عرض الإصدار الكامل : مقدمات خاطئة في ممارسة الرقية


أبو مالك
02-11-2002, 01:15 PM
مقدمات خاطئة
في ممارسة الرقية



المبحث الأول: كيفية تشخيص كثير من الرقاة للحالات المرضية

يبدو أن الحكمة القائلة: "لكل مقام مقال، ولكل فن رجال، وليس كل ما يُعرف يقال" لم تجد مجالا للتطبيق في واقع الرقاة الجدد، بسبب افتقارهم الشديد إلى المقايـيس الكافية لتشخيص حالات مرضية مشتبهة قد تتعدّى أسبابها حدود الأعراض الظاهرة ؛ فعلى ماذا يعتمد هؤلاء لفهم هذا التباين؟ وعلى أيّ أساس تنضبط أحكامهم في مثل هذه العملية العلمية الدقيقة؟
*****

المطلب الأول: حقيقة يجهلها كثير منهم

لا بد بادئ ذي بدأ من الإشارة إلى حقيقة واقعية علمية يجهلها كثير ممّن يحترفون الرقية، وهم أبعد الناس عنها، وهي أن تشابه الأعراض المرضية لا يعني بالضرورة اتحاد أسبابها، بل إننا نؤكد أن: 85% -وهذا على أقل تقدير- من مجموع الحالات التي تعرض على الرقاة هي من أصل عضوي، أو نفساني، أو اجتماعي، وقد تجتمع بعضها أو كلها في شخص المريض أحيانا!
ولابد من التنبيه أيضا إلى أمر مهمّ، وهو أن الأحوال الجسمانية تابعة للأحوال النفسانية في كثير من الأوضاع، ويمكننا رؤية آثارها جلية في واقع عدد كبير من المرضى، وقد سبق الكلام عن هذا الأمر في الفصل الثالث.
وعليه، فإن جهل هؤلاء بمُلابسات وتفاصيل العناصر المذكورة، كثيرا ما يؤدّي إلى الخلط في التشخيص، ومنه تعطيل الأسباب اللاّزمة للعلاج المناسب، بل قد يفضي هذا إلى اختلاق علّة وهمية لا صلة للمريض بها، تزيد الطين بلة، فتتفاقم على إثرها وضعيته الصحية والنفسية والاجتماعية.
ومثال ذلك: كأن يعاني أحد الناس ضعفا جنسيا ليلة زفافه، نتيجة إرهاق بدني أو نفسي، فيأتي الراقي ليؤكد له بقوله: "إنك مربوط"!! أو تحسّ أخرى بتـنـمّلات في الأطراف نتيجة فقر في مادة الكالسيوم أو نتيجة ضغط دموي أو غيره، فيقال لها: إنك مسحورة أو ممسوسة!..
هذا، ولو ذكرنا ما نعرفه من هذه المهازل المضحكة المبكية وما يترتب عنها من مفاسد، لانقطع الناس نهائيا عن عيادة الرقاة من غير تفريق ؛ والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا به.


*****

المطلب الثاني: اعتمادهم على الخيالات والمكاشفات

لقد اعتاد أولئك الصنف من الرقاة طريقة ما هي من الدّين، ولا من العلم والعقل في شيء - إذا استثنينا قراءة القرآن -: يعمد أحدهم إلى المريض فيأمره، بعد استلقائه بإغماض عينيه أو يضع عليهما منديلا أو شيئا، ثم يضع يده على رأسه، ويأمره بالاستماع إلى تلاوته لبعض الآيات مع ملاحظة ما قد يراه أثناء ذلك، أي وهو مغمض العينين.. وكلما تمثلت في مخيلة المريض بعض المشاهد، أوقف الراقي تلاوته للإنصات إلى تفاصيلها!
وقد شاعت هذه الطريقة شيوعا واسعا، حتى تكاد لا تدخل بيتا مرّ به راقٍ إلا أخبرك أهل المريض أنه تعامل بها.
ومن أمثلة ذلك : أن يرى المريض في ناحية البيت شيئا غريبا لا يعرف كنهه، أو يرى أحد أقربائه أو جيرانه يدخل بيته في زمن كذا، ويضع شيئا في مكان كذا، أو يرى أنه يأكل عند فلانة لحما أو طعاما، أو يرى أشباحا أو أشخاصا تطير في الهواء..!! إلى آخر تلك الخيالات العجيبة.
وبينما هو مغمض العينين سارح الذهن، يأمره الراقي بالتركيز على ذلك الشيء، فإن كان داخل البيت أمره بأخذه ووضعه داخل كوب من ماء فيه تعاويذ من القرآن، وكذلك يفعل بتلك الأشباح والأجسام، ثم يرى المريض-ولا أحد غيره- أنّ الشيء أو الشخص قد تبخّر وزال داخل الكأس!!
وأما ما يتعلق بالطعام المأكول، فيأمره الراقي بالاستقاء منه داخل إناء، وذلك بعد سقيه كميات معتبرة من الماء المعوّذ، والتي قد يضاف إليها كميّة من الملح أو الزيت أو العطر! مما يستحيل تمالك النفس عند شربها، فإذا ظهرت بعض الإفرازات الغددية كالاصفرار أو غيره، دلّ ذلك عند الراقي أنه من السحر، وأن الذي وضعه له هو فلانة التي رآها المريض!
وبهذه الكيفية يزول مفعول السحر والمسّ الشيطاني في زعم هؤلاء الرقاة!!
*****


المطلب الثالث: اعتمادهم على الأحلام في الشهادات والأحكام

جلّ هؤلاء الرقاة يسألون عن رؤى المريض، لا لكونهم يملكون نصيبا من علم تأويلها، فتكون كالقرائن لما قد يشخصونه من أنواع العلل، بل لاستخلاصهم الأحكام على بعض القضايا.
فإذا ذكر لهم المريض مثلا أنه يرى ثعابينَ أو كلابا تقرضه بأنيابها، كان ذلك دليلا كافيا عند هؤلاء للحكم على حالة المصاب بأنها من قبيل المس أو السحر.
وقد يرى المريض في حلمه مثلا أن فلانا من الناس سحره، فيتبنى الراقي ذلك ويتلقاه كأنه حقيقة ثابتة، فيجاري المريض في ظنه ووسوسته.

*****

المبحث الثاني: نقض هذه الطريقة بالنقل والحقيقة

وفي هذه الطريقة من الانحرافات العظيمة والبلاوى المزرية ما يستدعي التوضيح والتبيان إن شاء الله بأبلغ حجة وأسطع برهان.


المطلب الأول: ما يتعلق بتصورات واضطرابات المريض

فإنها ليست من الحقيقة في شيء، بل هي تراكمات لحالات لاشعورية تتولد عن اضطراب وعدم توازن وضعية المريض النفسية، نتيجة عوامل لا يتسع المقام لبسطها، وعندما يعجز عن تجاوزها، يحاول جاهدا تبريرها بأسباب خارجية، غالبا ما تتمثل في محيطه العائلي أو الاجتماعي أو المهني، وبالتالي يكون قد حضّر نفسه من غير سابق إنذار إلى مثل هذه التصورات، وقد يكون الهروب من الواقع هدفها، فتتخذ الصرع، والهذيان، والانغماس في النوم، والسكوت الدائم، وشرود الذهن، والانطواء على الذات، واللامبالاة، وغير ذلك صورًا وملجأً لهذا الهروب.
والذي هو في واقع الأمر نوع من التنفيس عن آلام عميقة ومكبوتات ملازمة، والتي يجعلها الراقي مقياسا له في الحكم والتشخيص.
ولا أدلّ على عدم صحة هذه التصورات، غياب آثارها عند محاولة التأكد من حقيقة وجودها، تطيـيبًا لنفسية المريض، إضافة إلى استمرارمعاناته، بل وتأزّمها، وتتجلى في عدم اكتفاء المريض بعيادته الراقي الأول، وإنما يتعداه إلى عدد من الرقاة يبلغ عددهم أحيانا العشرين، يضَلّ يتردد بين الواحد والآخر لفترة قد تمتد سنوات!! وكلهم أو معظمهم يتعامل معه بما سبق وصفه دون أن يتوصل إلى معالجة ناجعة. وقد حدث وأن عاينت من الناس من عاد نحو مئتين من الرقاة!!
وقد ظهرت هذه الطريقة على يد بعض المفتونين بالنظريات الغربية في مجال علم النفس، وهي تشبه في وضعها الخارجي، إلى حدّ ما، ما كان يقوم به روّاد المعالجة بالتنويم المغناطيسي وهم: "فرويد" s. freud (1865م-1939م)، "شاركو" charcot j.m (1893م-1925م) و"برويير" josef breuer(1842م -1925م) عند معالجتهم المرضى المصابين بأعراض الهستيريا، وذلك بإضجاع المريض، وأمره بالاسترخاء وإغماض العينين، للتمكّن من استحضار الذكريات والأحلام، ومن ثَمّ تقصي كل تفصيل من تفاصيلها، لتحديد نوع المركب النفسي الذي يسبب الاضطراب.
ومما انخدع به أيضا من لا فقه له ولا اتباع لهدي النبيّ صلى الله عليه وسلم ما زعمه الطبيب "أوجستوس دي مورجان" augustus de morgan من أنه بالإمكان، عن طريق التنويم المغناطيسي بعث الروح تسري طليقة في الزمان والمكان لاكتشاف المغيبات وتفاصيلها. فقد جاء في كتاب "في سبيل موسوعة نفسية" (ص47) ما يلي: " كان الطبيب أوجستوس دي مورجان يتناول طعامه في بيت صديق له، حين كانت زوجته، وهي ماهرة في التنويم المغناطيسي، تعالج فتاة مصابة بتشنجات عصبية، ولما عاد إلى منزله قالت له زوجته: لقد كنا نتابعك، وعندما كانت هذه الصبية في غيبوبتها المغناطيسية أفهمتها أن تتبعك. ثم أعطت الصبية أوصافا للمنزل الذي كان فيه الطبيب دي مورجان ولحديقته تبين دقتها وصحتها. بل لقد قالت الصبية أنها صعدت درج المنزل من الداخل، وكان بمقدورها أن تتسمع إلى الأصوات، وأعطت أوصافا تفصيلية للأشخاص المجتمعين على مائدة الطعام، وللمفروشات، وللسلع، وللصور الموجودة، وألوان الستائر. وتتحقق دي مورجان من صحة جميع هذه التفصيلات ودقتها، وذهل أكثر عندما أخذت الصبية تعيد عليه الأحاديث التي جرت هناك، وليزداد يقينا وصفت قائمة الطعام وصفا صحيحا". انتهى
فكانت هذه الظنون الكاذبة دافعا إلى اعتناق عقيدة تناسخ الأرواح.
وهذا الذي جرّبه هؤلاء، إن حدث فعلا، فلا يبعد أن يكون من تلاعبات الشيطان بالإنسان، وهو من زخرف القول غرورا، فإن الله قد أخبر بصنيع أمثالهم في قوله: "وإنّ الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم" (الأنعام: 131). ونحن نعلم من الواقع من مثل هذه الوقائع كثير.
قال الإمام الطبري في تفسيره (8/20): "والصواب من القول فيه: وأما إيحاؤهم إلى أوليائهم فهو إشارتهم إلى ما أشاروا لهم إليه إما بقول، وإما برسالة، وإما بكتاب". وذكر عن ابن عباس قوله:" هما وحيان: وحي الله، ووحي الشيطان، فوحي الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم ووحي الشياطين إلى أوليائهم ".
وقال الإمام المناوي في "التعاريف" (1/105): "الإيحاء: إيقاع المعنى في النفس بخفاء وسرعة، ولتضمن السرعة قيل أمر وحي، وذلك بكون بالكلام على طريق الرمز والتعريض، وقد يكون بصوت مجرد عن التركيب، وبإشارة بعض الجوارح، وبالكتابة، وعلى هذه الأوجه يوحي بعضهم إلى بعض".
هذا، ولعل بعض الناس قد يستشكل من ناحية أخرى، صدور بعض الاضطرابات والحركات والألفاظ من قِبل المريض عند سماعه تلاوة القرآن، بحيث لا تظهر في الغالب إلا أثناء حصة الرقية، مما قد يدل دلالة قطعية عند جُلّ الرقاة فضلا على عموم الناس أن المريض ممسوس أو مسحور!
والجواب: أن ذلك ليس على إطلاقه، فإن الحاذق في هذه الصناعة، العارف بفوارق الأحوال النفسانية، والجسمانية، والشيطانية قد يحكم على وضعية كهذه بأنها نفسانية، وليست من قبيل الأحوال الشيطانية في شئ، كما أن العكس قد يكون صحيحا.
وفي هذا الباب بالذات عمّت البلوى، وانتشرت الفوضى، وزلّت أقدام المدّعين من المعالجين، إلا من رحم الله، وقليل ما هم. فإن أغلب الرقاة يتعاملون مع أشخاص لهم قابلية كبيرة للاستهواء وهو التأثر السلبي أو للإيحاء وهو التأثر الإيجابي، بحيث تتفاوت هذه القابلية حسب الأشخاص وفي الشخص الواحد تبعا لمستوى نشاطه الذهني، ولحالته الانفعالية، أو إذا كان متعبا أو مريضا، كما أنها تتفاوت تبعا للسن و للجنس. فالطفل أكثر قابلية للاستهواء أو الإيحاء من الأشخاص البالغين وكذلك المرأة أكثر عرضة للاستهواء من الرجل. وتزداد قابلية المرء لتصديق الآراء والأحكام التي يسمعها إذا كانت تناسب ميوله الشخصية وتجاملها.
ثم إن الرقاة هم صانعي الموقف الخارجي بما يوحونه من أول وهلة اتصال في نفسية المريض من تهويل لوضعه وذلك باختراع مصطلحات غيبية يستحيل على المريض أو محيطه العائلي التـأكد من حقيقتها وجودا أو عدما كقولهم: سحر قديم، سحر عدْوى، مسّ من بُعد، سحر مُتخطى، التابعة... إلى آخر تلك المصطلحات التي يكون لـتأثيرها استيلاء عجيب على النفوس تجعلها تنقاد لسلطانها انقيادا، خصوصا وأن جمهور الناس لا يمتلك روح النقد والتمحيص، بل العكس هو الصحيح فإنه يضحى من الصعب إقناعهم بعكس ما يعتقدونه، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن ربط الموقف الخارجي للرقاة بالصبغة الدينية له بالغ التأثير على وجدان المرضى الذين يعانون اختلالا في توازنهم النفسي.**
وقد عرفنا في فصل: الطب النفساني أن لأحوال النفس تأثير عظيم على البدن، وعلى كل ما يتعلق به من الأحوال والحركات وغيرها، والتجربة العلمية تـؤكد هذا التقرير وتدعمه.
قال ابن تيمية (19/32): "وليس لمن أنكر ذلك (أي صرع الجن) حجة يعتمد عليها تدل على النفي، وإنما معه عدم العلم إذ كانت صناعته ليس فيها ما يدل على ذلك، كالطبيب الذي ينظر في البدن من جهة صحته ومرضه الذي يتعلق بمزاجه، وليس في هذا تعرض لما يحصل من جهة النفس، ولا من جهة الجن، وإن كان قد علم طبُّه أن للنفس تأثيرا عظيما في البدن أعظم من تأثير الأسباب الطبية، وكذلك للجن تأثير في ذلك كما قال النبيّ في الحديث الصحيح: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم".
والحاصل: أن أساس كل معالجة مبنيّ على دفع المرض بضده، وإصلاح ما أفسد النفس من العوارض والأسباب التي أخرجتها عن اعتدالها الطبيعي ثم الحمية منه، فإذا فُعل ذلك زال المرض بإذن الله تعالى.
*****


المطلب الثاني: ما يتعلق بالمنامات والأحلام

فالذي تقرر في شريعة ربّ العباد وعند أئمة السلف الصالح، أن الأحكام الشرعية لا تنبني، على الأوهام، والمنامات، والمكاشفات(1)، فإن أحكامها ظنّية لا تفيد اليقين.
ومدار تعبير الرؤيا: على القياس والاعتبار والمشابهة التي بين الرؤيا، ولهذا فقد يخطئ المعبّر لها أوْ لا يصيب إلا بعض الحق فيها كما حدث ذلك للصدّيق رضي الله عنه.
بل إن الرؤى الصادقة ذاتها لا يمكن التيقن منها، ولا الجزم بها إلا بعد تحقق وقوعها، إلا ما تواطأت عليه رؤى المؤمنين كأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو مَن تبعهم لكونهم أصدق الناس حديثا، وكل ذلك في الصحيح، أو ما كان من رؤى الأنبياء، فإنها من مراتب الوحي(2) لقول ابن عباس رضي الله عنهما: " كانت رؤى الأنبياء وحي".(3)
وقال عبيد بن عمير (من كبار التابعين، توفي68هـ): "رؤيا الأنبياء وحي"، ثم قرأ: {إني أرى في المنام أني أذبحك(4)}.(5)
ولقول عائشة: "أول ما بدئ به رسول الله صلى عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح".(6) وكإخبار الملائكة له في منامه عمن سحره، وسيأتي الحديث بطوله.. إلى غير ذلك من الأحاديث، وهي كثيرة.
وإلا فالرؤى منها رحماني، ومنها نفساني، ومنها شيطاني، لقوله صلى الله عليه وسلم: "الرؤيا ثلاث، فبشرى من الله [جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة]، وحديث النَّفْس [ما يهمّ به الرجل في يقظته فيراه في منامه]، وتخويف من الشيطان [ليحزن بني آدم]".(7)
ومن هنا تعلم أن كثيرا مما يراه الناس في أحلامهم فيحزنهم أو يخوّفهم إنما هو من الشيطان، وأنّ ما يكون من وساوس النفس وأحاديثها بالنهار قد يراه المرء في منامه على شكل صور وأوضاع قد تزيده وسوسة وضيق صدر.
ولهذا قال أبو سلمة (تابعي): "إن كنت لأرى الرؤيا هي أثـقل عليّ من الجبل، فلما سمعت بهذا الحديث فما كنت أباليها".(8) وفي رواية: "إن كنت أرى الرؤيا تهمّني حتى سمعت أبا قتادة يقول: وأنا كنت لأرى الرؤيا فتمرضني، حتى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان، فمن رأى شيئا يكرهه فلينفث عن شماله ثلاثا، وليتعوّذ بالله من الشيطان فإنها لا تضرّه".(9)
على أن هديه صلى الله عليه وسلم في الرؤى أن لا تُقص إلا على عالم أو ناصح، فإن دلالة الرؤيا على تأويلها دلالة خفية غامضة لا يهتدي لها جمهور الناس.
فعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الرؤيا تقع على ما تعبـّر، ومثل ذلك، مثل رَجُل رفع رجْله فهو ينتظر متى يضعها، فإذا رأى أحدكم رؤيا فلا يـُحدث بها إلا ناصحا أو عالما".(10)

*****


المطلب الثالث: هل يمكن نزع السحر عن طريق الخيال؟!

قديما قالوا: ما تبلغ الأعداء من جاهل ** ما يبلغ الجاهل من نفسه.
فمن المصائب التي وقع فيها أولئك الرقاة أنهم عطـّلوا نعمة العقل السليم قبل أن يعطلوا نصوص الشرع الحكيم ؛ فالعقل السويّ، الذي لم تـُلَوِثْه فتنة الشبهات والشهوات سرعان ما يبصر حقائق الأشياء. قال تعالى: {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدّبـّروا آياته وليتذكر أولوا الألباب}(11)، وقال: {وما يعقلها إلا العالمون}(12)؛ فلقد غرّهم الشيطان بسراب الأوهام، وفتح لهم أبواب الدعاوى الكاذبة، وأوحى إليهم أنّ وراء العلم النافع طريقا، إن سلكوه أفضى بهم إلى كشف الغيب للعيان، وأغناهم عن التقيد بالسنة والقرآن {وما يتبع أكثرهم إلا ظنـّا إنّ الظنّ لا يغني من الحق شيئا إنّ الله عليم بما يفعلون}(13) حتى استساغوا لأنفسهم ما لا يخطر بالعقول، فزعموا أنه باستطاعتهم نزع السحر عن طريق الخيال في تلك الجلسات!!
مع أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لما أخبره الله أنه سُحر عدل إلى العلاج الحقيقي، وهو استخراج السحر وإبطاله، فبعث عليّا رضي الله عنه فأتاه بالعقد..
فعن ثمامة بن عقبة عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: "كان رجل [من اليهود] يدخل على النبيّ صلى الله عليه وسلم [وكان يأمنه] فعقد له عقدا، فوضعه في بئر رجل من الأنصار، فأتاه ملكان يعودانه، فقعد أحدهما عند رأسه، والآخر عند رجليه، فقال أحدهما: أتدري ما وجعه؟ قال: فلان الذي [كان] يدخل عليه، عقد له عقدا فألقاه في بئر فلان الأنصاري، فلو أرسل [إليه] رجلا وأخذ[منه] العقد، [فأتاه جبريل فنزل عليه بالمعوذتين وقال: إن رجلا من اليهود قد سحرك، والسحر في بئر بني فلان، قال] فبعث رجلا، (وفي طريق أخرى: فبعث عليا رضي الله عنه) [فوجد الماء قد اصفر] فأخذ العقد [فجاء بها]، [فأمره أن يحلّ العقد ويقرأ آية]، فحلها، [فجعل يقرأ ويحلّ]، [فجعل كلما حلّ عقدة وجد لذلك خِفّة]، فبرأ (وفي الطريق الأخرى: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما نُشط من عقال)..".(14)
على أن استخراج السحر ثم هتكه أو إحراقه هو أبلغ وسيلة لإبطال فعله وتأثيره، أما في حالة عدم العثور عليه - وهو الغالب في هذا الأمر- فأنفع علاجات السحر حينئذ هي الأدوية الإلهية كالرقى والدعوات، بل هي أدويته النافعة بالذات، وكلما كانت أقوى وأشد كانت أبلغ في كشف الضرّ بإذن الله تعالى. (15)

*****
(1) انظر "مدارج السالكين" (3/227).
(2) راجع "زاد المعاد" لابن القيم (1/78).
(3) رواه ابن جرير (2/90) وابن أبي عاصم في "السنة" (463) وإسناده حسن كما في "ظلال الجنة". وذكره الترمذي في سننه (3689) بصيغة التمريض.
(4) سورة الصّافات (102).
(5) رواه البخاري (138-859).
(6) الحديث رواه البخاري (4956) ومسلم (160) والترمذي (3632) وأحمد (24676- 25428) وابن حبان (33) والبيهقي في "الكبرى" (9/5) وابن منده في "الإيمان" (681-685) وعبد الرزاق (9719) وأبو عوانة (328).
(7) رواه أحمد (8884-7586-10212) و مسلم (2263) والترمذي وصححه (2270- 2291-2280) وابن أبي شيبة (12/193/2) من حديث أبي هريرة. ورواه ابن ماجه (1907) وصححه في "الزوائد" وحسنه في "الفتح" (12/407) وابن حبان (6041) و الطبراني في "الكبير" (18/63) وغيرهم من حديث عوف ابن مالك. راجع "الصحيحة" (4/1870). والزيادات للطبراني وابن حبان وغيرهما.
(8) ابن حبان (6058).
(9) رواه البخاري (6982-6986) وفي مواضع أخر ومسلم (2261) وأبو داود(5021) والترمذي (2277) وابن ماجه (3909) والدارمي (2141-2442) ومالك (1784).
(10) أخرجه الحاكم (4/391) وصححه ووافقه الذهبيّ، وذكر الألباني أنه على شرط البخاري، وأخرجه الترمذي مختصرا (2286) على شرطيهما كما في "الصحيحة" (1/119).
(11) سورة ص (29).
(12) سورة الرعد (19).
(13) سورة يونس (35).
(14) أخرجه الطبراني في "الكبير" والحاكم في "المستدرك" والزيادة (3-4-5) له وهو صحيح، أنظر "الصحيحة" (6/616). وابن سعد في "الطبقات" والزيادة (2) له. وأخرجه من طريق أخرى النسائي في "السنن" وابن أبي شيبة في "المصنف" وأحمد في "المسند" وعبد بن حميد في "المنتخب من المسند" والطبراني أيضا في "الكبير" وصححه في "الصحيحة" (6/617)، قال: "وهو على شرط مسلم". وسائر الروايات الأخرى لابن أبي شيبة وأحمد إلا زيادة قراءة آية فهي لعبد بن حميد وكذا زيادة نزول جبريل بـ(المعوذتين) وسندها صحيح أيضا. راجع ذلك كله في "الصحيحة".
(15) راجع "الزاد" لابن القيم (4/126).

خالد الحارثي
28-06-2005, 04:44 AM
http://alfahemn.jeeran.com/goold%204.jpg