م من الانحراف الذي مسّ الأساس العلمي والعملي لممارسة الرقية، فقال: "فرّط قوم فأهملوا الاستشفاء بالذكر المأثور، واقتصروا على الدواء الماديّ، فحرموا أنفسهم من خير كثير إذا لم يكونوا له كالمنكرين، وأفرط آخرون، فأهملوا الدواء المادي وزهدوا الناس فيه، وتزيّدوا في جانب المأثور، حتى خرجوا عنه، واتخذوا لهم من ذلك حرفة وموردا للمعاش، ونسوا أنواع أشفية القرآن الروحية والاجتماعية التي هي المقصودة بالقصد الأول من تنزيله، مقتصرين على الوجه الذي وجدوا منه سبيلا إلى الاسترزاق على ما أحدثوا فيه وابتدعوا. فعكسوا الأمر، وخالفوا السنة ووقعوا في المحظور من عدة وجوه. هذان الطرفان مذمومان، والعدل هو الوسط الذي لا يهمل هذا ولا ذاك ويقف في الوارد عندما ورد، ويتناوله على ما ورد".اهـ(6)
*****
المبحث الثالث: من هم الرقاة الجدد؟
إن المتطلّع الميداني على تفاصيل هذا الموضوع، ليندهش من تزايد أعداد الرقاة في هذه الأيام، وبالضبط منذ عقد من الزمن، على عكس ما كان عليه الأمر قبل ذلك، فلقد كان الناس يقطعون أحيانا مئات الكيلومترات، لغرض المعالجة عند من اصطلح على تسميتهم بـ"الطالب" اختصارا لكلمة طالب علم القرآن -على ما عُرف في طريقة أكثرهم من مخالفات شرعية، فأغلب طلبة القرآن يومئذ -كما ذكر الميلي وابن باديس- لا يعنيهم من حفظهم له إلا الارتزاق بكتابة ألفاظه للمرضى وسردها على الموتى-!
وعلى أية حال، فممّا هو مؤكد في هذا المجال أن هذه الأعداد الغفيرة من الرقاة لا تتسم كلها بالتأهيل الضروري، ولا بالنوعية المرجوة لممارسة الرقية بالمفهوم الشرعي الصحيح لها.
وليس من المبالغة إطلاقا، ولا بمستغرب في زمان قلّ فيه العلم النافع وأهله العاملين به، إذا قلنا بأنهم يمثلون نسبة 90 % أو أكثر من مجموع الممارسين. وموضوعنا هذا كله ينصب على هذا الصنف.
فعند فحص عينات من هؤلاء، يمكننا تسجيل سمة بارزة يشتركون فيها، وهي: ضعف مستواهم التكويني بشقيه الشرعي والمدني.
فأما ما يتعلق بعلوم الشريعة فالملاحظ هو عدم إحاطتهم بالمقاصد الكبرى للإسلام فضلا عن معرفة أحكامه مفصلة، ولئن وجدت لبعضهم بعض المعارف فإلى جانب كونها سطحية، فهي غير مؤسسة، ولا ترقى إلى درجة التمييز بين السنة والبدعة، وبين المصلحة المفسدة. ولعلك تجد من بين هؤلاء بعض أئمة المساجد وخطبائها وبعض من يدعي الانتساب إلى السنّة!
ومن مظاهر هذه السطحية: التساهل العجيب في فهم النصوص الشرعية والآثار السلفية، وإسقاط بعضها على وقائع لا علاقة بها(7)، واعتمادهم على الأحاديث الضعيفة والموضوعة، للاستدلال على الواقعة المرضية، كحديث "أم الصبيان" للدلالة على ما يسمونه "التابعة"!!
وأما ما يتعلق بالعلوم الأخرى كمعرفة أسباب بعض الأمراض العضوية والنفسانية فالأمر يكاد يكون منعدما!
ومن مظاهر ذلك: تدليسهم على العلم، باختراعهم لمصطلحات محدثة، أكثرها كاذبة، للتعبير عن عجزهم في فهم، وتعيين، ووصف حالات مرضية مستعصية عليهم، كقولهم: سحر عَدْوى، سحر قديم، سحر مُتخطى، مسّ من بُعد، التابعة... إلى آخر تلك المصطلحات التي يستحيل على العامة التأكد من حقيقتها وجودًا أو عدمًا، فإن هذه الأوضاع متعلقة بعالم غيْبي وذات دلالة خَفِيّة غامضة لا يسهل ضبطها والاهتداء لها عند خاصة الناس فضلا على جمهورهم.
قال في "مدارج السالكين" (1/468): "الجهل نوعان: عدم العلم بالحق النافع، وعدم العمل بموجبه ومقتضاه، فكلاهما جهل لغة، وعرفا، وشرعا، وحقيقة ".
*****
المبحث الرابع: أسباب تدنّي مستوى الرقاة
يمكن إرجاع أسباب هذا التدنّي إلى عوامل عدة، من بينها:
1- ضآلة البرامج الشرعية المتكاملة على مستوى المساجد، والمؤسسات التربوية والإعلامية، والتي من شأنها أن تـؤسس حدًّا أدنى من المعرفة الدينية الصحيحة.
2- عدم فعّالية الخطاب الديني عموما، والذي لا يزال دون الدور المنوط به في تحسيس الناس بوظائفهم الشرعية كما يجب أن تكون عليه، ولذلك فإن العامة وأشباه المتعلمين ممن يرتاد المساجد لا يدركون مثلا مجال الفروض الكفائية من مجال الفروض العينية إلا نادرا.
3- ضعف التربية الروحية، والوازع الأخلاقي الذي يُحجم صاحبه عن تصدّر واجهات علمية وعملية لها بالغ التأثير على الجماعة، من غير استكمالٍ لمراتب التحصيل العلمي والاستقامة المطلوبة.
والأمثلة على هذا كثيرة ؛ فقد حدث وأن جاءني يوما أحد الشباب يطلب تعلم ممارسة الرقية، فسألته: "أتحافظ على تأدية الصلاة في أوقاتها، وبالتحديد صلاة الصبح؟ " فأجاب بالنفي!
4- عدم تلقن الرقية كعلم وممارسة عمن يُحْكم معرفتها ويُجيد صنعتها؛ واعتقاد أن مجرد مطالعة بعض الرسائل المؤلفة في هذا الموضوع كافٍ للتصدر لمهنة معالجة الناس. وقد أشار إلى هذا المعنى حديث الشفاء بنت عبد الله، وكانت ترقي من النملة، حين قال لها النبيّ صلى الله عليه وسلم: " ألا تعلّمين هذه (يعني حفصة أم المؤمنين) رقية النملة كما عَلَّمْتيها الكتابة".
فعن ابن أبي حثمة القرشي أن رجلا من الأنصار خرجت به نملة، فدُلّ على الشفاء بنت عبد الله ترقي من النملة، فجاءها، فسألها أن ترقيه، فقالت: والله ما رقيت منذ أسلمت، فذهب الأنصاري إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره بالذي قالت الشفاء، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الشفاء، فقال: "اعرضي عليّ" فعرضتها عليه فقال: "ارقيه، وعلّميها حفصة، كما عَلَّمْتيها الكتاب (وفي رواية الكتابة)".(8)
والواقع أن غاية ما في جعبة أكثر الرقاة اليوم هي تلك المطالعات المفتقرة إلى المعرفة المتكاملة لأوجه المعالجات.
5- تميّع بعض المفاهيم والممارسات الشرعية إلى حدّ سقوط هيبتها عند طوائف من الناس بما فيهم بعض المتديّنين! كما هو واقع بالنسبة للرقية،
في غياب التصوّر المنهجي للعمل الدعوي المثمر. وهذا عكس ما أُثر عن الصحابة رضي الله عنهم، فمع أنهم كانوا أحرص هذه الأمة على طلب العلم النافع وتبليغه، لم يشتهروا كلهم برقية الناس أو تطبيـبهم. ولا أدلّ على ذلك استغرابهم من إقدام أبي سعيد على رقية الرجل الذي لدغته العقرب، وذلك حين خرجوا في سرية، تعدادها: ثلاثين رجلا، لم يكن فيهم راق!
فعن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال: "انطلق نفر من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم في سفرة سافروها (في رواية: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سريّة عليها أبو سعيد)، (وفي رواية: في سريّة(9) ثلاثين راكبا) حتى نزلوا على حيّ من أحياء العرب، فاستضافوهم فأبَوْا أن يضيّفوهم [فبينما هم كذلك] فلـُدغ سيّد ذلك الحيّ فسعوا له بكل شيء لا ينفعه شيء فقال بعضهم لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين [قد] نزلوا [بكم] لعله أن يكون عند بعضهم شيئا، فأتوهم، فقالوا: يا أيها الرهط، إن سيدنا لـُدغ، وسعينا له بكل شيء لا ينفعه، فهل عند أحد منكم من شيء (دواء أو راق)، (إن الملك يموت) فقال بعضهم (عند الدارقطني هو: أبو سعيد) نعم والله إني لأرقي، ولكن والله استضفناكم فلم تضيـّفونا، فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جُعْلاً، فصالحوهم على قطيع من الغنم (فجعلوا لي ثلاثين شاة) فانطلق يتفل عليه ويقرأ[بأم القرآن] الحمد لله ربّ العالمين [ويجمع بزاقه ويتفل فبرأ] فكأنما نشط من عقال، فانطلق يمشي ما به قـَلـَبَة(10)، قال: فأوفوهم جُعلهم الذي صالحوهم عليه، [فلما رجع قلنا له: أكنت تُحسن رقية أو كنت ترقي؟]، (فلما قبضناه عرض في أنفسنا منه شيء، قال: فكففنا) فقال بعضهم: اقسموا، فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي النبيّ صلى الله عليه وسلم فنذكر له، فقال: "وما يدريك (في أبي داود: من أين علمتم) أنها رقية؟" (قلت: يا رسول الله ألقي في روعي، وعند ابن حبان: في نفسي)، ثم قال: "أصبتم، اقسموا واضربوا لي معكم سهما"، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم".(11)
وليس من شك أن التفاتة بسيطة إلى واقع الممارسة الشرعية عموما، وممارسة الرقية على وجه الخصوص من شأنها أن تكشف لنا عن حجم هذا التميّع.
فحدث أيضا أن سألني أحد الناس - وهو إمام في حيّه - بقوله: "ماذا نفعل مع جنيّ كلّمناه سبع مرات ولم نفلح في إخراجه من جسد إحدى المصابات"؟! فسأَلـتُه سؤال الصحابة لأبي سعيد الخدري: "أكنت تحسن رقية، أو كنت ترقي؟" فأجاب بأن لا علم له بهذا الشأن!. ثم تبين أنه كان رفقة أحد أولئك الرقاة المبتدعين.
والأعجب، أنّ طائفة من الناس، كانت بالأمس فقط ضحيّة ممارسات ومعالجات غير شرعية لرقاة من الطراز الذي سنبـيّن خطره فيما بعد، أصبحت اليوم تتعاطى مهنة الرقية بنفس طريقة هؤلاء، لتسجّل بدورها أرقاما أخرى في سجل ضحايا الجهل والجهالة!! نعوذ بالله من الخذلان.
ومن هؤلاء وغيرهم نشأت هذه العينات من الرقاة الجدد!
*****
المبحث الخامس: ما الذي شجع ظهور هؤلاء؟
ولعلّ ما شجع انتشار هذا الصنف من الرقاة يمكن تلخيصه في النقاط الآتية:
أولا: ما تشكله الرقية ذاتها من قداسة دينية، ومن بديل، لا أقول للكهانة لأن مجالهما يختلف تمام الاختلاف، ولكن لما لا يفسره الطب الجسماني فيما يتعلق ببعض الحالات المرضية كالصرع، والصداع، والارتعاش وغيرها، وقد تكون أيضا بديلا شرعيا للشعوذة، التي يعالج أربابها المصروعين بأحوالهم الشيطانية.
فمجال الرقية الشرعية أعمّ وأوسع، إذ هي الطب الروحاني الذي تتعالج به الأرواح والأبدان.
ثانيا: تفاقم الأزمات النفسية والاجتماعية بشكل لم يكن معهودا من قبل، نظرا لأسباب مختلفة، نذكر منها:
* الفراغ الروحي لدى فئة الشباب خاصة، والنساء بوجه أخصّ.
* تدني المستوى المعيشي والحياتي.
* تفكك النسيج الاجتماعي بالنظر إلى ما كان عليه، تبعا لتشتّت الأسر بالطلاق والهجرة والتخلي وغير ذلك، وبروز ظاهرة الفردانية.
* تفشي الظواهر الجنوحية كتعاطي المخدّرات وغيرها.
ثالثا: جهل أكثر العامة بمسائل الشرع والعلم، وقلة وعيهم بملابسات هذا الموضوع، فلا يتمكنون من تمحيص صاحب الطريقة السُنـّية من صاحب الطريقة البدعية، فالمقياس بالنسبة إليهم هو تلك الجموع الغفيرة التي تقف عند أبواب الرقاة.
رابعا: الانتـشار الواسع للرسائل المؤلفة في موضوع الرقية من الناحية النظرية فقط، والتي تغري كثيرا من الشباب للتصدّر لمهنة معالجة المرضى دون أن يكون هؤلاء على دراية بأنواع العلل، وأسبابها، وسُبُل معالجتها.. مع ملاحظة أن بعض هذه الرسائل ما هي إلا اجترار لما ألف وقيل، وبعضها الآخر هي أشبه بالإثارة والفضول منها بالبحث والتأصيل لما تحويه من سرد لحوارات الجن وغريب الحوادث..
خامسا: غلوّ الناس في اعتبار كل ما ليس من مجال طب الأبدان، فهو من قبيل السحر أو العين أو المس الشيطاني.
سادسا: الجهل شبه التام بطب الأرواح والنفوس بل وإنكار بعض المتعالمين لذلك!
سابعا: ضعف سلطة القنوات المتخصصة في حفظ عقائد الناس، وتعطّل فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ثامنا: عدم وجود مواد قانونية تضبط كيفيات ممارسة الرقية الشرعية على غرار ما هو موجود في الممارسة الطبية، وتمنع كل رقية أو شعوذة تخالف ما هو مشروع.
تاسعا: سكوت أكثر العامة عمّا يتعرّضون له من مفاسد بعض الرقاة كابتزاز الأموال وصنوف الأذى والاحتيال، مع قابليتهم العجيبة لذلك.
عاشرا: الذهول عن أسباب العافية الحقّة، والتعلّق بالهيئات دون المعاني ـ
فمن غريب ما يتعلق الناس به اليوم كوسيلة وقائية: اعتقادهم أن رقية بيوتهم ومتاجرهم مرة كل ستة أشهر مثلا، وذلك برشّ جدرانها بالماء المعوّذ، يكفي لحفظهم من شرور العين والجنّ وغيرهما! وهذا قد يفعله من يظنّ أن الرُقى نافعة بنفسها، وإنما يفعله لإصلاح دنياه، لا لإصلاح ما فسد من دينه. فأكثر البيوت خاوية من آيات الله والحكمة، عامرة بما يُغضب الربّ من النظر والسماع المحرّمين، كما أن أغلب التجّار لا يبالون أَمِنَ الحلال اكتسبوا أو من السُّحت أكلوا. قال الله تعالى: {وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسّه الشرّ فذو دعاء عريض}.(12)
فهذه الأعراف، مع كونها ليست من هدي السلف الصالح، فهي مغايرة لما ثبت في سنّة النبيّ صلى الله عليه وسلم القولية مثل: "لا تجعلوا بيوتكم مقابرَ، إنّ الشيطان ينفر من البيت الذي تُقرأ فيه سورة البقرة".(13)، والفعلية مثل: "كان يتعوذ من الجان وعين الإنسان حتى نزلت المعوذتان، فلمّا نزلتا أخذ بهما وترك ما سواهما".(14)
وعليه، فأفضل ما يحفظ على الناس أرواحهم وأبدانهم إنما هو طلب أسباب العافية، متمثلة في العمل الصالح، من ذكر لله تعالى، واستقامة على شرعه، ومجانبة لمعاصيه.
مع التنبيه إلى أن ما أُثر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم وصحابته من الأقوال والهيئات في رقية علّة ما أولى بالتقديم وأجدى في النفع مما عداها، وبخاصة إذا كان المقتضي لها قائما.
*****
(1) الكاهن: كما في "لسان العرب" لابن منظور(13/363): "الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان ويدّعي معرفة الأسرار".
(2) أخرجه أحمد بلفظه (9252) من حديث أبي هريرة وبرقم (9035- 9811) وأخرجه الترمذي (135) وأبو داود (3904) وابن ماجه (639) والدارمي (1136) وابن أبي شيبة في "المصنف" (5/42) والبخاري في "التاريخ" (67) وابن الجارود في "المنتقى" (107) والبيهقي في "الكبرى" (13902) وهو حديث صحيح، أنظر "آداب الزفاف" (ص105 فما بعد)، ورواه الطبراني في "الكبير"(169) عن واثلة بن الأسقع مرفوعا، وأخرجه البزار (1873- 1931) والبيهقي في "الكبرى" (8/136) كلاهما عن ابن مسعود موقوفا وجوّد إسناده ابن كثير في "التفسير" (1/144)، قال الهيثمي في "المجمع" (8/118):"ورجال الكبير والبزار ثقات".
(3) يُنسب كتاب "الرحمة في الطب والحكمة" إلى الإمام السيوطي رحمه الله، ولا أدري إن كان الكتاب حُقق أم لا. لكن من يعرف علم السيوطي، ثم يطّلع على ما في الكتاب المذكور من خزعبلات يكاد يجزم بعدم صحة هذه النسبة إليه!
(4) "شمس المعارف الكبرى" هو كتاب أُلف على طريقة الصوفية وفيه ما فيه.
(5) "رسالة الشرك ومظاهره" (ص: 159-160).
(6) "مجالس التذكير"/التفسير (ص :192).
(7) من أمثلة ذلك ما ذكره ابن القيم في "الوابل الصيّب" (1/117) عن أبي النضر هاشم بن القاسم قال: كنت أرمي في داري (أي: الحجارة) فقيل يا أبا النضر تحوّل عن جوارنا، قال: فاشتدّ ذلك عليّ، فكتبت إلى الكوفة إلى ابن إدريس والمحاربي وأبي أسامة، فكتب إليّ المحاربي: إنّ بئرا بالمدينة كان يقطع رشاؤها (أي: حبلها) فنزل بهم ركب فشكوا ذلك إليهم، فدعوا بدلو من ماء ثم تكلموا بهذا الكلام (أي الدعاء)، فصبّوه في البئر، فخرجت نار من البئر فطفئت على رأس البئر. قال أبو النضر: فأخذت تورا من ماء ثم تكلمت فيه بهذا الكلام ثم تتبعت به زوايا الدار فرششته فصاحوا بي: أحرقتنا نحن نتحول عنك...وذكر دعاء طويلا، ليس من المأثور النبوي.
وبناءً على هذا، فقد تجد بعض من يتعاطى مهنة الرقية يفهم ما ورد في مثل هذه الواقعة فهما سطحيا يسقطه بحذافيره على واقع مغاير تمام المغايرة، وسيأتي الكلام عليه في آخر المبحث الرابع من هذا الفصل.
(8) رواه الحاكم (4/56 - 57) مطولا وصححه، وهو في "الصحيحة" (1/178) للألباني حيث ذكر رحمه الله فوائد حديثية وفقهية نافعة. ورواه أبو داود (3887) وأحمد (26555) والنسائي في "الكبرى" (7542-7543) مختصرا، وانظر "عون المعبود" و"مجالس التذكير" لابن باديس (ص 159).
(9) السريّة: القطعة من الجيش
(10) أي وجع.
(11) رواه البخاري (2276-5007 -5736-5749) ومسلم (2201) والترمذي(2063) وابن ماجه (2156- 2158) وأبوداود (3900-3418) والنسائي في "الكبرى" (7547) وأحمد (10686 -11006 -11080 -11378) وأخرجه البزار من حديث جابر والدراقطني (3/63-64) و(4/297) وابن الجارود في "المنتقى" (2/151) وابن السنيّ في"عمل اليوم والليلة" (1/561) والبيهقي في "السنن الكبرى" (6/254) وابن حبان (13/6111-6112) وغيرهم.
الزيادات ما بين المعقوفتين [..] كلها للبخاري إلا (1-7-12-14) فهي للدارقطني و(2-6) فهي لأحمد، و(9وأيضا12و2) فهي لابن ماجه.
(12) سورة فصلت (51)
(13) رواه مسلم والترمذي وأحمد وغيرهم عن أبي هريرة.
(14) رواه الترمذي وابن ماجه والنسائي عن أبي سعيد بسند صحيح. وقد سبق تخريجه في الفصل الأول.
*****