Home Up الكتب المنشورة مواقع هامة في المجال السيرة الذاتية منتدى الأعصاب والطب النفسي مواقع عربية ونفسية الأبحاث العلمية

  مقدمة الطبعة الأولى

لماذا ندرس البيولوجى

    هل هناك ثمة علاقة بين علم النفس وعلم البيولوجي؟ سؤال يتبادر إلى ذهن دارس علم النفس وهو في سنواته الدراسية الأولى، خاصة وأن علم النفس من العلوم الحديثة مقارنة بالعلوم الأخرى. بالإضافة إلى أن العامة يتخذون من علم النفس موقفاً يمكن تلخيصه في أنهم يعتبرونه مجرد مجموعة معارف يمكن لأي فرد أن يحصلها دون أن يستلزم ذلك إعداداً خاصاً، ولا خبرة متخصصة.

   وقبل أن نجيب على التساؤل الذي طرحناه في البداية، نشير أولاً إلى أن علم النفس نشأ في أحضان الفلسفة وارتبط بها، وخاصة الفلسفة اليونانية متمثلة في سقراط وأفلاطون وأرسطو. وقد قام الأخير بمناقشة بعض الوظائف النفسية كالإحساس، ولكن غلب على كل ما تناوله الفلاسفة من وظائف نفسية طابع التأملات الفلسفية، أكثر من كونها إنطباعات تجريبية. ومع ذلك فقد حاول الكثيرون منهم إيجاد علاقة بين النفس والجسم، أو بمعنى آخر علاقة بين النفسي والبيولوجي. وكلنا يعرف الفكرة التى نادى بها جالينوس فى القرن الخامس قبل الميلاد، والخاصة بوجود أربعة أخلاط أو سوائل ينكون منها الجسم: وهى السوداء والصفراء، والبلغم، والدم. وقد أعتمد هيبوقراط بعد ذلك على هذه الفكرة، وأشار إلى وجود أربعة أمزجة تتكون منها الشخصية، ويعتمد كل مزاج منها على نسبة امتزاج سوائل الجسم الأربعة، وهى المزاج السوداوي، والمزاج البلغمي، والمزاج الصفراوي، وأخيرا المزاج الدموي.

   والحقيقة أن علم البيولوجي كعلم لم تظهر إرهاصاته الأولى إلا فى القرنين السابع عشر، والثامن عشر، وذلك على أيدي مجموعة من العلماء أمثال عالم التشريح الإيطالي مارشيللو مالبيجى M. Malpighi (1628-1694)، وروبرت هوك R. Hook (1635-1703)، وأنطون ليفانهوك A.Leewenhock (1632-1723)، وجورج بوفون G. Buffoon (1707- 1788)، وغيرهم من العلماء الذين قاموا بدراسة الحيوانات والنباتات، وتوصلوا إلى معرفة شكل الحيوان المنوي، والخلايا الدموية للجسم البشرى.

   وإذا ما نظرنا إلى بدايات علم البيولوجي نجدها بدايات متأخرة إذا ما قارناها بالعلوم الأخرى كالكيمياء والفيزياء مثلاً. ويرجع هذا التأخر إلى أن مادة البحث في هذين العلمين إنما هي مادة جامدة لا يمانع المجتمع وأخلاقياته في تناولها والتعامل معها. بينما تقوم دراسة علم البيولوجي على الكائنات الحية ذات التعقيد والقدسية. ولذلك فقد كان للفهم المتخلف للدين في هذين القرنين دوره في تأخر دراسة التركيب الداخلي للكائنات الحية وعلى رأسها الإنسان، الأمر الذي صبغ هذا العلم في بداياته بالطابع الميتافيزيقي، وأصبح الإقتراب من الحقائق البيولوجية أمراً قد يكلف العالم حياته. وكلنا يعرف ما أصاب علماء نظرية التطور أمثال كوبرنيكس ودارون وغيرهما من قذفهم بالإلحاد والزندقة. ومع ذلك فقد إستطاع عالم النبات الشهير جان لامارك (1744-1829) أن ينقل هذا العلم من مرحلته الميتافيزيقية إلى المرحلة الوضعية من خلال نظريته فى اكتساب الصفات وتوارثها.

    وفي العصر الحديث امتد أثر الجانب البيولوجي على العمليات النفسية كما ظهر في كتابات فلاسفة العصر من أمثال ديكارت، ووليم جيمس، وجون لوك، وغيرهم. ثم بدأت معالم علم النفس تتحدد أكثر على أيدي علماء النفس والفسيولوجيا. فها هو عالم الفسيولوجيا الأسكتلندي روبرت وايت R. White (1714-1766) يقدم فكرة الأفعال المنعكسة reflex actions مقدما مصطلحي المثير والاستجابة. ثم قام تشارلز بيل C. Bell (1772-1842) بتقديم شرح أوفى لهذه الأفعال، من خلال ما يسمى بالقوس الحسى الحركي sensory-motor arc الذي تتم من خلاله الأفعال المنعكسة، موضحا الأعصاب الشوكية الطرفية المسئولة عن هذه الأفعال، وكذلك مراكزها فى الحبل الشوكي. وتلى ذلك صياغة أفضل للفعل المنعكس قدمها العالم الروسي سيشينوف Sechenov (1829-1905) فى كتابه منعكسات الدماغ، الذي قدمه عام 1863. وبعد ذلك إستكمل بافلوف (1849-1936) أبحاث زميله سيشينوف من خلال دراساته على الحيوانات لإثبات العلاقة بين الجهاز العصبي والسلوك.

  وإستمرت مسيرة العلم بعد ذلك وحتى يومنا هذا، حيث يقدم لنا العلم كل يوم المزيد من المكتشفات حول الأساس البيولوجي- التشريحي، والفسيولوجي، والكيميائي - للسلوك الإنساني. ودون الدخول في تفاصيل هذه المكتشفات نستطيع أن نقول أن هناك شبه إتفاق بين علماء النفس على إختلاف توجهاتهم العملية على أن النشاط الإنساني بكافة جوانبه له أساس بيولوجي. وأن فهمنا لهذا النشاط يتطلب بالضرورة فهماً لهذا الأساس البيولوجي، الذى يختلف العلماء فيما بينهم حول حجمه، أو مدى أهميته وأثره على السلوك. ولكن يبقى هناك حد أدنى من الإتفاق حول وجوده وأثره.

   إذن تأتي الإجابة على السؤال الذى طرحناه في بداية هذا الفصل، بأن هناك علاقة حتمية بين علم النفس وعلم البيولوجي أيا كان حجم هذه العلاقة. ولكن ماذا نقصد بعلم النفس وعلم البيولوجي؟.  الحقيقة أننا لا نود الدخول في متاهات التعريفات المختلفة لعلم النفس، ونختصر تعريفه فنقول أنه العلم الذي يقوم بدراسة السلوك دراسة علمية، بهدف الوصول إلى القوانين التى تحكمه. وبالطبع فإن هذا السلوك يشمل كل ما يصدر عن الإنسان من أوجه النشاط المختلفة، داخلية كانت أو خارجية. والواقع أن هذا التعريف على الرغم من بساطته إلا أنه قد يُحدث نوعاً من الخلط بين تعريف علم النفس من ناحية، والعلوم الأخرى التى تهتم بدراسة الإنسان وسلوكه من ناحية أخرى، كعلم الفسيولوجيا (علم دراسة وظائف الأعضاء)، وعلم البيولوجيا (علم الأحياء)، وعلم الإجتماع. فهي جميعا علوم تجعل من الإنسان موضوعاً لدراستها ولكن من زوايا مختلفة. فعلم الفسيولوجيا يبحث في وظائف الخلايا والأنسجة والسوائل الجسمية للكائن الحي بما في ذلك الإنسان. أما علم البيولوجيا فيبحث في مظاهر الحياة الدقيقة، ومدى عمليات التطور العضوي التي تحدث داخل الكائنات الحية، ولذلك فهو علم أشمل يضم دراسة الإنسان (الأنثروبولوجيا)، وعلم النفس، وعلم الفسيولوجيا.

   ونرى مما سبق أن العلاقة بين علم النفس وعلم البيولوجي علاقة حميمة، ذلك إذا كنا في النهاية نقوم بدراسة السلوك الإنسانى. وقد خرج علم النفس البيولوجي أو السيكوبيولوجيا Psychobiology كمحاولة للربط بين علم النفس وعلم البيولوجي، وهو يهدف إلى دراسة الفرد من حيث هو كائن حي متكامل، ذو نشاط فسيولوجي. أي أنه العلم الذي يقوم على الدراسة النفسية والبيولوجية للإنسان، أى دراسة الفرد بإعتباره كلاً متكاملاً لا يمكن إختزاله إلى بُعد بيولوجي، أو بُعد سيكولوجي فقط.

   وقد ظهر في السبعينات من هذا القرن علم جديد هو علم البيولوجيا الإجتماعية أو علم السوسيوبيولوجي sociobiology من خلال الكتاب الشهير (البيولوجيا الإجتماعية: التركيب الجديد) الذي وضعه ويلسون Wilson عام 1975. وقد عرّف ويلسون هذا العلم بأنه " الدراسة المنظمة للأساس البيولوجي لكل أنواع السلوك الإجتماعي". ويحاول هذا العلم أن يجد تفسيراً بيولوجياً للمظاهر الحضارية المختلفة من دين وأخلاق وتعاون وتنافس .... إلخ. أو بمعنى آخر فإن هذا العلم يرى أن جميع الأنشطة، وتفاصيل التنظيمات الإجتماعية لها أساس بيولوجي، وأنها محتمة بالجينات الوراثية.

   وإذا كان علم البيولوجي قد إمتد أثره على فروع كثيرة من العلوم التي تدرس الإنسان ونشاطه، فهل يعني هذا  أن البيولوجيا هى الأساس في كل هذا النشاط، أو هي المحدد الوحيد لسلوك الإنسان؟. أو بمعنى أخر هل الإنسان في سلوكه مشروط بالحتمية البيولوجية الوراثية، ولا أثر للبيئة على هذا السلوك؟. إن ما يمكن أن نستنتجه من دراسة السلوك الحيواني من الناحية البيولوجية لا يمكن أن ينسحب على إطلاقه على دراسة السلوك الإنساني. فالأول - الحيوان- مُقيد بوجوده البيولوجي، بينما الإنسان يملك جينات الإستعداد للسلوك، بما يمكنه من خلق عالم آخر لايقف عند حدود البيولوجي. فالكائن البشرى بما لديه من إمكانيات عقلية يستطيع أن يخلق بيئته النفسية والمادية، وبالتالي فلا يمكن تحديد السلوك الإنسانى من بعد بيولوجي فقط، وإنما هو نتاج ترتيب هائل من أسباب متعددة، ومتفاعلة، ومتشابكة. وإذا كان العلماء يتفقون على أن الظاهرة النفسية لها أساسها البيولوجي، فإن الحالة النفسية لا تنفصل عن الحالة البيولوجية ولا تتمايز عنها، وهى في نفس الوقت ليست الحالة البيولوجية نفسها. وهذا المستوى النفسي الذي ينبع من المستوى البيولوجي يجعل بيولوجية الكائن البشري بيولوجية إنسانية مختلفة عن البيولوجية الحيوانية. فالمستوى البيولوجي لدى الإنسان لا يبقى على حالته البدنية، بل يتحول ويتحور حتى يستطيع تغطية مجموعة الأنشطة النفسية التي تتصل بالحاجة البدنية البيولوجية. أي أن المستوى النفسي هو إرتقاء للمستوى البيولوجي، فالأول مستوى المعنى والدلالة، بينما الثاني (البيولوجي) يقف عند حدود الأداء الوظيفي. وبمعنى آخر فالخصائص البيولوجية للإنسان يتحدد معناها من خلال السياق الإجتماعي -البيئي- الذي يعيش فيه.

   خلاصة القول إذن أن دراسة البيولوجيا أمر ضرورى لفهم السلوك الإنسانى، ولكن لا يعني هذا أنها الأمر الوحيد الذى يستطيع أن يفسر السلوك. ومع ذلك فإن علينا الإستفادة من كل ما توصلت إليه علوم الأحياء من حقائق وقوانين، للإستعانة بها في الكشف عن القوانين الخاصة بالوقائع النفسية، بل والإجتماعية أيضا. كما لا يعني هذا أن القوانين البيولوجية هي الوحيدة القادرة على أن تفسر هذه الوقائع. وحتى نستطيع أن نفهم السلوك الإنساني من جميع أبعاده، علينا أن ننظر للإنسان بإعتباره كائناً بيولوجياً ونفسياً وإجتماعياً bio-psycho-social، تتفاعل فيه هذه الأبعاد، ويكون نتاج هذا التفاعل هو الذي يشكل سلوكه فى النهاية.

   ولعل في الإشارة السابقة نكون قد وجدنا الإجابة على السؤال الذي طرحناه في بداية هذه المقدمة. وحتى نقترب من فهمنا للبيولوجيا فإننا سوف نعرض في هذا الكتاب الأساسيات البيولوجية للكائن البشرى، والتي تبدأ بدراسة الخلية والتعرف على تركيبها ووظائفها، بإعتبارها الوحدة الأساسية التى يتكون منها الكائن الحي. ويكون ذلك مدخلاً  للتعرف على العمليات الوراثية والقوانين التى تحكمها، وتحكم إنتقال الخصائص والصفات الوراثية من جيل لآخر. ثم نتعرف بعد ذلك على أثر العوامل البيولوجية فى تحديد شخصية الفرد وتكوينها. بالإضافة إلى العديد من الموضوعات الأخرى كدراسة الجهاز العصبي والغدي، وعمليات التوازن الحيوي، والساعة البيولوجية. وذلك في محاولة للإقتراب من الجانب البيولوجي للإنسان، وعلاقته بالجانب النفسي.  

المؤلف

السويس اكتوبر-1993

 Home ] Up ] صور البيولوجي ] ف4- طرق دراسة الوراثة ] ف7- الساعة البيولوجية ] المراجع ] صور الوراثة ] صور أنسجة وأجهزة الجسم ] ثبت المصطلحات ] ف3- العمليات الوراثية ] [ مقدمة الطبعة الأولى ] ف8- السواء والمرض ] ف6- الاتزان البيولوجي ] ف5- الشخصية ] ف2- أنسجة وأجهزة الجسم ] ف1- الخلية الحية ]