أبو مالك
30-10-2002, 05:47 PM
مشروعية التداوي النفساني
في الإسلام
إعداد: أبو مالك سي العربي حسن
silarbi.hassen@caramail.com
الحمد لله وبعد،
المبحث الأول: أنواع علل النفوس
لما كان من المقطوع به أن النفوس تمرض كما تمرض الأبدان، لزم معرفة أنواع عللها، والنظر في أسبابها، وضبط قانون علاجها ووضع الدواء المناسب لها.
فأما أنواع علل النفوس:
1/ فمنها ما يتعلق بالنفس من جهة الشرع، مما يوجب فساد الاعتقادات وفساد الإرادات، فيكون هذا النوع من العلل مذموما لذاته، لسوء ما يترتب عنه في الدنيا من الشقاء، وفي الآخرة من العذاب كالشرك، والنفاق، والرياء، والهوى، والظلم، والعجب، والجهل، وفتن الشبهات كالبدع والمحدثات، والشهوات كالعشق والهيام الحرام، وحبّ الرياسة والتسلط، وإيثار الدنيا على الآخرة..إلخ
وهذه الأمراض علاجها إلى الرسل عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم، فهم أطباؤها، ولا سبيل لزوالها إلا بالأدوية الإيمانية المضادة لها، وذلك بمعرفة الحق وتمييزه من الباطل ثم العمل بمقتضاه والثبات عليه، وهذان هما العلم والإرادة.
والعناية بمعالجة النفوس أولى من كل عناية، فإن حياتها، وموتها، ومرضها، وشفاءها أعظم من حياة، وموت، ومرض، وشفاء البدن، فعلاجها هو المراد بقوله تعالى: {قد أفلح من زكاها}(1)، وإهمالها هو المراد بقوله: {وقد خاب من دساها}.(1) ولذلك كانت مداواة النفس من أمراضها تلك فرضا على الأعيان، وقد أهمل ذلك كثير من الخلق ؛ نسأل الله السلامةـ
2/ وأما النوع الثاني من أمراض النفس -وهو موضوع بحثنا-:
فهي الأمراض التي تتعلق بالنفس من جهة صاحبها، إما من حيث خصائص طبعه ومزاجه كالجبن والخوف والسذاجة والعجز..إلخ، وإما من حيث تأثير العوارض كالمصائب والنكبات الموجبة لاعتلالها وهي ما يعرف بالصدمات، فتضعف النفس لذلك وتمرض، فإن النفوس البشرية مفطورة على الضعف، لقوله تعالى: {وخُلِقَ الإنسانُ ضعيفا}(2) وربما تفاوت هذا التأثر بتفاوت طباع النفوس ذاتها، إذِ الناس في ذلك معادن وأصناف، فليس الشجاع كالجبان، ولا الذكي كالغبي، ولا الجلف كالرقيق، ولا ذو العزم كمخنثه وبتفاوت نوعية التنشئة والأحوال الاجتماعية المختلفة، فالبيئة الملتزمة بأحكام الدين وأخلاقه يكون أفرادها أكثر اتزانا وتحكما بما فيهم من هم في سن المراهقة .
ولا يترتب عن هذه الأمراض ما يترتب عن النوع الأول إلا من حيث ما ينجرّ عنها من الضرر والألم الذي قد يحصل لصاحبها، فتفوته كثير من مصالحه الدنيوية وربما الدينية أيضا كانشغاله في صلاته بحديث النفس والوساوس والأفكار الرديئة ؛ كما أنه يشترك فيها المؤمن وغير المؤمن، بَيْد أنّ المؤمن مثاب عليها لقوله صلى الله عليه وسلم: "ما يصيب المسلم من نَصَب، ولا وَصَب، ولا هَمّ، ولا حُزْن، ولا أذًى، ولا غَمّ، حتى الشوكة يُشاكها إلا كفّر الله بها من خطاياه".(3)
وتتمثل هذه الأمراض في: الهموم، والغموم، والأحزان، والوساوس، والاكتئاب، والقلق، والرغبة في الانزواء، والخوف المستمر، والانطواء على النفس، والوحشة، والتشكك، والإحساس بالنقص، والشعور بالإثم، وفقدان الثقة الذاتية، وسرعة الانفعال، ورؤية المنامات الليلية المفزعة، والخيالات المروّعة، والشرود الذهني، وعدم الارتياح، والأفكار الرديئة.. إلخ.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من الاستعاذة بالله منها فيقول: "اللهمّ إني أعوذ بك من الهمّ والحَزَن، والعَجْز والكَسَل، والبخل والجُبن، وضَلَع الدَّيـْن وغَلـبة الرّجال".(4)
قال العلاّمة ابن القيم في معرض كلامه عن انقسام أمراض القلب إلى شرعية وطبيعية: "والنوع الثاني: مرض مؤلم له في الحال، كالهمّ، والغمّ، والغيظ، وهذا المرض قد يزول بأدوية طبيعية كإزالة أسبابه، أو بالمداواة بما يضاد تلك الأسباب، وما يدفع موجبها مع قيامها، وهذا كما أن القلب قد يتألم بما يتألم به البدن، ويشقى بما يشقى به البدن، فكذلك البدن يتألم كثيرا بما يتألم به القلب ويشقيه ما يشقيه. فأمراض القلب التي تزول بالأدوية الطبيعية من جنس أمراض البدن، وهذه قد لا توجب وحدها شقاءه وعذابه بعد الموت، وأما أمراضه التي لا تزول إلا بالأدوية الإيمانية النبوية فهي التي توجب له الشقاء والعذاب الدائم إن لم يتداركها بأدويتها المضادة لها، فإذا استعمل تلك الأدوية حصل له الشفاء".(5)
قال: "والمقصود: أن من أمراض القلوب ما يزول بالأدوية الطبيعية، ومنها مالا يزول إلا بالأدوية الشرعية الإيمانية".(5)
*****
المبحث الثاني: تأثير النفس في البدن
ولما كانت النفس لا تنفك عن البدن، ولا البدن ينفك عن النفس، لزم تأثر أحدهما بالآخر، فإن الهموم إذا تراكمت أمرضت البدن وأضعفته، وربما قـتلته. وسوف نذكر في "أسباب الأعراض المرضية" ما أفاده ابن القيم من أن صداع الرأس وغيره، قد يحدث أيضا "من العوارض النفسانية كالهموم، والغموم، والأحزان، والوساوس، والأفكار الرديئة".
وفي هذه النقطة بالذات، فقد ثبت في حديث الرؤيا أن أبا قتادة رضي الله عنه قال: "وأنا كنت لأرى الرؤيا فتمرضني حتى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان، فمن رأى شيئا يكرهه فلينفث عن شماله ثلاثا، وليتعوّذ بالله من الشيطان فإنها لا تضرّه".(6) وقال أبو سلمة: "إن كنت لأرى الرؤيا تهمّني [هي أثـقل عليّ من الجبل]، فلما سمعت بهذا الحديث فما كنت أباليها".(6) وهذا يدل أن اللاشعور الذي في المنام قد يؤثر على الروح والبدن في حال اليقظة.
كما أن الفكرة الشعورية التي في اليقظة قد تنفعل على إثرها الروح والبدن في المنام، ويتجلى ذلك إما في الاضطراب، والتقلب، والصراخ، والحمى، والفزع.. الذي يحدث للنائم، وإما في الارتياح، والنشاط.. الذي يعقب يقظته.
وقد ثبت هذا المعنى في حديث النبيّ صلى الله عليه وسلم حيث قال: "الرؤيا ثلاث، فبشرى من الله، وحديث النفس [ما يهمّ به الرجل في يقظته فيراه في منامه]، وتخويف من الشيطان [ليحزن بني آدم]".(7)
قال ابن القيم: "وقد أرانا الله سبحانه، بلطفه ورحمته وهدايته من ذلك أنموذجا في الدنيا من حال النائم، فإن ما ينعم به أو يعذب في نومه، يجري على روحه أصلا، والبدن تبع له، وقد يقوى حتى يؤثر في البدن تأثيرا مشاهدا، فيرى النائم في نومه أنه ضرب فيصبح وأثر الضرب في جسمه، ويرى أنه قد أكل أو شرب، فيستيقظ وهو يجد أثر الطعام والشراب في فيه ويذهب عنه الجوع والظمأ، وأعجب من ذلك أنك ترى النائم يقوم في نومه ويضرب ويبطش ويدافع كأنه يقظان وهو نائم لا شعور له بشيء من ذلك".(8)
والحاصل أن الأحوال الجسمانية تابعة للأحوال النفسانية في كثير من الأوضاع، وقد سبق ما أفاده ابن القيم حين قال: "وهذا، كما أنّ القلب قد يتألم بما يتألم به البدن، ويشقى بما يشقى به البدن، فكذلك البدن يتألم كثيرا بما يتألم به القلب ويشقيه ما يشقيه".
ويمكن ملاحظة آثار هذه التبعية واضحة في الأعراض المختلفة التي تظهر على البدن، والتي قد تتفاوت بحسب تأثّر النفس وانفعالها، وبحسب القدرات العقلية والخلقية للأفراد أنفسهم، ويمكننا تسجيل وسرد جملة من هذه الأعراض: كالصرع، والصداع، والارتجاف، والتشنج، وصداع الرأس، وأوجاع المعدة، والارتعاش، والعمى، وزوال النطق أو اضطرابه، والشلل الجزئي، والنسيان، وفتور الرغبة الجنسية، والعقم النفساني، والانسداد في أحد العروق الدماغية، وظهور تلوّن وبقع على مستوى الجلد، وانتفاخ الأطراف، وارتفاع كل من: كمية السكر في الدم، والضغط الدموي، ودرجة الحرارة في الجسم، والقيء وغيرها من الأعراض، وهي كثيرة.
وهذا التقرير أمر معلوم لمن كان له قليل إمعان ومعرفة بأحوال النفوس، فضلا عمن له دربة في معالجتها.
قال الذهبي في كتابه "الطب النبوي" (ص75): "فصل في الأعراض النفسانية: البدن يتغير من جهة الأعراض النفسانية، وهي: الغضب، والفرح، والهم، والغم، والخجل. أما الغضب فإنه يسخن البدن ويـجففه.."، وقال: "والهم والغم يحدث الحميات اليومية".
وقد أكدّ القرآن الكريم هذه الحقيقة بأوضح عبارة في قصة يعقوب حين ذكر أن سبب فقد بصره كان حزنه على مفارقة فلذة كبده يوسف عليه وعلى أبيه السلام. قال تعالى: {وتولىّ عنهم وقال يا أسَفَى على يوسف وابيضّت عيناه من الحُزْن فهو كظيم* قالوا تالله تفْـتَـؤُ تذكر يوسف حتى تكون حرضًا أو تكون من الهالكين}.(9)
فإذا عرف هذا، تبيّن أن الأعراض المرضية قد تشترك في مظاهرها الخارجية غير أنها تختلف في أسبابها ومسبباتها.
*****
المبحث الثالث: مشروعية التداوي من الأمراض النفسانية
ولما كان مقصود الشرع حفظ النفوس من التلف، فقد أذن في دفع الضرر عنها، فقال صلى الله عليه وسلم: "تداووا، فإنّ الله عزّ وجلّ لم يضع داء إلاّ وضع له دواء، غير داء واحد: الهرم".(10)
ولفظ هذا الحديث عام وصريح في الدلالة على مشروعية التداوي من الأمراض كلها.
قال ابن عبد البرّ: "فمن زعم أنه لا معنى للرقى والاستعاذة، ومَنَع من التداوي والمعالجة ونحو ذلك مما يُلتمس به العافية من الله فقد خرج من عـرْفِ المسلمين وعدا طريقهم".(11)
وقد عرفنا فيما سبق أن الهموم والأحزان والوساوس إذا ما تراكمت على النفس أوهنتها وأمرضتها وربما قتلتها، والبدن تابع لأحوالها، فإذا أمكن طلب وتفتيش ودفع أسباب عللها، تأكدت حينئذ مشروعية مداواتها، فإن الله ما جعل للنفس مرضا إلا جعل له شفاء بضده، فإن علمه صاحب الداء واستعمله وصادف داء نفسه أبرأه بإذن الله تعالى.
*****
المبحث الرابع: القرآن كمنهج لمعالجة الأمراض النفسانية
إن أساس كل معالجة مبنيّ على دفع المرض بضده، وإصلاح ما أفسد النفس من العوارض والأسباب التي أخرجتها عن اعتدالها الطبيعي ثم الحمية منها.
فتألـّم النفوس بالغيظ الحاصل في القلب من عدو متربص أو ظالم مُسْتَوْلٍ، شفاؤه بزوال ما حصل في القلب منه، ويكون باستيفاء الحق الضائع، لهذا يقال فلان شفى غيظه، كما أن شفاء الحزن بالسرور، وشفاء الخوف بالأمن، وشفاء الشك باليقين، وشفاء التعب بالراحة والنوم...وكل هذه أضداد موجبة لزوال المرض، وإنما يزول فعلا بمعرفة سببه ووجود المعارض له.
ولابد لضمان هذه الخطوات من منهج دقيق تراعى فيه البدائل المتعلقة بحياة الإنسان النفسية، والاجتماعية، والاقتصادية وغيرها مما يضمن استقراره وتوازنه الروحي والمادي.
ولما كان القرآن الكريم جامعا لحقيقة الفطرة الإنسانية، متضمّنا لمتطلباتها، كان منهجه في سياسة النفوس ومعالجتها أقوم منهج، فقد حوى :
* أنواع المعارف: كمعرفة الباري جلّ وعلا وأسمائه وصفاته، وهي أعظم أنواع المعارف وأجلّها، ومعرفة حكمته وسنّته في خلقه.
* وأنواع العلاقات: كتلك التي بين الإنسان ونفسه، وربّه، والتي تربطه مع بني جنسه، بل مع الكون الذي هو كائن فيه.
* وأنواع الواجبات الشرعية: كواجب الإنسان في إتيان العبادات القلبية والبدنية والمالية التي أمر بها، ودوره في إعمار الأرض بما يصلحها.
* وأنواع المحظورات: التي تضرّ الإنسان وتفسد عليه دينه ودنياه...
إلى آخر تلك المتطلبات التي لا تصلح الحياة بغيرها.
ومن تأمل هذا كله أدرك أن القرآن هو مفتاح السعادة الحقة، والشفاء التّام لأدواء الدنيا والآخرة، ومثله كماء أنزله الله من السماء، كما جرى تمثيله بذلك في الكتاب والسنة، "فما من مرض من أمراض القلوب والأبدان، إلا وفي القرآن سبيل الدلالة على دوائه، وسببه، والحمية منه، لمن رزقه فهما في كتابه".(12)
فعلى أساس هذا المنهج الشمولي الفريد يجعل القرآن الكريم تغيير ما يصيب واقع الناس من النوائب، والشقاء، وضنك العيش يبدأ بتغيير النفس، وذلك بالتزامها بهذه المتطلبات كلها، فقال تعالى: "إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" (الرعد: 11)
ولهذا، فقد كان من إرشاده صلى الله عليه وسلم لمن ابتلي بالهمّ والحزن أن يدعو: بأن يجعل الله القرآن ربيع قلبه، ونور صدره، وجلاء حُزنه، وذهاب همّه.(13)
وتكفي شهادة التاريخ دليلا لمعرفة الأثر البالغ الذي تركه منهج القرآن في صقل النفوس والسموّ بها إلى مدارج الكمال البشري، في توازن بديع، جَمَع متطلبات المادة والروح في غير إفراط ولا تفريط.
وإننا لنجزم أنه ما دامت الإنسانية شاردة عن منهج الفطرة الذي ارتضاه الله لها، فيستحيل أن تجد للسعادة المنشودة طعما، لا على مستوى الأفراد، ولا على مستوى الأسر، ولا على مستوى المجتمعات والدول.{فأقم وجهك للدين حنيفا فِطْرَتَ الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لِخَلْقِ الله ذلك الدِّينُ القَـيّمُ ولكنّ أكثر النَّاسِ لا يَعْلمون}.(14)
على أن كثيرا من عقلاء الغرب اعترفوا بهذه الحقيقة فيما كتبوه من بحوث علمية، فبرهنوا فيها، بما لا يدع مجالا للشك عن تطابق الفطرة البشرية مع الإسلام. راجع لمعرفة بعض ذلك كتاب: "الإنسان ذلك المجهول" للدكتور ألكسيس كاريل.(جائزة نوبل للطب 1912م).
*****
المبحث الخامس: علماء المسلمين والطب النفساني
لقد أصّل علماء الإسلام قواعد هامة تتعلق بأنواع المعالجات، وذلك بالنظر إلى نوع المرض وسببه والدواء المضاد له، فعند تناولهم للسبب، قسّموا رحمهم الله الأمراض من جهة حصولها إلى جسمانية ونفسانية وإلى ما هو من تأثير ضرر السحر والجن والعين.
قال ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (19/32): "وليس لمن أنكر ذلك (أي صرع الجن) حجة يعتمد عليها تدل على النفي، وإنما معه عدم العلم إذ كانت صناعته ليس فيها ما يدل على ذلك، كالطبيب الذي ينظر في البدن من جهة صحته ومرضه الذي يتعلق بمزاجه، وليس في هذا تعرض لما يحصل من جهة النفس، ولا من جهة الجن، وإن كان قد علم طبُّه أن للنفس تأثيرا عظيما في البدن أعظم من تأثير الأسباب الطبية، وكذلك للجن تأثير في ذلك كما قال النبيّ (صلى الله عليه وسلم) في الحديث الصحيح: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم".
وفي تقريرهم للعلاقة الوثيقة بين الجسم والنفس فقد قرروا حقيقة علمية أثبتتها البحوث العلمية في هذا العصر وهي أن الأحوال الجسمانية تابعة للأحوال النفسانية سلبا وإيجابا والعكس صحيح أيضا، فالجسم يتأثر كثيرا بما تتأثر به النفس وهو ما يُعرف في زماننا بالأمراض البسيكوسوماتية psychosomatiques .
كما أنهم برهنوا كيف أن للاشعور الإنسان تأثير على شعوره بل على أحواله كلها، وقد تقدم في هذا الصدد ما أفاده العلاّمة ابن القيم عليه رحمة الله فيما يتعلق بالرؤية.
ومن ثَمّ فقد فرّقوا رحمهم الله بين أمراض النفس الطبيعية وأمراضها الشرعية، وأن علاج الأولى هو من جنس علاج الأمراض البدنية إما بإزالة أسبابها أو بالمداواة بما يضاد تلك الأسباب وما يدفع موجبها حتى يرجع للنفس اعتدالها الطبيعي.
بيد أن علماء الإسلام نظروا إلى أبعد من هذا كله، فاجتهدوا في وضع أسس الوقاية والحمية من هذه الأمراض عبر التربية الروحية والتنشئة الاجتماعية التي لا يكون لها معنى إلا ضمن دائرة الإيمان في تكوين الأفراد تكوينا سويا ومتوازنا، فكانوا بذلك مطابقين في تناولهم للأمراض النفسانية للمنهج القرآني الشامل.
قال ابن تيمية: "والمرض في القلب كالمرض في الجسد فكما أن هذا هو إحالةٌ عن الصحة والاعتدال من غير موت، فكذلك قد يكون في القلب مرض يحيله عن الصحة والاعتدال من غير أن يموت القلب، سواء أفسد إحساس القلب وإدراكه، أو أفسد عمله وحركته، وذلك كما فسروه: هو من ضعف الإيمان، إما بضعف علم القلب واعتقاده، وإما بضعف عمله وحركته، فيدخل فيه مَنْ ضَعُف تصديقه، ومن غلب عليه الجبن والفزع، فان أدواء القلب من الشهوة المحرمة والحسد والجبن والبخل وغير ذلك كلها أمراض، وكذلك الجهل والشكوك والشبهات التي فيه".(15)
وقد كتب الإمام الذهبي وصفة لإصلاح القلب ودفع الوسواس فقال: "هو أكل الحلال، وملازمة الورع، وترك الرخص بالتأويلات، وحفظ الجوارح الظاهرة، وحفظ الجوارح الباطنة، وسياسة النفس بالعلم، وصيانة السرّ بالمراعاة، والابتهال إلى الله عز وجل أن يعيذك من نفسك وهواك وشيطانك".(16)
وقال ابن القيم في "شفاء العليل" (1/274): "فالهمّ يكون على مكروه يتوقع في المستقبل يهتم به القلب، والحزن على مكروه ماض من فوات محبوب أو حصول مكروه إذا تذكره أحدث له حزنا، والغم يكون على مكروه حاصل في الحال يوجب لصاحبه الغمّ، فهذه المكروهات هي من أعظم أمراض القلب وأدوائه وقد تنوّع الناس في طرق أدويتها والخلاص منها، وتباينت طرقهم في ذلك تباينا لا يحصيه إلا الله، بل كل أحد يسعى في التخلّص منها بما يظنّ أو يتوهم أنه يخلصه منها، وأكثر الطرق والأدوية التي يستعملها الناس في الخلاص منها لا يزيدها إلا شدّة لمن يتداوى منها بالمعاصي على اختلافها من أكبر كبائرها إلى أصغرها، وكمن يتداوى منها باللهو واللعب والغناء وسماع الأصوات المطربة وغير ذلك، فأكثر سعي بني آدم أو كله إنما هو لدفع هذه الأمور والتخلص منها، وكلهم قد أخطأ السلامة إلا من سعى في إزالتها بالدواء الذي وصفه الله لإزالتها، وهو دواء مركّب من مجموع أمور متى نقص منها جزء نقص من الشفاء بقدره، وأعظم أجزاء هذا الدواء هو التوحيد والاستغفار..."اهـ
وقال في "عدة الصابرين" (1/227): "وإنما تحصل الهموم والغموم والأحزان من جهتين إحداهما: الرغبة فى الدنيا والحرص عليها، والثانى: التقصير فى أعمال البرّ والطاعة".
ومقتضى هذا، أن مدار معالجة النفوس من كافة أمراضها: على تقوية إيمانها بأنواع الطاعات القلبية والبدنية والمالية، وتحصينها بالتعوّذات والدعوات النبوية، وتزكيتها من أدرانها، وقد تضافرت نصوص الكتاب والسنة على بيان ذلك. قال الله تعالى: {إن الإنسان خُلق هلوعا* إذا مسّه الشرّ جزوعا* وإذا مسّه الخير منوعا* إلا المصلين* الذين هم على صلاتهم دائمون* والذين في أموالهم حقٌّ معلوم* للسائل والمحروم* والذين يصدّقون بيوم الدّين* والذين هم من عذاب ربّهم مشفقون* إن عذاب ربـِّهم غيرُ مأمون* والذين هم لفروجهم حافظون* إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين* فمن ابتغى وراء ذلك فأوْلئك هم العادون* والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون* والذين هم بشهاداتهم قائمون* والذين هم على صلاتهم يحافظون}.(17)
ولما كان الأسلاف من الحرص على تعاليم الدين: علما، وعملا، وتبليغا، وجهادا لإعلاء كلمة الله، فقد كُفُوا شرور صدورهم، فقلّت فيهم الهموم والأحزان والوساوس والأوهام التي فشت في غيرهم. ولما اندرست معالم الدين عند الخُلوف وبُسطت لهم الدنيا، كان ما يصيبهم من جهة نفوسهم أشدّ وأضرّ.
ومن ثَمّ، فالمقتضي للأمراض النفسانية العصرية لم يكن موجودا في عهدهم بالشكل الملاحظ اليوم، إلى جانب اعتبارات أخرى، سنذكر بعضها في الفصل الذي يأتي.
وإذا علم هذا، تبين لماذا لم يُصَنّف علماء الإسلام الأوائل في الطب النفساني الذي يُعرف في زماننا بــ: البسيكولوجيا، مصنفات مستقلة، مع أنهم لم يغفلوا عن الإشارة إليه، وإنما كتبوا في التزكية النفسية، وأمراض القلوب، والرقاق، والمواعظ، والزهد، والتوبة، وغيرها، لكون هذا أصل في الحمية من ذاك، فإن النفس كلما كانت أقرب إلى بارئها باليقين والرضا والمحبة كان أنسها وسرورها به أعظم من الهمّ والحُزن الذي قد يعتريها.
عن ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكاد يقوم من مجلسه إلا دعا بهؤلاء الدعوات: "اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به رحمتك (وفي رواية: جنتك)، ومن اليقين ما تهوّن به علينا مصيبات (وفي رواية: مصائب) الدنيا، ومتّعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا".(18)
وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كانت الآخرة همّه (وفي رواية: نيته) جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله (في رواية ابن حبان وابن ماجه من طريق أخرى: أمره)، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له".(19)
*****
المبحث السادس: النهي عن المعالجات المحرمة
وإذا كان دفع العلل النفسية بما يوجب شفاءها وراحتها مما لا خلاف فيه عقلا وشرعا، إلا أن التداوي بما حرم الله لا يحل بحال، كما قد يفعله أهل الإلحاد وبعض من لا خلاق لهم، من أذناب فرويد وأضرابه.
فإنهم يأمرون من ابتلي ببعض العقد النفسية والوساوس الشيطانية كفرط الخجل، وفتور الرغبة الجنسية وغيرها برفع الحياء الذي هو مادة الحياة للقلب، ومواقعة الفحشاء، وتطريب القلب بسماع الغناء، متحججين بأن ذلك ينفّس عن المكبوتات المترسخة في أعماق نفس المريض، فتنحل عقده! زعموا ؛ وهؤلاء محرّفون للفطرة، مغيرون للقلب عن استقامته، بل هم الممرضون للنفوس المسقمون لها.
والحقيقة الملاحَظة أن كثيرا من ضحاياهم من المرضى لا يبرأون، بل يزدادون تيها، وتعقيدا، وخيبة، ذلك أن طريقة مدرسة التحليل النفسي قد أثبتت عدم علميتها، وجهلها بحقيقة الإنسان، وإنكارها للبعد الروحي والأخلاقي فيه، فلو كان تحرير الغرائز والمكبوتات يجلب الاعتدال والتوازن النفسي كما زعمت لَمَا كان مجتمعا في أوج الاكتفاء المادي والتطور التكنولوجي والإباحية الأخلاقية كالمجتمع الأمريكي من أكثر مجتمعات الأرض معاناة من الأمراض النفسانية بشتى أشكالها.
ويكفي انتقاد مفكري الغرب أنفسهم لنظرية فرويد لكي يدرك المنخدعون به قيمة بحوثه التي روجتها وسائل المكر اليهودية وأرادت أن تجعلها حقائق علمية واكتشافات حيادية!
يقول البروفيسور "روبرت ودورث" الذي يعتبر من روّاد علم النفس الحديث فيما بعد الحرب العالمية الأولى بكتبه الكثيرة عن علم النفس التجريبي، وعلم النفس الديناميكي، ورياسته لعلم النفس في لجنة البحث القومي الأمريكي، وهيئة علماء النفس الأمريكيين: "ولو بحثت عن رأيي الشخصي في "سيكولوجيا" فرويد لكان عليّ أن أقول: إنني لا أؤمن بأن يكون مذهبه صحيحا بأيّ معنى مطلق. ولابد أن يوضع في مصافّ النظريات العلمية الكبرى التي تربط المعرفة الراهنة، فإنها (أي نظريته) بكائناتها وثناياها تبدو متخلّفة أكثر منها ناظرة إلى الأمام".
هذا، وقد شاع في السنين الأخيرة توجيه بعض من ابتلي بالوحشة والانهيار النفساني إلى ممارسة ما يسمى بـ: "la méditation transcendantale" (التأمّل الاستعلائي)، أو الطب التأمّلي، وهو من مخلّفات طريقة الهندوك ونحلة البراهمية لتزكية النفس والسموّ بها، واستـفراغ همومها!! استمدوها من عقائدهم الشركية البالية ؛ فلو لم يكن في هذه الطريقة إلا التشبّه بعبادة الكفار - وهي من أخصّ خصائصهم - لكان ذلك كافيا لتحريم التعالج بها.
قال ابن القيم: "وكذلك الغمّ والهمّ والحزن: أمراض للقلب وشفاؤها بأضدادها: من الفرح والسرور، فإن كان ذلك بحق اشتفى القلب وصح وبرئ من مرضه، وإن كان بباطل توارى ذلك واستتر ولم يزل، وأعقب أمراضا هي أصعب وأخطر".(20)
والمقصود: أنّ النفس إذا عولجت بغير منهج القرآن والسنة فلا سبيل لاعتدالها وراحتها، قال تعالى: {ألا يعلم مَن خَـلَق وهو اللطيف الخبير}.(21)
ولهذا تجد أكثر من يعالجون النفوس بغير هذا المنهج لا يغيرون شيئا كثيرا، فإذا كانت النفوس قد تسكن أحيانا لسبب راجح إلا أن المقتضي له يبقى قائما يهيج بأدنى سبب.
*****
المطلب السابع: نماذج من تمييز بعض أئمة القرون الماضية لأسباب الأعراض المرضية
قال الإمام ابن القيم رحمه الله (691هـ/توفي751هـ): "والطبيب الحاذق، هو الذي يراعي في علاجه عشرين أمرا"، وذكر منها:
1- "النظر في نوع المرض من أي الأمراض هو؟".
2- "النظر في سببه، من أي شيء حدث، والعلة الفاعلة التي كانت سبب حدوثه ما هي؟".
3- "النظر في الدواء المضاد لتلك العلة".(22)
فعن أسباب الصرع :
قال: "الصرع صرعان: صرع من الأرواح الخبيثة الأرضية (وهو صرع الجن)، وصرع من الأخلاط الرديئة (وأسماه بالصرع الطبيعي)، والثاني هو الذي يتكلم فيه الأطباء في سببه وعلاجه". إلى أن قال: "وإحالتهم (أي الأطباء) ذلك إلى غلبة بعض الأخلاط هو صادق في بعض أقسامه لا في كلها".(23)
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني (773هـ/توفي852هـ):"انحباس الريح قد يكون سببا للصرع، وهي علة تمنع الأعضاء الرئيسية عن انفعالها منعا غير تام، وسببه ريح غليظة تـنحبـس في منافذ الدماغ، أو بخار رديء يرتفع إليه من بعض الأعضاء، وقد يتبعه تشنّج في الأعضاء، فلا يبقى الشخص معه منتصبا بل يسقط ويقذف بالزبد لغلظ الرطوبة ؛ وقد يكون الصرع من الجن، ولا يقع إلا من النفوس الخبيثة منهم، إما لاستحسان بعض الصور الإنسية وإما لإيقاع الأذية بهم، والأول هو الذي يثبته جميع الأطباء ويذكرون علاجه، والثاني يجحده كثير منهم، وبعضهم يثبته، ولا يُعرف له علاج إلا بمقاومة الأرواح الخيّرة العُلوية لتندفع آثار الأرواح الشرّيرة السُّفلية وتبطل أفعالها".(24)
قال ابن القيم: "وهذه العلة تُعدّ من جملة الأمراض الحادّة باعتبار وقت وجودها المؤلم خاصة، وقد تُعدّ من جملة الأمراض المُزمنة باعتبار طول مكثها وعُسْر برئها".(25)
والمقصود: أن أسباب الصرع عديدة، فمنها ما يكون عن أسباب فزيولوجية كتلف بعض أنسجة الجملة العصبية، ومنها ما يكون عن ضغوطات نفسانية لايحتملها المريض، ومنها ما هو من صرع الجن كما مرّ في الأحاديث رقم: (20 و21 من الفصل:2. و8 و20 و20 هامش من الفصل:5)، ومنها ما يكون من العين كما حدث لسهل بن حنيف لمّا عانه عامر بن ربيعة رضي الله عنهما، والحديث في "الموطأ" (1747) وغيره بسند صحيح.
وعن الصداع :
قال ابن القيم: "والصداع: ألم في بعض أجزاء الرأس أو كله" ؛ قال: "وأنواعه كثيرة، وأسبابه مختلفة". وذكر منها أسبابا عضوية ونفسية.
فمن بين الأسباب العضوية، قال:
-"يكون من قروح تكون في المعدة، فيألم الرأس لذلك الورم لاتصال العصب المنحدر من الرأس بالمعدة".
-"يكون من ورم في عروق المعدة، فيألم الرأس بألم المعدة للاتصال الذي بينهما".
-"صداع يعرض عن شدة الحر وسخونة الهواء".
- "ما يعرض عن شدة البرد".
-"ما يحدث من السهر وعدم النوم".
-"ما يحدث عن ورم في صفاق الدماغ، ويجد صاحبه كأنه يضرب بالمطارق على رأسه".(26)
ومن بين الأسباب النفسانية، قال:
-"ما يحدث من الأعراض النفسانية، كالهموم، والغموم، والأحزان، والوساوس، والأفكار الرديئة".اهـ(26)
وذكر أبو حامد الغزالي (450هـ-505هـ) بعض صور تأثير النفس وتصوراتها على البدن فقال: "وكذلك إذا حصلت في النفس صورة مكروهة استحال مزاج البدن، وحدثت رطوبة العرق، وإذا حدثت في النفس صورة الغلبة حمي مزاج البدن واحمر الوجه، وهذه الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة التي تحدث في البدن من هذه التصورات ليست عن حرارة وبرودة ويبوسة أخرى، بل عن مجرد التصور".ـ(27)
والمتأمّل في أقوال هؤلاء الأئمة مع كونهم ليسوا علماء طب بالاختصاص، يدرك مدى رسوخ علمهم وسعة اطلاعهم، وسلامة ودقة منهجهم في فهم وتميـيز الأسباب المرضية، ومعالجة أعراضها بطريقة لا تطولها عادة إلا فهوم وتجارب الأطباء، وأن ما قرروه من مبادئ وملاحظات وآداب تتعلق بمعالجة الأبدان صحيح إلى حد بعيد، وقد أثبت الطب الحديث جله. وقد تقدم كلام نفيس جدا لابن تيمية عليه رحمة الله حول تقسيم أسباب الصرع إلى عضوية ونفسية وجنيّة.
قال الذهبي:"ورأيت شيخنا الشيخ إبراهيم الرقي بصيرا بالطب، وكذلك شيخنا الشيخ تقي الدين بن تيمية، والشيخ عماد الدين الواسطي رحمه الله تعالى".(28) وقال "وكان الشافعي مع عظمته في علم الشريعة وبراعته في العربية بصيرا بالطب".(28)
وعن عبد الله بن محمد الاستراباذي قال: " أبو حاتم بن حبان البستي كان على قضاء سمرقند مدة طويلة وكان من فقهاء الدين وحفاظ الآثار والمشهورين في الأمصار والأقطار، عالما بالطب والنجوم وفنون العلم، ألف كتاب المسند الصحيح والتاريخ والضعفاء والكتب الكثيرة من كل فن".(29)
وقد ألـّف جماعة من الأئمة مصنفات مستقلة تبحث في علم الطب عموما والنبوي منه بوجه أخصّ، ومنهم: الحافظ أبي نعيم الأصفهاني، وابن السنيّ، وابن القيم، والذهبيّ، والسيوطي...وغيرهم، وكل هؤلاء من كبار أئمة الشريعة وعلوم الدين ؛ رحمهم الله تعالى.
*****
(1) سورة الشمس (9).
(2) سورة النساء (28).
(3) أخرجه البخاري في "الصحيح" (5642) و"الأدب المفرد" (492) ومسلم (2573) والترمذي (966) نحوه وأحمد (7967- 8219- 10624- 10757 ومواضع أخر) وابن حبان (2905) وأبو يعلى (2/433) وعبد بن حميد (1/298) والبيهقي في"الشعب" (7/157) عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة.
(4) أخرجه البخاري في "الصحيح" (2893- 5425- 6363- 6369) وفي "الأدب المفرد" (672- 801) وأحمد( 11816- 12205- 12891- 12952- 13112) والترمذي (3484) دون ذكر "الجبن"، وأبو داود(1540) مختصرا، وأبو يعلى (3695 وفي مواضع أخر) والبيهقي في"الكبرى" (6/304 و9/125) والنسائي في"الكبرى" (7911- 7940) وفي "المجتبى" (5476)دون ذكر "العجز"، وسعيد بن منصور (2676) والطبراني في الأوسط (129) وابن أبي شيبة (29141) دون ذكر "الدين وغلبة الرجال"، من حديث أنس بن مالك قال: كنت أخدم النبي صلى الله عليه وسلم فكنت أسمعه يكثر أن يقول:..(الحديث).
(5) "إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان" (1/26)
(6) سيأتي تخريج الكل في: الأحلام- الفصل السابع/ ص155.
(7) سيأتي تخريجه في: الأحلام- الفصل الخامس.
(8) الروح (1/64)
(9) سورة يوسف (84-85)
(10) سبق تخريجه.
(11) "التمهيد" (5/278).
(12) الزاد (4/352).
(13) رواه أحمد (3712) وغيره، وصححه الألباني في "الصحيحة" (1/199).
(14) سورة الروم (30).
(15) "مجموع الفتاوى" (28/447) وانظر الزاد(4/201).و"الفوائد" لابن القيم (1/33).
(16) ذكره في كتاب "الطب" (ص287).
(17) سورة المعارج (من 19 إلى 33).
(18) رواه ابن المبارك في"الزهد" (1/145) ومن طريقه الترمذي (5/528) والأنصاري في "طبقات المحدثين بأصبهان" (4/200) والحاكم في "المستدرك" (1/709) وقال "صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه" والنسائي في الكبرى (6/106-107) و"عمل اليوم والليلة" (1/310) والديلمي في "الفردوس" (1/485) وفيه ابن زحر ضعفوه، ورواه الطبراني في المعجم الصغير (2/109) بنحوه من طريق ابن لهيعة. والحديث حسن، انظر "صحيح الترمذي" (2783) و"صحيح الجامع" (1268) وغيره للألباني.
(19) رواه الترمذي (4/642) عن يزيد الرقاشي عنه. قال المنذري في "الترغيب والترهيب" (4/57): "ويزيد قد وثق ولا بأس به في المتابعات" والحديث صحيح لغيره كما في "صحيح الترمذي" (2005) و"صحيح الترغيب" (3169-1708).
(20) " إغاثة اللهفان" (1/26).
(21) سورة الملك (14).
(22) "زاد المعاد" (4/142-143)
(23)"زاد المعاد" ( 4/84) وانظر "الآداب الشرعية" لابن مفلح.
(24) "فتح الباري" (10/114) وانظر "نيل الأوطار" (8/203).
(25) "زاد المعاد" (4/70).
(26) "زاد المعاد" ( 4/84) وانظر "الآداب الشرعية" لابن مفلح.
(27) "مقاصد الفلاسفة" (ص314)
(28) في كتابه "الطب النبوي" (ص228).
(29) ذكره في "الأربعين البلدانية": (1/418).
في الإسلام
إعداد: أبو مالك سي العربي حسن
silarbi.hassen@caramail.com
الحمد لله وبعد،
المبحث الأول: أنواع علل النفوس
لما كان من المقطوع به أن النفوس تمرض كما تمرض الأبدان، لزم معرفة أنواع عللها، والنظر في أسبابها، وضبط قانون علاجها ووضع الدواء المناسب لها.
فأما أنواع علل النفوس:
1/ فمنها ما يتعلق بالنفس من جهة الشرع، مما يوجب فساد الاعتقادات وفساد الإرادات، فيكون هذا النوع من العلل مذموما لذاته، لسوء ما يترتب عنه في الدنيا من الشقاء، وفي الآخرة من العذاب كالشرك، والنفاق، والرياء، والهوى، والظلم، والعجب، والجهل، وفتن الشبهات كالبدع والمحدثات، والشهوات كالعشق والهيام الحرام، وحبّ الرياسة والتسلط، وإيثار الدنيا على الآخرة..إلخ
وهذه الأمراض علاجها إلى الرسل عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم، فهم أطباؤها، ولا سبيل لزوالها إلا بالأدوية الإيمانية المضادة لها، وذلك بمعرفة الحق وتمييزه من الباطل ثم العمل بمقتضاه والثبات عليه، وهذان هما العلم والإرادة.
والعناية بمعالجة النفوس أولى من كل عناية، فإن حياتها، وموتها، ومرضها، وشفاءها أعظم من حياة، وموت، ومرض، وشفاء البدن، فعلاجها هو المراد بقوله تعالى: {قد أفلح من زكاها}(1)، وإهمالها هو المراد بقوله: {وقد خاب من دساها}.(1) ولذلك كانت مداواة النفس من أمراضها تلك فرضا على الأعيان، وقد أهمل ذلك كثير من الخلق ؛ نسأل الله السلامةـ
2/ وأما النوع الثاني من أمراض النفس -وهو موضوع بحثنا-:
فهي الأمراض التي تتعلق بالنفس من جهة صاحبها، إما من حيث خصائص طبعه ومزاجه كالجبن والخوف والسذاجة والعجز..إلخ، وإما من حيث تأثير العوارض كالمصائب والنكبات الموجبة لاعتلالها وهي ما يعرف بالصدمات، فتضعف النفس لذلك وتمرض، فإن النفوس البشرية مفطورة على الضعف، لقوله تعالى: {وخُلِقَ الإنسانُ ضعيفا}(2) وربما تفاوت هذا التأثر بتفاوت طباع النفوس ذاتها، إذِ الناس في ذلك معادن وأصناف، فليس الشجاع كالجبان، ولا الذكي كالغبي، ولا الجلف كالرقيق، ولا ذو العزم كمخنثه وبتفاوت نوعية التنشئة والأحوال الاجتماعية المختلفة، فالبيئة الملتزمة بأحكام الدين وأخلاقه يكون أفرادها أكثر اتزانا وتحكما بما فيهم من هم في سن المراهقة .
ولا يترتب عن هذه الأمراض ما يترتب عن النوع الأول إلا من حيث ما ينجرّ عنها من الضرر والألم الذي قد يحصل لصاحبها، فتفوته كثير من مصالحه الدنيوية وربما الدينية أيضا كانشغاله في صلاته بحديث النفس والوساوس والأفكار الرديئة ؛ كما أنه يشترك فيها المؤمن وغير المؤمن، بَيْد أنّ المؤمن مثاب عليها لقوله صلى الله عليه وسلم: "ما يصيب المسلم من نَصَب، ولا وَصَب، ولا هَمّ، ولا حُزْن، ولا أذًى، ولا غَمّ، حتى الشوكة يُشاكها إلا كفّر الله بها من خطاياه".(3)
وتتمثل هذه الأمراض في: الهموم، والغموم، والأحزان، والوساوس، والاكتئاب، والقلق، والرغبة في الانزواء، والخوف المستمر، والانطواء على النفس، والوحشة، والتشكك، والإحساس بالنقص، والشعور بالإثم، وفقدان الثقة الذاتية، وسرعة الانفعال، ورؤية المنامات الليلية المفزعة، والخيالات المروّعة، والشرود الذهني، وعدم الارتياح، والأفكار الرديئة.. إلخ.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من الاستعاذة بالله منها فيقول: "اللهمّ إني أعوذ بك من الهمّ والحَزَن، والعَجْز والكَسَل، والبخل والجُبن، وضَلَع الدَّيـْن وغَلـبة الرّجال".(4)
قال العلاّمة ابن القيم في معرض كلامه عن انقسام أمراض القلب إلى شرعية وطبيعية: "والنوع الثاني: مرض مؤلم له في الحال، كالهمّ، والغمّ، والغيظ، وهذا المرض قد يزول بأدوية طبيعية كإزالة أسبابه، أو بالمداواة بما يضاد تلك الأسباب، وما يدفع موجبها مع قيامها، وهذا كما أن القلب قد يتألم بما يتألم به البدن، ويشقى بما يشقى به البدن، فكذلك البدن يتألم كثيرا بما يتألم به القلب ويشقيه ما يشقيه. فأمراض القلب التي تزول بالأدوية الطبيعية من جنس أمراض البدن، وهذه قد لا توجب وحدها شقاءه وعذابه بعد الموت، وأما أمراضه التي لا تزول إلا بالأدوية الإيمانية النبوية فهي التي توجب له الشقاء والعذاب الدائم إن لم يتداركها بأدويتها المضادة لها، فإذا استعمل تلك الأدوية حصل له الشفاء".(5)
قال: "والمقصود: أن من أمراض القلوب ما يزول بالأدوية الطبيعية، ومنها مالا يزول إلا بالأدوية الشرعية الإيمانية".(5)
*****
المبحث الثاني: تأثير النفس في البدن
ولما كانت النفس لا تنفك عن البدن، ولا البدن ينفك عن النفس، لزم تأثر أحدهما بالآخر، فإن الهموم إذا تراكمت أمرضت البدن وأضعفته، وربما قـتلته. وسوف نذكر في "أسباب الأعراض المرضية" ما أفاده ابن القيم من أن صداع الرأس وغيره، قد يحدث أيضا "من العوارض النفسانية كالهموم، والغموم، والأحزان، والوساوس، والأفكار الرديئة".
وفي هذه النقطة بالذات، فقد ثبت في حديث الرؤيا أن أبا قتادة رضي الله عنه قال: "وأنا كنت لأرى الرؤيا فتمرضني حتى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان، فمن رأى شيئا يكرهه فلينفث عن شماله ثلاثا، وليتعوّذ بالله من الشيطان فإنها لا تضرّه".(6) وقال أبو سلمة: "إن كنت لأرى الرؤيا تهمّني [هي أثـقل عليّ من الجبل]، فلما سمعت بهذا الحديث فما كنت أباليها".(6) وهذا يدل أن اللاشعور الذي في المنام قد يؤثر على الروح والبدن في حال اليقظة.
كما أن الفكرة الشعورية التي في اليقظة قد تنفعل على إثرها الروح والبدن في المنام، ويتجلى ذلك إما في الاضطراب، والتقلب، والصراخ، والحمى، والفزع.. الذي يحدث للنائم، وإما في الارتياح، والنشاط.. الذي يعقب يقظته.
وقد ثبت هذا المعنى في حديث النبيّ صلى الله عليه وسلم حيث قال: "الرؤيا ثلاث، فبشرى من الله، وحديث النفس [ما يهمّ به الرجل في يقظته فيراه في منامه]، وتخويف من الشيطان [ليحزن بني آدم]".(7)
قال ابن القيم: "وقد أرانا الله سبحانه، بلطفه ورحمته وهدايته من ذلك أنموذجا في الدنيا من حال النائم، فإن ما ينعم به أو يعذب في نومه، يجري على روحه أصلا، والبدن تبع له، وقد يقوى حتى يؤثر في البدن تأثيرا مشاهدا، فيرى النائم في نومه أنه ضرب فيصبح وأثر الضرب في جسمه، ويرى أنه قد أكل أو شرب، فيستيقظ وهو يجد أثر الطعام والشراب في فيه ويذهب عنه الجوع والظمأ، وأعجب من ذلك أنك ترى النائم يقوم في نومه ويضرب ويبطش ويدافع كأنه يقظان وهو نائم لا شعور له بشيء من ذلك".(8)
والحاصل أن الأحوال الجسمانية تابعة للأحوال النفسانية في كثير من الأوضاع، وقد سبق ما أفاده ابن القيم حين قال: "وهذا، كما أنّ القلب قد يتألم بما يتألم به البدن، ويشقى بما يشقى به البدن، فكذلك البدن يتألم كثيرا بما يتألم به القلب ويشقيه ما يشقيه".
ويمكن ملاحظة آثار هذه التبعية واضحة في الأعراض المختلفة التي تظهر على البدن، والتي قد تتفاوت بحسب تأثّر النفس وانفعالها، وبحسب القدرات العقلية والخلقية للأفراد أنفسهم، ويمكننا تسجيل وسرد جملة من هذه الأعراض: كالصرع، والصداع، والارتجاف، والتشنج، وصداع الرأس، وأوجاع المعدة، والارتعاش، والعمى، وزوال النطق أو اضطرابه، والشلل الجزئي، والنسيان، وفتور الرغبة الجنسية، والعقم النفساني، والانسداد في أحد العروق الدماغية، وظهور تلوّن وبقع على مستوى الجلد، وانتفاخ الأطراف، وارتفاع كل من: كمية السكر في الدم، والضغط الدموي، ودرجة الحرارة في الجسم، والقيء وغيرها من الأعراض، وهي كثيرة.
وهذا التقرير أمر معلوم لمن كان له قليل إمعان ومعرفة بأحوال النفوس، فضلا عمن له دربة في معالجتها.
قال الذهبي في كتابه "الطب النبوي" (ص75): "فصل في الأعراض النفسانية: البدن يتغير من جهة الأعراض النفسانية، وهي: الغضب، والفرح، والهم، والغم، والخجل. أما الغضب فإنه يسخن البدن ويـجففه.."، وقال: "والهم والغم يحدث الحميات اليومية".
وقد أكدّ القرآن الكريم هذه الحقيقة بأوضح عبارة في قصة يعقوب حين ذكر أن سبب فقد بصره كان حزنه على مفارقة فلذة كبده يوسف عليه وعلى أبيه السلام. قال تعالى: {وتولىّ عنهم وقال يا أسَفَى على يوسف وابيضّت عيناه من الحُزْن فهو كظيم* قالوا تالله تفْـتَـؤُ تذكر يوسف حتى تكون حرضًا أو تكون من الهالكين}.(9)
فإذا عرف هذا، تبيّن أن الأعراض المرضية قد تشترك في مظاهرها الخارجية غير أنها تختلف في أسبابها ومسبباتها.
*****
المبحث الثالث: مشروعية التداوي من الأمراض النفسانية
ولما كان مقصود الشرع حفظ النفوس من التلف، فقد أذن في دفع الضرر عنها، فقال صلى الله عليه وسلم: "تداووا، فإنّ الله عزّ وجلّ لم يضع داء إلاّ وضع له دواء، غير داء واحد: الهرم".(10)
ولفظ هذا الحديث عام وصريح في الدلالة على مشروعية التداوي من الأمراض كلها.
قال ابن عبد البرّ: "فمن زعم أنه لا معنى للرقى والاستعاذة، ومَنَع من التداوي والمعالجة ونحو ذلك مما يُلتمس به العافية من الله فقد خرج من عـرْفِ المسلمين وعدا طريقهم".(11)
وقد عرفنا فيما سبق أن الهموم والأحزان والوساوس إذا ما تراكمت على النفس أوهنتها وأمرضتها وربما قتلتها، والبدن تابع لأحوالها، فإذا أمكن طلب وتفتيش ودفع أسباب عللها، تأكدت حينئذ مشروعية مداواتها، فإن الله ما جعل للنفس مرضا إلا جعل له شفاء بضده، فإن علمه صاحب الداء واستعمله وصادف داء نفسه أبرأه بإذن الله تعالى.
*****
المبحث الرابع: القرآن كمنهج لمعالجة الأمراض النفسانية
إن أساس كل معالجة مبنيّ على دفع المرض بضده، وإصلاح ما أفسد النفس من العوارض والأسباب التي أخرجتها عن اعتدالها الطبيعي ثم الحمية منها.
فتألـّم النفوس بالغيظ الحاصل في القلب من عدو متربص أو ظالم مُسْتَوْلٍ، شفاؤه بزوال ما حصل في القلب منه، ويكون باستيفاء الحق الضائع، لهذا يقال فلان شفى غيظه، كما أن شفاء الحزن بالسرور، وشفاء الخوف بالأمن، وشفاء الشك باليقين، وشفاء التعب بالراحة والنوم...وكل هذه أضداد موجبة لزوال المرض، وإنما يزول فعلا بمعرفة سببه ووجود المعارض له.
ولابد لضمان هذه الخطوات من منهج دقيق تراعى فيه البدائل المتعلقة بحياة الإنسان النفسية، والاجتماعية، والاقتصادية وغيرها مما يضمن استقراره وتوازنه الروحي والمادي.
ولما كان القرآن الكريم جامعا لحقيقة الفطرة الإنسانية، متضمّنا لمتطلباتها، كان منهجه في سياسة النفوس ومعالجتها أقوم منهج، فقد حوى :
* أنواع المعارف: كمعرفة الباري جلّ وعلا وأسمائه وصفاته، وهي أعظم أنواع المعارف وأجلّها، ومعرفة حكمته وسنّته في خلقه.
* وأنواع العلاقات: كتلك التي بين الإنسان ونفسه، وربّه، والتي تربطه مع بني جنسه، بل مع الكون الذي هو كائن فيه.
* وأنواع الواجبات الشرعية: كواجب الإنسان في إتيان العبادات القلبية والبدنية والمالية التي أمر بها، ودوره في إعمار الأرض بما يصلحها.
* وأنواع المحظورات: التي تضرّ الإنسان وتفسد عليه دينه ودنياه...
إلى آخر تلك المتطلبات التي لا تصلح الحياة بغيرها.
ومن تأمل هذا كله أدرك أن القرآن هو مفتاح السعادة الحقة، والشفاء التّام لأدواء الدنيا والآخرة، ومثله كماء أنزله الله من السماء، كما جرى تمثيله بذلك في الكتاب والسنة، "فما من مرض من أمراض القلوب والأبدان، إلا وفي القرآن سبيل الدلالة على دوائه، وسببه، والحمية منه، لمن رزقه فهما في كتابه".(12)
فعلى أساس هذا المنهج الشمولي الفريد يجعل القرآن الكريم تغيير ما يصيب واقع الناس من النوائب، والشقاء، وضنك العيش يبدأ بتغيير النفس، وذلك بالتزامها بهذه المتطلبات كلها، فقال تعالى: "إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" (الرعد: 11)
ولهذا، فقد كان من إرشاده صلى الله عليه وسلم لمن ابتلي بالهمّ والحزن أن يدعو: بأن يجعل الله القرآن ربيع قلبه، ونور صدره، وجلاء حُزنه، وذهاب همّه.(13)
وتكفي شهادة التاريخ دليلا لمعرفة الأثر البالغ الذي تركه منهج القرآن في صقل النفوس والسموّ بها إلى مدارج الكمال البشري، في توازن بديع، جَمَع متطلبات المادة والروح في غير إفراط ولا تفريط.
وإننا لنجزم أنه ما دامت الإنسانية شاردة عن منهج الفطرة الذي ارتضاه الله لها، فيستحيل أن تجد للسعادة المنشودة طعما، لا على مستوى الأفراد، ولا على مستوى الأسر، ولا على مستوى المجتمعات والدول.{فأقم وجهك للدين حنيفا فِطْرَتَ الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لِخَلْقِ الله ذلك الدِّينُ القَـيّمُ ولكنّ أكثر النَّاسِ لا يَعْلمون}.(14)
على أن كثيرا من عقلاء الغرب اعترفوا بهذه الحقيقة فيما كتبوه من بحوث علمية، فبرهنوا فيها، بما لا يدع مجالا للشك عن تطابق الفطرة البشرية مع الإسلام. راجع لمعرفة بعض ذلك كتاب: "الإنسان ذلك المجهول" للدكتور ألكسيس كاريل.(جائزة نوبل للطب 1912م).
*****
المبحث الخامس: علماء المسلمين والطب النفساني
لقد أصّل علماء الإسلام قواعد هامة تتعلق بأنواع المعالجات، وذلك بالنظر إلى نوع المرض وسببه والدواء المضاد له، فعند تناولهم للسبب، قسّموا رحمهم الله الأمراض من جهة حصولها إلى جسمانية ونفسانية وإلى ما هو من تأثير ضرر السحر والجن والعين.
قال ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (19/32): "وليس لمن أنكر ذلك (أي صرع الجن) حجة يعتمد عليها تدل على النفي، وإنما معه عدم العلم إذ كانت صناعته ليس فيها ما يدل على ذلك، كالطبيب الذي ينظر في البدن من جهة صحته ومرضه الذي يتعلق بمزاجه، وليس في هذا تعرض لما يحصل من جهة النفس، ولا من جهة الجن، وإن كان قد علم طبُّه أن للنفس تأثيرا عظيما في البدن أعظم من تأثير الأسباب الطبية، وكذلك للجن تأثير في ذلك كما قال النبيّ (صلى الله عليه وسلم) في الحديث الصحيح: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم".
وفي تقريرهم للعلاقة الوثيقة بين الجسم والنفس فقد قرروا حقيقة علمية أثبتتها البحوث العلمية في هذا العصر وهي أن الأحوال الجسمانية تابعة للأحوال النفسانية سلبا وإيجابا والعكس صحيح أيضا، فالجسم يتأثر كثيرا بما تتأثر به النفس وهو ما يُعرف في زماننا بالأمراض البسيكوسوماتية psychosomatiques .
كما أنهم برهنوا كيف أن للاشعور الإنسان تأثير على شعوره بل على أحواله كلها، وقد تقدم في هذا الصدد ما أفاده العلاّمة ابن القيم عليه رحمة الله فيما يتعلق بالرؤية.
ومن ثَمّ فقد فرّقوا رحمهم الله بين أمراض النفس الطبيعية وأمراضها الشرعية، وأن علاج الأولى هو من جنس علاج الأمراض البدنية إما بإزالة أسبابها أو بالمداواة بما يضاد تلك الأسباب وما يدفع موجبها حتى يرجع للنفس اعتدالها الطبيعي.
بيد أن علماء الإسلام نظروا إلى أبعد من هذا كله، فاجتهدوا في وضع أسس الوقاية والحمية من هذه الأمراض عبر التربية الروحية والتنشئة الاجتماعية التي لا يكون لها معنى إلا ضمن دائرة الإيمان في تكوين الأفراد تكوينا سويا ومتوازنا، فكانوا بذلك مطابقين في تناولهم للأمراض النفسانية للمنهج القرآني الشامل.
قال ابن تيمية: "والمرض في القلب كالمرض في الجسد فكما أن هذا هو إحالةٌ عن الصحة والاعتدال من غير موت، فكذلك قد يكون في القلب مرض يحيله عن الصحة والاعتدال من غير أن يموت القلب، سواء أفسد إحساس القلب وإدراكه، أو أفسد عمله وحركته، وذلك كما فسروه: هو من ضعف الإيمان، إما بضعف علم القلب واعتقاده، وإما بضعف عمله وحركته، فيدخل فيه مَنْ ضَعُف تصديقه، ومن غلب عليه الجبن والفزع، فان أدواء القلب من الشهوة المحرمة والحسد والجبن والبخل وغير ذلك كلها أمراض، وكذلك الجهل والشكوك والشبهات التي فيه".(15)
وقد كتب الإمام الذهبي وصفة لإصلاح القلب ودفع الوسواس فقال: "هو أكل الحلال، وملازمة الورع، وترك الرخص بالتأويلات، وحفظ الجوارح الظاهرة، وحفظ الجوارح الباطنة، وسياسة النفس بالعلم، وصيانة السرّ بالمراعاة، والابتهال إلى الله عز وجل أن يعيذك من نفسك وهواك وشيطانك".(16)
وقال ابن القيم في "شفاء العليل" (1/274): "فالهمّ يكون على مكروه يتوقع في المستقبل يهتم به القلب، والحزن على مكروه ماض من فوات محبوب أو حصول مكروه إذا تذكره أحدث له حزنا، والغم يكون على مكروه حاصل في الحال يوجب لصاحبه الغمّ، فهذه المكروهات هي من أعظم أمراض القلب وأدوائه وقد تنوّع الناس في طرق أدويتها والخلاص منها، وتباينت طرقهم في ذلك تباينا لا يحصيه إلا الله، بل كل أحد يسعى في التخلّص منها بما يظنّ أو يتوهم أنه يخلصه منها، وأكثر الطرق والأدوية التي يستعملها الناس في الخلاص منها لا يزيدها إلا شدّة لمن يتداوى منها بالمعاصي على اختلافها من أكبر كبائرها إلى أصغرها، وكمن يتداوى منها باللهو واللعب والغناء وسماع الأصوات المطربة وغير ذلك، فأكثر سعي بني آدم أو كله إنما هو لدفع هذه الأمور والتخلص منها، وكلهم قد أخطأ السلامة إلا من سعى في إزالتها بالدواء الذي وصفه الله لإزالتها، وهو دواء مركّب من مجموع أمور متى نقص منها جزء نقص من الشفاء بقدره، وأعظم أجزاء هذا الدواء هو التوحيد والاستغفار..."اهـ
وقال في "عدة الصابرين" (1/227): "وإنما تحصل الهموم والغموم والأحزان من جهتين إحداهما: الرغبة فى الدنيا والحرص عليها، والثانى: التقصير فى أعمال البرّ والطاعة".
ومقتضى هذا، أن مدار معالجة النفوس من كافة أمراضها: على تقوية إيمانها بأنواع الطاعات القلبية والبدنية والمالية، وتحصينها بالتعوّذات والدعوات النبوية، وتزكيتها من أدرانها، وقد تضافرت نصوص الكتاب والسنة على بيان ذلك. قال الله تعالى: {إن الإنسان خُلق هلوعا* إذا مسّه الشرّ جزوعا* وإذا مسّه الخير منوعا* إلا المصلين* الذين هم على صلاتهم دائمون* والذين في أموالهم حقٌّ معلوم* للسائل والمحروم* والذين يصدّقون بيوم الدّين* والذين هم من عذاب ربّهم مشفقون* إن عذاب ربـِّهم غيرُ مأمون* والذين هم لفروجهم حافظون* إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين* فمن ابتغى وراء ذلك فأوْلئك هم العادون* والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون* والذين هم بشهاداتهم قائمون* والذين هم على صلاتهم يحافظون}.(17)
ولما كان الأسلاف من الحرص على تعاليم الدين: علما، وعملا، وتبليغا، وجهادا لإعلاء كلمة الله، فقد كُفُوا شرور صدورهم، فقلّت فيهم الهموم والأحزان والوساوس والأوهام التي فشت في غيرهم. ولما اندرست معالم الدين عند الخُلوف وبُسطت لهم الدنيا، كان ما يصيبهم من جهة نفوسهم أشدّ وأضرّ.
ومن ثَمّ، فالمقتضي للأمراض النفسانية العصرية لم يكن موجودا في عهدهم بالشكل الملاحظ اليوم، إلى جانب اعتبارات أخرى، سنذكر بعضها في الفصل الذي يأتي.
وإذا علم هذا، تبين لماذا لم يُصَنّف علماء الإسلام الأوائل في الطب النفساني الذي يُعرف في زماننا بــ: البسيكولوجيا، مصنفات مستقلة، مع أنهم لم يغفلوا عن الإشارة إليه، وإنما كتبوا في التزكية النفسية، وأمراض القلوب، والرقاق، والمواعظ، والزهد، والتوبة، وغيرها، لكون هذا أصل في الحمية من ذاك، فإن النفس كلما كانت أقرب إلى بارئها باليقين والرضا والمحبة كان أنسها وسرورها به أعظم من الهمّ والحُزن الذي قد يعتريها.
عن ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكاد يقوم من مجلسه إلا دعا بهؤلاء الدعوات: "اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به رحمتك (وفي رواية: جنتك)، ومن اليقين ما تهوّن به علينا مصيبات (وفي رواية: مصائب) الدنيا، ومتّعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا".(18)
وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كانت الآخرة همّه (وفي رواية: نيته) جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله (في رواية ابن حبان وابن ماجه من طريق أخرى: أمره)، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له".(19)
*****
المبحث السادس: النهي عن المعالجات المحرمة
وإذا كان دفع العلل النفسية بما يوجب شفاءها وراحتها مما لا خلاف فيه عقلا وشرعا، إلا أن التداوي بما حرم الله لا يحل بحال، كما قد يفعله أهل الإلحاد وبعض من لا خلاق لهم، من أذناب فرويد وأضرابه.
فإنهم يأمرون من ابتلي ببعض العقد النفسية والوساوس الشيطانية كفرط الخجل، وفتور الرغبة الجنسية وغيرها برفع الحياء الذي هو مادة الحياة للقلب، ومواقعة الفحشاء، وتطريب القلب بسماع الغناء، متحججين بأن ذلك ينفّس عن المكبوتات المترسخة في أعماق نفس المريض، فتنحل عقده! زعموا ؛ وهؤلاء محرّفون للفطرة، مغيرون للقلب عن استقامته، بل هم الممرضون للنفوس المسقمون لها.
والحقيقة الملاحَظة أن كثيرا من ضحاياهم من المرضى لا يبرأون، بل يزدادون تيها، وتعقيدا، وخيبة، ذلك أن طريقة مدرسة التحليل النفسي قد أثبتت عدم علميتها، وجهلها بحقيقة الإنسان، وإنكارها للبعد الروحي والأخلاقي فيه، فلو كان تحرير الغرائز والمكبوتات يجلب الاعتدال والتوازن النفسي كما زعمت لَمَا كان مجتمعا في أوج الاكتفاء المادي والتطور التكنولوجي والإباحية الأخلاقية كالمجتمع الأمريكي من أكثر مجتمعات الأرض معاناة من الأمراض النفسانية بشتى أشكالها.
ويكفي انتقاد مفكري الغرب أنفسهم لنظرية فرويد لكي يدرك المنخدعون به قيمة بحوثه التي روجتها وسائل المكر اليهودية وأرادت أن تجعلها حقائق علمية واكتشافات حيادية!
يقول البروفيسور "روبرت ودورث" الذي يعتبر من روّاد علم النفس الحديث فيما بعد الحرب العالمية الأولى بكتبه الكثيرة عن علم النفس التجريبي، وعلم النفس الديناميكي، ورياسته لعلم النفس في لجنة البحث القومي الأمريكي، وهيئة علماء النفس الأمريكيين: "ولو بحثت عن رأيي الشخصي في "سيكولوجيا" فرويد لكان عليّ أن أقول: إنني لا أؤمن بأن يكون مذهبه صحيحا بأيّ معنى مطلق. ولابد أن يوضع في مصافّ النظريات العلمية الكبرى التي تربط المعرفة الراهنة، فإنها (أي نظريته) بكائناتها وثناياها تبدو متخلّفة أكثر منها ناظرة إلى الأمام".
هذا، وقد شاع في السنين الأخيرة توجيه بعض من ابتلي بالوحشة والانهيار النفساني إلى ممارسة ما يسمى بـ: "la méditation transcendantale" (التأمّل الاستعلائي)، أو الطب التأمّلي، وهو من مخلّفات طريقة الهندوك ونحلة البراهمية لتزكية النفس والسموّ بها، واستـفراغ همومها!! استمدوها من عقائدهم الشركية البالية ؛ فلو لم يكن في هذه الطريقة إلا التشبّه بعبادة الكفار - وهي من أخصّ خصائصهم - لكان ذلك كافيا لتحريم التعالج بها.
قال ابن القيم: "وكذلك الغمّ والهمّ والحزن: أمراض للقلب وشفاؤها بأضدادها: من الفرح والسرور، فإن كان ذلك بحق اشتفى القلب وصح وبرئ من مرضه، وإن كان بباطل توارى ذلك واستتر ولم يزل، وأعقب أمراضا هي أصعب وأخطر".(20)
والمقصود: أنّ النفس إذا عولجت بغير منهج القرآن والسنة فلا سبيل لاعتدالها وراحتها، قال تعالى: {ألا يعلم مَن خَـلَق وهو اللطيف الخبير}.(21)
ولهذا تجد أكثر من يعالجون النفوس بغير هذا المنهج لا يغيرون شيئا كثيرا، فإذا كانت النفوس قد تسكن أحيانا لسبب راجح إلا أن المقتضي له يبقى قائما يهيج بأدنى سبب.
*****
المطلب السابع: نماذج من تمييز بعض أئمة القرون الماضية لأسباب الأعراض المرضية
قال الإمام ابن القيم رحمه الله (691هـ/توفي751هـ): "والطبيب الحاذق، هو الذي يراعي في علاجه عشرين أمرا"، وذكر منها:
1- "النظر في نوع المرض من أي الأمراض هو؟".
2- "النظر في سببه، من أي شيء حدث، والعلة الفاعلة التي كانت سبب حدوثه ما هي؟".
3- "النظر في الدواء المضاد لتلك العلة".(22)
فعن أسباب الصرع :
قال: "الصرع صرعان: صرع من الأرواح الخبيثة الأرضية (وهو صرع الجن)، وصرع من الأخلاط الرديئة (وأسماه بالصرع الطبيعي)، والثاني هو الذي يتكلم فيه الأطباء في سببه وعلاجه". إلى أن قال: "وإحالتهم (أي الأطباء) ذلك إلى غلبة بعض الأخلاط هو صادق في بعض أقسامه لا في كلها".(23)
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني (773هـ/توفي852هـ):"انحباس الريح قد يكون سببا للصرع، وهي علة تمنع الأعضاء الرئيسية عن انفعالها منعا غير تام، وسببه ريح غليظة تـنحبـس في منافذ الدماغ، أو بخار رديء يرتفع إليه من بعض الأعضاء، وقد يتبعه تشنّج في الأعضاء، فلا يبقى الشخص معه منتصبا بل يسقط ويقذف بالزبد لغلظ الرطوبة ؛ وقد يكون الصرع من الجن، ولا يقع إلا من النفوس الخبيثة منهم، إما لاستحسان بعض الصور الإنسية وإما لإيقاع الأذية بهم، والأول هو الذي يثبته جميع الأطباء ويذكرون علاجه، والثاني يجحده كثير منهم، وبعضهم يثبته، ولا يُعرف له علاج إلا بمقاومة الأرواح الخيّرة العُلوية لتندفع آثار الأرواح الشرّيرة السُّفلية وتبطل أفعالها".(24)
قال ابن القيم: "وهذه العلة تُعدّ من جملة الأمراض الحادّة باعتبار وقت وجودها المؤلم خاصة، وقد تُعدّ من جملة الأمراض المُزمنة باعتبار طول مكثها وعُسْر برئها".(25)
والمقصود: أن أسباب الصرع عديدة، فمنها ما يكون عن أسباب فزيولوجية كتلف بعض أنسجة الجملة العصبية، ومنها ما يكون عن ضغوطات نفسانية لايحتملها المريض، ومنها ما هو من صرع الجن كما مرّ في الأحاديث رقم: (20 و21 من الفصل:2. و8 و20 و20 هامش من الفصل:5)، ومنها ما يكون من العين كما حدث لسهل بن حنيف لمّا عانه عامر بن ربيعة رضي الله عنهما، والحديث في "الموطأ" (1747) وغيره بسند صحيح.
وعن الصداع :
قال ابن القيم: "والصداع: ألم في بعض أجزاء الرأس أو كله" ؛ قال: "وأنواعه كثيرة، وأسبابه مختلفة". وذكر منها أسبابا عضوية ونفسية.
فمن بين الأسباب العضوية، قال:
-"يكون من قروح تكون في المعدة، فيألم الرأس لذلك الورم لاتصال العصب المنحدر من الرأس بالمعدة".
-"يكون من ورم في عروق المعدة، فيألم الرأس بألم المعدة للاتصال الذي بينهما".
-"صداع يعرض عن شدة الحر وسخونة الهواء".
- "ما يعرض عن شدة البرد".
-"ما يحدث من السهر وعدم النوم".
-"ما يحدث عن ورم في صفاق الدماغ، ويجد صاحبه كأنه يضرب بالمطارق على رأسه".(26)
ومن بين الأسباب النفسانية، قال:
-"ما يحدث من الأعراض النفسانية، كالهموم، والغموم، والأحزان، والوساوس، والأفكار الرديئة".اهـ(26)
وذكر أبو حامد الغزالي (450هـ-505هـ) بعض صور تأثير النفس وتصوراتها على البدن فقال: "وكذلك إذا حصلت في النفس صورة مكروهة استحال مزاج البدن، وحدثت رطوبة العرق، وإذا حدثت في النفس صورة الغلبة حمي مزاج البدن واحمر الوجه، وهذه الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة التي تحدث في البدن من هذه التصورات ليست عن حرارة وبرودة ويبوسة أخرى، بل عن مجرد التصور".ـ(27)
والمتأمّل في أقوال هؤلاء الأئمة مع كونهم ليسوا علماء طب بالاختصاص، يدرك مدى رسوخ علمهم وسعة اطلاعهم، وسلامة ودقة منهجهم في فهم وتميـيز الأسباب المرضية، ومعالجة أعراضها بطريقة لا تطولها عادة إلا فهوم وتجارب الأطباء، وأن ما قرروه من مبادئ وملاحظات وآداب تتعلق بمعالجة الأبدان صحيح إلى حد بعيد، وقد أثبت الطب الحديث جله. وقد تقدم كلام نفيس جدا لابن تيمية عليه رحمة الله حول تقسيم أسباب الصرع إلى عضوية ونفسية وجنيّة.
قال الذهبي:"ورأيت شيخنا الشيخ إبراهيم الرقي بصيرا بالطب، وكذلك شيخنا الشيخ تقي الدين بن تيمية، والشيخ عماد الدين الواسطي رحمه الله تعالى".(28) وقال "وكان الشافعي مع عظمته في علم الشريعة وبراعته في العربية بصيرا بالطب".(28)
وعن عبد الله بن محمد الاستراباذي قال: " أبو حاتم بن حبان البستي كان على قضاء سمرقند مدة طويلة وكان من فقهاء الدين وحفاظ الآثار والمشهورين في الأمصار والأقطار، عالما بالطب والنجوم وفنون العلم، ألف كتاب المسند الصحيح والتاريخ والضعفاء والكتب الكثيرة من كل فن".(29)
وقد ألـّف جماعة من الأئمة مصنفات مستقلة تبحث في علم الطب عموما والنبوي منه بوجه أخصّ، ومنهم: الحافظ أبي نعيم الأصفهاني، وابن السنيّ، وابن القيم، والذهبيّ، والسيوطي...وغيرهم، وكل هؤلاء من كبار أئمة الشريعة وعلوم الدين ؛ رحمهم الله تعالى.
*****
(1) سورة الشمس (9).
(2) سورة النساء (28).
(3) أخرجه البخاري في "الصحيح" (5642) و"الأدب المفرد" (492) ومسلم (2573) والترمذي (966) نحوه وأحمد (7967- 8219- 10624- 10757 ومواضع أخر) وابن حبان (2905) وأبو يعلى (2/433) وعبد بن حميد (1/298) والبيهقي في"الشعب" (7/157) عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة.
(4) أخرجه البخاري في "الصحيح" (2893- 5425- 6363- 6369) وفي "الأدب المفرد" (672- 801) وأحمد( 11816- 12205- 12891- 12952- 13112) والترمذي (3484) دون ذكر "الجبن"، وأبو داود(1540) مختصرا، وأبو يعلى (3695 وفي مواضع أخر) والبيهقي في"الكبرى" (6/304 و9/125) والنسائي في"الكبرى" (7911- 7940) وفي "المجتبى" (5476)دون ذكر "العجز"، وسعيد بن منصور (2676) والطبراني في الأوسط (129) وابن أبي شيبة (29141) دون ذكر "الدين وغلبة الرجال"، من حديث أنس بن مالك قال: كنت أخدم النبي صلى الله عليه وسلم فكنت أسمعه يكثر أن يقول:..(الحديث).
(5) "إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان" (1/26)
(6) سيأتي تخريج الكل في: الأحلام- الفصل السابع/ ص155.
(7) سيأتي تخريجه في: الأحلام- الفصل الخامس.
(8) الروح (1/64)
(9) سورة يوسف (84-85)
(10) سبق تخريجه.
(11) "التمهيد" (5/278).
(12) الزاد (4/352).
(13) رواه أحمد (3712) وغيره، وصححه الألباني في "الصحيحة" (1/199).
(14) سورة الروم (30).
(15) "مجموع الفتاوى" (28/447) وانظر الزاد(4/201).و"الفوائد" لابن القيم (1/33).
(16) ذكره في كتاب "الطب" (ص287).
(17) سورة المعارج (من 19 إلى 33).
(18) رواه ابن المبارك في"الزهد" (1/145) ومن طريقه الترمذي (5/528) والأنصاري في "طبقات المحدثين بأصبهان" (4/200) والحاكم في "المستدرك" (1/709) وقال "صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه" والنسائي في الكبرى (6/106-107) و"عمل اليوم والليلة" (1/310) والديلمي في "الفردوس" (1/485) وفيه ابن زحر ضعفوه، ورواه الطبراني في المعجم الصغير (2/109) بنحوه من طريق ابن لهيعة. والحديث حسن، انظر "صحيح الترمذي" (2783) و"صحيح الجامع" (1268) وغيره للألباني.
(19) رواه الترمذي (4/642) عن يزيد الرقاشي عنه. قال المنذري في "الترغيب والترهيب" (4/57): "ويزيد قد وثق ولا بأس به في المتابعات" والحديث صحيح لغيره كما في "صحيح الترمذي" (2005) و"صحيح الترغيب" (3169-1708).
(20) " إغاثة اللهفان" (1/26).
(21) سورة الملك (14).
(22) "زاد المعاد" (4/142-143)
(23)"زاد المعاد" ( 4/84) وانظر "الآداب الشرعية" لابن مفلح.
(24) "فتح الباري" (10/114) وانظر "نيل الأوطار" (8/203).
(25) "زاد المعاد" (4/70).
(26) "زاد المعاد" ( 4/84) وانظر "الآداب الشرعية" لابن مفلح.
(27) "مقاصد الفلاسفة" (ص314)
(28) في كتابه "الطب النبوي" (ص228).
(29) ذكره في "الأربعين البلدانية": (1/418).